حديث اللقاحات: تطور علاجي أم لعبة سياسية؟

مع استعداد العالم لدخول الموجة الثانية من جائحة «كورونا»، تحول الاهتمام العالمي من علاج فيروس «كوفيد-19»، والذي شمل عدة مستحضرات تنافست الشركات على جعلها تتصدر البروتوكولات العلاجية، إلى تطوير لقاح للفيروس يتنافس عليه عدة دول وشركات ومراكز بحثية حول العالم.

 وفي خضم الأخبار المتلاحقة والمتضاربة أحيانًا كان لا بد من قراءة متروية للمشهد  خصوصًا بعد أن تناقلت الأخبار مؤخرًا انضمام مصر للتجارب السريرية ودعوة وزارة الصحة لمتطوعين للمشاركة عن طريق التسجيل على موقع أنشأته الوزارة خصيصًا لتلقي بيانات طالبي الاشتراك، فيما خلا من أي معلومات عن اللقاح تحت التجريب، والتي من شأنها تمكين المتطوع من الموافقة المستنيرة على المشاركة بحسب أخلاقيات وبروتوكولات التجارب الإكلينيكية.

نشر موقع منظمة الصحة العالمية في 9 سبتمبر 2020 مسحًا للقاحات التي يجري تجريبها حاليًا، اعتبرته المنظمة مسحًا مبدئيًا معلنة عدم مسؤوليتها عن مدى دقته وجودة ومأمونية وفعالية ما يحتويه من لقاحات. وعلى الرغم من القلق الذي قد يثيره بيان إخلاء المسؤولية هذا إلا أن المسح لا يخلو من بيانات مفيدة لأي باحث.

تتبارى الأطراف ذات الصلة حاليًا في بحث 35 لقاحًا محل التقييم الإكلينيكي (السريري) وصل منها تسعة فقط إلى المرحلة الثالثة من التجارب الإكلينيكية إلى جانب 145 لقاحًا آخر في مراحل ما قبل التقييم الإكلينيكي.

هناك أربع مراحل للتجارب الإكلينيكية لا بد أن يجتازها أي عقار -أو لقاح في هذه الحالة- قبل طرحه في الأسواق للاستخدام البشري، وتبدأ بعد أن يجتاز الاختبارات المعملية والتجارب على الحيوانات. المرحلة الأولى من التجارب الإكلينيكية تجرى على مجموعة صغيرة من المتطوعين الأصحاء قد لا يتعدى عددهم الـ100 شخص من أجل دراسة مدى مأمونية اللقاح واكتشاف الأعراض الجانبية التي قد يسببها والجرعات المناسبة. في المرحلة الثانية يتم اختبار اللقاح على عدد أكبر من المتطوعين -قد يكون ما بين ألف وألفين- المتسمين بقدر أكبر من التنوع على مستوى الأعمار والحالة الصحية، فمنهم الأصحاء ومنهم من قد يكون بالفعل في حاجة إلى اللقاح. تظل المأمونية محل دراسة في المرحلة الثانية إلى جانب دراسة ما إذا كان اللقاح فعالًا في الوقاية من العدوى. تأتي المرحلة الثالثة من التجارب الإكلينيكية -وهي المرحلة الفاصلة في التجريب- لتوفر الأعداد الكافية لتأكيد ما إذا كان اللقاح فعالًا كتدخل وقائي لحماية مجتمعات بأكملها. غالبا ما يشترك في هذه المرحلة عشرات الآلاف من المتطوعين ويكون الهدف هو دراسة ما إذا أصبح متلقو اللقاح أقل عرضة للإصابة بالعدوى بمعدلات ذات دلالة إحصائية تدعم تعميم استخدام اللقاح. في حالة اجتياز اللقاح المرحلة الثالثة بنجاح يتم الترخيص له بالاستخدام ويتم تسويقه وبذلك تبدأ المرحلة الرابعة ويستمر بها جمع البيانات حول عناصر الفعالية والمأمونية والأعراض الجانبية أثناء استخدام اللقاح.

وقد تمتد التجارب الإكلينيكية لسنوات عديدة، إلا أنه في حالة «كوفيد-19» تجرى التجارب في أزمنة قياسية -تثير حفيظة الكثير من الباحثين- قد يكون سببها توافر الموارد المالية التي تسمح بذلك إلى جانب المنافسة القائمة بين الشركات والدول على الوصول أولًا إلى لقاح فعال.

من اللقاحات التي وصلت إلى المرحلة الثالثة كل من لقاح جامعة أوكسفورد وشركة أسترازينيكا، واللقاح الروسي (لقاح Gamaleya Research Institute)، واللقاح الصيني (لقاح CanSino Biological Inc./Beijing Institute of Biotechnology).

الأول والثاني تمتعًا بتغطية إعلامية عالمية مكثفة مؤخرًا حول قرب الانتهاء من تجاربهما وتوفيرهما للاستخدام. إلا أنه في بدايات شهر سبتمبر تم تعطيل التجارب الإكلينيكية للقاح جامعة أوكسفورد وشركة أسترازينيكا بعد ظهور آثار جانبية ضارة له على إحدى المشاركات (37 سنة) في المملكة المتحدة بعد الجرعة الثانية من اللقاح التجريبي، تم تشخيصها بـ«التهاب النخاع المستعرض» وهو التهاب نادر للأعصاب يصيب الحبل الشوكي. استأنفت جامعة أوكسفورد التجارب في المملكة المتحدة بعد عدة أيام، بعكس الولايات المتحدة الأمريكية التي يرى المسؤولون فيها أن استئناف التجارب هو «مسألة وقت» وأن حالة المشاركة هي «حالة فردية» وسيكون «من غير المعتاد توقيف التجارب كاملة» بسببها، بحسب تصريحات مدير الهيئة الوطنية للحساسية والأمراض المعدية.

أما بالنسبة للقاح الذي يتم تطويره في روسيا، والذي تم الاتفاق على توريد 25 مليون وحدة منه إلى مصر، فلقد أظهرت نتائج تجاربه -بحسب المقال الذي نشرته لجنة الباحثين في بداية سبتمبر الماضي- أن اللقاح آمن بالرغم من تسببه في أعراض جانبية طفيفة. كما أثبت استجابة مناعية بين عينة المبحوثين إلا أن هناك حاجة إلى المزيد من الأبحاث من أجل الوقوف على فعاليته في الوقاية من «كوفيد-19». كما أنه ليس هناك نتائج واضحة لتجريب هذا اللقاح بحسب موقع «clinicaltrials.gov»، والذي اقتصرت تجربته على المرحلتين الأولى والثانية  من التجارب الإكلينيكية مما لا يجيزه للاستخدام.

اللقاح الصيني اجتاز أيضًا المرحلتين الأولى والثانية من التجارب الإكلينيكية محدثًا استجابة مناعية لدى معظم المبحوثين بعد جرعة واحدة. ومؤخرًا في نهاية يونيو الماضي وافقت الحكومة الصينية على استخدامه بشكل تجريبي على الجيش الصيني. كما أعلنت وزارة الصحة المصرية مشاركة مصر في التجارب الإكلينيكية الخاصة بهذا اللقاح في إطار تعاون مع الحكومة الصينية وشركة G42 الإماراتية للرعاية الصحية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، بهدف الوصول إلى ستة آلاف متطوع سيتم متابعتهم لمدة عام كامل بعد تلقيهم جرعتين من اللقاح.

 من جهتها، تبنت منظمة الصحة العالمية مبادرة سميت «تسريع إتاحة أدوات مكافحة كوفيد-19»  (ACT Accelerator) والتي أطلقت في إبريل 2020 من أجل دعم تطوير الاختبارات والعلاجات واللقاحات التي يحتاجها العالم، وذلك بالعمل على أربع ركائز أساسية هي: التشخيص والعلاج واللقاحات وتقوية الأنظمة الصحية. ركيزة اللقاحات التي أطلق عليها اسم «كوفاكس/ COVAX» هدفها تطوير اللقاحات وتوزيع جرعاتها بشكل عادل بين الدول. تجمع هذه المبادرة -بحسب موقع المنظمة- العديد من الجهات الممثلة للحكومات والعلماء والشركات والمجتمع المدني والمؤسسات الخيرية ومنظمات الصحة العالمية ومنها مؤسسة بيل وميليندا جيتس، والتحالف العالمي من أجل اللقاحات والتمنيع «GAVI Alliance»، والائتلاف المعني بابتكارات التأهب لمواجهة الأوبئة «CEPI»، والمرفق الدولي لشراء الأدوية «UNITAID»، والصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا «Global Fund»، ومؤسسة ولكوم الاستئمانية «Wellcome»، والبنك الدولي إلى جانب منظمة الصحة العالمية.

ومن المنطقي أن يتركز الاهتمام حاليًا على ركيزة اللقاحات «كوفاكس» بسبب جهود تطوير اللقاحات القائمة حول العالم. يُعرّف تحالف «GAVI» منظومة «كوفاكس» بأنها «منصة» لدعم البحوث والتطوير والتصنيع لنطاق واسع من لقاحات «كوفيد-19» الواقعة تحت التجريب، وللتفاوض حول أسعارها بحيث تتمكن كل الدول من الحصول على اللقاحات المطورة بغض النظر عن مستوى دخولها. والهدف هو توفير 2 مليار جرعة من اللقاحات بنهاية 2021 وهي كمية من شأنها حماية المجموعات الأكثر عرضة للإصابة علاوة على العاملين بالقطاع الصحي. ولذلك تسعى منظومة كوفاكس لضم جميع الدول التي تستطيع الإنفاق على لقاحاتها من أجل تقوية إمكاناتها الشرائية -كمنصة شرائية واحدة- وأيضًا لأن جزء من مدفوعات الدول الأغنى سيغطي تكلفة اللقاحات في الدول الأفقر، إذ تتبنى المنظومة نموذجًا سيمكن 92 دولة منخفضة الدخل من المشاركة والاستفادة بالحصول على اللقاحات.

أتاحت «كوفاكس» خيارين للدول القادرة اقتصاديًا على شراء اللقاح لشعوبها: اتفاق شراء إلزامي أو اتفاق شراء اختياري. في الخيار الأول تلتزم الدولة بشراء عدد معين من الجرعات من خلال «كوفاكس» نظير مقدم منخفض نسبيًا (15%). أما الخيار الثاني فليس ملزمًا للدول المشاركة إذ يمكنها فسخ التعاقد على الشراء وهو خيار جذاب في حالة الدول التي عقدت اتفاقات توريد ثنائية مع الشركات المنتجة للقاح. في مقابل هذا الخيار الأكثر مرونة تدفع الدول مبلغًا أكبر للتعاقد بالإضافة إلى مبلغ «ضمان» لا يرد -يحتسب على كل جرعة لقاح- وذلك من أجل حماية منظومة «كوفاكس» نفسها من الخسارة بعد إجراء تعاقدات توريد مع منتجي اللقاح.

على الرغم من نبل أهداف منظومة «كوفاكس» وسعيها الواضح نحو تمكين الجميع من الحصول على اللقاح في المستقبل، إلا أنه بحسب تقرير أخير لتحالف «GAVI» هناك إقبال أكبر من الدول على خيار الشراء الاختياري مما يضع «كوفاكس» أمام مأزق مالي حقيقي قد لا يسمح بوصول اللقاح إلى جميع الدول، كما أن سياسات الدول فيما يتعلق بخطط توريد اللقاح ما زالت تتسم بالفردية مما يهدد عمل هذه المنظومة. ويبقى تسعير اللقاحات من خلال «كوفاكس» أمرًا مبهمًا، فبينما أعلنت المنظومة توحيد أسعار اللقاحات في بداية التوريد، يمكن للشركات المنتجة رفع الأسعار لاحقًا استجابة لقوى السوق من عرض وطلب.

حتى الآن تمكنت «كوفاكس» من جمع التزامات مالية وصلت إلى 700 مليون دولار، 30% منها أخذت صورة تعاقدات قانونية فعلية. كما أعلن الاتحاد الأوروبي مؤخرًا عن تقديم ضمانات بـ 400 مليون يورو من بنك الاستثمار الأوروبي للدول المنخفضة والمتوسطة الدخل.

قد يؤخذ على «كوفاكس» تبنيها توجهًا اقتصاديًا بعيدًا عن اللغة التنموية المعتادة لمنظمة الصحة العالمية وغيرها من الهيئات الفاعلة في هذا القطاع، فشرح شروط الانضمام يقسم الدول إلى «اقتصادات» بدلًا من الإشارة إليها كدول «نامية» أو «أقل نموًا»، وهو ما يضع الصحة موضع سلعة في متناول الدول القادرة اقتصاديًا. قد يرجع ذلك إلى وجود شركاء ممثلين لقطاعات أخرى. تعكس تلك اللغة تغيرًا في تناول قضايا الصحة العامة عالميًا لأسباب متعلقة بالتمويل. فمؤخرًا لم تعد مساهمات الدول الأعضاء في ميزانية منظمة الصحة العالمية هي مصدر تمويلها الرئيسي مما يثير القلق بشأن تغير سياساتها وتوجهاتها. فمثلًا في الأعوام 2018-2019 كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي أكبر ممول للمنظمة بنسبة 15.18% وتلتها مؤسسة بيل وميليندا جيتس بنسبة 12.12%.  الآن بعد انسحاب الولايات المتحدة من عضوية المنظمة في يوليو الماضي على خلفية استجابتها لـ«كوفيد-19»، قد يصبح بيل جيتس أكبر ممولي الصحة في العالم -وهو من أكبر ممولي برامج اللقاحات منذ سنوات- مما يستدعي المزيد من القلق بشأن التأثير على سياسات المنظمة في الأعوام القادمة.

بعيدًا عن «كوفاكس» تسعى الدول  بشكل فردي إلى تأمين احتياجاتها من اللقاح  المستقبلي سواء بالانخراط في التجارب الإكلينيكية أو بطلبات التوريد المسبق من الشركات، وهي السياسة التي اتبعتها الحكومة الأمريكية بعد خروجها من منظمة الصحة العالمية.

تُجرى حاليًا ثلاث تجارب إكلينيكية كبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية لكل من الشركات أسترازينيكا وفايزر ومودرنا. لم تنته تلك التجارب بعد إلا أن الحكومة الأمريكية تعاقدت مقدمًا على توريد 100 مليون جرعة من لقاح شركة مودرنا -وهو في المرحلة الثالثة من التجارب- بمبلغ 1.5 مليار دولار، وذلك بعد تعاقد مشابه مع شركة فايزر أيضًا لتوريد 100 مليون جرعة من لقاحها بمبلغ يقارب 2 مليار دولار.

هناك حالة من الضغط السياسي في اتجاه إطلاق لقاح فعال لـ«كوفيد-19» في الولايات المتحدة قبل موعد الانتخابات الرئاسية في أول نوفمبر -حتى قبل انتهاء التجارب الإكلينيكية- لصالح حملة ترامب، وهو ما يثير المخاوف من احتمالية إذعان هيئة الأغذية والدواء الأمريكية لتلك الضغوط التي لا يبدو أنها تعبأ بنتائج التجارب الإكلينيكية للقاح. فلقد صرح رئيس الهيئة بأنه قد يسمح بـ«الاستخدام الطارئ» للقاح من لقاحات «كوفيد-19» قبل الانتهاء من المرحلة الثالثة من التجارب الإكلينيكية. وكان قد سبق له التعجل بالتصريح باستخدام أدوية علاج «كوفيد-19» تحت ضغط اقتراب الانتخابات الرئاسية. وهو ما يشكك في قرارات الهيئة المستقبلية بشأن اللقاحات والأدوية عمومًا خصوصًا وأن هناك دول كثيرة حول العالم ومنها مصر تعتمد على هيئة الأغذية والدواء الأمريكية في قرارات تسجيل المستحضرات الدوائية بها، أي أن الهيئة تعامل كجهة مرجعية فإذا تم تسجيل المستحضر بالولايات المتحدة الأمريكية تيسر تسجيله في دول أخرى، وهو أمر خطير باعتبار أن قرارات الهيئة عرضة للتأثر بالأوضاع السياسية.

من ناحية أخرى تعاقدت المملكة المتحدة مع ست شركات على 340 مليون جرعة للقاح ومع شركة أسترازينيكا لتوريد مليون جرعة من الأجسام المضادة لـ«كوفيد-19» لوقاية من لن يتمكنوا من أخذ اللقاح مثل مرضى السرطان والمرضى منقوصي المناعة. اللافت أن هذه هي المرة الأولى التي تتعاقد فيها المملكة المتحدة مقدمًا على لقاح أو مستحضر دوائي قبل إقراره إكلينيكيًا.

تشترط منظمة الصحة العالمية في خصائص لقاحات «كوفيد-19» المستهدفة (صادرة في إبريل الماضي) 70% كمعدل مثالي للفعالية -وهو معدل معياري للقاحات- على ألا يقل عن 50% كحد أدنى في الظروف الحرجة والتي تنطبق على «كوفيد-19». تذكر نفس الورقة في الهامش أن الحد الأدنى للفعالية يمكن أن يكون أقل من 50% وأن «تلك المعدلات يتم تحديدها بناءً على قدرتها على إحداث تأثير صحي فردي وعام بشكل مباشر وغير مباشر، علما بأن الوصول إلى مناعة القطيع قد يستلزم أيضًا تدخلات غير اللقاحات». المقلق هنا هو أن الشركات قامت بالفعل باعتبار معدلات فعالية أقل من 50% مقبولة في تجاربها الإكلينيكية مما يعني أن معايير اللقاحات المعترف بها عالميًا -كعدد الجرعات والثبات الحراري والتكلفة المنخفضة من أجل أكبر تغطية- غير مطبقة في حالة «كوفيد-19» مع الأسف حيث يتنافس مطورو اللقاحات على تسويقها وتحقيق المكاسب حتى قبل ثبوت فعاليتها.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن