شبحاية| أكواد الفرجة والاختفاء
ثنائية الحرب والهلس أو لماذا قد يضع الضابط فتاة ترقص في دماغه؟
 
 
 

هناك عرف شهير متوارث في البرامج الحوارية المصرية الخاصة باستضافة فنانات وفنانين السينما والتليفزيون، يعتمد على أن يتقدم الحوار في اتجاه معين يضمن الإيحاء بأن الصورة الحقيقية/الواقعية صورة منضبطة-عادية، هناك بينها وبين الصورة الفنية مسافة، أي أن هناك نسخة أخرى.

ولهذا تكنيكات متعددة، مثلًا تكنيك التأكيد المتكرر على الثوابت، لإضفاء أجواء طمأنينة، بأسئلة معينة يتوارث الوسط إجابتها، كالسؤال عن نجمات ونجوم متصدرين المشهد الرسمي: (عملتي إيه لما عرفتي إن عادل إمام هيمثل قصادك المشهد؟ -كنتْ خايفة ومرعوبة لكن هو احتواني). فيبتسم المذيع ويؤكد على الكلام، مثلًا: (عكس ماكنتِ متوقعة؟ – بجد مفيش زي البني آدم ده، وده اللي بيفرق الممثل الكبير عن غيره).

هكذا، وغيرها من الأسئلة الكليشهية الطيبة، التي تغمر المشاهدين بالسكينة: العالم ثابت وطيب وأليف، السماء زرقاء، الشجر أخضر، بسمع طبعًا أم كلثوم وعبدالوهاب، عادل إمام زعيم حقيقي، مهما بقيت نجم ولفيت العالم ما أقدرش أستغنى عن الكشري، رغم أن أمي مسيحية إلا إنها كانت بتضربني لو فوت الصلاة… إلخ.

بشكل عام، الصورة التي يظهر عليها الفنانون ومؤدو الاستعراض والفرجة بشكل عام -عادة- هي صورة أقل بريقًا ودرجة إضاءتها هادئة عن صورتهم الفنية. لابد أن يظهروا منصاعين للمجتمع، يؤكدون على الثوابت طوال اللقاء، وأن الصورة الفنية التي تظهر في الأفلام، خاصة إذا كانت أدوارًا «جريئة»، هي نسخة خاصة بالفن، لابد من الإمعان في تأكيد أن هناك اختلاف بين النسخة الفنية ونسخة الحقيقة.

تلعب النسخة الثانية في البرامج الحوارية دورًا اعتذاريًا عن الصورة الفنية المقدمة، طمأنة وقربان للجمهور أنها ليست نهائية، وليست للنهاية. تزداد المسافة بين النسختين تبعًا لطبيعة الأدوار. في حالة الجانات، يُستحب مثلًا أن يكون هناك تأكيد إنه راجل شرقي جدًا، في الستات إنها بيتوتية جدًا ولسه راجعة من العمرة أول الشهر. النسخة الاعتذارية نسخة مهمة جدًا للظهور التلفزيوني في السياق المصري، خاصة في تاريخ سينمائي فني يسمح بوجود هوامش تحررية إلى حد ما، لأبطال وبطلات الدراما تحديدًا، أبعد بدرجة ما عن الأكواد المتعارف عليه في الواقع. ويتبارى المذيعون الأكثر احترافًا في إخراج تلك النسخة من ضيوفهم، مثل عمرو أديب ومنى الشاذلي، بحيث تتجلى مهارتهم في كونهم مندوبين لوجهة نظر الجمهور والمجتمع. عاوزين نطمن الناس إن النسخ الفنية مش موجودة في الحقيقة. هذا الاعتذار والمسافة هما ما يضمنان أن الفرجة تظل فرجة، أنها لن تنزل إلى الواقع.

فتاة التيك توك كسرت أكواد الفرجة هذه.

هي بنت طبقة لا يعطيها العقد الاجتماعي امتيازات كثيرة، لتلتزم مقابلها بأن تكون وكيلته في حراسة صورته المنضبطة وأكواده الأخلاقية العامة. تفتح حسابًا على تيك توك كممارسة طبيعية لالتحاقها بسوق العمل، لتزود دخلها. تفتح الكاميرا، كأنها تأخذ شيفت في كول سنتر أو محل ملابس أو كوافير، أو أي شغلانة لا تتطلب رأسمال أو مؤهل تعليمي ضامن للصعود الطبقي. متخففة من قيود بنات الطبقة الوسطى، فتتعامل بأريحية أكثر مع ظهورها. تعطي إشارة لاحتمال عدم الالتزام بطبقتها. قد تتربح، لتكون شبح يصعد طبقيًا بطريقة لا تستطيع الدولة متابعتها وملاحقتها. مال سايب، لا نستطيع وضع يدنا عليه.

كأحد تمظهرات اللايف، وجمالياته التي تقدم صورًا لا تستمد جمالياتها من واقعيتها، ولكن من احتمالية واقعيتها؛ تقدّم فتيات التيك توك صورة ممكن يطلع منها العفريت. قطة شرودنجر، موجودة وغير موجودة. احتمال شيء يحدث، ليس شيئًا بعينه، ولكن احتمال لـ«أي» شيء أن يحدث. error 404، جرس إنذار لوجود عطل ما، يجب معالجته سريعًا، حتى لا يتحوّل إلى فيروس. صورة عاملة خوتة لأنها حتى في عدم انضباطها غير منضبطة بشكل متعارف عليه. 

هي بالفعل تقدّم موضوعًا للفرجة، لكن جماليات الفُرجة منزوع منها المسافة الكافية لتبقى فُرجة فقط. الحالة الاستعراضية متداخلة مع الإيهام بالواقع، لتصبح واقع فائق، يخبط المشاهد على حواسه، ويضطره للتصرّف حيال هذا الشيء لأنه على حواف خانة الواقع بالنسبة له. وبينما تثير عنده صور الفنانات والفتيات من الطبقة الأعلى -من موقع المتفرّج- رغبتي التلصص والفضول، فإنها لا تثير الرغبة في الاقتحام والتملك، اللذين يتولدان بالأساس من إمكانية الاستقواء. هم يغضبون على هذا الجسد، لأنه يمكن أن يغضبوا على هذا الجسد: لأنه يمكن أن يمتلكوه. بنت الجيران أو بنت الحتة، يمكن أن نصل إليها، يمكن أن نجيبها من شعرها. تهدم فتاة التيك توك اقتراحين للمسافة: الطبقية وأن تتحول لفقرة استعراضية بحتة، لذا فإن إحساسًا بأحقية الانتهاك سيكون بدوره مسافة السكة.

معضلة فتاة التيك توك بالنسبة لـ«قيم الأسرة المصرية»، أنها ليست «فتاة التيك توك». هي أي فتاة؛ بنت الجيران، فتاة النيكست دور، ليست غنية ولا نجمة سينمائية ولا أجنبية، احتمال تكون «بنتنا». لا يستطيع وضعها في خانة فُرجة، ويغلق عليها ويريح نفسه. هي وإن كان ما تقدمه يخضع لجماليات الشبكات الاجتماعية القائم على حصد المتابعين، والتي تسعى للإعجاب بشكل أو بآخر، إلا أنها لا تحقق المسافة الكافية ليكون ما تقدمه موضوعًا للفُرجة فقط.

ليست ممثلة أو راقصة، ولا هنا لتقيم حربًا وتعلن عن نفسها في قضية مثلًا، حتى لو كانت حرية الرقص مثلًا، فيمكن وضعها في خانة، والتي حتى لو كانت دفاعًا عن حرية، فهي خانة في النهاية، وتعني انضباط مطمئن. لا تشعر بالعار تجاه لهوها، ليس لأنها قابضة على الجمر، لكن لأنها أصلًا لا تقدم نفسها بوصفها أي شيء. هي عادي يعني، تقدم لحظة تافهة، عابرة، لحظة هزل وتخفف واستمتاع. وهي مربكة لهذا السبب بالذات، لأنها تافهة وعابرة.

هي مخيفة لأنها تفعل ما تفعله براحة، وهو شعور مزعج ومقلق ويقض مضاجع. ستات التيك توك لسن فقط أي ست تمارس حريتها، ولكن هن أي ست تمارس حريتها في العلن دون إحساس بالذنب، عادي يعني.

مجرد فرد يلهو.

يغذي تلك الحالة طبيعة تطبيق تيك توك نفسه، هو تطبيق هايف إذا جاز التعبير، يشجع حالة اللهو والتهليس. ليس جادًا مثل فيسبوك وتويتر وحتى إنستجرام. فقير، معظم محتواه تقليد لمقاطع مضحكة من أفلام، أو تزامن شفاه مع مقاطع أغانٍ. محدود ومحصور، لكن به صفة فريدة، هو مقام لهو بالدرجة الأولى، غير مربوط بأي هدف، سوى المتعة. حاجة في الفراغ.

فرغم أن كله على الإنترنت يدخل تحت بند «صناعة محتوى سوشيال ميديا»، إلا أن الظهور على تيك توك يختلف عن غيره من التطبيقات مثل فيسبوك ويوتيوب، حيث المشهور عليها أكثر إيمانًا بكونه إنفلونسر، وهو بغض النظر عما يقدمه، وحتى إن كان إنفلونسرفاشونترافلرإنتربرنيرشيب؛ واعٍ جدًا بموقعه كشخص مؤثر. حضوره حضور النجم، الذي يأتي بمسافته. يقدّم نفسه كنموذج، وإن كان حتى يدعو لأفكار متمردة/مختلفة/جديدة. يضع المجتمع في حساباته. يرى نفسه نموذج للايف ستايل، وليس فردًا عاديًا. يقدم الإنفلونسر اليوتيوبي والفيسبوكي صورة منضبطة في نهاية الأمر، وعندها معايير معيّنة لـ«كيف تعيش حياتك على الوجه الأمثل»، و«كيف تكون ناجحًا» وغيرها من الكيفيتات الكثيرة، أو كتالوج حد أدنى من إبداء الانصياع لمرجعية يمكن أن نحاسبه على أساسها. جاد، حتى في هزاره.

يقدم التيك توك صورة هلّاسة، شبحية، لحظية، مدوخة، سريعة الفوران، سريعة الذوبان، صعلوكة، ممكن تهبش وتجري، مغوية، ومراوغة، ومتلاعبة، وغير ممسوكة. صورة متدفقة وفياضة، تُتنج بإفراط، ومفرطة في لا أهميتها. مرقعة ومستنسخة بنسخة مشوشة. إنتاج تيك توك في معظمه استنساخ وتقليد لصور مقتطعة من سياقها، استنساخ يتضاعف ويتضاعف، حتى يُمحى الأصل والسياق، ولا يغدو مهمًا، لذا فحتى الهز عليه سيغدو أكثر إرباكًا.

في حال كنت على الناحية الأخرى، في موقع المجتمع أو المتفرّج، لابد أيضًا أن يكون هناك مسافة بينك وبين «الذنب» الذي تتفرّج عليه. أن يبقى في موقعه بالنسبة لك كحالة استعراضية، فُرجة، فاترينة، بينك وبينها شاشة تليفزيون أو خشبة مسرح، حاجز زجاجي أو حاجز طبقي. تلعب المسافة الطبقية دورًا إخفائيًا، كأنه يحدث في عالم غريب بعيد، يتحوّل معه الذنب لفانتازيا. قد يتلصص مواطن أنديل الأسمر على فتيات طبقات أعلى على انستجرام، أو نجمات أجانب، دون أن يشعر بضرورة اتخاذ موقف أخلاقي، لأن هناك مسافة. الموضوع المتفرّج عليه بعيد، وتجريدي، مفهوم جمالي وليس واقعي، يمكن استهلاكه بتنويعة مشاعر، غير ندّية: افتتان إعجاب حقد احتقار. الشهيرات والغنيات والأجنبيات يُسمح لهن بما لا يُسمح لغيرهن. الطبقة تخفي أصحابها عن الصورة العامة للوطن.

يضمن بُعد الطبقة أن صورة ممارسة الحرية موضوع للفُرجة وليس للتعايش، مثلما نجوم السينما موضوعات للفُرجة، وإذا قرروا النزول لعالمنا وتقديم أنفسهم كبني آدمين، فليدفعوا ضريبة النسخة الثانية. سيلاحق الجمهور شريف منير على صور بناته الصغار لأنه وضع صورهن على إنستجرام، وليس لأنهن يلبسن هكذا في الواقع. سيشتمه بأفظع الألفاظ، وسيقدّم الفنان في هذا الجمهور محضرًا لشرطة الإنترنت، ويرفع فيديو يرد فيه عليهم، وراءه بناته و.. علم مصر. في واقع فائق، يلعب المعروض فيه على الحدود بين الواقع والاستعراض. قد يشعر المتفرّج بكسر حدود الفرجة، أو يحب توهّم ذلك.

شريف منير وأسرته 2020

حاربت الدولة المهرجانات عندما خرجت من سياقها واخترقت طبقات أخرى، وبدأت تتنبه للمكاسب في السوق غير الرسمي، على الإنترنت، بلا سيطرة كاملة منها. وواجهت بنات التيك توك عندما لاح احتمال لصعود طبقي، ولتكسّب أموال لا تضع يدها عليها. هي تقدم مثالًا للصعود من وراء ظهرنا، بدون مباركتنا. يمكن أن تصعد، لكن بأن نقدّمك كلقطة «مع إنه» ابن بائع الفريسكا أو ابن البواب. كله تحت السيطرة. الفقراء مجال أرحب لممارسة استعراضات السلطة لسيطرتها، لابد أن يظهروا بشكل معيّن، لأنهم «الشعب»، الذي سيأخذ معه الرئيس صورة، عندما يريدهم في مصلحة. الطيبون البسطاء، ملح الأرض، أو فزاعة للطبقات الأخرى، وفرصة للشعور بالتفوق الأخلاقي والطبقي.

فتيات التيك توك أكثر من مجرد كارت جديد في سوق الاستعراض، لأن محطة الفرجة الأولى، المؤسسة الرقابية، ذات التركيبة المعقّدة من رأسمالية أبوية، تبحث عن موقعها في كل الصور، وعندما ستسمح بهوامش سيكون بسمسرتها، وستلوش في أي هامش استعراض ليست لها حصة منه أو تحت مظلتها، سواء كان هذا الاستعراض اسمه دراما وأفلام ومنصات عرض على الإنترنت، أو تجمعّات شبابية يتكلّم عنها العالم. ويمكن حتى تسمح بهامش حرية أعلى، لكن في زوايا وزخانيق معيّنة أكثر خفاء عن الجمهور العام أو صورتها العامة.

أكواد الاختفاء

الأنثى السايبة -في أقصى صور تطرفها عادة أي الراقصة- يفضل أن تختفي بأن تتحول لفُرجة. ففي أحد تجليات الخفاء هو أن ينقلب لـ-مايبدو- نقيضه؛ فرجة. والفُرجة تصنع المسافة الكافية لعدم التوحد مع الفعل، فكأنه يحدث في الخفاء لا في الحياة الواقعية. هنتفرّج على الراقصة، لكن مش هينفع تروّح معانا البيت. 

لو أرادت تلك الأنثى الانضمام لبيت العائلة، فعليها تقديم نسخة ثانية اعتذارية صالحة للقبول المجتمعي. لابد أن تعتذري عما فعلتي. أنا كده وكده أيضًا. أرقص ولكني أذهب للعمرة، أرقص ولكني أم صالحة، أرقص ولكني شريفة. الارتياح المبالغ فيه مزعج. دينا ترقص ولا تعتذر عن الرقص أبدًا،  لكن عندما تقول أنها مثقفة وخريجة آداب فلسفة، تنتظر تصفيق الجمهور، لأن نسختها من الرقص، فيها «لكن»، تفتح بابًا مواربًا للنسخة الأخرى. هي ليست هكذا «فقط». في السينما أيضًا، لو لم تؤطر في مساحة الفقرة الاستعراضية، ونزلت لملعب دراما قصة الفيلم، فهي إما تتسق مع صورتها كبؤرة عار، أوتقدّم نسخة اعتذارية، غالبًا بأن تصبح أم. بمبة كشّر هي «أم وعندها قضية»، سونيا سليم في «الراقصة والسياسي» سيكون ملف قبولها لدى المجتمع الذي تتهمه بالنفاق والزيف هو سعيها لفتح ملجأ أيتام. وزوزو بنت الراقصة هي الفتاة المثالية.

فيلم خلي بالك من زوزو 1972

النسخة الثانية هي طاقية الإخفاء، قربان انخراطك في المجتمع، تستبطن الإحساس الضمني بالذنب، فيخلق المسافة الضامنة ألا تكون متوحد تمامًا مع نسختك الأولى، أو ألّا تكون هذه النسخة مرتاحة مع نفسها. ازدواجية تقود إلى كود سحري؛ انت ممكن تعمل أي حاجة بس ماحدش يعرف، خد لك ساتر، ولو حد عرف اطلع اعتذر عنها. عيش حياتك بس في السر، وتبقى عارف إن ده غلط، المجتمع واخد عليك بنط، ومتعلّم عليك، ما ينفعش تبقى نسختك اللي بتمارس حريتها تبقى حاسة إنها تمام، عينك تكون مكسورة، ما تبقاش بجح، وإلا وقتها ستكون انت اللي بتجر شكلنا، انت اللي ظهرت للعلن، ومارست «الفجور» في الطريق «العام».

يمكن كشباب أن تتجمعوا معًا وتعيشوا حياتكم لكن في وكر، ولو ظهرتم أو أظهرناكم للعلن لسبب ما؛ فأنتم عبدة شيطان، وجودكم مشبوه، ونواياكم تخريبية، سواء كنتم تسمعون موسيقى الميتال أو تتظاهرون بالملايين في التحرير، بالتأكيد تفعلون أمور غريبة، وما يحدث بينكم هو «علاقات جنسية كاملة». 

شفنا الفيلم ده قبل كده

فتاة التيك توك بالفعل تهديد لقيم الأسرة المصرية، لأن أهم قيمة فيها «منظرنا قدام الناس»، على مقياس تعريف الأسرة بأنها ممارسة طقسية، موكب زاحف من الصور التكرارية المتوارثة المستمرة، التي علينا مهمة تنفيذها على الوجه الأمثل، الحفاظ عليها ودفعها للأمام، في تنويم مغناطيسي سيزيفي. الأسرة ليست باعتبارها حاضنة لأفرادها، وإنما لصورة المجتمع، في تمثله الأبوي لتنظيم العالم. جلباب أبي الذي سننتظر 34 حلقة حتى يلبسه عبدالوهاب، ولكنه سيلبسه في النهاية، ضمان لاستمرار الحياة كما هي للأبد. 

منظرنا قدام الناس، هو الأب وراؤه عائلة محترمة، أو القائد وراؤه كتيبة منضبطة. كما قدمت الدولة فيلم الممر (2019)، وروجت له باعتباره الصورة التي تمثلها، منطلقًا من موازاة مع لحظة معينة في تاريخ نظام 1952، وهي هزيمة الجيش في 67، فاللحظتان (2013 و67) لحظتا «استثناء» أو طوارئ. تجاوب صورة الممر بكل دقة على سؤال: لماذا قد يضع الضابط فتاة ترقص في دماغه؟

في الممر، هناك خط أساسي لقصة صحفي. إحسان (أحمد رزق) صحفي مغمور يتجه بعد الهزيمة لكباريه، لتستلقطه الأختان الراقصتان عزيزة الرعاشة وروحية ما أعدمكشي، وتطلبان منه أن يكون مستشارهما الإعلامي، فالوالدة علمتهما أن «بعد الحرب والثورة؛ الهلس بيكتر والهليسة». صوّر المشهد بشكل كاريكاتوري: تلتقط الكاميرا الراقصتين، بلو أنجل شوت، فتبدوان كوحشين، يفترسان الصحفي، الذي يرضخ، وسرعان ما يعاقب باحتقار مجتمعه، قبل أن تنقلب حياته بحادثة سيارة، فيمر عليه شريط ذكرياته، وتظهر فيه الراقصتان. ينتفض، ويعزم على تغيير حياته، فيتجه إلى الضابط نور الدين (أحمد عز) ويترجاه بأن يسمح له بالانضمام إلى كتيبته. وعلى مدار الفيلم، لا يفوت جنود الكتيبة فرصة للسف على الصحفي: يا بتاع الرعاشة وما أعدمكشي.

فيلم الممر 2019

إحسان هو ممثل عن الصحفيين وعن المدنيين في الوقت ذاته. فلا وجود للمدنيين في الفيلم، إلا كأفراد من عائلة الضباط، أو ككومبارسات ينهال عليهم الضابط نور الدين ضربًا في مشهد السنترال، بعد أن حصل تلقيح على الهزيمة. أهمية وجود إحسان في كونه مرآة للشخصيات الأخرى، هو الصحفي، الذي يقدّم «منظرنا قدام الناس»: عاوزينك تحكي للناس اللي بتشوفه هنا.

العالم الذي يرسمه الممر لا يأتي من فراغ، بل يعيد إنتاج السردية الرسمية لما بعد 1967، حيث تلقَى رواجًا المقولة الإكليشيهية عن اكتساح خطوط الهلس والتهليس للمجتمع وانعكاسها على السينما والفن، وتخفف وطأة الرقابة، وانتشار أخبار افتتاح الملاهي الليلية في الجرائد الحكومية.

افتتاح ملاهي 1968

الدولة ذكر (معروفة) وأب يسيطر على الوطن الأنثى الفلاحة الأم؛ مصر هي أمي، ومصر يا أمة يا بهية. بديهيات. وعندما يهزم، يطعن في ذكورته، تتفكك عائلته، يلوث شرفه بانحراف نسائه، ويضيع شبابها. الألفا ميل في «الممر»، الذي يتفجّر التوستيستيرون من عروقه ويفط من الشاشة ويلهب حماس الجماهير، هو رب أسرة مسؤول، شخص جاد يعرف هدفه جيدًا، وقد يتخفف أحيانًا ويهزر مع الصحفي مثلًا، قبل أن يتجهم ويشخط، ويقول له إيه إحنا هنهزر (لا أعرف لماذا يحبون هذه التفصيلة جدًا- اللي هو أنا بنى آدم عادي لأ مش عادي، ولو فيه فقرة هلس تمام بس أنا اللي هتحكم فيها). نور الدين هو المنسي (أمير كرارة) في «الاختيار»، ويوسف المصري (كرارة أيضًا) في «حرب كرموز»، وهو حتى سليم الأنصاري (كرارة للمرة الألف) في ثلاثية «كلبش»، وزين القناوي (محمد رمضان) في «نسر الصعيد». هو كل الضباط الذين تصدروا الدراما المصرية بعد 2013 الصورة التي أنفقت الدولة الملايين لترسيخها. ضابط ترتص وراءه مجاميع منضبطة؛ أرفع نقطة تجلّي للذكورة. 

ومعكوسها سيكون فكرة الصورة عن تمثيلية انهيارها؛ صورة أنثى «سايبة»، لا تلف حوله، منفلتة من سياق مركزيته، وقوة إغوائية لمركزها هي. هي مقابل صورة أمه، الكائن غير الموجود في الوجود، التي تُعرَّف بوجود آخرين، وليس بنفسها، والتي دورها أن «تُفني» حياتها لهذا الذكر. عندما تتعامل الدولة مع صورتها العامة بأنها ذكر، فإن أقصى درجات عدم سيطرتها سيكون صورة أنثى تتصرّف في حياتها عادي يعني، كأنه ليس موجودًا.

فباعتبار الذكورة صورة لحالة استعراضية للسيطرة بالمقام الأول، عندما تتدشدش صورتها، ما سيظهر تحتها؛ هو استعراض لانحلال هذه الصورة -وليس لانحلال المجتمع: تنقلب صورة الذكر الجاد لأنثى وشباب ضائعين. وفي حالة الحرب، تقدم صورة الانحلال هذه بوصفها خطر يهدد الوطن، بضرب مفك في علاقات التتالي والسببية. فبينما من الممكن أن تنبع الرغبة في اللهو من التخفيف من وطأة الحرب، يعمل الوصم الأخلاقي لهذا اللهو على تقديمه أنه من أسباب ضياع الوطن.

وبوصفهم أبناء عائلته، فالشباب الضائع أيضًا تمثيل لانهيار صورة سيطرته، يضيعون فيضحون غير منضطبين، بيهلسوا. بعد 1967 ذاتها، صُورت الهزيمة بوصفها انحطاطًا أخلاقيًا. هناك عقد ما انفرط، وهذا العقد هو العقد الأخلاقي. تفكك المجتمع، وعندما يتفكك فإنه «ينحل»، وهل هناك صورة للانحلال أكثر تعبيرًا من الرقص؟ تعج هذه الفترة بمشاهد أيقونية، لأقبية منازل يحدث فيها أمور غريبة جدًا: بنات وشباب يرقصون، تقدم بوصفها حفلات ماجنة، بالضبط مثلما جرى تصوير ما حدث في واقعة الفيرمونت. 

فيلم جنون الشباب 1975

ستقبض الدولة عام 1997 على عشرات الشباب من محبي موسيقى الميتال، لأنهم يقيمون حفلات «غريبة» و«ماجنة» في قصر البارون المهجور. ستصمهم بالعار، وتطلق على قضيتهم «تنظيم عبدة الشيطان»، وتثير زوبعة إعلامية، فيفزع الرأي العام، ثم يتنفس الصعداء ويبتسم لأن الأب مفتح عينه، وستتحوّل القضية لمرجع بصري ممتاز للشباب المنحل.

الضابط نور الدين، هو ونيس، الذي يوقف أبناءه في طابور صباحي يومي ويلقي عليهم محاضرات، هو الحاج متولي، الذي سيتزوج أربعة بينما سيحرم ابنه الوحيد من الزواج من البنت التي يحبها، سي السيد، الذي يذهب للراقصة ويعيش نزوته في الخفاء، وفي البيت هو راجل حمش. عبد الغفور البرعي، الذي سيجثم شبحه على ابنه.

سنخاف من خطر غياب رمضان السكري، لأن العيال هيضيعوا، والابنة سترقص. عندما ظهرت الفنانة ريم أحمد، التي لعبت دور هدى ابنة ونيس الصغرى في المسلسل، في فيديو ترقص زومبا على أغاني مهرجانات على مسرح في حفل مدرسة، هاجت عليها التعليقات، لأن إزاي هدى «بنت ونيس» كبرت وانحرفت، ما اضطر ريم لتخرج بتصريحات أن هذا «شغلها»، هي مدربة زومبا، والفيديو كان «فقرة» في حفلة.

تُصدّر الدولة صورتها كذكر قوي يشكم المجتمع، مثلما يشكم الأب البيت، والقائد الجيش. ثم تأتي فتاة، عادية جدًا، تتصرّف عادي يعني، مقدمة صورة سايبة مفتوحة عالاحتمالات. ستستفز سليم الأنصاري لينتفض وينفذ دوره الطبيعي في الإكليشيه: سيشكمها، ويحافظ على منظرنا قدام الناس، حتى لا يظن أحد أنها سايبة.

ثنائية التهليس وضياع الوطن شديدة الرسوخ شديدة الابتذال، ليس في السرديات الرسمية للدولة فقط، لكنه إكلشيه نافذ عابر، في أي خطاب يميني. في تقرير لقناة الجزيرة-مصر عن حفل فريق مشروع ليلى في القاهرة، سبتمبر 2017، صوّر التقرير الحفلة بوصفها حفلة «ماجنة» رُفع فيها علم قوس قزح، وعزا انحلال الشباب هذا، لأنه عهد دُشن بسيدات يرقصن أمام اللجان الانتخابية، في إشارة مبطنة لضياع الوطن بعد يونيو. مشروع ليلى نفسه، وفي فيديو كليب أغنية «للوطن» (2013) والتي فيها: خونوك القطيع كل ما طالبت بتغيير الوطن/ يأسوك حتى تبيع حرياتك لما يضيع الوطن/ قالولك حاج تبشر تع رقصني شوي؛ استحضر الصورة، نفسها، ليس من منطلق أخلاقي، لكن إعادة إنتاج لابتذال فكرة إن الصورتين بييجوا مع بعض، باكدج واحد.

فتاة التيك توك شبحاية عاملة خوتة. والدولة المهووسة بصورتها، والمستنفرة لمحاربة الأشباح، تستغلها لتكمل صورة حالة (الحرب) التي تكرسها، والتي بنت عليها شرعيتها بالأساس. هي الأنثى المنحلة، وشبابنا الضائع، والأدهى بنت الفقراء الذين من المفترض أن يلزموا مواقعهم. وفي عائلتنا السعيدة غير مرحّب بها. 

الوطن ضاع في 2011، كما ضاع في 1967. والكتيبة التي قرّرت الدخول في حرب استنزاف مع العدو في 67، دخلت حربًا أخرى مع من أضاعوا الوطن ثانية. وعند نقطة ما؛ سيتساوى عندها معارضون سياسيون بفتاة ترقص على الإنترنت، بشاب يغني مهرجانات، بحفلات راقصة، بشباب صحفيين يقومون بدورهم. كلهم شباب ما اتربوش، وبنات قليلة الرباية، يشوهون منظر أسرتنا قدام الناس، وصورة دولتنا قدام العالم. شواذ عن مجتمعنا وأشباح عاملة خوتة، ونحن في وقت حرب، مفترض أن نصطف فيه وراء الأب وناخد صورة تسترد شرفنا. في صورتنا المثالية، تذهب الراقصة إلى الكباريه، والصحفي إلى الكتيبة، والممثلون لسينرجي، والمغنيون لنقابة المهن الموسيقية، والشباب إلى مؤتمر الشباب، مرتدين البذات الرسمية، ومفعمين بالأهمية، وهم يرفعون أيديهم ليناغشوا الرئيس بسؤال لم يكن على حسبانه، فيهزر قليلًا، ويضحك الجميع، قبل أن يلم الموقف، ويقول إيه إحنا هنهزر.

اعلان
 
 
ليلى أرمن 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن