عودة مٌخضّبة بالدماء: الجيش يسمح بعودة نازحي قُرى بئر العبد.. ومقتل 8 سيدات في «حقول العبوات الناسفة»
 
 

بعد قرابة 70 يومًا من النزوح، ووعود سابقة لم تتحقق، عاد أهالي أربع قرى تابعة لمدينة بئر العبد، في شمال سيناء إلى منازلهم، مطلع اﻷسبوع الجاري، وسط فرحة عارمة ربما جعلتهم يتجاوزون الدمار والخراب الذي حَل على قراهم ومنازلهم إثر المعارك بين القوات المسلحة وأفراد تنظيم ولاية سيناء  التي كانت سببًا في بدء النزوح.

تلك الفرحة المؤقتة لوثتها دماء ثمانية مواطنين قتلتهم عبوات ناسفة بعد ساعات من العودة للقرى، فيما يبدو الوضع محفوفًا بالمخاطر مع استمرار ظهور أفراد من «التنظيم» في القرى، ما يفتح الاحتمال بتجدد الاشتباكات بينهم وبين القوات المسلحة، وما يعنيه ذلك من تهديد دائم لحياة الأهالي.

كان سكان قرى: «قاطية» و«إقطية» و«الجناين» و«المريح»، الواقعة جنوب غربي بئر العبد، قد نزحوا عنها عقب انسحاب مسلحي تنظيم ولاية سيناء إليها، بعد هجومهم على معسكر للقوات المسلحة في قرية «رابعة»، في 21 يوليو الماضي، وما تلى ذلك من فرض عناصر «ولاية سيناء» سيطرتهم على القرى، قبل أن تبدأ القوات المسلحة في اشتباكات مع تلك العناصر على أطراف القرى، فضلًا عن قيامها بقصف أهداف بداخلها.

خريطة توضح موقع القرى الأربع 

ومثلما هو الحال مع معظم ما تشهده محافظة شمال سيناء، كان التمهيد للعودة دون بيانات رسمية من المحافظة أو المتحدث العسكري، وإنما عبر حسابات فيسبوك تخص شيوخ قبائل في بئر العبد، والذين أعلنوا في نهايات سبتمبر وبدايات أكتوبر عن قُرب العودة، وهو ما لم يُعره اﻷهالي اهتمامًا كبيرًا وقتها، بسبب وعود مشابهة من المشايخ أنفسهم في بدايات سبتمبر، لم يعقبها سوى السماح لعدد من أهالي قرية واحدة (الجناين) بالعودة إلى جزء محدد منها، فيما لم يصل سكان باقي القرية، والقرى اﻷخرى، ﻷبعد من معسكر القوات المسلحة في قرية رابعة، حيث قدموا صورًا من هوياتهم، ووقعوا على إقرار بالإبلاغ عن أي عناصر من غير السكان، أو أية أجسام غريبة أو أسلحة يجدونها في قراهم عند عودتهم، التي لم تتم وقتها.

بالتزامن مع تكرار وعود شيوخ القبائل بالعودة، في بدايات الشهر الجاري، كان التطور اﻷول عن الوضع القائم، بسماح القوات المسلحة لسكان قرية الجناين بالتوغل أكثر فيها، ليس للإقامة في منازلهم، وإنما لتفقدها فقط، وكذلك لجني محصول البلح.

تلى ذلك تطور آخر شابه بعض الغموض، وهو دعوة بعض الصفحات الإخبارية المحلية على مواقع التواصل الاجتماعي لمسيرات يومي 4 و5 أكتوبر، في الجزء المسموح الوصول له في قرية الجناين، فيما لم تُشر تلك الدعوات للمسؤولين عن تنظيم تلك المسيرات، التي تزامنت مع احتفالات نصر أكتوبر.

في الموعد المحدد شارك اﻷهالي، بكثافة، في المسيرات، رافعين أعلام مصر، ومرددين هتافات داعمة للقوات المسلحة، فيما أشار سكان ممن شاركوا بها إلى أن أعدادًا كبيرة من النازحين حضرت المسيرات التي كان واضحًا فيها التنظيم الجيد، رغم أن أحدًا لم يعرف من نظمها. السكان الذين تحدثوا لـ «مدى مصر» أضافوا أنه رغم الإعلان عن أن المسيرات كانت للاحتفال مع القوات المسلحة بذكرى النصر، إلا أن المشاركين فيها كان بينهم اتفاق غير معلن أن هدف تلك المسيرات هو المطالبة بالعودة لقراهم.

وبالفعل، شهدت المسيرات مناشدات من اﻷهالي للقوات المسلحة بالسماح لهم بالعودة لقراهم، ومناشدات أخرى لرئيس الجمهورية بالتدخل وإنهاء معاناتهم، خاصة قبل دخول فصل الشتاء، وكذلك قبل بداية العام الدراسي.

لافتات التي رفعها أهالي القرى الأربعة خلال المسيرات المطالبة بالعودة في قرية الجناين

وعود جديدة بالعودة تلقاها اﻷهالي خلال المسيرات، ولكن هذه المرة من ضباط بالقوات المسلحة، الذين أكد أحدهم للأهالي، في مسيرة 5 أكتوبر، إن عودتهم باتت قريبة، «خلال 72 ساعة كله هيدخل بيته»، فيما قال ضابط آخر للأهالي: «إحنا بنعمل المسحة الأخيرة وفي ناس جوه كتير قوي.. علشان خاطري لو عايزين تساعدونا عايز اتنين تلاتة يراقبولي الحتة دي» وأكد للأهالي: «المشايخ النهارده عندهم مؤتمر الساعة 12».

كانت أيام المسيرات قد شهدت تعطلًا وضعفًا واضحًا في شبكات الإتصالات والإنترنت في محيط بئر العبد، وهو ما أرجعه اﻷهالي لمسح موسع أجرته القوات المسلحة في القرى لاكتشاف وتفكيك العبوات الناسفة، تمهيدًا لعودتهم.

في ذلك التوقيت كان اليأس قد سيطر على أهالي القرى اﻷربع، بسبب طول نزوحهم الذي جعلهم يخشون ملاقاة مصير أهالي مدينتي رفح والشيخ زويد، الذين لم يعودوا لمنازلهم منذ بدء نزوحهم عنها في 2015، هذا اليأس من العودة جعل غاية أمل بعض سكان قرى بئر العبد هو العودة لمنازلهم لمرة واحدة قبل فصل الشتاء، لجلب ملابس شتوية وبطاطين، بحسب مصادر من السكان تحدثت لـ«مدى مصر»، مرجحين أن تكون مسيرات أكتوبر هي التي غيرت المعادلة على اﻷرض، خاصة مع كونها الحدث اﻷول من نوعه في المحافظة.

بعد أيام قليلة من تلك المسيرات، وتحديدًا يوم الجمعة 9 أكتوبر، عاد شيوخ القبائل للنشر على صفحات التواصل الاجتماعي، ولكن هذه المرة تجاوز اﻷمر مجرد تطمينات قُرب العودة، إذ حددوا السبت والأحد، 10 و11 أكتوبر، موعدًا لعودة سكان القرى اﻷربع، كما حددوا منطقة بعينها في قرية الجناين مكانًا لتجمع الأهالي العائدين.

كان مشهد دخول القرى مهيبًا ومليئ بفرحة عارمة، بحسب الأهالي الذين تحدثوا لـ«مدى مصر»؛ مئات العائدين، بعضهم يسيرون على أقدامهم وآخرون يستقلون سيارات ميكروباص ورُبع نقل وتروسيكلات، رجال يلوحون بأغطية الرأس السيناوية، ونساء يطلقن الزغاريد، والجميع يهتف للقوات المسلحة التي تمركز أفرادها على آليات ثقيلة تواجدت بكثافة على طريق الدخول للقرى، فيما تمركز بعضها عند خط السكة الحديد بقرية الجناين لفحص هويات العائدين للقرى.

في قرية قاطية كان أول ما عكّر صفو فرحة العودة هو اكتشاف اﻷهالي أن منازلهم كانت متضررة بشدة، بعضها انهار تمامًا بسبب القصف الجوي، فيما انهار البعض الآخر جزئيًا، ربما بسبب قذيفة دبابة أو تفجير عبوة ناسفة، كما وجد أصحاب المنازل غير المتضررة منازلهم مغلقة كما تركوها، حسبما يقول أحد سكان القرية، الذي أضاف أن القرية كانت عبارة عن حقول من العبوات الناسفة.

الأضرار البالغة التي لحقت بمنازل الأهالي جراء الأشتباكات بين الجيش وتنظيم ولاية سيناء.

الأضرار البالغة التي لحقت بمنازل الأهالي جراء الأشتباكات بين الجيش وتنظيم ولاية سيناء.

بعد دخول منازلهم، اكتشف الأهالي وجود عبوات ناسفة مزروعة بطريقة «الشرك الخداعي»؛ عبوة موصولة بخيط رفيع مثبت على شيء يتم فتحه بالعادة، مثل الثلاجات أو الأبواب، وبمجرد فتح الباب تنفجر العبوة، فيما رجح الأهالي أن تنظيم ولاية سيناء هو من زرع تلك العبوات قاصدًا تفجيرها في أفراد الجيش أثناء عمليات التمشيط.

الشراك الخداعية كانت سببًا في انطفاء الفرحة في يوم العودة نفسه، بعد بدء سقوط ضحايا من السكان العائدين، حيث قتلت عبوة مزروعة في أحد المنازل سيدتين وأصابت زوج إحداهما. مصدر طبي في مستشفى بئر العبد، الذي تم نقل الضحايا إليه، أكد لـ«مدى مصر» أن السيدتين وصلتا إلى المستشفى جثتين، فيما قالت مصادر محلية وطبية، إنه لم تمر ساعات قليلة إلا وانفجرت عبوة أخرى في فناء منزل في قرية الجناين، مسفرة عن مقتل سيدة وطفلتها في الحال.

جنازة أحد الضحايا المدنيين 

سقوط الضحايا زاد من صعوبة أول أيام العودة، الذي كان عصيبًا بالفعل بسبب انقطاع الكهرباء والمياه عن القرى، ما دفع معظم النساء واﻷطفال لمغادرتها مرة أخرى، فيما بقيت أعداد قليلة من الشباب.

في اليوم التالي، اﻷحد، دفعت شركتا الكهرباء والمياه بأطقمها، التي أصلحت بعض الأعطال وزودت القرى بمولدات كهربائية ساعدت الأهالي في رفع المياه من الآبار وطلمبات المياه -التي تستخدم بكثرة في شمال سيناء لقلة حصة مياه النيل الواردة للمحافظة، والتي غالبًا لا تصل إلى المنازل- مما ساعد في استقرار بعض الأسر والإقامة في قريتهم.

ومن جانبهم حاول بعض سكان قرية قاطية من تجار الخضروات تنظيم سوق صغير داخل قريتهم وافترشوا الأرض ببعض أقفاص الخضروات في محاولة منهم لإظهار أن الحياة الطبيعية بدأت تعود من جديد، خاصة وأن سكان بئر العبد يصفون «قاطية» وما حولها من قرى بـ«المثلث الأخضر»، لما تمثله من أهمية زراعية للمحافظة بأكملها، بما تحويه من مزارع نخيل ورمان وزيتون، تعتبر مصدر رزق المئات من الأسر، فضلًا عن كونها مصدرًا أساسيًا لتخزين السلع الغذائية والخضروات في التجمعات القروية في شمال سيناء، ما أدى إلى أزمة في الخضروات في محيط قرى غرب بئر العبد حين بدأ اﻷهالي في النزوح مع تدهور اﻷوضاع اﻷمنية.

السوق الصغير الذي أقامه أهالي قرية قاطية

كان اﻷحد 11 أكتوبر هو موعد عودة سكان قرية إقطية لمنازلهم، ما دفع عدد من أهالي «قاطية» للخروج لمفرق الطرق بين القريتين، لتحية السكان العائدين، وهم يهتفون «بالدم بالروح سيناء مش هتروح».

تعد إقطية أكبر القرى اﻷربع مساحة، كما أنها كانت مقر وجود قيادات «التنظيم» خلال سيطرته على تلك القرى، ما جعل العودة لها مختلفة؛ تأخر دخول الأهالي لساعات بسبب اشتباكات كانت مستمرة بين قوات الجيش ومسلحي «التنظيم»، فيما قال سكان من القرية إنه بعد وقت قليل من تمكنهم من الدخول لها وجدوا بين المنازل أربع جثث يبدو أنها حديثة الوفاة.

وفي محاولة لتفادي الشراك الخداعية التي زرعها «التنظيم» في المنازل، شدد أفراد الجيش الذين تواجدوا مع الأهالي في إقطية، على عدم فتح أي منزل مغلق إلا بعد إبلاغ قوات التأمين، وأنهم هم من سوف يتولون فتحه، أما المنازل المفتوحة يمكن لأصحابها دخولها وتفقدها بحرص.

أحد سكان القرية قال إن نهار ثاني أيام دخولها انقضت في كشف الأهالي لعبوات ناسفة وقيام الجيش بتفجيرها، «طوال الوقت تنبيهات بالابتعاد عن مكان محدد وبعد دقائق نسمع التفجير».

رغم كل ذلك الحرص أبى اليوم أن يَمُر بدون دماء، بحلول المساء انفجرت عبوة ناسفة في سيارة يستقلها خمسة أفراد من أسرة واحدة أثناء خروجهم من القرية، ما أسفر عن مقتل أربعة؛ ثلاث سيدات وطفلة رضيعة عمرها عامين، وإصابة شاب، نقلوا جميعًا إلى مستشفى بئر العبد بواسطة سيارات الأهالي بحسب مصادر محلية.

في الوقت نفسه لم يكن مسلحو ولاية سيناء بعيدين عن مشهد العودة، حيث ظهروا على أطراف القرى، خاصة في «قاطية» و«إقطية».

في قاطية حذّر المسلحون الأهالي من العودة والاستقرار في القرية، أحد اﻷهالي قال لـ«مدى مصر» إن مسلحًا هدد جاره: «المرة هادي الجيش سمح ليكو بالعودة، لكن المرة الجاية إحنا مش هنسمح بكده».

أما في «إقطية» فكان تواجد أفراد «التنظيم» أكثر وضوحًا، حيث قضى ثلاثة منهم الليل في مراقبة بعض مجموعات الشباب الذين يبيتون في القرية، وبحلول الصباح كان المسلحون قد اختفوا، غير أنهم عادوا قبل قليل من حلول مساء الإثنين الماضي، واشتبكوا مع قوات الجيش قبل أن يختفوا مرة أخرى بعد حلول الظلام، بحسب أحد السكان.

الظهور المفاجئ، والمتقطع، لعناصر «التنظيم» حول وداخل القرى جعل الأهالي العائدين يتوقعون أوضاعًا أسوأ خلال اﻷيام المقبلة، سواء بسبب تهديدات «التنظيم» بعدم السماح لهم بالعودة، في تغير عن محاولته التودد للأهالي في يوليو الماضي، ومطالبته إياهم بممارسة حياتهم بشكل طبيعي، أو بسبب خوفهم من تجدد الاشتباكات العنيفة بين المسلحين والقوات المسلحة، بكل ما فيها من رصاصات عشوائية وقذائف طائشة وقصف جوي، وعبوات ناسفة، وتشكل اﻷخيرة خطرًا داهمًا، خاصة مع تراجع عمليات «التنظيم» المسلحة في بئر العبد منذ منتصف الشهر الماضي، واكتفائه بإعلان مسؤوليته عن تفجير عبوات ناسفة في آليات عسكرية بين الحين واﻵخر. فيما يستمر الخطر محدقًا بالأهالي بسبب الشراك الخداعية المزروعة في منازلهم، والتي انفجر أحدها، أثناء محاولة تفكيكه، في منزل بقرية المَريح، ليقتل صاحب المنزل، وضابط وثلاثة جنود.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن