مصر وأمريكا.. ما بعد «الشيكات على بياض»
 
 

في الأسابيع التي سبقت الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر الماضي، وحتى إعلان فوز الرئيس الأمريكي، جو بايدن، استعد المسؤولون في وزارة الخارجية المصرية للتحضير لواحد من أهم التغييرات القيادية منذ عقود، في دولة هي الحليف الأهم للقاهرة.

أقام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي علاقة وثيقة بشكل خاص مع الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، خلال فترة ولايته التي استمرت أربع سنوات. كما قدمت إدارة ترامب دعمًا صريحًا للسيسي على الرغم من السجل العامر بانتهاكات حقوق الإنسان، وانحسار تأثير السياسة الخارجية المصرية بشكل عام. من ناحية أخرى، انتقد بايدن تلك العلاقة الحميمة وتعهد بإنهاء «الشيكات على بياض لديكتاتور ترامب المفضل».

ولهذا، تساءل كثيرون خلال الشهور الماضية عن احتمال توتر العلاقة بين مصر والولايات المتحدة مع قدوم إدارة بايدن. وزير الخارجية المصري، سامح شكري، نفى وجود قلق مصري فيما يتعلق بهذا. خلال مداخلة له مع الإعلامي عمرو أديب في برنامجه «الحكاية» يوم الجمعة الماضي، أوضح شكري أن إدارة العلاقات الدولية لا مجال فيها للقلق أو التفاؤل. وأكد أن هناك دائمًا نقاط اتفاق واختلاف مع الإدارات الأمريكية، وأن «الاختلاف لا يعني أن هناك أي نوع من التباعد، وإنما رؤى مختلفة، ونصل إلى نقطة تواصل فيما بيننا».

وفقًا لعدد من المسؤولين المصريين الحاليين والسابقين الذين تحدثوا إلى «مدى مصر» شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، بعد أن اتضحت هزيمة ترامب في الانتخابات، أعد المسؤولون في وزارة الخارجية مجموعة من المذكرات حددت عددًا من المقترحات بهدف الحفاظ على علاقة القاهرة بواشنطن في ظل إدارة بايدن، ولإعادة تأكيد مكانة مصر كحليف رئيسي للولايات المتحدة الأمريكية، في ظل تضاؤل تأثير القاهرة التاريخي وأهميتها في المنطقة بشكل مطرد على مدى العقد الماضي.

واقترحت المذكرات، التي رُفعت إلى وزير الخارجية والرئاسة، عدة تغييرات في السياسة الداخلية تهدف إلى تخفيف الانتقادات الموجهة للحملة التي تشنها القاهرة ضد المعارضة السياسية والحريات المدنية. كما اقترحت كذلك عددًا من الإجراءات السياسية الخارجية المتعلقة بإسرائيل وفلسطين وليبيا وأماكن أخرى، بهدف إعادة ترسيخ قيمة مصر كشريك إقليمي للولايات المتحدة. إلى جانب هذا، تعاقدت الحكومة المصرية مع شركة لوبي جديدة قوية في واشنطن لتعزيز العلاقات الأمريكية مع القاهرة.

تشير هذه التحركات إلى اهتمام عميق بالعلاقة المصرية الأمريكية عقب سيطرة الحزب الديمقراطي على الكونجرس والبيت الأبيض، والتي تزامنت مع التحولات الجذرية في المشهد الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط.

عبد الفتاح السيسي ودونالد ترامب في لقاء سابق في البيت اﻷبيض – مايو 2017

«تدرك كبار الشخصيات في نظام السيسي أنها ليست في وضع جيد مع الولايات المتحدة»، يقول مايكل وحيد حنا، المحلل السياسي في مؤسسة Century Foundation، مركز بحثي مقره مدينة نيويورك، «ارتكبوا العديد من الأخطاء على مدى السنوات الأربع الماضية، كما جعلوا من أنفسهم محل خلاف حزبي بين الجمهوريين والديمقراطيين». بحسب رأيه، فإن «مجرد إجراء تلك المناقشات يعكس إدراكهم لمدى الفجوة بينهم وبين هذه الإدارة الجديدة، وأنهم قد يحتاجون إلى تقديم تنازلات هذه المرة».

بعد إعلان فوز بايدن بالانتخابات، أصدر السيسي على الفور بيانًا لتهنئته، قائلًا إنه «يتطلع إلى العمل والتعاون مع الرئيس الجديد المنتخب لتعزيز العلاقات الثنائية الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة». ومع ذلك، لم يتحدث الزعيمان بشكل مباشر بعد، ولم تكن مصر ضمن المكالمات الأولى التي أجراها وزير الخارجية الجديد، أنتوني بلينكن، مع نظرائه في الخارج.

«في عهد ترامب، كان هناك صديق للسيسي في البيت الأبيض، قدم له امتيازات خاصة ومنع أي تداعيات كبيرة بسبب انتهاكات حقوق الإنسان في مصر»، تقول ميشيل دن، الزميلة في معهد كارنيجي للسلام الدولي والمسؤولة السابقة في وزارة الخارجية الأمريكية، والمتابعة للأوضاع في مصر، «مع بايدن، لم يعد للسيسي صديق، ما يغير الديناميكية بأكملها».

بحسب عدد من المسؤولين المصريين الحاليين والسابقين، شملت توصيات وزارة الخارجية تخفيف السلطات المصرية من اعتقال المعارضين وإطلاق سراح بعض الشخصيات المعارضة بشكل منهجي من أجل كسب ود إدارة بايدن.

«تحتاج الإدارة الأمريكية الجديدة للتأكد من أن مصر شريك جاد ومناسب. وعلى الجبهة الداخلية، نقول بصراحة إنه يجب أن تكون هناك طريقة لمعالجة وضع حقوق الإنسان بطريقة جوهرية»، يقول مسؤول مصري مطلع لـ«مدى مصر».

ومع ذلك، فإن أي إطلاق سراح محتمل لن يشمل أعضاء بارزين في جماعة الإخوان المسلمين أو حلفائهم الإسلاميين، الذين تعرضوا منذ فترة طويلة لإجراءات قمعية شديدة منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق، محمد مرسي في 2013، وتعتبرهم السلطات المصرية خطرًا مُهددًا.

«إطلاق سراح عدد قليل من الأشخاص كل فترة لن يكون كافيًا لإقناع إدارة بايدن بأننا نحاول فعلًا. نحن بحاجة إلى إستراتيجية»، يقول المسؤول، «لكن من الواضح أن هذه الاستراتيجية سوف تستبعد الإسلاميين».

ثلاثة دبلوماسيين مصريين قالوا لـ«مدى مصر» إن القاهرة بحاجة لأن تُظهر لإدارة بايدن أن الوضع السياسي في مصر يتحسن، على سبيل المثال، من خلال السماح للأحزاب السياسية وشخصيات المعارضة بالتعبير عن رأيها في وسائل الإعلام.

لكن، المسؤولين يشيرون إلى أن مقترحات وزارة الخارجية ليس لها وزنًا كبيرًا. غالبًا ما يكون لأجهزة الأمن والاستخبارات القوية في البلاد القول الفصل في قضايا السياسة الداخلية والخارجية الحاسمة. تقول المصادر إنه حتى الآن لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن استراتيجية لزيادة مساحة الحريات المدنية أو إطلاق سراح السجناء السياسيين المحبوسين احتياطيًا.

«السؤال ليس ما إذا كان بإمكاننا التواصل مع إدارة بايدن أم لا، لأن لدينا الأدوات. السؤال هو ما إذا كانت السلطة التنفيذية تريد القيام بذلك، وهل هي مستعدة لتغيير مسارها في بعض القضايا، مثل قضية حقوق الإنسان. هذا شيء لا تقرره وزارة الخارجية»، يقول المسؤول. «وزارة الخارجية أرسلت أفكارها، لكن هناك آراء أخرى طرحتها عدة جهات أخرى، من بينها المخابرات العامة وغيرها. في النهاية، قد لا تتوافق هذه الأفكار أو المقترحات بالضرورة».

ظهر هذا النقص في التوافق بشكل واضح في نوفمبر الماضي، عندما اعتقلت السلطات المصرية ثلاثة موظفين في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إحدى أبرز منظمات حقوق الإنسان في البلاد.

عدد من المسؤولين الأمنيين والحكوميين أشاروا لـ«مدى مصر» بعدها أن مسؤولًا أمنيًا واحدًا كان وراء قرار اعتقال الموظفين الثلاثة، وأنه كان يعتقد أن حبسهم لأطول فترة ممكنة سيقضي على أي آمال لدى المجتمع المدني المحلي في الاستفادة من انتخاب بايدن.

لكن، يبدو أن اعتقالات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية كان لها تأثير معاكس، إذ دفعت بسجل حقوق الإنسان في مصر إلى دائرة الضوء العالمية وأثارت ملحمة من الإدانة الدولية والتدخل الدبلوماسي، استمرت لمدة 18 يومًا، انتهت بإخلاء سبيل الموظفين المحبوسين.

تولى بايدن منصبه ليواجه عددًا من التحديات المحلية المهمة، من بينها وباء «كورونا»، والاستقطاب السياسي المرير، وعواقب بعض الاحتجاجات الضخمة ضد العنصرية وانتهاكات الشرطة. لذلك كان من المفترض ألا تحظى حالة حقوق الإنسان في مصر بأولوية كبيرة في بداية ولاية بايدن.

ومع ذلك، ربما تكون قضية المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قد غيرت هذا الافتراض.

«لم تكن مصر من أولويات الولايات المتحدة، عندما يتعلق الأمر بوضع حقوق الإنسان»، يقول مصدر حكومي مصري لـ«مدى مصر». «ولكن مع قضية المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، اختارت مصر -إلى حد ما- أن تضع سجلها الحقوقي في مرتبة أعلى على قائمة مهام بايدن لعام 2021».

من الشمال لليمين: جاسر عبدالرازق، كريم عنارة، محمد بشير، موظفو المبادرة الذين تم القبض عليهم

بعد اعتقال أول اثنين، أوصت وزارة الخارجية، التي فوجئت تمامًا بالاعتقالات، بوقف الاعتقالات ونصحت بالاكتفاء بهذا وعدم توسيع نطاق الحملة، بحسب عدة مصادر رسمية. ومع ذلك، تجاهل المسؤول الأمني ​​المشرف على الحملة تلك المناشدات. وفي تلك الأثناء، ومع تنامي الإدانة الدولية، بعثت السفارات المصرية، خاصة في باريس وواشنطن، برقيات إلى مكتب رئيس الجمهورية ووزارة الخارجية والأجهزة الأمنية لحثها على إيجاد حل.

دفعت الاعتقالات 56 من أعضاء الكونجرس من الحزب الديمقراطي إلى التوقيع على رسالة موجهة إلى السيسي يدينون فيها القمع. كما انتقد بلينكن الاعتقالات في تغريدة على تويتر. وفي تلك الأثناء، تلقت وزارة الخارجية المصرية خطابًا موقعًا من 19 سفيرًا في مصر -من بينهم السفير الأمريكي الذي لم يشارك في زيارة لمقر المبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع أكثر من عشرة دبلوماسيين أوروبيين، ويُزعم أن الزيارة كانت السبب في حملة الاعتقالات- يحث الحكومة المصرية للعمل على وجه السرعة لحل الأزمة.

كما حذرت شركة اللوبي الجديدة من أنه إذا استمرت أزمة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإن صورة مصر في واشنطن سوف تتعرض لتشويه، تزامنًا مع عملية الانتقال الرئاسي.

التعاقد مع الشركة تم في 9 نوفمبر، قبل أقل من أسبوع من بداية الهجمة ضد «المبادرة». وقعت السفارة المصرية في واشنطن عقدًا مع «براونشتاين هيات فاربر شريك»، وهي مجموعة لوبي وشركة محاماة، لتقديم «خدمات العلاقات الحكومية والاستشارات الاستراتيجية في الأمور المعروضة على الحكومة الأمريكية»، لصالح الحكومة المصرية مقابل 65 ألف دولار شهريًا. وعلى الرغم من أن مصر كانت تجري محادثات مع الشركة لعدة أشهر، إلا أن العقد الذي وقعه السفير المصري لدى الولايات المتحدة، معتز زهران، والذي وصل إلى واشنطن في نوفمبر، جاء بعد يومين فقط من انتخاب بايدن.

يقود مجموعة اللوبي، والتي تضم أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، نديم الشامي، الديمقراطي الذي عمل رئيسًا لموظفي رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، وإد رويس، الجمهوري والرئيس السابق للجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب. طلب «مدى مصر» مقابلة الشامي ورويس وآخرين من العاملين في شركة الضغط ممن يعملون لحساب مصر، دون تلقي أي رد.

يقول مسؤول مصري سابق لـ«مدى مصر» إن الشركة «لن تعمل على الكونجرس فحسب، بل ستعمل أيضًا على مراكز الأبحاث والمجموعات التي لديها اهتمام خاص بالوضع في مصر، مثل ‘مجموعة عمل مصر’»، في إشارة إلى مجموعة العمل المعنية بالشأن المصري، وهي مجموعة من خبراء الشؤون الخارجية من الحزبين تشكلت في 2010، وتهدف إلى «السعي إلى المزيد من السياسات الأمريكية البناءة تجاه مصر». في يونيو الماضي، بعثت المجموعة برسالة إلى وزير خارجية ترامب، مايك بومبيو، تطالبه بالضغط على الرئيس المصري «لوقف حملته القمعية المتصاعدة ضد المعارضين السلميين».

التعاقد مع الشركة الجديدة جاء بعدما قطعت مصر العلاقات مع شركة لوبي سابقة، مجموعة «جلوفر بارك»، في يناير 2019 بعد مقابلة شبكة «سي بي إس» الإخبارية مع السيسي، إذ واجه الرئيس المصري سلسلة من الأسئلة الصعبة حول السجناء السياسيين، والفض العنيف لاعتصام «رابعة العدوية» عام 2013. بعد وقت قصير من تسجيل المقابلة، اتصلت السفارة المصرية بشبكة «سي بي إس» وحاولت منع بثها.

«لم تكن السلطات المصرية معجبة دائمًا بنتائج أعمال جلوفر بارك»، يقول مصدر حكومي مطلع على العلاقات بين الولايات المتحدة ومصر لـ«مدى مصر». وبحسب المصدر، تعاقدت مصر مع «جلوفر بارك» عام 2013، بعد الإطاحة بمرسي، بناءً على توصية من سفير الإمارات العربية المتحدة لدى الولايات المتحدة، يوسف العتيبة. وتحملت الإمارات الجزء الأكبر من الفاتورة السنوية البالغة ثلاثة ملايين دولار. «كان الشيك يُرسل من أبو ظبي إلى القاهرة ثم تقوم القاهرة بالتحويل إلى السفارة المصرية في واشنطن»، يقول المصدر.

«قبل انتهاء العقد مع جلوفر بارك، كانت هناك أوقات تتأخر فيها المدفوعات -مرة أو مرتين على الأقل- لأن الإمارات العربية المتحدة أخّرت إرسال الأموال بسبب التوترات المستمرة مع مصر»، يقول المصدر. توترت علاقة القاهرة مع أبو ظبي على نحو متزايد على مدى السنوات العديدة الماضية بسبب خلافات حول القضايا الإقليمية والسياسات العدوانية الإماراتية أحادية الجانب في كثير من الأحيان. «الاتفاق المالي مع شركة الضغط الجديدة ليس سيئًا بالنظر إلى أن مصر وليست الإمارات العربية المتحدة هي التي ستدفع الآن»، يقول المصدر.

رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد

كانت إحدى الخطوات الأولى التي اتخذتها شركة الضغط الجديدة بعد تنصيب بايدن هي العمل على كسب الدعم في الكونجرس لمصر في المفاوضات المتوقفة مع إثيوبيا والسودان حول سد النهضة الإثيوبي، وفقًا لما ذكره موقع «فورين لوبي»، الموقع الإخباري الذي يتابع عمليات الضغط السياسي لحساب دول أجنبية في واشنطن.

في العام الماضي، توسطت إدارة ترامب لإجراء محادثات في واشنطن بين الأطراف الثلاثة، لكنها فشلت في تأمين توقيع إثيوبيا على مسودة اتفاق. في سبتمبر، أوقفت الولايات المتحدة مساعداتها لإثيوبيا، بعد أن ألقت إدارة ترامب باللوم على أديس أبابا بسبب الجمود في مفاوضات سد النهضة. وأعلنت إثيوبيا في يوليو الماضي، الانتهاء من الملء الأول للسد، كما أعلنت عن خطط الانتهاء من الملء الثاني في العام الجاري، على الرغم من عدم وجود اتفاق ملزم قانونًا بين الأطراف الثلاثة.

في 28 يناير الماضي، أرسل رويس رسالة عبر البريد الإلكتروني إلى أعضاء الكونجرس للفت انتباههم إلى المخاطر البيئية المحتملة التي يشكلها السد، ويشجعهم على مشاركة مساعديهم في اجتماع افتراضي عبر الإنترنت حول هذه القضية عقدته السفارة المصرية في واشنطن في الأول من فبراير الجاري.

«كما تعلم، توقفت المفاوضات المتعلقة بسد النهضة الإثيوبي الكبير. وبدون اتفاق قابل للتنفيذ، سيكون لعمليات السد تداعيات بيئية خطيرة على سكان مصر والسودان، وكذلك على النظم البيئية الإقليمية على امتداد النيل»، كتب رويس.

ووفقًا لعدد من المسؤولين المصريين، تأمل القاهرة أيضًا في استخدام شركة الضغط للرد على جهود جماعات حقوق الإنسان التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرًا لها، والتي تضغط على واشنطن لمحاسبة مصر على انتهاكات حقوق الإنسان.

«تحاول الجماعات المصرية الأمريكية المعارضة للنظام الضغط على أعضاء الكونجرس الذين لديهم آراء سلبية بشأن مصر»، يقول مسؤول مصري سابق آخر لـ«مدى مصر». «أثناء محاولة كسب بايدن إلى صفنا، يجب أن نعمل على مسار موازٍ لكسب بعض أعضاء مجلس الشيوخ المؤثرين مثل الجمهوري، ليندسي جراهام، والديمقراطي، باتريك ليهي». كان كل من جراهام، الرئيس المنتهية ولايته للجنة القضائية في مجلس الشيوخ، وليهي، رئيس لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ، قد انتقدا حكومة السيسي علنًا بشأن عدد من القضايا، من بينها انتهاكات حقوق الإنسان وقانون المنظمات غير الحكومية المثير للجدل.

ليهي هو أيضًا الراعي الرئيسي للتشريعات المعروفة باسم «قوانين ليهي»، والتي تحجب المساعدات العسكرية الأمريكية الأجنبية ما لم يشهد وزير الخارجية أن البلاد تتخذ خطوات مختلفة لدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان. يأتي الجزء الأكبر من التمويل الأمريكي لمصر في شكل حزمة مساعدات عسكرية سنوية تبلغ 1.3 مليار دولار أمريكي. على الرغم من أن تقييمات وزارة الخارجية للأوضاع في مصر أقرت بحدوث انتهاكات واسعة النطاق -مثل القتل غير القانوني والتعذيب والاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي- إلا أن وزراء الخارجية الديمقراطيين والجمهوريين المتعاقبين قدموا تنازلات لأسباب تتعلق بالأمن القومي على مر السنين لتجاوز هذه المخاوف ومواصلة التمويل.

ولكن، في ديسمبر الماضي، اشترط الكونجرس الإفراج عن السجناء السياسيين لصرف جزءٍ من المساعدات العسكرية لمصر. الشرط، الذي يأتي في إطار تشريع مخصصات ميزانية الولايات المتحدة لعام 2021، يتعلق بمساعدات عسكرية بقيمة 75 مليون دولار فقط من إجمالي 1.3 مليار دولار. ووفقًا لـ«سيث بيندر»، مسؤول المناصرة في مشروع «الديمقراطية في الشرق الأوسط»، ومقره واشنطن العاصمة، والذي تحدث إلى «مدى مصر» وقتها، فإن الاشتراط دون منح وزارة الخارجية خيار التنازل عن ذلك الشرط لأسباب الأمن القومي يحدث للمرة الأولى، ما «يبعث برسالة هامة للحكومة المصرية أن الكونجرس قلق للغاية بسبب استمرار احتجاز المدافعين عن حقوق الإنسان »، بحسب تعبيره.

وفي 25 يناير الماضي، أعلن عضوا الكونجرس الديمقراطيين، دون باير، من ولاية فرجينيا، وتوم مالينوسكي، من ولاية نيوجيرسي تشكيل «التجمع المصري لحقوق الإنسان»، تزامنًا مع الذكرى العاشرة للثورة المصرية 2011. وقال باير لـ«مدى مصر» إن التجمع سوف يسعى لاستخدم علاقة واشنطن بالقاهرة، بما في ذلك حزمة المساعدات العسكرية الضخمة، من أجل الضغط على مصر لتحسين سجلها الحقوقي.

«كانت مصر شريكًا استراتيجيًا وعسكريًا قويًا، وهي ثاني أكبر متلق للمساعدات الأمريكية في العالم. من المهم أن تستمر العلاقة في التقدم، وأعتقد أنه يمكننا فعل ذلك من خلال الضغط على الحكومة المصرية للإفراج عن السجناء السياسيين وتعزيز حرية الصحافة»، قال باير. «الوسيلة الوحيدة الواضحة لفعل ذلك هي الدعم المالي العسكري الذي نعطيه لمصر. لن ينطبق هذا على كل الدعم. بالطبع سيكون هناك قدر هائل من الموارد التي ستتدفق إلى مصر، ولكن منع بعضها قد يساعد القاهرة على المضي قدمًا في مجال حقوق الإنسان».

أثار تشكيل «التجمع المصري لحقوق الإنسان» انتقادات حادة من جانب البرلمانيين المصريين. خصّ طارق رضوان، رئيس لجنة حقوق الإنسان في البرلمان، مالينوسكي على وجه التحديد في بيان صدر يوم 6 فبراير الجاري. اتهم البيان مالينوفسكي باستخدام «تجمع حقوق الإنسان في مصر» للسماح لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين بعقد جلسات استماع ومؤتمرات داخل الكونجرس الأمريكي حول أوضاع حقوق الإنسان في مصر.

انتُخب مالينوفسكي الشهر الماضي نائبًا لرئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، وهو منصب مؤثر فيما يتعلق بالعلاقات مع مصر. من جهة أخرى، انتقد باير انتهاكات حقوق الإنسان في مصر مرارًا، خصوصًا خلال دفاعه عن آية حجازي، المواطنة المصرية الأمريكية التي سجنت في القاهرة لمدة ثلاث سنوات قبل إطلاق سراحها عام 2017 بعد تدخل ترامب ومساعديه.

«هناك رغبة لدى الإدارة الأمريكية والكونجرس في العمل على مجال حقوق الإنسان. لن نقطع العلاقة مع مصر. هناك الكثير على المحك، بما في ذلك السلام المستمر منذ عقود مع إسرائيل. لكننا ننفق الكثير من المال، ونحن شريك استراتيجي مهم لدرجة أننا نمتلك نفوذًا لدفعهم نحو تحسن أوضاع حقوق الإنسان، وحرية الصحافة، والسجناء السياسيين، وكل تلك الأشياء التي نقدرها. لذلك دعونا نستخدم هذا النفوذ»، يقول باير. «نحن لا نهدد. ولا نريد أن نحصر الإدارة المصرية في ركن، حيث لا تجد أمامها سوى الهجوم. هذا يتعلق أكثر بالتشجيع والشراكة. لدينا هنا صراعاتنا الخاصة مع العنصرية، وعقوبة الإعدام، وإطلاق النار الجماعي. نحن بعيدون عن الكمال».

ولأن المساعدات العسكرية الأمريكية هي حجر الزاوية في علاقة القاهرة بواشنطن، عمدت مصر إلى تنويع مصادر شراء الأسلحة على مدى السنوات العديدة الماضية، وأبرمت صفقات أسلحة ضخمة مع دول مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا، وكذلك روسيا والصين، لتصبح ثالث أكبر مستورد للأسلحة في العالم.

ومع ذلك، تظل الولايات المتحدة حليفًا رئيسيًا لمصر، إلا أن «صداع حقوق الإنسان»، كما يصفه بعض المسؤولين المصريين، أصبح محل اهتمام كبير للحكومة المصرية التي تواصل جهودها لتغيير التصورات عن سجل القاهرة الحقوقي في غياب أي إصلاح حقيقي.

خلال اجتماع عبر الفيديو مع مجموعة من المصريين الأمريكيين عشية تنصيب بايدن، حثّ السفير المصري، زهران، المجموعة على «بذل أقصى جهد» لإقناع ممثليهم في الكونجرس بأن أوضاع حقوق الإنسان في مصر تحسنت في عهد السيسي، مشيرًا على وجه التحديد إلى الأقلية المسيحية القبطية وحقوق المرأة، والتأكيد على أن القضايا الاجتماعية والاقتصادية تمثل أولوية أكبر لغالبية المصريين، وفقًا لما ذكره أحد المصريين الأمريكيين الذين شاركوا في الاجتماع. ودعا زهران المجموعة إلى إخبار ممثليها بأن التسامح مع الإسلاميين يمكن أن يطلق العنان لموجة جديدة من «الإرهاب» في مصر، وأنه قد يؤثر سلبًا على التصور العام لإدارة بايدن في مصر.

محمد سلطان

هناك انتكاسة أخرى محتملة تواجهها القاهرة وهي الدعوى القضائية الجارية التي رفعها «محمد سلطان»، المصري الأمريكي، في يونيو الماضي أمام محكمة فيدرالية في واشنطن العاصمة، ضد رئيس الوزراء المصري السابق، حازم الببلاوي، يتهمه فيها باستهدافه ومحاولة قتله خارج نطاق القانون و«التوجيه والإشراف» على تعذيبه في 2013. الببلاوي، الذي شغل منصب رئيس وزراء مصر من 2013 إلى 2014، كان يقيم في واشنطن العاصمة، حيث عمل كمدير تنفيذي لصندوق النقد الدولي عندما رفعت الدعوى العام الماضي. وبعد رفعها، طالب الببلاوي مرارًا وتكرارًا السفارة المصرية بعرقلة القضية، وفقًا لمصادر في السفارة المصرية بواشنطن. استُبدل الببلاوي بآخر شغل منصبه في صندوق النقد الدولي في أكتوبر وغادر واشنطن.

تدخلت كل من إدارة ترامب والحكومة المصرية لمحاولة رفض القضية على أساس أن الببلاوي محصن من الدعوى، بالنظر إلى منصبه كدبلوماسي ومدير تنفيذي في صندوق النقد الدولي. لا يزال يتعين على المحكمة الأمريكية أن تحكم فيما إذا كانت الدعوى القضائية رفيعة المستوى ستمضي قدمًا أم لا.

على الرغم من أنه لم يتضح بعد كيف ستتعامل إدارة بايدن مع القضية، إلا أن بايدن نفسه ندد في يوليو الماضي باعتقال السلطات المصرية لأقارب سلطان في انتقام واضح بسبب رفعه الدعوى. وفي 22 يناير الماضي، بعد يومين من تولي بايدن منصبه، طلبت وزارة العدل الأمريكية من المحكمة تأجيل الرد على طلبها بشأن موقفها من قضية الحصانة حتى 26 فبراير الجاري، كي يتسنى لمسؤولي وزارة الخارجية الجُدد الاطلاع على القضية.

يُظهر المسؤولون المصريون ثقة في أن الدعوى القضائية لن يكون لها تأثير كبير على العلاقات الثنائية. «نستطيع التعامل دائمًا مع هذا النوع من القضايا»، يقول المسؤول المطلع. «لم يكن من الصعب للغاية إخبار الإدارة الأمريكية [المنتهية ولايتها] أن حازم الببلاوي في منتصف الثمانينيات من عمره وفي حالة صحية سيئة للغاية وأنه ينبغي عليهم إيجاد مخرج سريع له. لا أعتقد أن أي إدارة أمريكية سترغب في خسارة مصر بسبب قضية تخص هذا الشأن أو ذاك».

بالإضافة إلى معالجة التدقيق المتزايد لسجل مصر في مجال حقوق الإنسان في ظل سيطرة الديمقراطيين على البيت الأبيض والكونجرس، تناولت مجموعة المذكرات المتعلقة بالعلاقات الأمريكية المصرية أيضًا سياسات مصر الخارجية في منطقة الشرق الأوسط، وكيف يمكن للقاهرة أن تجعل من نفسها حليفًا استراتيجيًا مهمًا لواشنطن.

على رأس أجندتها كان إعادة تأكيد دور القاهرة في أي مفاوضات مستقبلية بشأن إسرائيل وفلسطين. تاريخيًا، كانت مصر هي المحاور الرئيسي مع إسرائيل على مدى السنوات الأربعين الماضية، منذ أن أصبحت أول دولة عربية تقيم علاقات دبلوماسية رسمية من خلال التوقيع على اتفاقيات «كامب ديفيد» عام 1979، وهي المعاهدة التي رسخت علاقة القاهرة بواشنطن. ومع ذلك، تضاءل نفوذ مصر في المنطقة على مدى العقد الماضي، مع ظهور الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية كوسيطين إقليميين قويين. أدى قرار الإمارات بتطبيع العلاقات مع إسرائيل في أغسطس، ودورها في دفع البحرين والمغرب والسودان إلى أن تحذو حذوها -بمباركة سعودية- إلى زيادة تهميش نفوذ القاهرة في المنطقة. أيّد وزير الخارجية الأمريكي، بلينكن، علنًا، اتفاقيات التطبيع، وقال إنه سيعمل على تعزيزها.

«على جبهة الشؤون الخارجية، نحتاج إلى القيام بالكثير من إعادة التنظيم. علينا تسريع مشاركتنا في إدارة الوضع الفلسطيني في مواجهة إسرائيل»، يقول المسؤول المصري المطلع. «لا يمكننا أن نجلس مكتوفي الأيدي بينما تعرض الإمارات نفسها كوسيط عربي رائد مع إسرائيل. نحن بحاجة إلى تقديم مقترحات حول كيفية إدارة نظام إقليمي يستوعب إسرائيل بطريقة ما، ولكن في نفس الوقت يجعل إسرائيل مسؤولة عن معالجة بعض القضايا الفلسطينية الرئيسية».

على مدى الأسابيع العديدة الماضية، كانت مصر تتفاوض بشأن زيارة رسمية لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى القاهرة لمناقشة «عملية السلام». اشترط السيسي لإتمام الزيارة أن يُدلي نتنياهو ببيان إيجابي بشأن القضية الفلسطينية، مثل إعادة الالتزام بحل الدولتين، بحسب «أكسيوس»، كوسيلة لتنشيط دور مصر وإرسال رسالة إيجابية إلى البيت الأبيض.

«موقع مصر الجغرافي وتاريخها يعنيان أنه سيكون لها دائمًا دور في بعض القضايا، خصوصًا فيما يتعلق بالدول المجاورة»، تقول ميشيل دن. «لا تقصر المسألة على صلة مصر بالقضايا، بل فائدتها -هل تقدم مساهمة إيجابية وذات مغزى في حل القضايا الإقليمية أم لا؟ لم يكن دور مصر في المصالحة الفلسطينية، وربما لا يمكن أن يكون، حاسمًا. ويبدو الدور الذي لعبته مصر في ليبيا والسودان سلبيًا أكثر منه إيجابيًا. فيما يتعلق بإسرائيل، أصبح لديها الآن العديد من الشركاء الجدد في المنطقة».

يقول المسؤولون إنهم يتطلعون إلى الاستفادة من العلاقات الدبلوماسية التاريخية للقاهرة كوسيلة لإعادة تأكيد أهميتها.

«لا ينبغي لمصر أن تتصرف على افتراض أن ‘اللاعبين الجدد’ الآخرين –ومن بينهم الإمارات التي وصلت بدورها كوسيط للتطبيع العربي الإسرائيلي إلى أقصى حد ممكن- سوف يقضون على فرص الدور المصري، وذلك بسبب الخبرة المتراكمة لدى الدبلوماسية المصرية وأجهزة الأمن المصرية على المستوى الإقليمي، وأيضًا في ضوء الموقع الجغرافي الاستراتيجي لمصر»، يقول دبلوماسي مصري لـ«مدى مصر».

ليبيا، هي منطقة أخرى يعتقد مسؤولو وزارة الخارجية أن مصر يمكن أن تعمل فيها لتتماشى بشكل أفضل مع إدارة بايدن. دعمت مصر، إلى جانب الإمارات العربية المتحدة والأردن وروسيا، الحملة العسكرية المشؤومة لقائد الجيش الوطني الليبي، خليفة حفتر، للاستيلاء على العاصمة طرابلس، والتي بدأت في عام 2019 ودفعت حكومة الوفاق الوطني التي تتخذ من طرابلس مقرًا لها إلى السعي للحصول على دعم عسكري وتدخل من تركيا.

«يمكننا العمل مع الولايات المتحدة لإدارة الوضع في ليبيا […] هذا يجعلنا حليفًا قويًا محتملًا للولايات المتحدة في ليبيا، إلى جانب فرنسا، يعارض بالفعل الوجود التركي في ليبيا»، يقول المسؤول المطلع.

ثلاثة دبلوماسيين مصريين قالوا لـ«مدى مصر» بشكل منفصل إنه إلى جانب فلسطين وليبيا، تحتاج مصر إلى جعل نفسها حليفًا إقليميًا للولايات المتحدة في مناطق أخرى أيضًا، من بينها العراق وسوريا. وقال الدبلوماسيون ومسؤولون آخرون إنه على القاهرة أن تحافظ على موقف أكثر ليونة تجاه إيران من موقف السعودية والإمارات، إذ تتطلع إدارة بايدن إلى استعادة الاتفاق النووي مع طهران.

«تضاءلت صورة مصر ولا يوجد سبب للاعتقاد بأن لديها وسيلة لإعادة تأكيد نفسها على المدى القريب. لا يمكن اعتبار مصر غير مهمة على الإطلاق، لكنها لم تعد لاعبًا أساسيًا»، يقول مايكل وحيد حنا. «على مستوى الخطاب، ستتغير الأمور وستتغير أجواء العلاقات المصرية الأمريكية. لم يعد من السهل أن يأتي السيسي لزيارة واشنطن على سبيل المثال. هذا هو الحد الأدنى من التغير، لكن دلالته مهمة، ويكشف عن تغير حقيقي. ينعكس هذا على تصرفات المسؤولين المصريين، إنهم مرتبكون».

اعلان
 
 
إحسان صلاح 
شريف عبد القدوس 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن