لدى بورديو ما يحدثنا به(2): المعرفة العملية والهابيتوس

  يبدأ بورديو محاضرته الأولى في هذه السلسلة مهمومًا بأمور عدة تتعلق بالظروف المحيطة بعرضه لموضوعه، وتتعلق أيضًا بالموضوع نفسه. فهو أولًا يدرك أن شروط المنصة المتاحة له تفرض أن يكون جمهوره واسعًا ومتنوعًا، ومن ثم تشغله كيفية تقديم موضوعه إلى أفراد مختلفين من حيث التخصص والمعرفة مع الحفاظ على أمرين؛ الأول أن يجد كل منهم شيئًا مما أتى إلى هذا المكان للحصول عليه، والثاني ألا يؤدي ذلك به إلى الفشل في عرض موضوعه كما يراه بالوضوح والاكتمال الكافيين. يدرك بورديو أيضًا أن تقسيم الوقت المتاح له على هيئة محاضرات أسبوعية، ليس هو الأنسب لتقديم موضوع متصل ومتماسك، ومن ثم فهذه عقبة لا يسهل تخطيها.

 على جانب آخر ثمة مشاكل متعددة تتعلق بموضوعه نفسه، وهو هنا علم الاجتماع بصفة عامة، فهو يعلم أن ما طرحه طيلة مسيرته السابقة وما ينوي عرضه من خلال هذه المحاضرات يختلف كثيرًا عن تصورات أغلب الناس من المتخصصين وغيرهم عن هذا العلم وتوقعاتهم لما سيقدمه أحد أساتذته عنه. بصفة خاصة هناك التصور الذي لا يزال لا يرى علم الاجتماع كعلم عملي له جانب ميداني هام. وامتدادًا لذلك لا يزال كثيرون يرون النظرية الاجتماعية عملًا نظريًا وفلسفيًا بالأساس. ويجد بورديو نفسه في مأزق حيث يفرض عليه نمط المحاضرة أن يقدم خطابًا نظريًا تختفي خلفه عملية البحث التي اشتبكت فيها عناصر النظرية مع الممارسة العملية للبحث الميداني، وهو يريد لعرضه أن يبرز أهمية هذه الممارسة بأكبر قدر ممكن.

النظرية والمفهوم

  يعبر بورديو عن مخاوفه هذه بوضوح ويرى أن هذه مقدمة ضرورية وليست مجرد طقس تقليدي شائع في بداية كل سلسلة محاضرات يتعلم المتلقون ألا يهتمون به كثيرًا وأن ينتظروا مروره للوصول إلى المحتوى الحقيقي للمحاضرة. فهو مثلًا يعبر عن اعتقاده أن «واحدة من الصعوبات التي تواجه المحاضر الذي يريد نقل نتائج بحث ما زال يتطور، هو حقيقة أن إعادة تمثيل خبرة العملية البحثية أمر بالغ الصعوبة». وليست تلك مجرد مقدمة تقليدية فهي تقوده مباشرة إلى إيضاح أن ما ينوي تقديمه برغم أنه «نظرية عامة للعالم الاجتماعي»، فهو يعبر عن تصوره للنظرية على أنها «طريقة تفكير، منظومة من الوسائل لإدراك العالم الاجتماعي» التي يميزها أنها تحت «سيطرة محكمة». هذه السيطرة المحكمة هي ما يمنح هذه الوسائل طابعها العلمي، وهي ما يجعل من هذه المنظومة نظرية علمية. فهي في النهاية ليست مجموعة من المفاهيم التي يتوصل إليها الشخص بالتأمل المجرد، بل يحكمها نتائج البحث الميداني الذي يستخدمها، ويعيد تصحيحها ويسمح باختبارها.

في إطار النظرية كمنظومة من الأدوات، فإن أي أداة هي مفهوم نظري، ويؤكد بورديو أن «الأكثر أهمية أن نعرف أن المفهوم يكتسب معناه في سياق المنظومة». وهذا تمهيد ضروري لأن المفاهيم التي سيقدمها بورديو لاحقًا (الهابيتوس، الحقل، ورأس المال) لا يمكن لأي منها أن يُفهم مستقلًا عن المفاهيم الأخرى وعن الإطار العام لنظرية الممارسة عند بورديو. على جانب آخر هذا التنبيه يشير إلى حقيقة أن فكر بورديو في مجمله مبني على العلاقات وليس على الكيانات المستقلة، فكل منظومة عنده تتشكل أولًا من علاقات تنشئ مواقع يمكن للكيانات أن تشغلها بحكم توافق مواصفاتها مع متطلبات هذه المواقع. ولذلك يبدأ بورديو تقديم مفاهيمه من الخارج إلى الداخل، بمعنى أنه يحاول أولا تقديم الفراغ الذي ستعمل هذه المفاهيم فيه، وهو هنا علم الاجتماع والتحديد الدقيق لموضوع دراسته.

ما هو علم الاجتماع وما هو موضوعه؟

ما هي الصورة الذهنية التي تمثل في عقلك عندما تفكر في مصطلح «المجتمع»؟ أغلب الظن أنها صورة يظهر فيها جماعة من الناس. هذا هو التصور الشائع للمجتمع، فهو يتشكل من الأفراد، وتحديدًا الأفراد المتراصين في جماعات. هذا التصور يقودنا أيضًا إلى تصور أن فهم المجتمع قد يتمثل تحديدًا وفقط في تصنيف جموع البشر فيه حسب عمليات إحصائية مختلفة. في هذه الحالة فالبحث الاجتماعي الوحيد الذي نحتاج إليه لفهم المجتمع سيكون نتائج الإحصاء القومي الذي يتم إجراؤه كل عشرة أعوام مثلًا. ولكننا نعلم أن هذا غير صحيح. الإحصاءات تخبرنا بالكثير عن المجتمع، ولكنها بالتأكيد لا تقدم إلينا كل ما نحتاجه لفهم ظواهره المختلفة.

   هناك طريقة أخرى لتصور المجتمع، وهي تلك التي انبنت عليها مدرسة مهمة في علم الاجتماع باسم التفاعلية. هذه المدرسة ترى أننا يمكن أن نفهم المجتمع من خلال تفاعلات أفراده التي تتراوح بين شديدة البساطة وشديدة التعقيد، والوصول إلى تفسيرات لها. أحد أمثلة تطبيق هذا التصور هو أن ننظر إلى غريبين يلتقيان صدفة ونلاحظ أنهما إذا ما تبادلا حديثًا قصيرًا فسيتحدثان عن الطقس، والتفسير أن الطقس موضوع محايد، يختاره الغرباء لتجنب الحديث عن أي موضوع خلافي لا يعرف أي منهما ما قد يكون موقف الآخر منه. ولكننا في هذا المثال قد توقفنا أمام تفاعل مرئي، وأغفلنا أمورًا كثيرة غير مرئية تكمن خلفه. فهل تصادفهما يظل هو نفسه بغض النظر عمن يكون كل منهما؟ ألن تؤثر السمات الطبقية المختلفة في مظهرهما على سبيل المثال في أي حديث سيتبادلانه أو ما إذا كانا سيتبادلان أي حديث على الإطلاق. عندما يلتقي شخصان يحكم تفاعلهما ما يمكن أن نطلق عليه موقع كل منهما. ولكن عن أي موقع نتحدث؟ يمكن للإحصاءات مثلًا أن تصنف الأفراد في المجتمع من حيث دخل كل منهم. وينعكس ذلك في السمات الطبقية التي ذكرناها، ولكن هل ما يحكم التفاعلات هو هذه التصنيفات العامة فقط؟

   دعنا نتخيل شخصًا (رجل في منتصف العشرينات)، يصادف في الطريق شخصًا آخر (امرأة ثلاثينية)، لن يبعث على دهشة أي منا أن يبادر الرجل إلى التحرش بالمرأة لفظيًا. بعد نصف ساعة فقط من هذا التفاعل سيبدأ الرجل نفسه وردية عمله كنادل في مطعم، وسيقدم باحترام بالغ قائمة الطعام إلى المرأة نفسها، التي تجلس الآن إلى إحدى موائد المطعم. قد يمثل الشارع المكان الأكثر حيادية والذي يظهر فيه أثر التصنيفات العامة، بمعنى أن كل منا يتحدد موقعه فيه بتصنيفه (رجل/امرأة، من الطبقة المتوسطة/من الطبقة المهمشة). ولكن ما أن ندخل إلى فراغ اجتماعي فرعي له قدر من الاستقلال، يبدو وكأن القواعد قد تغيرت تمامًا. فنحن نصبح أمام مواقع جديدة (نادل/زبونة)، بالرغم من أن ما أنشأ هذه المواقع هو نفس التصنيفات العامة (رجل من الطبقة المهمشة – مطعم – نادل)، في مقابل (امرأة من الطبقة المتوسطة – مطعم – زبونة). ما حدث أن الفراغ الاجتماعي أعاد ترجمة التصنيفات العامة الناشئة عن توزيع رأس المال الاقتصادي حسب قواعده الخاصة لينشئ مواقع لا معنى لها إلا داخله. ولكن هذه المواقع أنتجت لنفس الأشخاص سلوكًا مختلفًا بل مناقضًا للسلوك خارج هذا الفراغ.

   المثال السابق كان قفزة إلى الأمام بعض الشيء، ولكنه يوضح تحديدًا ما يعنيه بورديو عندما يقول إنه «يمكن لعلم الاجتماع أن يحصل على موضوع علمي بحق فقط إذا ما تجنب الأشياء المرئية مثل الأفراد، مجموعات الأفراد والعلاقات الظاهرة بينهم. العلاقات التي تتضمن الاتصال، التفاعل، التبادل والتعاون، هي بالتأكيد موضوع لعلم الاجتماع، ولكن أساسها لا يوجد في أي شيء ظاهر ومرئي».

العفوية والاعتياد والمرئي من المجتمع

   لماذا نجد صعوبة في تجاوز ما نراه إلى ما يكمن خلفه من علاقات؟ الإجابة هي أننا نتعامل مع عالمنا الاجتماعي بعفوية تامة معظم الوقت مما لا يسمح لنا بالتوقف لملاحظته. السر في هذه العفوية هو أننا نحن أنفسنا قد أنتج أفكارنا وتصوراتنا وميولنا العالم الاجتماعي نفسه، أو بمعنى أدق فراغ اجتماعي محدد منه، وبالتالي فهذه الأفكار والتصورات والميول تتوافق مع الفراغ الاجتماعي الذي يكون معتادا لنا تماما بحيث لا يدفعنا أي شيء فيه إلى التساؤل عنه. وفي المقابل فإن ما نراه حولنا هو أيضًا منتج لعالمنا الاجتماعي، وهذه المرئيات تعكس توقعاتنا عنها وتصوراتنا لها وتستجيب لميولنا تجاهها. في المجمل نحن نشعر تجاه محيطنا الاجتماعي كما لو كنا سمكًا يسبح في الماء، ومثل هذا السمك لا سبيل لأن نشعر بالجاذبية الأرضية التي تحفظ الماء في مكانه وتحفظ السمك نفسه في مكانه من الماء.

   علاقة الاعتياد التام هذه بين الفرد كفاعل اجتماعي، وبين محيطه والأشياء في هذا المحيط، هي ما يبدأ بورديو منه عمله لدراسة وفهم «الاجتماعي»، وما نعنيه به هو ذلك الذي يميز موضوع دراستنا عندما ندرس المجتمع. المثال الذي يستخدمه بورديو كثيرًا لهذه العلاقة هو النجار مع مطرقته. يلتقط النجار مطرقته بشكل عفوي تمامًا عندما يحتاج إليها، ويشرع فورًا في الطرق بها لتثبيت مسمار بين قطعتي خشب. لا يتطلب الأمر أي قدر من التفكير في كيف سيستخدم مطرقته. على الجانب الآخر المطرقة نفسها معدة تمامًا من حيث الشكل والتركيب والوزن.. إلخ لأن تستخدم في الطرق. يتضح ذلك تمامًا إذا ما غابت المطرقة عند الحاجة إليها واضطر النجار إلى استخدام أداة أخرى لطرق المسمار، سيحتاج الأمر إلى أن يقف وينظر إلى الأدوات المتاحة ويفكر في أي منها قد يمكن تطويعه لأداء مهمة لم يخلق لها، سيتطلب الأمر تفكيرًا إضافيًا في كيف سيمسك بالأداة وكيف سيطرق بها المسمار. وإذا ما تصورنا الأمر معكوسًا، أي إذا ما كانت المطرقة متاحة ولكنك أنت من عليه استخدامها دون سابق اعتياد للعمل بها، مرة أخرى سيتطلب الأمر بعض التفكير وعددًا من المحاولات وتصحيح طريقة إمساكك بالمطرقة وزاوية الطرق وقوته.. إلخ. ثمة بلا شك علاقة خاصة بين المطرقة والشخص المعد خصيصًا من خلال مهنته وتجربته بها لاستخدامها. هذه العلاقة ليست موجودة في المطرقة بذاتها ولا هي موجودة في النجار بذاته، إنها موجودة في كل منهما وفقط عندما يجتمعان معًا.

المعرفة العملية والمعرفة العلمية

   أي علاقة تلك التي بين النجار والمطرقة؟ هي بالتأكيد علاقة معرفة. النجار يعرف كيف يستخدم المطرقة. ولكن هذه ليست معرفة نظرية. النجار لا يحتاج إلى أن يعرف كيف ولماذا صممت المطرقة بهذا الشكل، لماذا يكون لها هذا الوزن، ويكون لذراعها هذا الطول، وهو لا يحتاج إلى معرفة بالفيزياء والميكانيكا تحديدًا ليتمكن من استخدام المطرقة للطرق بها بكفاءة كاملة يفتقد عالم الفيزياء إليها. معرفة النجار بمطرقته هي معرفة عملية. وهي نوع المعرفة الذي يملكه الأفراد بمحيطهم وبالأشياء فيه. المعرفة الكافية بذاتها لأن يتعاملوا مع محيطهم وما فيه من أشياء باعتياد تام وكفاءة كاملة دون التوقف للتساؤل عما هم بصدده.

   ثمة علاقة أخرى مكملة لهذه العلاقة العملية، وهي علاقة الشيء بمن هو معد لاستخدامه. إنها علاقة استدعاء، فالشيء يستدعي المؤهلين لاستخدامه، ووجوده كشيء اجتماعي لا يكتمل إلا في وجودهم. تصور سيف ساموراي معلق على جدار ثري أمريكي كقطعة ديكور. هو هنا عمل فني، ولكنه لم يصنع ليكون كذلك. وما يفتقد إليه هو الساموراي الذي يعرف كيف يستخدمه. حينها فقط، في يد هذا الساموراي سيكون السيف سيفًا وليس قطعة ديكور. السيف يستدعي من يمكنه استخدامه، من ينتمي إلى نفس عالمه الاجتماعي، وهو في عالم اجتماعي آخر على مسافة مكانية وزمانية من عالمه، لا يكون هو نفسه، بل يكون مبتورًا في انتظار إعادة تأهيله اجتماعيًا ليكون له غرض آخر واستخدام مختلف مناسب لمالكه الجديد. وهذا يوضح الطبيعة الاجتماعية للجمادات التي يصنعها البشر. إنها أشياء اجتماعية، تتجسد فيها علاقات اجتماعية لا تنشط بشكل كامل إلا عندما تلتقي بفرد اختزنت فيه بدوره علاقات اجتماعية تماثل تلك المختزنة في الشيء.

   عندما يدرس أي منا علاقة معرفة عملية، تكون هذه العلاقة هي موضوعه، وتكون علاقته بها علاقة معرفة أيضًا، ولكنها معرفة من نوع مختلف، وهي معرضة لكثير من الصعوبات التي يرى بورديو أنها لطالما أعاقت إنتاج فهم صحيح. فقبل أي شيء ثمة طرق مختلفة للتعرف على العلاقة العملية عندما تكون موضوعًا للتأمل والدراسة. هناك على سبيل المثال طريقتان أساسيتان للنظر إلى شخص يمارس عملًا، الطريقة الأولى ذاتية، تنظر إلى الشخص كفاعل حر مستقل عن فعله الذي يختاره بحرية ويمكنه اختيار ألا يفعله. في هذه الحالة لا وجود لأية أفعال عفوية، كل فعل متعمد وقائم على إعادة تفكير واختيار، كل شيء هو صنيعة الذات التي تختار أفعالها كل مرة نتيجة عملية اتخاذ قرار حر. في المقابل ثمة الطريقة الموضوعية والتي ترى منظومة حاكمة تحرك أفعال البشر وممارساتهم. النجار ومطرقته عناصر تجمعها المنظومة في علاقة لها معنى فقط في إطارها. هاتان الطريقتان كل منهما يمثل نقيض الآخر وكلاهما ناقص، فالذاتية تنفي الظروف الموضوعية المحيطة بالفعل وتنفي أن تكون هذه الظروف جزءًا من الدوافع غير الواعية للبشر في ممارساتهم الاعتيادية، في حين تنفي الموضوعية الخالصة أي دور للذات وتحول الشخص إلى ربوت يستجيب بشكل آلي للعوامل الموضوعية الخارجية.

   في كلتا الحالتين يسقط الباحث طريقته في التفكير على علاقة المعرفة العملية ويلغيها ويستبدل بها علاقة المعرفة النظرية الخاصة به. فهو إما يفترض أن عليه محاولة تصور الممارسة من وجهة نظر من يمارسها مغفلًا حقيقة أنه يستحيل أن يحل محله أو أن تكون له نفس تجربته، ومن ثم يستبدل بمعرفة الممارس العملية معرفته النظرية بالممارسة، أو هو يعتبر أن الممارسة في مجملها تعكس قوانين طبيعية حاكمة يستوى فيها فعليًا النجار بالمطرقة فكلاهما أداة للمنظومة التي يكشف الباحث عن قوانينها. نحن إذن في حاجة إلى طريقة مختلفة حتى نتجنب في دراستنا للمعرفة العملية أن نسقطها ونخفيها، ومن ثم نفقد وسيلتنا للنفاد إلى الاجتماعي المختزن في طرفيها.

الهابيتوس، طريق ثالث

   الهابيتوس هو أداة بورديو لفهم علاقة المعرفة العملية بين الفاعل الاجتماعي ومحيطه. بشكل أكثر دقة، هو أداة لفهم كيف يستجيب الفاعلون الاجتماعيون للمواقف المختلفة بشكل ملائم ولكن عفوي معظم الوقت. المثال الذي يستخدمه بورديو كثيرًا هو لاعب كرة القدم في الملعب، والذي يسدد الكرة في اتجاه زميله فلا يرسلها بالضبط نحو الموقع الذي فيه زميله في هذه اللحظة ولكن إلى الموقع الذي سيكون فيه بعد ثوان عندما تصل الكرة إليه. يفعل اللاعب ذلك بشكل تلقائي تمامًا ودون تفكير وبالتأكيد دون القيام بأية حسابات معقدة. إن ذلك هو حس الملعب، الذي تزرعه خبرة اللاعب فيه وتجعله طبيعة ثانية له. ويبدو هذا المثال أوضح من أمثلة الحياة اليومية لأنه يختلف عن تجاربنا الاعتيادية ما دمنا لسنا لاعبي كرة قدم. ولكننا جميعًا في الحقيقة لاعبون يستجيبون بطريقة تلقائية بصفة يومية لظروف اللعبة التي ننخرط فيها. ولكننا نعرف أن استجابات لاعب كرة القدم ليست آلية تمامًا وإنما تختلف حسب عوامل كثيرة وتعكس استراتيجية للعب تلائم تغير الظروف. ومن ثم فلا يمكننا أن نتحدث عن أفعال تستجيب كل مرة لظرف محدد، بل ميل للاستجابة يختار بين عدة أفعال المناسب منها لظرف مختلف.

   عندما نتحدث عن الهابيتوس إذن فنحن لا نعني مجموعة من السلوكيات أو الأفعال، بل مجموعة من الميول والاستعدادات والتوجهات. هذه المجموعة ليست عناصرها متراكمة ومتجاورة بشكل عشوائي بل ينظم توزيعها وعلاقاتها هيكل أو بنية. هذه البنية هي التي تحكم أن يكون لبعض الميول أولوية على البعض الآخر أو ترتبط ببعضها بطريقة يلزم معها ألا ينشط أحد الميول دون آخر ملازم له أو العكس أن يستلزم أحدها غياب الآخر حسب الموقف. ويفسر ذلك الاستجابات التي تبدو متناقضة للشخص نفسه في مواقف مختلفة. وهو ما لا يمكن للنظرة التقليدية للأشخاص من خلال صفات جوهرية أن تمثله. فهذه النظرة التقليدية تصف الشخص بأنه مسالم مثلًا وتعتبر تلك صفة جوهرية له، في حين أن الهابيتوس لا يعكس بأي حال صفات جوهرية، بل يعكس أولوية للميل للاستجابة بأفعال مسالمة معظم الوقت، هذه الأولوية تنظمها قواعد بنية الهابيتوس والتي أيضًا تسمح وفق شروط محددة بتجاوز هذا الميل وإنتاج استجابة عدوانية في ظروف تستدعي ذلك.

   الهابيتوس كبنية/هيكل ينظم مجموع الميول والاستعدادات والتوجهات المحتواة فيه، يعكس في الحقيقة العلاقات الاجتماعية غير المرئية والتي تعمل على هيئة قوى تؤثر في تشكيل الهابيتوس وتعده لأن يكون متوافقًا مع عالم اجتماعي بعينه تسود فيه هذه العلاقات. ولكن هذه القوى لا تؤثر في تشكيل الهابيتوس بشكل مباشر، وإلا لأنتجت نسخًا متكررة من نفس الهابيتوس بامتداد المجتمع كله، وهو بالتأكيد خلاف الواقع الذي نعرفه. الحقيقة أن ثمة وسيط متغير تمر من خلال القوى المؤثرة في المجتمع ككل قبل أن تصل إلى الهابيتوس. هذا الوسيط هو ما يسميه بورديو بالحقل، وهو فراغ اجتماعي فرعي له قدر من الاستقلال عن الفراغ الاجتماعي الأوسع، وله قوانين لترجمة القوى المؤثرة في هذا الفراغ الأوسع إلى صورة متخصصة تؤثر في تشكيل الهابيتوس الخاص به. بهذا المعنى ثمة هابيتوس لكل طبقة اجتماعية، وثمة هابيتوس مرتبط بالنطاقات الجغرافية المختلفة بشكل كبير عن بعضها البعض.

   الهابيتوس كمفهوم نظري إذن ليس بديلًا عن الذات أو الشخصية، فهو لا يستوعب مجمل الذات لشخص بعينه، حتى إن حاولنا قصر دراستنا على هابيتوس هذا الشخص. هناك مستويات متعددة لدراسة الهابيتوس تزداد عمومية كلما توسعنا في نطاقها، فيمكننا أن ندرس هابيتوس روائي بعينه مثلا مستخدمين معلومات السيرة الذاتية المتاحة عنه كافة، ويمكننا أن ندرس الهابيتوس القومي لبلد ما، أو هابيتوس مستخدم الفيسبوك. في جميع هذه الحالات يتحدد الهابيتوس بحقل/فراغ اجتماعي ما، ومن ثم فإننا لا يمكننا فهم الهابيتوس بشكل أكثر وضوحًا دون أن نبدأ في التعرف على مفهوم الحقل وهو ما سيكون موضوعنا في المقال التالي.

اعلان
 
 
تامر موافي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن