استباحة مسؤول في السلطة

 «المسؤول» هو الوزير أسامة هيكل الذي تولى حقيبة الدولة للإعلام نهاية العام الماضي، دون أن يعرف أحد ما هي تحديدًا صلاحياته، بعد أن أسندت مواد الدستور إدارة وتنظيم ملف الإعلام حصرًا، من الناحية النظرية على الأقل، إلى الهيئات الإعلامية الجديدة التي تم استحداثها.

أما «السلطة» فلا تحتاج إلى تعريف أو تقديم، فأفعالها وسياساتها واضحة ظاهرة للعيان، نجحت خلال السنوات الست الماضية من إحكام السيطرة على كل مساحات الشأن العام، لم تترك شاردة ولا واردة خارج قبضتها، ولا تسمح بأي مساحة للاجتهاد، انطلاقًا من القاعدة السلطوية «لا اجتهاد مع السلطة» وليس من القاعدة الفقهية الأصولية «لا اجتهاد مع النص»، لأن السلطة ذاتها تتجاهل وجود نصوص دستورية وقانونية وضعتها بنفسها، ومن يخرج عن قاعدة «لا اجتهاد مع السلطة» يضع نفسه في دائرة الاستهداف.

الأزمة الأخيرة التي شغلت الرأي العام تفجرت على وقع تصريحات لوزير الدولة للإعلام أسامة هيكل قال فيها إن «أصحاب الأعمار أقل من 35 سنة، والذين يمثلون حوالي 60 أو 65% من المجتمع، لا يقرؤون الصحف ولا يشاهدون التلفزيون وبالتالي من المهم التفكير في نمط حياة هذه الفئات».

هذه الكلمات العادية والتي تحمل التقدير المتكرر لمسؤولين ومراقبين لهم علاقة بملف الإعلام، فتحت على الرجل أبواب الجحيم الإعلامي، فتمت استباحته، لأنهم اعتبروه قد تجاوز قاعدة «لا اجتهاد مع السلطة»، وانتقد الأداء الإعلامي وطعن في إدارة من يتحكمون فيه.

أمام هذا الهجوم المباغت، حاول هيكل الدفاع عن نفسه، ورد على مهاجميه وقال ما يفهم منه إنهم مجرد «أقلام وميكروفونات للإيجار»، وأنهم يضعون توقيعهم على مقالات لم يكتبونها ويقدمون كلامًا على الشاشات يرسل إليهم ممن يديرونهم.

لم يأت وزير الدولة للإعلام في تصريحاته السابقة بجديد، فقصص السيطرة والتحكم في منصات الإعلام بتفاصيلها أصبحت على قارعة الطريق، ولم تعد قاصرة على جلسات النميمة بين الصحفيين والعاملين بالوسط الإعلامي، مع ذلك تعرض الوزير لهجوم إعلامي شاركت فيه معظم المنصات الإعلامية، لم يشفع له موقعه في السلطة ولا تأييده المطلق للنظام صحفيًا ونائبًا في البرلمان.

كلام هيكل حول «هجر الجمهور للإعلام المصري» قُتل بحثًا داخل دوائر السلطة وخارجها، ورصدت مقالات وتقارير تدني أرقام التوزيع وعدد المشاهدات مقارنة بالأعوام التي سبقت ثورة يناير 2011 والأعوام القليلة التي أعقبتها.

خلال العام الماضي عقدت ورش عمل ضمت مسؤولين وخبراء وعاملين بالمجال الإعلامي لمناقشة أزمة «هجر الجمهور للصحافة والإعلام» وأسبابها وسبل الحل، وتحدث بعض من حضروا تلك الاجتماعات عن أن غياب أي هامش للحرية وعدم استقلال وسائل الإعلام دفع الجمهور خاصة في سن الشباب إلى البحث عن منصات آخرى تقدم له محتوى مقنع، مع ذلك تصدر هؤلاء حملة الهجوم على هيكل وهاجموه وطالبوا باستقالته لأنه «لا يفهم لا في السياسة ولا في الإعلام».

ومع وصول حملة الاستباحة إلى مرحلة التخوين والتشكيك في الذمة الوطنية خرج الوزير بتصريح جديد على صفحته بموقع فيسبوك يتهم فيه منتقديه بأنهم مدفوعين لمهاجمته، «في توقيت واحد، وبنفس الكلمات، شنت أقلام معروف للكافة من يحركها بالتساؤلات نفسها حول ماذا فعلت منذ توليت المسؤولية؟ ولماذا لا أصمت؟ ولماذا لا أبحث عن وظيفة أخرى؟ وأحدهم يتهمني بأنني بتصريحاتي سأتسبب في عدم إقبال المعلنين على الإعلان في الصحف.. لا إبداع على الإطلاق.. نفس الكلمات ونفس الأسماء، بل ونفس التوقيت».

وزاد الوزير محدثًا من وصفهم بأنهم أدوات: «أقول لهؤلاء إن أخطر أنواع الفساد هو أن يترك الكاتب قلمه لغيره، ويكتفى هو بالتوقيع، والحقيقة إنني لا أريد أن أرد على هؤلاء لأنهم مجرد أدوات.. ولكنني سأرد على من أعطى لهم الأمر بالكتابة فلم يترددوا للحظة واحدة، طمعًا في الرضا والعفو والسماح. فإنهم إن لم يمتثلوا سيطاح بهم».

وبعث الوزير برسالة إلى الجهة المجهولة التي لم يسمها واتهمها بإهدار الكثير وتوعدها بالرد، «وأرد مبدئيًا على من أعطى الأمر.. بأنني لن أصمت فأنا أقول الحقيقة، والحقيقة ستظهر إن عاجلًا أو آجلًا، فقد أهدرتم الكثير والكثير بلا خبرة وبلا هدف واضح، ولم يعد أحد لا يعرف».

ويبدو أن التصريح السابق للوزير نكأ جرحًا وتسبب في إزعاج من «أعطى الأمر» بحسب تعبيره، فشدت منصات الإعلام أجزاء أسلحتها وجعلت من هيكل هدفًا، وكأنه أحد المعارضين أو المخالفين الذين يتم استباحتهم نهارًا على صفحات الجرائد وليلًا على شاشات الفضائيات.

تصريحات الوزير الفيسبكوية تضمنت العديد من الألغاز على الأقل لغير العاملين في الوسط الصحفي، فالرأي العام تلقى من مسؤول في السلطة خبرًا كبيرًا ومثيرًا، لكنه خبر غير مستوفي الشروط، أجاب هيكل عن سؤال واحد من أسئلة الخبر وهو السؤال بـ«ماذا.. أي ماذا حدث»، لكنه لم يجب عن باقي علامات الاستفهام «من.. ومتى.. وكيف»، فلم يشر إلى أسباب تراجع توزيع الصحف ولم يكشف عن الجهة المسؤولة عن هذا التراجع أو تلك الجهة التي «تعطي الأمر بالكتابة».

وكما تجنب الوزير الدخول في التفاصيل وترك العديد من علامات الاستفهام معلقة في الهواء، تجنبت بقية المنصات الصحفية المصرية التي لم تشارك في الحملة هجومًا أو دفاعًا الاشتباك صحفيًا مع الأزمة المثارة، فلم تُقدم أي وسيلة إعلامية على القيام بما تقتضيه واجبات المهنة، ولم يسع أي منها للحصول على إجابات عن الأسئلة المشار إليها، حتى يحصل الرأي العام على حقه في المعرفة وهي المهمة الأساسية للصحافة.

بعد يومين من الأزمة المتصاعدة، تراجع الوزير نفسه وأقر بأن تصريحاته المثيرة للجدل والتي أشعلت النار أُخرجت من سياقها، ودعا ما هاجموه إلى اجتماع فشل قبل أن يبدأ إثر انسحاب عدد من المدعوين إليه، احتجاجًا على عدم تمكُن بعض الصحفيين من المشاركة، فتجددت العاصفة بعد أن هدأت قليلًا.

إذا كان وزير الدولة للإعلام هاجم الإعلام المصري وأقر بحقيقة هجر الجمهور لمنصاته، فالرئيس السيسي وجه سهام نقده في أكثر من مناسبة للإعلام بكل منصاته، واتهمه بالتقصير في تسويق إنجازات الدولة، «قطاع الإعلام في مصر لم يصبه التطوير منذ فترة طويلة، ولم يصبح يحقق الأهداف المرجوة منه مثله مثل باقي قطاعات الدولة التي لم يُصبها أي تطوير، وهذا يُسبب مشكلة كبيرة للغاية سواء في قطاع التعليم أو الصحة أو الثقافة أو الاقتصاد»، قال السيسي خلال فعاليات مؤتمر الشباب السابع العام الماضي.

وأضاف السيسي خلال إحدى جلسات المؤتمر: «الإصلاح أصبح واجبًا لكل القطاعات بما فيها قطاع الإعلام، وهذا لا يعني الإساءة لأحد»، موضحًا أن الإعلام كمنظومة ينشق إلى شقين، «شق اقتصادي حيث تقدم الدولة للإعلام ست مليارات جنيه، والعوائد من أنشطته على الدولة 2.3 مليار جنيه فقط»، وتابع مستنكرًا: «الشق التاني وهو الشق الفني يا ترى هو ده اللي إحنا بنتمنى نقدمه، لا طبعًا، كان الإعلام في الستينات له تأثير كبير جدًا وكان ليه عوايده، حصل تطور في الدول العربية، بس إحنا في نفس الوقت فضلنا زي ما إحنا، بس لا يرضي الكثيرين من الناس أداء الإعلام في الوقت الحالي».

نقد الرئيس للإعلام في ذلك المؤتمر لم يكن الأول من نوعه فالرئيس هاجم الإعلام في مناسبات عديدة منذ توليه موقعه قبل ست سنوات، والكل يذكر «يا بخت عبد الناصر بإعلامه.. وأه منكم يا إعلاميين»، لم يجرؤ أحد حينها بالطبع على مناقشة الأسباب التي أدت إلى تراجع الإعلام ودفعت الرئيس لانتقاده، بل أقر حينها معظم من يهاجمون هيكل الآن بتدني حال إعلامنا وصدَق الجميع على كلام الرئيس.

ما سبق ليس دفاعًا عن أسامة هيكل بالطبع، فالوزير الحالي شارك في عملية حصار الإعلام وتكبيل حرية الرأي والتعبير من خلال موقعه السابق كرئيس للجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب، عندما أضفى البرلماني السابق الشرعية القانونية على عمليات الرقابة والحجب والمنع التي تمارسها أجهزة السلطة على المنصات الإعلامية، ومرر وبارك قوانين تنظيم الإعلام سيئة السمعة التي صدرت قبل عامين، والتي شرعنت تغول السلطة على المهنة ومؤسساتها.

ظن البعض أن هيكل سيتحول بعد أن أوكلت له حقيبة وزارة الدولة للإعلام إلى قناة اتصال بين النظام والمسؤولين عن المنصات الإعلامية، يترجم سياسة السلطة وتوجهاتها وينقلها إلى رؤساء التحرير ورؤساء القنوات، ويتابع المحتوى الإعلامي ويقيمه ويختبر درجة تأثيره في الجمهور، ويعمل على إدارة حوار بين الطرفين للوصول إلى حلول تعيد القارئ والمشاهد مرة أخرى إلى منصاتنا.

بعض المصادر أشارت إلى أن هيكل حاول إعادة ترتيب المشهد الإعلامي، ورفع تصورات وتقارير لما وصُف بأنه «عملية إصلاح وتطوير كاملة، تشمل تغييرات في السياسات والأشخاص القائمين عليها»، وطالب بأن يكون له دورًا واضحًا في إدارة الملف، وأن تتراجع أدوار من يديرون المشهد حاليًا، لكن يبدو أن تصوراته اصطدمت برغبة «من يعطي الأمر» في استمرار سيطرته على الأمور، ففشلت المهمة قبل أن تبدأ، حينها كان أولى بالوزير أن يعتذر عن الاستمرار في منصبه ويخرج بهدوء، لكنه لم يملك الشجاعة ولا الجرأة الكافية لمثل تلك الخطوة، واختار الاستمرار في منصب بلا صلاحيات ولا نفوذ، وتحمل كل عمليات القصف التي استهدفته.

في المقابل كان يمكن أن يُطلب من هيكل تقديم استقالته دون ضجيج أو حملات، أو يُمهل حتى يصدر قرار بتكليف رئيس وزراء لتشكيل حكومة جديدة في يناير المقبل بعد انعقاد البرلمان الجديد، وذلك من باب الحفاظ على هيبة الموقع ومكانة الوزارة الذي ينتمي إليها الوزير أمام الرأي العام، لكن يبدو أن قاعدة «من ليس معنا بقلبه ولسانه فهو ضدنا» هي الحاكمة.

في عهود سابقة كانت الاختلاف بين السلطة وأحد رجالها ينتهي بإزاحة هذا المسؤول دون تشهير أو إهانة، «اختلف عبدالناصر مع حلمي مراد وزير تعليمه أثناء اجتماع مجلس الوزراء، وانتهي الاجتماع وأعلن بعدها قبول استقالة الوزير دون إهانة أو تشهير، وعندما انفرد السادات برؤيته في كامب ديفيد استقال ثلاثة وزراء خارجية تباعًا، وقُبلت استقالتهم دون إهانة وتشهير، وقتها منصب الوزير حتى وإن كان منصبًا تنفيذيًا لسياسات يراها الرئيس كان يكتسب بعض الوقار والهيبة والاحترام»، هذا ما أورده الفقيه القانوني الدكتور نور فرحات في تدوينه له على حسابه بموقع فيسبوك.

وأضاف فرحات: «عندما انتقلت سلطة توجيه الوزراء والإعلاميين والمدراء ورؤساء المصالح والمؤسسات من المستويات السياسية العليا إلي فتية مفتولي العضلات يجلسون خلف وأسفل خشبة المسرح يحددون الخطأ والصواب في غيبة أية معايير مؤسسية، فلا تحدثني عن هيبة المنصب أو وقاره.. صانع القرار أو محرك الألعاب يقف خلف أو أسفل خشبة المسرح، كل ما نملكه أن ندعو له بالرشاد».

اللهم أهدنا جميعا سبيل الرشاد.. ولا تدخلنا في تجربة.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن