مصر تتطلع إلى ترك بصمتها على عملية السلام الليبية
 
 
اجتماع مسؤوليين ليبيين في القاهرة بشأن المشاورات الدستورية
 

استضافت مصر محادثات تجمع مسؤولين من طرفي النزاع الليبي، مجلس النواب من الشرق، والمجلس الأعلى للدولة من الغرب، لمدة ثلاثة أيام بدأت الأحد الماضي وانتهت أمس الثلاثاء، بحسب بيان لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، نشرته السبت الماضي.

وفقًا للبيان، شمل جدول المحادثات مناقشة الوفدين «الخيارات القانونية والدستورية» التي ستُطرح في «منتدى الحوار السياسي الليبي» بقيادة الأمم المتحدة، الذي طال انتظاره من أجل «تسهيل المداولات بشأن المضي قدمًا في الترتيبات الدستورية».

في الجلسة الافتتاحية يوم الأحد، قدم مدير المخابرات العامة المصرية، عباس كامل، مصر كوسيط منفتح على جميع الأطراف، وأشار إلى أنها تهدف إلى «حل الأزمة دون الانحياز لأي طرف على حساب الأطراف الأخرى»، مؤكدًا على ضرورة تجاوز الخلافات، بحسب تغطية وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية المصرية.

منذ بداية سبتمبر الماضي، سادت تكهنات حول ترتيبات «منتدى الحوار السياسي»، والذي يهدف إلى جمع الأطراف الليبية معًا للعمل على تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد فشل الحملة العسكرية التي استمرت 14 شهرًا على طرابلس من جانب ما يُعرف بـ«الجيش الوطني الليبي». في غضون ذلك، أجرى كل من مركز الحوار الإنساني في سويسرا ومصر والمغرب مشاورات رفيعة المستوى مع الجهات الفاعلة الليبية. في مدينة بوزنيقة المغربية، عُقدت محادثات بين الهيئات البرلمانية الليبية. وفي مدينة الغردقة، استقبلت مصر وفدًا من حكومة الوفاق الوطني، واستضافت محادثات عسكرية بين أطراف النزاع.

في بيانها يوم السبت، تبنت بعثة الأمم المتحدة هذه الجهود المتوازية، قائلة إنها ستكون بمثابة أساس لمنتدى «موسع وشامل» سيعقد في تونس أوائل نوفمبر المقبل، بعد «أسابيع من المشاركة المكثفة مع أصحاب المصلحة الرئيسيين، الليبيين والدوليين».

عماد بادي، الباحث البارز في مركز «المجلس الأطلسي» ومقره واشنطن، قال لـ«مدى مصر»، إنه في الوقت الذي تترأس فيه الأمم المتحدة العملية السياسية الرسمية، لا يزال يتعين عليها التعامل مع الأطراف المحلية والدولية المتنافسة على النفوذ.

«هناك عملية سياسية متشابكة نوعًا ما في عواصم مختلفة، ومن الصعب التوصل إلى استراتيجية شاملة قادرة على توحيد جميع نتائج هذه الاجتماعات تحت مظلة واحدة وفي عملية سياسية واحدة»، يقول بادي. «لن تضطر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى التعامل مع الأطراف المحلية الليبية فحسب، بل سيتعين عليها أيضًا التعامل مع العواصم التي تُعقد فيها هذه الاجتماعات، والتي يشارك الكثير منها في الصراع الليبي أو تريد أن يكون لها رأي فيما يتعلق بمستقبل المشهد السياسي والعسكري في ليبيا».

وفي حين أن عملية الأمم المتحدة ستمتد إلى مناطق أبعد في تونس، استغلت القاهرة المحادثات رفيعة المستوى التي توسطت فيها في الفترة الأخيرة في محاولة للعب دور مؤثر في مستقبل ليبيا السياسي والعسكري، بحسب مسؤولين مصريين تحدثوا لـ«مدى مصر»، مع تركيز الكثير من هذا الجهد في توسيع النفوذ على إعادة الهيكلة والقيادة المستقبلية للقوات المسلحة الليبية الموحدة.

هذا الهدف كان على رأس جدول أعمال القاهرة خلال المشاورات الدستورية خلال الأيام الثلاثة الماضية، وفقًا لمسؤول غربي مقيم في القاهرة مطلع على التطورات، تحدث لـ«مدى مصر». يقول المسؤول إن للقاهرة هدفان من المشاورات. أولًا، تريد أن تضمن وجود صياغة في الدستور تمنح «المؤسسة العسكرية» دورًا في إدارة الدولة. بالنسبة لمصر، يمثل هذا حصنًا ضد الفصائل الإسلامية في غرب ليبيا، بحسب المصدر.

ثانيًا، تريد القاهرة التأكد من أن أي دستور يتم الاتفاق عليه سيسمح بإجراء تعديلات مستقبلية. 

«القاهرة لا تريد دستورًا جامدًا. لا يزال الوضع في ليبيا يتطور، والأمور لم تتضح بعد»، يقول المسؤول، «يجب أن يكون هناك مجال لإجراء تعديلات دون مشاكل كبيرة».

سعت مصر إلى مرونة تعديل الدستور في أعقاب توقيع الاتفاق السياسي الليبي عام 2015 في الصخيرات، في المغرب. بعد أشهر من التوقيع، أصدرت مصر «إعلان القاهرة»، الذي اقترح سلسلة من التعديلات الدستورية لتجاوز المأزق السياسي، يتعرض أهمها للمادة التي منحت حكومة الوفاق الوطني سلطة على القوات المسلحة الليبية. كما أرادت مصر ضمان احتفاظ مجلس النواب بالسلطة على أي تحالف عسكري في المستقبل، والذي سيكون الجيش الوطني الليبي أقوى مكوناته.

على الرغم من الانتكاسات الكبيرة التي واجهها الجيش الوطني الليبي منذ عام 2016، لا تزال مصر تنظر إلى الخليط المكون للجيش الوطني الليبي من ضباط قوات مسلحة سابقين ومرتزقة أجانب وميليشيات محلية وإسلاميين كضامن أمني رئيسي على طول الحدود المشتركة -الطويلة والمليئة بالثغرات- بين البلدين. وحصلت مصر على دعم من داعمين دوليين رئيسيين من بينهم الولايات المتحدة الأمريكية لموقفها المصر على دور قيادي للجيش الوطني الليبي في المستقبل.

وبحسب مسؤول مصري، ناقش السفير الأمريكي لدى ليبيا ومسؤولون مصريون خلال زيارة إلى القاهرة الأسبوع الماضي خطة عمل لتحويل سرت إلى عاصمة إدارية مؤقتة، إلى جانب نزع سلاح المليشيات، وتوحيد القوات المسلحة بقيادة «الجيش الوطني الليبي».

مع ذلك، لا يزال السؤال مفتوحًا بشأن من سيكون بالضبط على رأس «الجيش الوطني الليبي».

بعد خسارة قوات خليفة حفتر لقاعدة جوية غربية رئيسية لصالح قوات تابعة لحكومة الوفاق، قالت مصادر ليبية ومصرية لـ«مدى مصر» في مايو الماضي إن داعمي حفتر الدوليين -مصر وفرنسا والإمارات- قرروا أن عليه الخروج من المشهد. وبعد خمسة أشهر، تضاءلت مكانة حفتر كثيرًا، لكنه استمر في منصبه.

«يلعب حفتر دور المفسد الآن. لقد أوضح أنه إذا لم يشارك في اللعبة، فلن تجري انتخابات في شرق ليبيا»، يقول المسؤول المصري، مضيفًا أنه من غير المرجح أن تكون هناك انتخابات قبل عام 2022. «لست متأكدًا من أن حفتر يمكن أن يستمر هذه الفترة الطويلة. لقد أدرك أنه فقد الكثير من الدعم، لكنه لا يزال يتمتع بدعم قوي من الإمارات».

مصدر سياسي ليبي مقرب من حفتر يتفق مع هذا الرأي. «يحاول حفتر جاهدًا أن يظل في الصورة. الآن وقد تم تهميشه من المشهد السياسي، يأمل في البقاء في منصب عسكري. المشكلة هي أنه لم يتبق له سوى القليل من الدعم الدولي، بعد أن أصبح الروس أقل دعمًا له من ذي قبل، وأصبح الأمريكيون يستبعدونه بهدوء سعيًا وراء ديناميكية سياسية جديدة في ليبيا من شأنها أن تسمح باستقرار البلاد».

حاولت مصر في عدة منعطفات تسوية العلاقات في الشرق بين حفتر الجامح -الذي أطلقت قواته مرارًا وابلًا من صواريخ جراد عبر الخط الفاصل في سرت في محاولة واضحة لحث قوات حكومة الوفاق الوطني على التخلي عن وقف إطلاق النار- وشخصيات أكثر التزامًا بالعملية السياسية.

خلال اجتماع 23 سبتمبر بين المسؤولين المصريين وحفتر ورئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، عملت مصر على تسوية خلافاتهما قبل منتدى الحوار السياسي خوفًا من أن يؤدي الصراع بينهما إلى تعريض قوة الشرق، وكذلك مصالح مصر، للخطر على طاولة المفاوضات.

المسؤول المصري قال وقتها إن القاهرة تريد التأكد من موافقة المسؤولين المصريين على جميع الترشيحات للوظائف العليا التي سيتم تخصيصها للشرق في أي حكومة وطنية مستقبلية. وشمل ذلك دفع صالح لرئاسة المجلس الرئاسي المقبل. وخلال الاجتماع، عمل المسؤولون المصريون على ضمان عدم مقاومة حفتر لمثل هذه الخطوة.

كما شددت القاهرة على أهمية أن تكون القيادة المستقبلية للجيش الوطني الليبي مسألة يقررها المسؤولون في الشرق، بحسب المسؤول.

بالنسبة لبادي، يسلط السؤال المطروح بشأن رأس قيادة الجيش الوطني الليبي الضوء على صعوبة موقف مصر كوسيط، جنبًا إلى جنب مع انتقادات لعمليتي التحول الدستوري والديمقراطي في نظر المراقبين الدوليين.

«سيتوجب على مصر كوسيط أن تتصارع داخليًا مع أشياء مختلفة. سيتعين عليها التعامل مع مخاوفها الحقيقية والواقعية فيما يتعلق بليبيا، وكذلك اعتماد الحكومة [المصرية] على دعم الخليج لأغراض مختلفة، لذا لن ترغب مصر في انحراف المسار السياسي أو الدستوري بناءً على التأثير الجيوسياسي للإمارات على مصر ثم على ليبيا»، يقول بادي. «هذا حبل رفيع يجب تحقيق التوازن عليه».

في الوقت الحالي، يبدو أن مصر تحاول التزام جانب الحيطة. 

يقول مسؤول مصري ثانٍ إن مصر ترى أن صالح أكثر أهمية من حفتر في شرق ليبيا. لكنه يضيف أنه «لا يمكننا تجاهل المشير السابق تمامًا».

في نهاية سبتمبر الماضي، استضافت مصر محادثات توحيد المؤسسة العسكرية الليبية في مدينة الغردقة على البحر الأحمر. وقال مصدر سياسي ليبي مقرب من الاجتماعات لـ«مدى مصر» وقتها إن المحادثات عُقدت تحت إشراف روسي، الأمر الذي يكشف عن رغبة موسكو في ضرورة إبقاء حفتر بعيدًا عن المشهد في المرحلة الراهنة.

يقول المسؤول المصري الأول، بشأن عملية إعادة التوحيد العسكري: «ما بدأ بحفتر قد لا يستمر طويلًا بحفتر».

يبدو كذلك أن مصر ليست راضية عن ربط أهدافها الدبلوماسية بحليفها القديم، حفتر، فقط. مصدر في حكومة الوفاق الوطني والمسؤول المصري الثاني أكدا أن هناك تفكير في عقد لقاء في القاهرة بين صالح وفايز السراج، الرئيس الحالي لحكومة الوفاق الوطني، الذي عبر عن رغبته في الاستقالة نهاية أكتوبر إذا تم تشكيل حكومة جديدة. وفي حين تواجه مصر منافسة لاستضافة هذا الاجتماع من جانب روسيا، وفقًا للدبلوماسي الغربي المقيم في القاهرة، يقول المسؤول المصري الثاني إن القاهرة تحاول عقد الاجتماع، لكن يجب إحراز تقدم فيما يتعلق بنزع سلاح الميليشيات أولًا.

زار السراج القاهرة آخر مرة عام 2017، لحضور اجتماع مخيب للآمال في نهاية المطاف. لكن في ذلك الوقت، شعر المسؤولون المصريون بالثقة في أن القاهرة أكدت نفسها كأهم ممثل عربي في ليبيا بعد غياب طويل، وأن تنفيذ الحل المحتمل للصراع الليبي سوف يتم تحت إشرافها.

بعد ثلاث سنوات، تعمل مصر على إعادة تأكيد مكانتها كلاعب رئيسي في ملف ليبيا، حتى مع تغير الوجوه الحاضرة على طاولة المفاوضات.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن