رسائل هيكل الأخيرة و«كلام الناس الفاهمة»

في ديسمبر 2014 دعا الكاتب الصحفي الكبير، محمد حسنين هيكل، الرئيس المنتخب حديثًا عبدالفتاح السيسي إلى «الثورة على نظامه»، موجهًا انتقادات لتوجهات نظام الرجل الذي راهن عليه واعتبره «مرشح الضرورة» القادر على ضبط إيقاع بلد مضطرب مهدد بالأخطار في الداخل والخارج.

هيكل، قال حينها في مقابلة تليفزيونية: «المستقبل لا يمكن أن يُبنى على مصنع أو طريق أو قناة، لكن يجب أن يوضع هذا كله في سياق ورؤية، وضمن نظرة نقدية لكل شيء، حتى نستعيد روح الثورة، سواء في 25 يناير أو 30 يونيو»، مشيرًا إلى أن الشعب المصري الذي ثار في سبيل التغيير، «لا بد أن نصغي لصوته، ولا بد من الاستجابة لمطالبه».

حديث الأستاذ كان في إطار تذكير الرئيس الجديد بأن الإعلان عن مشروعاته الكبيرة من عينة «تفريعة قناة السويس» وغيرها دون وضعها في رؤية أشمل، لن يؤسس إلى مستقبل، ولن يصنع استقرار، بل بالعكس سيعيد عجلة التاريخ إلى الخلف مرة أخرى، وسيذكّر الناس بخطاب وأداء نظام الرئيس الساقط حسني مبارك. 

كان هيكل من أكبر الداعمين والمؤيدين لترشيح وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي، في وقت كانت النخب المثقفة تشعر بأن الهزات العنيفة التي تتعرض لها مصر تحتاج إلى رجل مدعوم من مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش.

أثار لقاء هيكل التليفزيوني جدلًا حادًا، وتصدرت تعبيرات «ثورة الرئيس على نظامه.. وغياب الرؤية.. وصراع الأجهزة» مناقشات البرامج الحوارية وفضاء التواصل الاجتماعي، خرج السيسي الذي كان لا يزال حينها حريصًا على التفاعل مع الرأي العام ليقول «يسألونني ما رؤيتك؟.. وأقول: الحفاظ على الدولة».

وخلال اجتماع دعا إليه عدد من الأدباء، أكد السيسي أن الهدف الاستراتيجي في المرحلة الحالية هو الحفاظ على الدولة المصرية وتثبيت دعائمها في مواجهة التحديات المختلفة، «يجب الحفاظ على مؤسسات الدولة حتى ولو شابها بعض السلبيات التي يتم إصلاحها تدريجيًا»، مشيرًا إلى أن هذا النهج هو الأصلح، مقارنةً بفكرة نسف مؤسسات الدولة وإعادة بنائها من جديد، لا سيما أن الظروف الإقليمية المحيطة بنا تقدم أدلة واضحة على أهمية الإبقاء على مؤسسات الدولة.

«الإصلاح يتعين أن يكون تدريجيًا، ودون اتخاذ إجراءات عنيفة من شأنها زعزعة استقرار المجتمع»، قال السيسي، منوهًا إلى أهمية التحلي بالتفاؤل والأمل في المستقبل، مادامت مصر، قيادةً وشعبًا، لا تدخر جهدًا لتحقيق ما تصبو إليه من أهداف ثورتيها.

فُهم من كلام السيسي في هذا اللقاء، أنه يرد على دعوات هيكل التي تسببت في حالة من الجدل، لاسيما أنها ليست صادرة من كاتب صحفي صاحب رؤية وخبرة تراكمت بفعل اقترابه من رؤساء مصر السابقين فحسب، بل من داعم ومؤيد بشر مبكرًا بقدرات القائد الذي تحتاج إليه مصر في تلك اللحظة.

قبيل انتخابات رئاسة 2014، رأى هيكل أن خلفية السيسي العسكرية هي الأنسب لمصر، «السيسى قادم من المؤسسة العسكرية والتي تعد المؤسسة الوحيدة القادرة على مواجهة المخاطر في اللحظة الراهنة».

بعد أقل من عامين على هذا التاريخ، تيقن هيكل من أن شعبية السيسي الذي حاز وفقًا للنتائج الرسمية المعلنة نحو 96% من أصوات الناخبين، قد تراجعت بشكل كبير بفعل غياب الرؤية وتبني سياسات أضرت بالأغلبية العظمى من الشعب المصري، ووجه الأستاذ خلال احتفاله بعيد ميلاده الأخير إلى الرئيس رسالة قال فيها: «لا تستطيع أن تستعيد سلطة وشعبية جمال عبدالناصر بسياسات إسماعيل صدقي».

كانت تجربة العام ونصف من حكم السيسي كافية لأن يراجع هيكل موقفه، فالمقارنة بين مشروعي صدقي وعبدالناصر كانت لها دلالتها. فالرئيس الجديد لن يستطيع أن يحقق ما كان لناصر من سلطة مستندة على شعبية حقيقية صنعتها قرارات وتوجهات منحازة للشعب، بسياسات رئيس الوزراء في العهد الملكي، إسماعيل صدقي، الذي انقلب على دستور 1923 وزور الانتخابات وعادى الشعب المصري.

الدكتور حسام عيسى، نائب رئيس الوزراء الأسبق، سرد على حضور جلسة هيكل الأخيرة التي حضرها كاتب هذه السطور، غيض من فيض الفساد الذي فوجئ به في وزارة التعليم العالي التي كان وزيرًا لها، وعلق هيكل قائلًا إن السيسي مصدوم من المشكلات والتحديات التي تواجهه، وشعر بالمرارة بعد اطلاعه عليها، «كان عنده تصورات حالمة، لكنه لم يكن يعرف طبيعة الملفات، ويجب أن يتجاوز تلك الصدمة».

حذر هيكل من عواقب تفكيك الجبهة الداخلية: «لو استمر التفكك في الجبهة الداخلية فمصر مقبلة على كارثة»، مؤكدًا أن الدولة تحتاج إلى إعادة النظر في أولوياتها في هذه اللحظة.

كلمات هيكل في تلك الجلسة كانت كافية لكي نستنتج أنه غير راضٍ عما يحدث، فغياب الرؤية والمشروع كان يقلق رفيق عبدالناصر على مستقبل مصر، «الأزمة غياب منهج للتفكير، كما أننا نعاني من أزمة كفاءة، والعثور على نقطة بداية، أمر في منتهى الصعوبة.. نحتاج إلى عقول ترصد التطورات التي جرت في الداخل والخارج، حتى نعرف من أين نبدأ».

رسائل هيكل المشفرة التي أرسلها في جلسته الأخيرة، وصلت إلى معظم من سمعها أو قرأها باستثناء من أرُسلت إليه. فالرئيس الجديد حينها لم يُصغ إلى نصائح الداعمين والمؤيدين، ولا حتى المبشرين به، ومضى في طريقه، ترك الأجهزة تُهندس الاستحقاقات الانتخابية لتفرز مجالس نيابية تدعم السلطة وتوجهاتها، ثم نفذ شروط صندوق النقد الدولي التي دهست الفقراء والمعوزين، وحمَّلت الطبقة الوسطى أعباءً تفوق قدرتها على الاحتمال، ومكَّن الأجهزة الأمنية من إدراة معظم مؤسسات الدولة.

وفي الطريق إلى الولاية الثانية، تنازل النظام عن جزيرتي تيران وصنافير إلى المملكة العربية السعودية، بعد أن وقّع معها اتفاقًا على ترسيم الحدود البحرية، وتم العصف بهامش حرية الصحافة والإعلام، وأممت أجهزته معظم المنصات الإعلامية، ثم جاءت التعديلات الدستورية التي تفتح الباب أمام بقائه حتى 2030 وتحكم سيطرته على مؤسسات الدولة، لترفع منسوب الغضب إلى حد غير مسبوق، وتُفقد الأجيال الجديدة أي أمل في التغيير أو حتى الإصلاح التدريجي.

قد يصلح التعبير الذي استخدمه السيسي «الحفاظ على الدولة وتثبيت أركانها» عنوانًا لرؤية، لكنه لا يصلح لأن يكون موضوع تلك الرؤية، فالمشروع المتكامل الذي كان هيكل وغيره من المثقفين والمفكرين يدعون إليه يبدأ من إحياء السياسة وتقوية الأحزاب وفتح المجال العام بما يسمح بتعددية سياسية حقيقية وتداول سلمي للسلطة، يعفي الدولة من أي اضطراب ويتيح بدائل قادرة على تحمل مسؤوليتها لو حدث أي فراغ.

رفض النظام الجديد التعاطي مع تلك الدعوات، سد قنوات السياسية، وأصر على صُنع شرعيته باعتباره صاحب إنجاز تثبيت واستقرار الدولة، وبدلًا من الانطلاق إلى المستقبل بالشروع في وضع قواعد وسياسات تضمن بناء نظام ديمقراطي، استدعى مفردات الإنجازات غير المسبوقة التي استخدمها أسلافه، لكنها لم تشفع لهم.

في كلمته خلال افتتاح عدد من المشروعات الصحية بمحافظة الإسماعيلية قبل أيام، رفض الرئيس السيسي ما أسماه بـ«المعارضة للمعارضة»، وجدد تحذيره من الزيادة السكانية وخطرها على جهود التنمية، داعيًا إلى الاكتفاء بطفلين لكل أسرة.

السيسي، أشار إلى أن الحديث عن حقوق الإنسان لا يقتصر على المسار السياسي والتعبير عن الرأي فقط، «استوقفتني جدًا كلمة حقوق الإنسان، والمسار السياسي ليس كل حقوق الإنسان، من حق الناس أن تعبر عن رأيها وتعترض، ويكون لدينا معارضة صحيحة، لكن الهدف في النهاية، سواء التعبير عن الرأي أو المعارضة، تحسين أحوال الناس وحياتهم».

وأضاف: «الهدف كده مش المعارضة للمعارضة، ومش التعبير عن الرأي عشان الناس تتكلم… الناس تتكلم عشان تقولك خلي بالكم بصوا هنا عندنا مشكلة، وده أمر نقبله من أي حد، بس بشرط يبقى فاهم هو بيقول إيه… نقبل المعارضة بشرط يكون فاهم يكون بيقول إيه… الكلمة دي بتوقف عندها كثيرًا… الدولة المصرية جادة وأمينة ومخلصة في مواجهة التحديات… ده هيخفف العبء كثيرًا على الرأي والمعارضة».

رسالة السيسي كانت واضحة، فالمعارضة من وجهة نظره هي النصيحة من أولي الفهم فقط، أما المعارضة السياسية المنظمة التي تستهدف الوصول إلى السلطة عبر الآليات الدستورية والقانونية السلمية، ليس لها محل من الإعراب، كما أن النقد والمراجعة، اللتين من المفترض أن تقوم بهما وسائل الإعلام، فهما ليسا على أجندة المرحلة الحالية.

ما كان مسموحًا به قبل خمس سنوات، عندما أرسل الأستاذ هيكل رسائله، لم يعد متاحًا الآن بعد أن أعلنها الرئيس بأن الناس من الممكن أن تتكلم لكن بهدف لفت نظر السلطة إلى وجود مشكلة، وهذا الأمر مقبول شريطة أن يكون من أولي الفهم فقط.

ورغم أن الأستاذ هيكل يُحسب على أهل الفهم بحكم الخبرة والاحتكاك بالسياسة والمسؤولين في عصور عدة، لكنه لو كان موجودًا في تلك الأيام، ما كان له أن يخرج علينا ليحلل ويفسر ويبعث برسائل كالتي أرسلها قبل وفاته للرئيس، الذي دعاه وقتها إلى الثورة على نظامه، فالقنوات التي كانت تمر بها تلك الرسائل تم مصادرتها، والسلطة التي كانت معنية إلى حد ما بالتفاعل مع ما يدور في الفضاء العام، سدت آذانها ولم تعد تسمع سوى صداها.

رحم الله الأستاذ هيكل.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن