الوباء والاحتلال: عن المفاضلة بين الحُفر في المقبرة

«يجب علينا تسوية قطاع غزة كاملًا بالتراب، فاليابانيون لم يستسلموا بالسرعة المطلوبة بعد هيروشيما، فكان على الأمريكيين ضرب ناجازاكي كذلك».

إيلي ييشاي، وزير الداخلية الإسرائيلي، خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، نوفمبر 2012.

«الحقيقة أن ما من شيء أقل إثارة من وباء، وبسبب الوقت الطويل الذي يستغرقه، فإن المصائب الكبرى رتيبة».

«الطاعون ـ ألبير كامو»

الكارثة

على مدى الشهور التي كان يراوغ فيها الغزيون الوباء للحيلولة دون وصوله إلى داخل قطاع غزة، كنتُ كغيري أتابع بضجر وخوف فعاليات المحاكاة البريئة والرثة التي مارسها الناس هناك تأسيًا بما حدث في البلدان التي سبقتهم في استقبال الجائحة؛ الموسيقى على أسطح المنازل، صور الفتية المزهوين بالكمامات، رفع أعلام الدول المنكوبة، طواقم حكومية تابعة لوزارة الداخلية تكيل المديح لأداء طواقم وزارة الصحة فترد الأخيرة التحية للأولى، ومناشدات لا حول لها ولا قوة غدت فولكلورًا ثابتًا ومملًا تهرع المنظمات الدولية لتأدية طقوسه عند كل مصيبة تحط رحالها في القطاع، تنادي بضرورة «التحرك الدولي» لمواجهة الكارثة المرتقبة.

و«التحرك الدولي» في هذا السياق عبارة مبهمة، هاجسها الأكبر تحاشي إثارة حفيظة أي طرف من الأطراف المعنية بملف الفلسطينيين في غزة– ما عدا الغزيين أنفسهم. فهي لا تعني تحريرًا أو رفعًا للحصار، أو منح الناس لأيٍ من حقوقهم الأساسية، كحرية التنقل أو الكهرباء أو حتى الحق في تصريف فضلاتهم بشكل آدمي، بدلًا من إلقائها في البحر وتلويث الفضاء الوحيد الذي لا زال مفتوحًا، ولو جزئيًا، أمامهم. وفي خلفية ذلك، كان يتمدد أكثر فأكثر إحساس ثقيل بالفزع، يغرز مخلبه في قلب كل ذي صلة بغزة، والنظرة إلى ما هو الحال عليه هناك فوق الأرض ترتد صاعدة إلى السماء تتساءل ببؤس عما إذا كان لا يزال هناك حقًا متسع لكارثة أخرى في محفل الكوارث الممتدة هذا، المسمى غزة. 

العالق والمُعتقل

الإجراءات الاحترازية التي جادت بها قريحة المعنيين بإدارة أوضاع القطاع من الداخل، سواء في مرحلة العمل لمنع تسلل الوباء ومحاصرته عند المنافذ الحدودية، أو لدى سعيهم للحد من معدلات تفشيه خلال الشهر الماضي، استوفت تمامًا معايير البؤس الغزي المعتاد. حظر تام وصارم للتجول في القطاع، وإغلاق بالكثبان الرملية للشوارع الرئيسية التي تصل تقسيماته الجغرافية ببعضها البعض، لينفد ما في جعبتهم، ويشرعوا في النظر من جديد إلى السماء. ففي غزة، متوسط عدد أفراد الأسرة الواحدة ستة، ومساحة المنزل للأسرة الواحدة 70 مترًا مربعًا. وضمن هذه المعطيات يحتجز الغزيون أنفسهم في درجة حرارة تتجاوز الأربعين، ومعدلات رطوبة قاتلة، في مستودعاتهم الإسمنتية المتهالكة الموصولة بشبكات مياه وصرف صحي بدائية من دون كهرباء يتسبب انقطاعها في أوجه معاناة لا حصر لها، ومآسٍ نعلم أن آخرها لن يكون قضاء ثلاثة أطفال حرقًا في منزلهم قبل أسابيع، ليبدو القطاع معها كمركز اعتقال تحاكي شروطه مواصفات الجحيم.

«العالقون»، بند آخر حاضر دائمًا على جدول أعمال وقائع البؤس هناك. في العرف الغزي، كل من هم على سفر أو على موعد مع سفر من وإلى غزة «عالقون». فمنذ بداية مارس الماضي تم الإغلاق التام لجميع المنافذ الحدودية لقطاع غزة في كلا الاتجاهين، واُعتمدت سياسات حظر صارمة، أظهرت حكومة حماس اقتدارًا نسبيًا في تنفيذها على العائدين من معبر رفح الحدودي في المرات الثلاث التي فُتحت فيها أبوابه باتجاه العودة فقط للموجودين في مصر حصرًا، من دون أن تشمل هذه العودة «العالقين» خارجها، وتم عزل العائدين لثلاثة أسابيع في مواقع تحتوي غرفًا ضيقة جُهّزت خصيصًا لهذا الغرض، ونُقل المسنون والمرضى إلى معازل خاصة في فنادق القطاع، في تجربة فاقت قسوتها أي تجارب عزل أخرى في أي مكان في العالم. وعلى جنبات هذه القيود التي فرضتها استحقاقات الوباء، أو تلك الموجودة في كل الأحوال، يهيم آلاف الغزيين على وجوههم في كل أصقاع العالم «عالقين» بين السماء والأرض.

التنكيل بالمريض وطبيبه

الوقوف على استعدادات الجهاز الصحي في غزة وإمكانات منظومته، فعل يزيد الغم غمًا، فبأقل من سبعين جهاز تنفس وتسعين سرير عناية مكثفة، تواجه هذه المنظومة المهترئة تحدي الجائحة التي تهدد كتلة سكانية قوامها مليوني شخص، محاصرين في المكان الأكثر ازدحامًا في العالم. القصور هنا ليس ذاتيًا بالطبع، فالجهاز الصحي في غزة، كشأن رديفه في الضفة الغربية، صَممت الجهات الدولية المانحة القسم الأكبر منه عبر سياسات التمويل المشروط بشكل يساير المحددات التي وضعتها إسرائيل له، بحيث تتحول الرعاية الصحية إلى أداة تحكم وتنكيل إضافية في يد إسرائيل ضد الفلسطينيين. فلدينا احتلال لا يكتفي بمساومة جهاز الصحة في غزة على عدد لترات اليود وأسطوانات الأكسجين التي يسمح بإدخالها إلى القطاع، بل هو كيان استعماري استيطاني يتنكر في صورة دولة موجود في العام 2020، تحتوي أجهزته الأمنية ضباط أمن من النوعية المستعدة لابتزاز الأمهات على النقاط الحدودية لدفعهن للارتباط الأمني والتجسس على أهلهن مقابل السماح لهن بالعبور بأبنائهن ليتلقوا جلسات العلاج الكيماوي في مستشفيات القدس والضفة الغربية.

وكإجراء إداري لا يرف لهم جفن عند تنفيذه، يُلقي جنود الاحتلال أجساد المرضى من عمال الضفة الغربية بعد التحقق من إصابتهم بالفيروس على قارعة الطريق عند حواف وأحراش مدن الضفة وقراها. ناهيك عن الاستهداف العسكري المباشر للمرافق الصحية والعاملين فيها، والاستهداف العسكري ليس مقصودًا به إصابات عشوائية وقعت في صفوف الطواقم بفعل خلل في الانضباط الناري لعساكر يطلقون الرصاص، وإنما قصف تم تنفيذه عبر طائرات ومروحيات تستخدم تقنيات تتجاوز حساباتها ودقتها التصويبية، ليس فقط حدود الإدراك الآدمي، بل الدواعي العسكرية الميدانية للجيش الإسرائيلي في القطاع، الذي يتم استخدامه كميدان رماية مفتوح، سكانه أحياء من لحم ودم، تختبر الصناعات العسكرية الإسرائيلية فيه كفاءة بواكير إنتاجها من معدات وتقنيات القتل، وتحوّل إسرائيل فيه المقتلة المشرعة للفلسطينيين حين تصب النار فوق رؤوسهم إلى حملات ترويج لهذا الإنتاج في معارض السلاح الدولية التي تجذب عقود شراء بالمليارات من أنظمة في المنطقة تُطبّع علاقاتها مع الإسرائيليين في سبيل ما تقول إنه: من أجل أن ينعم الفلسطينيون بالسلام.

بؤس سياسي

المجال السياسي الفلسطيني المتهاوي والأقرب للانهيار التام من أي وقت مضى، بضغط من الأزمات التي تثقل كاهله، من عزلة سياسية وشح متزايد في التمويل وتآكل لشرعية مؤسساته، ترشّحه التداعيات التي ظهرت منذ الأسبوع الأول لتفشي الوباء في الضفة الغربية لأن يشهد تحولات جوهرية أساسها تسريع تحويل نظامه السياسي الرسمي، ممثلًا في جهاز السلطة الفلسطينية هناك، إلى مجرد «خلية أزمة» محلية بإمكانات ذاتية وموضوعية محدودة للغاية تُجهد لإنقاذ ما تقول إنه لا يمكن إنقاذه. أما مواجهة كل من الجموح السياسي «الإسرائيلي-الأمريكي»، الذي بات يتصرف كمن غسل يديه تمامًا من أي عملية سياسية يكون الفلسطينيون جزءًا منها، من جهة، وبازار إعلانات تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية من جهة أخرى، فمتروك أمرها لعجائز القيادة السياسية الذين يخوضون المعركة من معازلهم عبر حساباتهم على «تويتر». 

وفي غزة التي تستأثر حركة حماس لنفسها بالقرار السياسي والتنظيمي فيما يخص الأوضاع هناك، تُعافر الأخيرة بيأس من أجل أي ثقب في جدار الانسداد السياسي المحكم أمام التصورات التي لا زالت الحركة رهينة آمالها ومحدداتها، ليجتمع بؤسها السياسي بشقيقه الفتحاوي في ضيافة بيروت واسطنبول وتطبيق زووم أحيانًا، في لقاءات تبحث مخارج لحالة الاستعصاء الراهن، لا زالت تجتر حتى الآن محتويات وصفة الحلول التقليدية كتفعيل «الحوار الوطني»، و«إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية» على أساس اتفاقات سابقة بين الحركتين، والدعوة للمرة الألف لانتخابات عامة، وهي مقترحات لو أُخذ بأي منها في الوقت الحالي -لا سمح الله- فستكون بمثابة دفعة قوية للأوضاع نحو مزيد من التعقيد والاستشكال، وإمداد الضحالة السياسية القائمة بمزيد من المياه الآسنة، سيما وأن تشكيلات من «المتحذلقين»، من خلفيات اجتماعية وثقافية، وفدت مؤخرًا إلى المشهد السياسي، تتطلع بطمع لدفة القبطان على ظهر هذا المركب الغارق.

ما العمل؟  

مخارج حالة الاستعصاء المستحكم هذه، لا يمكن إلا أن تمر عبر جوهر الاستحقاق التاريخي المطلوب من الفلسطينيين، مُمَثلين في قوتيهم الأساسيتين فتح وحماس، والذي ينبغي أن يتضمن عمليتين تتمان بالتوازي، تقضي الأولى بأن تحرر حركة فتح الفلسطينيين من العملية السياسية التي ورطتهم جميعًا بمفاعيلها السياسية والتنظيمية و«الجغرافية» منذ توقيع اتفاقية أوسلو، وفق برنامج عمل سياسي ربما عنوانه الأنسب هو «حل السلطة الفلسطينية»، يضع نصب عينيه هدم وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية ككيان وطني جامع للفلسطينيين أولًا في التجمعات الأكثر عرضة للتهديد الوجودي في الشتات وقطاع غزة كإجراء حمائي لها، وثانيًا في الضفة الغربية والداخل المحتل، ويعيد تحديد تموضعها السياسي ضمن شبكة الأحلاف التي تتقاطع مع بوصلة المصلحة الوطنية الفلسطينية.

العملية الثانية، أن ترضخ حركة حماس لحقيقة أنها جزء من كلٍ وطني ليس لها فيه أي أفضلية تجعل منها «بديلًا» أو «جسمًا موازيًا» له، وأن تتخفف من حمولة الخواء الأيديولوجي الإقصائي وممثليه في صفوفها، الذي يفتك بأهليتها السياسية حتى بعد مضي أكثر من ثلاثة عقود على تأسيسها، وأن تعي بأن الظروف قد تجعلها الطرف الأوفر حظًا لتصدر القيادة السياسية للفلسطينيين خلال العقدين القادمين، وبالتالي فمهمة التأسيس لمناخات الثقة المتبادلة بينها وبين باقي المركبات الوطنية هي السؤال الذي ينبغي على كادرها أن ينشغل بالإجابة عليه بدلًا من الاستغراق في الرهان على طاولات سياسية مظلمة يجدر بأي فلسطيني من أي لون سياسي، وعن حق رصيده من دم وفداء، أن تتعالى نفسه وتأبى عليه جمع فتاتها تحت لافتات «شكرًا تركيا» أو «شكرًا قطر». 

من دون ذلك، فإن الطرق سالكة أمام عدو الفلسطينيين للمضي قدمًا في الجنازات التي يجهزها لهم في كل مواقع وجودهم، فإسرائيل ربما كانت تتمنى في البداية أن تستثني الجائحة قطاع غزة لتلافي أي زيادة في الحضور الدولي الإغاثي هناك، لكنها، وطالما أن الفيروس قد وجد طريقه إلى صدور الغزيين، وبوحي من سياستها العامة تجاه القطاع وسلوكها الحالي الذي يفاقم تداعيات الأزمة والانشغال العالمي بهمومه، قد ترى في الأمر هبة سخرتها الأقدار تحتاج لشيء من العون على الأرض، ستسهم في زيادة إنهاك القطاع على طريق الوصول به إلى القبر الذي تحفره له عقيدتها الأمنية والعسكرية منذ عقود.

خاتمة

فوق الأسى المزمن الذي ينحته الاحتلال على قلوبهم، وكما أولاد مخيمات اللجوء في كل مكان، يولّد التعالي، بداعي الشفقة أو الغرور، الذي يلمحه الغزيون في عيون الآخرين عندما ينظرون إليهم، شعورًا طاغيًا بالتحدي لا تقوى على إطفائه آفاق الممكن المغلقة مصاريعها أمامهم، فتنتقل جذوة الفعل الذي تبعثه لديهم روح التحدي هذه إلى مساحات عدمية ربما، لا يبدأ فعلهم فيها بالقفز إلى الموت عند السياج الحدودي، ولا ينتهي بحفر الأرض بأظافرهم سعيًا وراء قاتلهم. هي المزايدة على الموت والجراح، والمزايدة على الاستضعاف وجرح الكبرياء، وكذلك حتمًا سيكون الحال مع الوباء، ولكن المهم ألا ينسى أحد أن للوباء، عندما يدخل غزة، اسمًا واحدًا هو إسرائيل.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن