في فض أحراز الكاتب المجرم
 
 

في نهاية عام 2019، بعد أن تحرر من سجنه، وبعد أن ترك السجن الكبير الذي صارته بلادنا، أصدر الكاتب أحمد ناجي كتابين دفعة واحدة. أولهما «حرز مكمكم» (دار صفصافة) الذي أرى فيه كتابة يندر مثيلها في تاريخ الأدب العربي حول السجون، كما أرى فيه شهادةً أدبية تنهض في مواجهة الوثائق القانونية التي أدانت الكاتب وعاقبته. وإذا كان صحيح أن للوثائق القانونية تأثير أحدّ في مصائر البشر من حيث كونها «فعلًا بالكلام»، فلا شك عندي أن لشهادة أدبية كهذه تأثير أكبر لدى سرد التاريخ، بما فيها من كلام عن الفعل. بالتزامن مع «الحِرز»، نشر ناجي رواية «والنمور لحجرتي» (دار المحروسة)، فجاءت تأكيدًا على أن شواغل الكاتب المجَرّم، والتي يحكي عنها بالتفصيل في «الحرز»، هي محل تطبيق ودراسة وعمل وتأمل وفحص وتحقيق في رواياته.

في هذه المقالة -وأعتذر مسبقًا عن طولها- سأحاول التعليق على هذين الكتابين اللذين أصدرهما ناجي معًا: عمّ وعمّن يكتب ناجي؟ ما المشترك بين كتابيه هذين؟ ما الجديد فيهما مقارنةً ببعض أعماله السابقة؟ كيف يدلنا كل منهما على قراءة لجانب من حياتنا؟ وكيف يدلنا كل منهما إلى قراءة للآخر؟ وأين موقع المؤلف وتعريفه للأدب واللغة في كل منهما؟ وما موقع سؤال الأنواع الأدبية بين الكتابين، وأحدهما رواية -يعني تخييل- وثانيهما سيرة ذاتية -يعني وثيقة تدّعي قولَ الحقيقة بلسان المؤلف؟ وأخيرًا، إذا كانت الرواية هي الجريمة واللغة أداتها، فكيف أصبح ناجي بكتابيه هذين -لا بحكم القاضي- كاتبًا مجرمًا أفخر باحترافيته.

[هنا يمكنكم سماع فصول من كتاب حرز مكمكم لأحمد ناجي، بصوت فادي عوض]

 واقعية وصحوبية وتأريخ

في «روچرز» (ملامح، 2007) روايته الأولى، أو لعبته الأولى كما أسماها حينها، كتب ناجي قصة شاب يسترجع طفولته في لحظة انتقاله للحياة في مدينة كبرى. مازجًا الأحداث بموسيقى بينك فلويد، يحكي الراوي أيضًا حياته اليومية بين أصدقائه ومعارفه وانتقالاته في أروقة المدينة الكبرى من خلال علاقته بجميلة المُحيّا، ورفقته لزميله المغترب يعقوب القناوي، وآخرين. إلى هنا، يبدو الأمر واقعيًا. غير أن هذه العلاقات تبدو كمسارات سرية وسط دمار كبير في المدينة. أكثر مشاهد هذه الرواية رسوخًا في ذاكرتي مشهد انهيار المدينة الكبيرة، تنهار عقبًا على رأس بمجرد وصول البطل إليها.

وفي روايته الثانية «استخدام الحياة» (مرسوم، 2014)، كتب ناجي على لسان بطله، مخرج وكاتب الأفلام الوثائقية «بسام بهجت»، حكاية الأخير مع أصدقائه «مونى-مي»، ومود «حبّي»، وريم وغيرهم. هنا أيضًا تمتزج الكتابة بالموسيقى، فيشعر الراوي بالحرية في استدعاء أغاني نتاشا أطلس أو التعليق على موسيقى شوقي القناوي. وهنا أيضًا تظل «حكاية الأصدقاء» في مركز الانتباه.غير أن الأصدقاء يعيشون هذه المرة في ديستوبيا القاهرة التي كانت تنتظر عاصفة رملية يحكي لنا الراوي القادم من المستقبل أنها لم تترك في المدينة حَجَرًا قائمًا. كما يسرح الخيال في وصف خطة جمعية سرية دولية تسعى للاستيلاء على القاهرة ويقع اختيارها على البطل/الراوي (الفنان) فتُحاول توريطه في المؤامرة. يبدو أصل الروايتين واحدًا بصورة ما، ليس فقط من زاوية حكاية الأصدقاء، إنما أيضًا في ذلك الدمار الهائل المحيط بهم.

غلاف رواية استخدام الحياة

إذا قارنّا هذا بما فعله ناجي في روايته الأخيرة «والنمور لحجرتي»، رأينا أنه يكتب في هذه الرواية كما في سابقتيها، حكاية واقعية عن مجموعة من الأصدقاء. غير أن الدمار الذي كان متخَيَّلًا في الروايتين الأوليين، صار هنا وقعيًا يتمثل في زمن الثورة والثورة المضادة. في القلب من حكاية أصدقائنا علاقتان غراميتان تنتهي إحداهما لتبدأ الأخرى. «فرح» بطلة العلاقتين وبطلة الرواية هي كاتبة مصرية، يحكي لنا الراوي كيف شاركت في الثورة، كما يخلط مصيرها بمشاريع ومؤامرات كبرى تجري على الخريطة العربية في زمن الثورة المضادة. التشابه بين الخط الواقعي في الروايات الثلاث واضح، وهو يتمثل لي -خاصةً- في رغبة مؤلفنا الدائمة في كتابة رواية عن أصدقاء يعيشون لحظة اندفاع نحو كوارث شخصية، وأخرى «طبيعية» قد ترسلها إليهم الصحراء، وثالثة بنوع ما «سياسية» يرسلها آخر متآمر سرّي بالضرورة. في عالم ناجي، تختلط الخريطة بمن يعيشون عليها، وتُخلق في ممرات المجتمع مساحات يمارس فيها هذا المجتمع ما يحلو له أن يعلن رفضَه. وفي عالم داخل عالم ناجي، هناك دائمًا جماعة من «مثقفي عصر الإنترنت» يواجهون دمارات شخصية ودمارات عامة. هنا يختلط الفن والسياسة فتَنتُج أفكار لامعة وصداقات جميلة أحيانًا، فيما تنتج أمراض شخصية واجتماعية أحيانًا أخرى. في رواية ناجي تمجيد للصداقة لكن أيضًا تتبع لأعطاب العلاقات الشخصية هنا والآن.

هذا الجانب الواقعي هو ما يسمح لناجي أيضًا بتقديم تفسيرات اجتماعية لأفعال شخصياته، فهو حتى يرسم هذه الشخصيات يرصد جانبًا من ملفاتهم العائلية: فهذا ينتمي إلى أسرة إخوانية تحترف الانتخابات، وتلك كان أبوها ضابطًا متقاعدًا، وذلك ينتمي إلى أسرة أرستقراطية قد تتسامح مع اختلافه لكنها تراه عارًا. حين يرسم ناجي هذه التواريخ العائلية، يظهر أن كلًا من شخصياته الرئيسية تقف على مسافة متباعدة من اختيارات عائلاتها، وتلك سمة أخرى لعالمه. غير أن الراوي لا يفوّت هذه التواريخ العائلية دون أن يقدم قراءة عامة في السياسة والمجتمع -وهي طبعًا قراءة أدبية لا ينبغي أن تُعامل لا بالعرفان ولا بالإدانة- خارج هذا الإطار. تمتد هذه القراءة في «والنمور لحجرتي» عبر بضعة عقود مضت، وتطال العائلة الأكثر سلطةً ومالًا في المنطقة العربية، وتشمل آراء في «الثورة» وما قبلها وما بعدها في عالم اختلاط الثورة المضادة والبيزنس وتجارة السلاح وتجريبه بأقبح مما قد يذهب إليه أي خيال. ما يعطي لهذه القراءة جاذبيتها أنها -وإن جاءت تمثيلًا مُحكَمًا لجيل الثورة وآبائه ولأنماط الصعود والسيطرة وجذور العنفوان الذكوري- لا تبدو نتوءًا في نص الرواية، حيث تنسرب بلا خُطَب مطوّلة وبخفة القصص الشخصية، على لسان الأبطال، أو بين الأحداث والقفزات الروائية التي تعمر بها «قريحة» مؤلفنا.

غلاف والنمور لحجرتي

حتى في «حرز مكمكم»، وهو الذي ينتمي لفن السيرة الذاتية لا الرواية، يتكرر الأمر بصورة ما، سواء من حيث الكلام على الصداقة في أكثر من مستوى أو من حيث الميل الواقعي لفتح ملفات التاريخ الاجتماعي. بطول شهادة ناجي حول تجربة محاكمته وسجنه، يمتد خيط يخص الصداقة؛ مرة يحدثنا عن أنه يكتب أصلًا حيوات مر بها أصدقاؤه، وأخرى يكتب عن الفرق بين أخوية الصحافة وأخوية الأدب في دعمه أثناء محنة السجن: عندما يحكي تاريخه في كل من الصحافة والأدب وموقع الصداقة من كل ذلك؛ أو عندما يصف اجتماع «شلّته» بحثًا عن حلول في بداية مسار القضية؛ أو في وصفه لرسائل أصحابه وسهرهم على نشر كتاب له بينما هو في السجن. بالإضافة إلى الصداقة خارج السجن، كانت رفقة السجن أيضًا موضوعًا هامًا في الكتاب. ولأن ناجي يحتاط كثيرًا قبل كتابة قصص رفاق سجنه حفاظًا على خصوصيتهم، فإن المشاهد التي حكى فيها عن زملاء بعينهم لا تحتل مساحة كبرى من الكتاب. غير أن التدقيق في هذه المشاهد يوضح لنا كيف أن ناجي قد اختارها بذات العين التي يختار بها شخصياته الروائية ويحلل بها راويه علاقات الصداقة. يحدث هذا مثلًا في مشهد التضامن بين سجينين بشراكة لمبة سهاري (وكأن ناجي يتحدث عن يعقوب القناوي شريك البطل في السكن في روايته الأولى:)، أو سجين يصرخ طول الليل «تعالي لي يامه» (كذلك الجاثي على ركبتيه بجوار آلة الزمن في رواية النمور)، أو سجين طلب من زميل قادم من الإسماعيلية «خمسة كيلو مانجا» فاعتبرها القائمون على القانون طلبًا للرشوة. عين ناجي التي تبحث عن الحب في الكراهية وعن الكراهية في الحب، تبحث عن الصدَف المصيرية الساخرة في إقامة علاقات وإنهاء علاقات، تبحث عن الرفقة وتبحث في الإنسان -مهما كان جبّارًا- عن داعٍ للتعاطف، شرط أن يقبل اندماج التعاطف بالسخرية. تطل الصداقة في «حرز مكمكم» ثالثًا من خلال الكلام عن علاء عبد الفتاح فكّ الله أسْرَه، وعن هديته لناجي في السجن، والنقاش بينهما، والضحكات القليلة وتبادل الكتب، غير الشعور بالخصوصية والأمان.

هذه الصداقات تُحلَّل أيضًا في إطار التاريخ الاجتماعي والسياسي المعاصر في مصر. ودون أن يقحم نفسه في عمل لا أخلاقي بالكتابة عمّن لم يسمح له، نجح ناجي عبر قراءة شذرات من قصصهم -وكثير من قصته هو أيضًا- في رسم ملامح كثيرة من صورة مصر في عقدين على الأقل. وبما أنه «لا مهرب من المجتمع حتى في السجن» كما يقول هو، كان لا بد أن يكتب عن تدرجه في فهم هذا المجتمع المغلق الصغير، وأن يشرح الفرق مثلًا بين السجين السياسي والجنائي والبكواتي، وكيف تنتقل تراتبية المجتمع إلى تراتبية السجن، وكيف تدار الحياة اليومية ويتم فيها التحايل على الظروف، بابتكار الأدوات أو بالتضامن، أو… بالخيانة. ولأن للمجتمع دائمًا وجهان على الأقل، لا يتورع كاتبنا في التعبير عن أفظع روائح السجن وأعنف سلوكياته وأخص خصوصيات الجسد فيه، ولا في تسمية كل شيء باسمه مهما كان ذلك خادشًا.

لكنها واقعية سحريّة يا عزيزتي

كان هذا هو الجانب «الواقعي». وهذا لا يعني أنه حدث في الواقع بقدر ما يعني أنه مكتوب كالواقع. نعم، أحمد ناجي يكتب رواية واقعية، ولكنها واقعية تمتزج بالغرائبي وتتحرك بين المستويين بكامل الحرية. يمكن تصنيف ذلك -بشيء من المطمطة النقدية- في باب «الواقعية السحرية». أقول «مطمطة» لأن ناجي يجمع بين هذا الخط الواقعي وعدة خطوط من أنواع روائية أخرى، وليس فقط «السحري» المعتاد. لكن ما يُبقي على حماسي لذلك التصنيف (الذي أتفهّم أن يستنكفه البعض) هو أن كل هذه التراوحات بين الأنواع الروائية المختلفة، ومهما شوّشت على الخط الواقعي، فإنها لا تمنعه من أن يظل بطل الرواية الرئيسي الذي به تبدأ وعنده تنتهي. على كل حال، هذا المزج أصيل في أعمال أحمد ناجي لدرجة أن فصل الواقعي من غير الواقعي يبدو مستحيلًا كما ظهر لك بالتأكيد في الفقرة السابقة. فالراوي البطل في «روچرز» كان يتمتع بقوى خارقة على طريقة أبطال الرسوم المتحركة، وكان قائدًا لثورة قام بها طلاب المدارس واستُخدمت فيها أسلحة عملاقة من نوع «طائر الرخ»! وفي «استخدام الحياة» امتزج وصف القاهرة بناسها بأحوالها بكائناتها وطبقاتها المشوهة بالخيال العلمي، وتناغمت رسوم أيمن الزرقاني مع نصوص ناجي في خلق ديستوبيا تمزج الواقعي بالغرائبي. وفي الوقت نفسه لم تخل الروايتان من أثر السرد الألْفْلَيلي لا خيالًا ولا ألوانًا ولا لغةً.

غلاف رواية روجرز

 لقد برع عدد من كتابنا وسينمائيينا في تقديم أكثر من ملمح للواقعية السحرية في بعض أعمالهم مثل البساطي ومستجاب وربما عبدالحكيم قاسم، وفي السينما مثل رضوان الكاشف وداود عبدالسيد وأسامة فوزي.[1] يشترك ناجي معهم في الخروج من الواقعي ثم العودة إليه وكأننا لم نغادره لحظة. لكن السحري والغرائبي عند ناجي قد يأخذ أبعادًا مختلفة. فبدلًا من الاقتصار على الخيال الشعبي أو التراث العربي لهارون الرشيد أو عالم الصوفية كخط مواز للواقعي في أعمال هؤلاء، ينوّع ناجي في رواية «النمور» مثلًا بين مصادر خطوطه «السحرية». فقد يكتب فصلًا من الخيال العلمي، كما فعل في مشاهد الكامب الليلية جوار «آلة الزمن» أو كل ما يجري في المدينة إيّاها، والتي تُسوَّق في الواقع على أنها مدينة خيال علمي. وقد يعتمد فصل آخر على التراث الشعبي الشفهي ويمتد متأثرًا بـ أو متناصًّا مع القصص القرآني والحديثي حول الجنة من ناحية وحول تاريخ بني إسرائيل من ناحية أخرى، وذلك مثل فصل «المن والسلوى». وقد يحلو له أن يكتب فصلًا حول مؤامرة تمتد من الزمن الفرعوني، ورجال يتحدّثون بأصوات نساء، والعكس. ثم أنه لا ينسى أن يغذّي كل هذه الأنواع الأدبية المتداخلة (وما زال الكلام عن رواية النمور) باشتباك جميل مع الموقف السياسي في مصر، ومع واحد من عتاة اللاعبين في (عدم) السياسة العربية الآنية، مستخدمًا في ذلك لكنة «التلقيح» السياسي والتتبع البوليسي ورواية المفتاح على قول الفرنسيين.

السؤال الآن: كيف نجد صدى لهذا المزج في «حرز مكمكم» وهو ينتمي بالتعريف إلى فنّ السيرة الذاتية؟ 

 ينقسم هذا الكتاب الأخّاذ إلى فصول يتراوح طولها بين فقرة واحدة وبضع صفحات. دون اتباع ترتيب زمني معين تتناول الفصول ما يلي: مشاهد حدثت خلال المحاكمة أو السجن، وتعليقات حول كلمات سمعها لأول مرة في عالم السجن، ووصفًا وتعليقًا على القراءات التي طالتها يداه، ثم بضعة أحلام رآها خلال تلك الفترة.أرى في هذا اقترابًا من المزج الذي تناولته في الفقرة السابقة. غير أن ناجي يضيف إلى القفز من الواقعي إلى الحلم، والذي يشبه «الواقعية السحرية» في الكثير، قفزات أخرى تخص الانتقال بين مراحل مختلفة من التاريخ؛ سواء ذلك التاريخ القريب الذي أدى به إلى السجن، أو التاريخ البعيد لصراع السلطة والكاتب، أو التاريخ الحديث للنوع الأدبي الذي يكتب فيه وهو أدب السجون. بغض النظر عن مسألة الواقعية السحرية هذه، فلعل تداخل هذه المستويات من ناحية، وعدم التزام ناجي بحكي الأحداث حسب الترتيب الزمني من ناحية أخرى، يُحدثان نفس التشويش الذي تُحدثه خطوط الغرائبي على الواقعي في روايته. وحين أقول «تشويش» لا أعني شيئًا سلبيًا وإنما سمة فنية وأسلوبية يوظفها ناجي بحنكة سيميائي. هذا التشويش السردي ينطوي على دعوة توجّهها الكتابة إلى القارئ بأن يبطئ في تلقيها مهما سلست لغتها، لعل البطء يكشف -فيما قد يبدو بمعايير الأنواع الأدبية نشازًا- عن طريقة لقراءة أو فهم «الحدث الأصلي» أو إعطائه معنى أبعد. أعطيك مثالًا واحدًا:

من أول لحظة في الكتاب حين تقع عينه على مذكرات جيهان السادات ثم كتاب طه حسين «مع أبي العلاء في سجنه» (لاحظي الصدفة)، يستمر «حرز مكمكم» من الجلدة للجلدة في الحديث عن الكتب، وقراءة الكتب والتعليق عليها، وهذا في ذاته تعدد في مستوى السرد بين الحكي والنقد. لكن الأمر يتجاوز قراءة الكتب، إلى محاولاته المضنية للحصول عليها أولًا من داخل الزنزانة، ثم مكتبة السجن، ثم «مكتبة» علاء عبدالفتاح في السجن ثم ما يسمح به من الكتب من الخارج. في هذا السياق يصف ناجي المناورات التي اضطر أن يقوم بها مع الضباط و«المسيّر» لتمرير الكتب من تحت عين ظابط الأمن الوطني. كل ما مضى ينتمي إلى الواقعي. ويذهب ناجي أبعد من ذلك حين يحكي عن معاناة لمبة القراءة، أو حين يُخرج أوراق قضيته من أمعائه وينهي القصة بامتعاض ضاحك لا يسمح للدراما (دراماه هو) أن تسيطر علينا. ذلك أنه يقول: «حرصت ألا أشفق على ذاتي أو ألعن مصيري ولو في سرّي» ذلك أنه أيقن أن «حياة المرء ليست إلا نتاج تكيّفه مع الإجبار والضرورة». هذه ليست فقط واقعية، هي واقعية مفزعة. غير أننا، من ناحية أخرى، نقرأ من بين أحلامه واحدًاحول كتاب تتبدل حروفه كلما أُغلق، فيكون في كل فَتحةٍ كتابًا جديدًا، ويُشترط أن يُقرأ دفعة واحدة لأنه إن أُغلق تغيّر. حين نقرأ هذا، علينا -نحن القراء- أن نبطئ قليلًا فنتأمل المزج بين الكتابتين، ونحتار -كما يصفنا هو- في الفرق بين الواقعي والفجّ والشاعريّ وحتى الغرائبي وجماليات كل منهم.

كتاب حرز مكمكم

الكتابة و«الميتا كتابة»

لنتلمّس الآن ملمحًا جديدًا، مشتركًا أيضًا، في كتابي ناجي الأخيرين، وراويتيه السابقتين. لأن أبطال ناجي -ولا أقول شخصياته- غالبًا فنّانون، فإن هذا يسمح لراويه أن يُسرّب بعض الآراء النقدية في الفن عمومًا وفي مجالات عمل الأبطال بشكل خاص وعن الكتابة بشكل أخص. هذا ما أعنيه بـ «ميتاكتابة» أو الكتابة عن الكتابة. وقد حدث ذلك في «روجرز» بحكم أن الراوي كان كاتبًا، ثم حدث في «استخدام الحياة» عبر آراء «بسّام بهجت» في صناعة الفيلم التسجيلي، وفي الفن المعاصر، وحيث يستفيض الراوي في الحكي عن الموسيقى المعاصرة والشعبية بأكثر من معنى لهذه الأخيرة.

في «النمور» أيضًا يحدث ذلك. فرح كاتبة، وإن كانت قللت من كتابتها القصصية بعد الثورة ومالت إلى كتابة الأبحاث محتفظة بدفتر جلدي صغير تسجل فيه ما يحلو لها وما يثير سخريتها. وهي ليست الفنانة الوحيدة في الرواية، بل فيها موسيقيون شباب أيضًا، وساحران. الراوي يتكلم عن سوق الموسيقى، وعن الموسيقى البديلة والموسيقى الإليكترونية وكيف أثًرت الثورة والبيزنس في كل منهما. كما يتكلم عن فن السحر وما يصحب ذلك من إحالات ورموز فرعونية. أما فرح فتحدثنا في أكثر من موضع عن الكتابة، وهذا أكثر ما يعنيني هنا. في لحظة ما من رواية «النمور» تكتب «فرح» بيانًا عن معنى الرواية بالنسبة لها، وربما بالنسبة لناجي أيضًا. تدافع «فرح» فيما كتبته على غلاف رواية «اعترافات منتصف الليل» لدوهامل عن أن الروائي ليس مطلوبًا منه أن يقدم لحمًا ودمًا «لأن هذه مهنة الجزار»، وهو «لا يعكس الواقع فهذه ليست وظيفة أحد»، وأن الروائي «عبر ثغرة، يخلق شيئًا لا يجري حسب المتوقع». وتستمر فرح في بيانها لتصل إلى استنتاج بأن فن الرواية ذاته في مسيره إلى الزوال.

صحيح إذن أن كاتبنا ينتمي إلى فصيلة الكتاب المهمومين بالشكل لدرجة الكتابة عن الكتابة في أعمالهم كما هو واضح من كافة كتبه، وربمايكون صحيحًا أيضًا أن انشغال ناجي أثناء كتابة النمور بالتفكير في الرواية والكتابة كسبب في سجنه يعطى تفسيرًا منطقيًا لوجود الميتا كتابة في هذه الرواية، لكن المؤكّد أن وجودها في «الحِرز» أكثر منطقيةً ومساحتها أكثر اتّساعًا لأن الموضوع الأساسي للكتاب هو الصراع حول الكتابة. يبدأ «الحرز» بالكلام عن طه حسين وكتابه عن أبي العلاء في سجنه ووصفه لحرية أبي العلاء وتحسّره على غياب حرية الكاتب العربي الحديث. يحدثنا ناجي عمن يعتبرهم سلالته من الكتاب، ويذكر أسماء عديدة ويحلل كتابة الكثيرين كما أسلفت. لكنه، قبل كل ذلك وبعده، يكتشف في السجن -فقط في السجن- أنه صار «كاتِبًا». حدث هذا في لحظة رأى فيها «الخرتيت» -وهو سجين أُطلق عليه هذا اللقب من فرط قسوته- يُنهنه بسبب رواية نصف لِبّة. عندها يصدّق ناجي أن عليه -أخيرًا- أن يصير كاتبًا بما أن الكتابة تُحْدث هكذا تأثيرًا. ثم يصوغ «مانيفستو» في اليوم 300 في سجنه يقرّر فيه معنى الكتابة بالنسبة له، ويكون ذلك عنوان أحد الفصول في «حرز مكمكم».

سواء في الرواية أو «الحرز»، يدافع ناجي عن كاتب لا يحمل بالضرورة رسالة إصلاحية، بقدر ما يلعب بالفن واللغة وتاريخ النوع الأدبي الذي يكتبه ويدعو القارئ لمشاركته هذا اللعب. عن كاتب يتواضع عن اعتبار نفسه لسان المجتمع، فإذا هو قدّم ذلك المجتمع في كتابته، ومهما بدا ذلك واقعيًا ومهما حمل من فجاجة الهامش، فليس من أجل اعتبار ذلك درسًا أو عِبرةً أو «وثيقةً إلا بشكل ثانوي». في المجمل، عن كاتب يؤمن بعدمية ولا جدوى الدروس، لكنه يظل عدميًا إيجابي الممارسة، أولًا لأن هذا ما يستهويه، وثانيًا لعل نظريته خطأ أو عساها تعجب جانبًا من القوم.

[هنا يمكنكم سماع فصول من كتاب حرز مكمكم لأحمد ناجي، بصوت فادي عوض]

لا يتطرق «حرز مكمكم» فقط إلى معنى الكتابة عمومًا أو كتابة الرواية بصفة خاصة، وإنما يُفرغ صفحات طوالًا للحديث عن أدب السجون.. وينعي على كتاب ذلك الأدب من سابقيه -وهم سُجنوا بسبب سياسي مباشر وليس بسبب أعمالهم الأدبية- رغبتهم في تقديم وثيقة، بتعبيره، «يكون الشكل فيها مجرد مطية». يستمر في النقد: «لا يدخل المعتقل السياسي السجن وحيدًا… تجربة السجن عندهم هي بوتقة لصهر الجماعة السياسية… حين تنهمر الدموع عند صلاة الفجر أو ترتجف الأعضاء في نشوة الأورجازم حين يهمهم الرفاق بأغنية الشيخ إمام». أفهم تمامًا وأودّ أن أؤكد أن ناجي طبعًا لا يدين مسجوني السياسة بحال، وإنما يدين الكتابة المعتادة عن تلك اللحظات. ويلفت النظر -مرّتين- إلى أن واحدًا من أئمّتها، وأحد الشهود في قضيته، قد غيّر رأيه حول جدوى الكتابة في سنواتنا الأخيرة. كتابة ناجي عن السجن لم تسع إلى تقديم «وثيقة إلا بشكل ثانوي»، ولم تكن حتى تنويرية بالمعنى الذي دافع عنه الشاهد الثاني الدكتور جابر عصفور في نقاش ناجي معه، والذي حكاه ناجي باحترام وتسامح وعرفان لا يغض النظر عن اختلاف الرؤى والأجيال. بخفة إذن، بسخرية، بغضب، بفردية مدهشة، وبفجاجة مغلفة بالشاعرية، يحكي ناجي تجربته دون أن يتخلى أبدًا عن تعريفه للأدب الذي هو «مكتفٍ بذاته، وجوهره في تفرّده، لا في إيضاحه». فها هو في لحظات قرفه الحرفي من الحشرات والروائح والحرارة والرطوبة و.. و.. و..، يشاركنا بعضَ الغضب ضد الكتابة التي طبعًا لا تستحق هذه التضحية.. غير أن سٌخرية ناجي تحمي كتابته دومًا من السقوط في براثن الدراما، هذه هي الكتابة التي يكتبها وهي الكتابة التي يدافع عنها.

بصمات ناجي

في كل ما سبق وصفٌ لبصمات كاتبنا، لكن تفرّده الأهم يبقى في لغته. وذلك من زاوية التذييل الساخر واللفظ الخادش. سأدع هذه النقطة الأخيرة جانبًا، فلا أريد المزيد من تلخيص كتابة ناجي فيها، وأخشى أن يطول مقالي أكثر من اللازم.

أعني بالتذييل الساخر سمة لم تُكسبها السنون في كتابة ناجي إلا تطوّرًا. لا تنجو شخصية واحدة في كتابته من سخريته. وتأتي هذه السخرية في جمل أو أنصاف جمل يعقّب بها الراوي، خاصة حين يكون عليمًا، على الصعود الدرامي الذي ما كاد يَفرغ من خَلْقه، فتزول الدهشة وتكشيرة القارئ ليحل محلهما التأمل. يجيد ناجي هذه اللعبة، ويستعملها كثيرًا، وهي مسؤولة في ظني عن نسبة كبيرة من مذاق نصوصه.

 سأعطي أمثلة هنا من «النمور» فقط: أولًا حين يحدّثنا الراوي عن شرخ عميق أحدثه الطلاق في نفسية إحدى الشخصيات، ينهي كلامه بأن «الحب خطير يا سادة، الحب دمار وهلاك و»كأنما نسمع مصمصة شفاهه ونرى ابتسامته بعد جملة كهذه. وثانيًا حين يصف اللحظة التي تراجع فيها الشخصية ذكرياتها، يؤكد في النهاية أن كل ذلك «ذهب أدراج الرياح»، فتعلو الدراما باستخدام التعبير المصكوك، ليطفئ هو شعلتها بالقول «أو مع مياه السيفون». وثالثًا حين يصف وضعًا جنسيًا شديد الغرابة لرجل مازوخي، يعلّق: «اتسعت الغرابة وبالتالي -كما علمني النفري- الإثارة». هذا تناص كاذب مع عبارة النفّري «كلما اتّسعت الرؤية ضاقت العبارة» وهي التي احتفى بها أدباء حديثون. غير أن إقحامها على نهاية مشهد بطلُه ديلدو هو صورة أخرى للتذييل الساخر هنا. رابعًا وأخيرًا، حين يريد أن يُعبّر عن موقف من «مهرجان موسيقي نظّمه «الثوّار» ومنهم إحدى شخصياته الرئيسية يسمّي الراوي هذا «مهرجان سيدي الأسفلت». هذه السمة تتكرر بعدة أشكال أخرى في عمل ناجي، في نهايات فقراته كما في عناوين فصوله، والعناوين تذييلات إذا اعتبرناها تعليق الراوي على أحداث الفصل كما يقول شيخنا چيرارچينيت. التذييل الساخر هو وسيلة ناجي الأولى ضد الإيهام الدرامي، ووسيلته الثانية في الاستفادة من الراقات العديدة للغة العربية من الألفليلي إلى الخيال العلمي.

وبعد،

إذا كان ناجي، شئنا أم أبينا، أول روائي مصري يسجن عامًا كاملًا بسبب نص روائي، فإن كتابه حول السجن سيسجل مكانًا هامًا في تاريخ الأدب العربي الحديث. دعني أختم مقالي بالإشارة إلى فصل من أجمل الفصول في «حرز مكمكم»، والذي يحمل عنوان «غضب وضحك»، وقد خصّصه ناجي لما يمكن أن أسميه «محاكمة أدبية للمحاكمة القانونية»، واستعرض فيه نص حكم إدانته فقرة فقرة. اعترف ناجي بالجريمة التي أثبتها عليه وكيل نيابة لم يعرف عن الأدب أكثر مما درسه في الثانوية العامة، وقاضٍ حكم دون اختصاص ودون رد على دفع المحامين بعدم الاختصاص، واعتَبر جريمةً ما ليس بجريمة. ليس الفصل جميلًا فقط لأن به تحليلًا صادقًا لموقفين اجتماعيين متناقضين، ولكن أيضًا لكونه تبكيتًا أدبيًا سيعيش طويلًا حول من له الكلمة العليا في استخدام اللغة، ولكونه يصنع موسيقى جميلة من الجمع بين نص قانوني متهافت منقوض ونص أدبي مبتكِر.أجمل ما في هذا الفصل أنه يبين كيف أن الأدب والقانون هما مجالان للغة، يتنافسان في تصوّر إتقانها لكنهما يختلفان للغاية في التعامل معها. يسعى الأدب لدفع حدود المعنى -سواء معنى اللفظ أو معنى النحو- إلى أقصى ما تستطيع العبارة أن تعطيه، وهكذا كلما تعدد المعنى صار الأدب أجود. أما القانون -إذا صحت نوايا القائمين عليه- فيسعى إلى تضييق تلك الحدود إلى أدنى درجة ممكنة، آملا أن يكون لكل لفظ واحد معنى واحد، وكلما تحدد المعنى صار النص أجود، فإذا تعدد المعنى وجب التعريف. لهذا ربما تميل الديمقراطية إلى إبعاد يد القانون عن لغة الأدب، وتميل السلطوية إلى استغلال تلك اليد كلما احتاجت إلى إثبات رعايتها للأخلاق، ذلك أن مجال التقاطع الأكبر في التنافس المذكور هو تعريف وإعادة تعريف الأخلاق في اللغة وباللغة.

[1]شكرًا للأصدقاء: أحمد عبداللطيف، وعائدة الكاشف، وعمرو عزت، وليلى أرمن، ووليد الخشاب، وياسر عبداللطيف على كرمهم في النقاش حول بعض النقاط المطروحة في هذه المقالة، خاصة مسألة «الواقعية السحرية».

[2]الشكر واجب للفيلسوف عمرو عزت أول من أوحى إلينا بهذا المصطلح. ونحن متشوقون لقراءة تعريفه له.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن