جولة خيالية
 
 
المصدر: عمر مصطفى
 

#جو عام

الخيال هو نزهة العقل وقت راحته، يخبرنا عادة ما لا نعرفه، وما نكتشف غرابته حين نحكيه.

هذه المرة نلبي نداء الخيال ونستجيب لسحر عوالمه، نعتمد على دليل صدر قبل ستة وستين عامًا بالإسبانية، عن المخلوقات الوهمية* الذي يرشد القارئ إلى حديقة حيوان الأساطير، أقسامها تخالف تصوراتنا عن الحيوانات فنجد في هذا الدليل «براق» و«تنين». مؤلفا هذا الدليل، خورخي لويس بورخيس ومارجريت جيريو، أجريا بحوثًا في متون الآداب الكلاسيكية والشرقية، وقالا إنهما لا يزعمان أن كتابهما يشتمل على مجمل الحيوانات الخرافية. وفي مقدمة الطبعة الثانية (بالإنجليزية، 1967) جدّدا القول بإن كتابهما «لا بد أن يكون ناقصًا؛ وكل طبعة جديدة منه هي نواة طبعات لاحقة قد تتكاثر إلى ما لا نهاية».

هذا الويك إند، نتفاعل مع دليل بورخيس وجيريو بشكل أكبر من القراءة أو ترشيحه لها، وذلك عبر استلهام حيوانات سبق ذكرها في دليلهما مثل البراق والتنين والحكي عنهما من جديد، كما نضيف إليهما حيوان من بيئتنا؛ السلعوة.

نأمل أن يساهم هذا الدليل في إثراء التفاعل مع ما يصنعه الخيال وما تخلقه طبقات وعينا الأكثر تحررًا من المنطق وأحكامه. دليلنا هذه المرة يشترط تعطيل المنطق، والسرحان مع الخيال، لعلنا نتمكن من فهم واقعنا وأنفسنا بشكل أفضل وأجمل.

تنين 

نبدأ مع الحيوان الوهمي الأكثر ألفة، رغم ما أحيط به من حكايات خرافية.

قديمًا قيل إن التنانين خالدة، يُنسب إليها فعل العواصف والأمطار وأكل الشمس، وحمل الإمبراطور إلى السماء حين يموت، بل يُقال عن كسوف الشمس إن تنينًا يأكل الشمس. وقالت العرب إن التنين له رأس حصان أو جمل، وأنه يطير بجناحين كبيرين، وذيله يشبه ذيل أفعى. ويقول القاضي وصاحب عدة مؤلفات هامة عن الخرائط والحيوان والأرصاد زكريا القزويني (1203-1283)، فإن التنين لونه مثل لون النمر، وجناحه مثل السمك، ويكتب عنه في مؤلفه «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» أنه مثل «حية متمردة تأكل من دواب البر ما ترى، فإذا عظم فسادها يبعث الله تعالى ملكًا يحتملها ويلقيها في البحر، فتفعل بدواب البحر ما كانت تفعله بدواب البر، ويعظم جسمها فيبعث الله تعالى ملكًا فيحملها ويلقيها إلى يأجوج ومأجوج».

كما يسجل القزويني ظهورًا آخر للتنين، وذلك في مدينة حلب قديمًا، «بغلظ منارة وطول مفرط ينساب على الأرض ويبلع كل حيوان يجده ويخرج من فمه نارًا». لا يشير القزويني إلى التنين ككائن يمكنه الطيران، بل يحيل وصف هذا التنين إلى كونه زاحفًا، وربما يعتمد ذلك على دورة حياة التنين التي رواها سابقًا بأنه يكون «حية تفسد الأرض»، وبعد أن يحاربها ملك، يحملها إلى البحر. وعلى سيرة الملوك، فقد أورد القزويني أيضًا أن الإسكندر الأكبر صاد تنينًا عبر إخفاء كلاليب (فخاخ) حديدية، التي أطبقت على منخاري التنين فحبست النار في جوفه ثم مات.

رسم الفنان الفارسي الذي ينتمي إلى القرن السادس عشر سلطان محمد نور للبراق - المصدر: من كتاب عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات

رغم ما سبق، لم يكن التنين كائنًا مرعبًا أو خرافيًا، بل حضر بألوانه البراقة في أطياف الفيديو جيم. لم يعد مصدره الخيال، بل جرى تطبيعه بتواجده الرقمي في لعبة، قد نقتله بضغطات سريعة ومتقنة في جيم، أو يقتلنا فنعاود مصارعته مجددًا حتى نفتك به المرة تلو الأخرى، ولم يكن أحدنا ملكًا أو إسكندر أكبر.

بُراق

ظهر كائن أبيض «أكبر من حمار وأصغر من بغل»، له جناحين ووجه جميل، «نَفسَه كنَفَس ابن آدم»، فركبه النبي محمد وبه انطلق في سفرته الليلية من مكة إلي القدس التي كثرت عنها الأقاويل.

لا نعلم على وجه الدقة متى ذُكرت البراق للمرة الأولى كعنصر محوري في قصة الإسراء والمعراج، ولكنها استحوذت على خيال الحكّائين والمؤرخين والفنانين في العالم الإسلامي وخارجه لقرون. نؤنث البراق لأن الغالبية العظمى من تصويرات هذا الكائن في الفن الإسلامي -خاصة في إيران وجنوب آسيا- منحته وجه امرأة وجسد حصان مُجنّح، والبعض أضاف ذيل طاووس. اختلف الكثيرون حول هيئة البراق، ولكن طال الجدل دورها في القصة كذلك: هل صعد محمد على ظهرها، أم حملته فقط إلى القدس، وهناك ربطها بجوار الحائط المعروف اليوم باسمها، ثم ارتقى سلمًا مُنيرًا إلى السماء؟

في إحدى الروايات، توقع البراق قدرًا من الماء عند مغادرتها الأرض، وحين يعود بالنبي إلى ذات المحل في نهاية الرحلة، يمسك محمدٌ بالقدر قبل أن ينسكب الماء: هكذا كانت سرعتها، وهكذا يختلف الزمن في السماء عن الزمن الذي نعرفه هنا. في رواية أخرى، تنفر البراق وتثور حين يهم النبي بركوبها، فيوبخها جبريل قائلًا: «والله ما ركبك قط أكرم إلى الله منه». نعم، لم يكن محمد أول مَن يركب البراق؛ فيُروى أيضًا أن على ظهرها سافر إبراهيم من الشام إلى مكة كل شهر لزيارة هاجر وابنهما إسماعيل.

أين كانت البراق خلال الفترة التي فصلت بين حياة إبراهيم وحياة محمد؟ أين ذهبت بعد أن أعادت محمد إلى مكة؟ أمقرها في الأرض أم في السماء؟ علامَ تقتات؟ أم هي كالملائكة، لا تأكل ولا تشرب ولا تنام؟ يُحكى أن النبي تحدث إلى جمل ذات يوم، فشكا له أن صاحبه يجيعه ويرهقه؛ ترى هل تحدث أيضًا إلى البراق أثناء رحلتهما معًا؟ بما خبرها وخبرته؟

في هذه الجهة من العالم الإسلامي، حيث تقع بلادنا، لا تشغل البراق حيزًا كبيرًا من حكاياتنا عن النبي، رغم مركزية قصة الإسراء والمعراج في التقليد الإسلامي. وكأنها البراق -بكل ما لها من صفات غير عادية- خيال قد يشكك في مصداقية القصة. لكن أليس الإيمان إقرارًا بأن في هذا الكون ما يتجاوز إدراكنا، ما لا نقوى على فهمه ولا نقدر على وصفه وإن وصفناه مرارًا؟ ما «العادي» حقًا بشأن أي من المخلوقات التي نعرفها، غير أننا رأيناها بأعيننا؟ وهل العين هي الحَكَم الوحيد؟

في عالم آخر صوره المخرج التونسي ناصر خمير، في قلب الصحراء، يتبارى الأطفال في تخيّل ما تعنيه كلمة «حديقة». في فيلم «الهائمون»، نرى مكانًا لا ينمو فيه زرع ولا لون فيه سوى صفار الرمال على امتداد البصر، تغدو الأشجار كائنات أسطورية. يكسر الصبية المرايا ويرصون شظايا الزجاج في هيئة شمس، ويقررون أن هذه هي حديقتهم. على حائط غرفة مدرّس التاريخ المكلّف بتعليم هؤلاء الأطفال، تقبع صورة للبراق: رأس امرأة وجسد حصان وسرج، لكن دون راكب.

هكذا تُرسَم البراق كثيرًا، وحدها، أو تعلوها دائرة من نور؛ فالإسلام لا يسمح بتصوير الأنبياء. يصير تصور هذا الكائن «الخرافي» -إذا سلمنا بأنه خرافي- أسهل من تصور الرجل الذي ركبه، رغم كونه بشرًا «عاديًا». ما الإيمان دون خيال يملأ الفراغات؟ شُقّ صدر النبي لتطهيره من الشك قبل ظهور البراق وذهابه في رحلته إلى الفردوس الأعلى، وكأن الله علم أن ما أوشك محمد على اختباره في تلك الليلة يصعب تصديقه، حتى على حامل رسالته. لا يوجد من يشق صدورنا الآن، في عالم هجرته المعجزات. ولكن بوسعنا نحن أن نهجر ما نعرفه كل حين، أن نسلّم بحقيقة أن ما لا نعرفه أعظم، وأجمل ربما. أن نطلق لخيالنا العنان، فيأخذنا إلى مكان لا يبدو فيه حصان مجنح بوجه امرأة وذيل طاووس أمرًا مستحيلًا للغاية.

سلعوة

في أواخر التسعينيات، اعتاد حراس حديقة الحيوان بالجيزة على تثبيت لافتة من الكرتون على حجرة الذئب كُتب عليها «سلعوة»، وذلك طمعًا في بقشيش الزوار الذين يريدون مشاهدة الغرابة في حديقة الحيوان العادية، كأن فقرة السلعوة مدخل هؤلاء الزوار نحو حديقة حيوان وهمية.

لكن السلعوة لم تصنف علميًا ككائن هجين، بل لم يُسمع عنها خارج قطرنا المصري، تربط حكاياتها منشأها في المناطق الصحراوية، وأنها نتاج تزاوج كلب وذئب، وأن لونها أسود وتكون ساقاها الأماميتين أقصر من الخلفيتين. كما حُكي عن عقرها للأطفال حصرًا.

رُوت حكايات كثيرة عنها، وضُربت كلاب الشوارع ظنًا بأنها سلعوات زورًا. لكن ما لم يُفسر بوضوح كيف يحدث لقاء كلب وذئب ليشكلا جنينًا سيصير يومًا سلعوة. ومن حكايات الطفولة الساذجة أن السلعوة ماكرة فكان عندها من المهارة ما يمكنها من طرق الأبواب، فيفتح لها الأطفال الذين يُتركون في المنازل بمفردهم، لذا حُذرنا صغارًا من الاستجابة لطارقي الأبواب ليلًا.

هكذا كانت السلعوة نسخة معاصرة من أمنا الغولة.

أسطورة

ذات ليلة حمل رجل طاسًا من الدراي فوود وغادر بيته ليطعم الكلاب الضالة بصحبة ولده. وبينما يضع كومات الطعام في أطباق فوم، ويصبّ ماءً، سمع شخصًا يقول: «أنت أسطورة»، فتبيّن أن ولدًا يخاطب ولده الذي يلاعب الكلاب ويوجهها كل نحو كومته حتى يأكلوا جميعًا. غضب الرجل من الوصف، وسأل الولد الغريب عن سر استخدامه لوصف أسطورة، فشرح الصغير أنه اعتبر الولد الآخر أسطورة لأنه لا يهاب الكلاب. فما كان من الرجل إلا أن لام على الولد الغريب استخدمه لكلمة «أسطورة».

الأسطورة أدبيًا طرفًا من حكاية خارقة، لم تحدث. وهي تشبه سيرة الآلهة في قديم الكتابات الفرعونية أو الإغريقية أو الرومانية، وتحيل إلى ما لا نراه، بل نراه بعين الخيال. أمر غير موجود، خرافة، والخرافة كما تعلمون نخع، شيء كاذب. ما هو أسطوري هو مستحيل، وجرت العادة على أن الأسطرة لا تنفي الوجود وهذا غير صحيح.

ظل الولد الغريب يجادل الرجل بأن أسطورة ليست «شتيمة»، أو «كلامًا قبيحًا»، بل هو يشجع الولد الآخر، لكن الرجل أصرّ على أن أسطورة معناها عدم الوجود، وولده موجود ويلاعب الكلاب أمامه. لكن الولد قال إن أسطورة معناها رديفًا للبطولة. انتبه الرجل أن تفسيره لأسطورة عفا عليه الزمن، محمد رمضان يُقال عن إنه «أسطورة» وهو موجود ومن أعلى العاملين أجرًا، وإن الأسطوري في هذا الموقف أن يكون خوف الولد من الكلاب الضالة أن إحداها قد يكون «سلعوة» مثلًا.

بات للأسطورة استخدامًا يغاير معناها، وهو موقف سيء تضع اللغة فيه مستخدمها الذي يبدو -لحظتها جامدًا حارسًا لمعنى لم يصمد في الأذهان مقابل معنى أكثر شيوعًا، مثلما يفسّر عشاق العامية أن لي عنق العربية في عاميتنا وراءه حكمة، فربما ضاق المصريون بأن معنى أسطورة ينفي الوجود، فأرادوا للأساطير أن تتحقق.

و#سلام

 

*اعتمد هذا الدليل على ترجمة بسام حجار لكتاب «من كتاب المخلوقات الوهمية» لخورخي لويس بورخيس ومرجريتا جيريو، والذي صدر عن المركز الثقافي العربي (2006)، وكذلك بعض صفحات «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني، ورسوم الفنان الفارسي الذي ينتمي إلى القرن السادس عشر سلطان محمد نور للبراق.

اعلان
 
 
أحمد وائل 
ياسمين زهدي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن