فن ركوب دراجة
 
 
المصدر: سهير عاطف شرارة
 

#جو عام

هذا الويك إند، يهدف دليلنا إلى تشجيع من تقرأه /يقرأه لأن يكون من الدراجين، نُسبة إلى الاعتياد على استخدام الدراجة. وهذا الدليل كتبته كارولين كامل، وهي خبيرة في ركوب الدراجات منذ الصغر، وفي حوادثها كذلك، كما تعرّضت لمخاطر أخرى وهي تمارس هذا النشاط الممتع.

يتجاوز  هذا الدليل النصائح اليسيرة حول تعلم ركوب دراجة، لنكشف الصعوبات التي قد تواجه راكبة/ راكب الدراجة في مدينتنا.

رغم ذلك فلنحاول مواجهة العالم من فوق الدراجة.  

1

-عايزين قسيمة شراء العجلة

-مَفيش

-يبقى صورة ليكي مع العجلة المذكورة

داخل قسم شرطة، وبعد مشاورات وإصرار امتدت إلى ما يقرب من ساعتين، وافق الضابط على تحرير محضر بسرقة دراجتي، ولكن دون إعطائنا أي بيانات بخصوصه، الأمر الذي أكد لي أنها مجرد ورقة وافق على أن يلطخها بقليل من الحبر، فقط ليتخلص منّا، ويتفرغ للأهم على حد قوله: «يعني جاية قسم كله زي ما إنتِ شايفة مسجلين خطر، وعندنا بلاوي وشغالين طول اليوم، وعايزة أعمل لك محضر بسرقة عجلة».

تعود الواقعة لشهر رمضان 2019. ثم علمت فيما بعد أن ثلاث دراجات سُرقت في اليوم ذاته من العمارات المجاورة، في منطقة سكنية مُحصنة أمنيًا لدرجة سماعي صوت لاسلكي «الداخلية» من الشباك، منطقة لا يمكنني السير فيها مُمسكة موبايل دون تفتيش، سُرقت فيها الدراجة باستخدام مقص حديدي ضخم كونه الوسيلة الوحيدة لقضم حلقات الجنزير المعدني المربوط به الدراجة في درابزين السلم إلى نصفين. ولم يبق لي من المذكورة سوى حلقة مقضومة من الجنزير، تذكرني بدهاء اللصوص، والأمن الذي يتمتعون به في شوارع المحروسة.

المذكورة التي سُرقت - المصدر: كارولين كامل

بعد عام، وفي صدفة عجيبة تقابلت مع أحد الأشخاص الذين سبق وتعرضوا للموقف ذاته في الشارع الذي أقطنه. ووفقًا لكلامه، فإن شهر رمضان هو موسم سرقة الدراجات وقت الإفطار، وفي هذه المنطقة بالذات حيث يقطنها أجانب أو مصريين يستخدمون الدراجات أكثر من مناطق أخرى.

اللطيف هو أن سوق «العجل المسروق» ملاصق لهذه المنطقة السكنية الآمنة، فكانت نصيحته أن الأسهل هو النزول المتكرر إلى السوق عقب سرقة الدراجة، لأنني -بنسبة كبيرة- سأجدها هناك واشتريها مرة أخرى، على أن تُسرق مرة أخرى «بإذن الله» طالما لم أغيّر محل سكني، أو أحملها معي إلى الشقة.

2

تعود علاقتي بركوب الدراجة إلى المرحلة الابتدائية من التعليم عندما علمني أبي أنا وأشقائي ركوبها، لم يبدأ معنا بالدراجة الصغيرة ذات السندات، ولكنه دخل في لُب الموضوع مباشرة، الأمر الذي تسبب في الكثير من الكدمات والخدوش، فضلًا عن مهانة الفشل في أن تلمس أقدامنا الأرض. لم تكن الدراجة كبيرة المقاس ولكن نحن نتميز بقصر قامتنا. رغم ذلك نجاحنا -وهنا أتكلم بصيغة الجمع، لأن النصر لم يكن مكتملًا إلا بنجاح الأشقاء الثلاثة في أن يجيد كل منهم ركوب الدراجة، لأن أبي رأي حينها أن ركوب الدراجة في أسرتنا لا يستثنى منه أحد، ما عدا أمي بالطبع.

تفوقت شقيقتي الأكبر والأقصر بيننا عليّ أنا وشقيقي الأصغر، وبعد وقت قصير لحق بها شقيقي، ووصلتُ أنا متأخرة لنفوري الدائم من الندوب التي تطبعها الجروح في جلود السيقان، مصحوبة بتهكم والدي وسخرية أشقائي من استمرار تعثري.

باتت الدراجة جزءًا من حياتنا اليومية في طفولتنا. وكنتُ أنا وشقيقتي -ربما- الفتاتان اللتان تقودان دراجة، ثم سُرقت دراجتنا المُحببة الملونة بعد أيام قليلة من شرائها، وشعرنا بحزن شديد. وفي المرحلة الثانوية كان لدينا دراجة معدنية كبيرة، أضطر لركوبها بزاوية مائلة بسبب ضخامتها، وفي مقدمتها صندوق معدني كبير، كنا نستخدمها لزيارة والدنا في محل عمله، والعودة بالخضروات ومستلزمات المنزل.

انتهت علاقتي بالدراجة بشكل غير واضح في ذاكرتي، وأن كان السبب الأساسي إني فتاة ولم يعد مناسبًا ركوب الدراجة، بالإضافة إلى أن اهتماماتي ربما تغيّرت، ورغبتي في أن أبدو فتاة جميلة مؤدبة ورقيقة الحس، لا تتماشى مع إحضار الكرنب والعيش على دراجة معدنية.

3

عدتُ إلى ركوب الدراجة في عام 2015 كوسيلة مواصلات، بعد أن انتقلتُ إلى منطقة سكنية قريبة من مقر العمل، اشتريتُ ملابس رياضية، ولم أخسر الكثير بارتدائها طوال الوقت، فأنا بالفعل لا أرتدي الملابس التي أحبها لما يفرضه سعار تحرش غالبية الرجال في الشارع، الجريمة التي تتم بأريحية ويُسر رغم التواجد الأمني الذي يُفترض معه استتباب الأمن والأمان.

ومن واقع تجربتي أقدم لك عزيزي قائد الدراجة المستقبلي خلاصة النصائح التي تُسهّل ركوب الدراجات:

أول جملة سمعتها ولم أفهمها حينها، لكنها تكررت فيما بعد وأدركت معناها متأخّرًا؛ «التوازن في الدماغ»، جسدنا يتوازن من الداخل وليس من أرجلنا أو عظامنا بشكل عام، لذلك مهما توقفت عن قيادة العجلة لا يمكن لك أن تنساها أبدًا.

شوارع مصر غير ممهدة على الإطلاق، لا وجود لحارة مخصصة للدراجة بالطُرق، وتوجد مطبات وصدوع وحفر ضخمة وغيرها من النتوءات التي تجبرك على تحويل مسارك بدون تمهيد، مما يعرضك لخطر الاصطدام بمركبة متحركة أو ثابتة. وفي أبوخ الظروف، قد تسقط وتُخدش كبريائك، ثم تنتفض متجاهلًا جسدك المتألم لأن الأهم هو سلامة الدراجة.

لا تصدق أن رجلًا يستيقظ ليلقي المسامير في الشارع كمصدر للرزق كما في فيلم «محطة الأنس» 1985، لأن كل مسببات ثقوب الكاوتش تنبت في أرضنا الطيبة من حصى دبش البناء والطوب والزجاج والمسامير.

لا يحب راكبي الدراجات سائقو السيارات والأتوبيسات والميكروباصات، وهو ما تسبب في تعرّضي لحوادث لم أنجِ منها إلا لانتباهي في آخر لحظة، ولا يدافع عن حقك في الوجود أي شخص، ولا حتى ضابط الشرطة المكلف بحمايتك، بل قد يكون هو ذاته متحرش وهو ما لا يمكن لي إحصاء عدد مرات حدوثه.

أخيرًا، ركوب الدراجة متعة حقيقية، رياضة محببة، أمارسها على مسؤوليتي الشخصية، وهذه هي نصيحتي الوحيدة، على غرار نصيحة الأستاذ غسان مطر؛ «اعمل الصح».

  4

-بلاش ننزل بكرة أحسن.. لأنهم وقفوا كذا واحد راكبين عجل.. واحد صاحبنا كمان تعرض لده.. وطلبوا بطاقته وشافوا موبايله.. وسألوه ليه راكب عجلة دلوقتي.

الشهر الماضي، واستعدادًا لذكرى أحداث 20 سبتمبر التي وقعت عام 2019، عاد الأمن إلى استنفاره، واستيقاف البشر العُزل إلا من موبايلاتهم. وبسبب عشوائية الاشتباه، لا يوجد كتالوج محدد لمثيري الشبهة، ومهما تعجبنا من غرابة ظروف المقبوض عليهم أو مَن يتمّ إيقافهم، إلا أن شابًا يركب عجلة صباحًا، ويدل مظهره الرياضي سواء في ملابسه أو ما يحمله من حقيبة وسط خفيفة، فأي دافع ممكن أن يثير الأمن للاشتباه فيه. هل يجوز أن يحمل منشورات سياسية ورقية سوف يلقيها من على دراجته لتلتقطها الجماهير الغفيرة في الشارع؟ أم أن لديه نية التظاهر وهو يحمل العجلة فوق رأسه؟

تردد الأصدقاء في النزول أيام الجُمع طوال شهر سبتمبر، بالرغم من موقف سيادة رئيس الدولة من الدراجة وظهوره راكبًا لها أكثر من مرة منذ أن كان مرشحًا، ومبادرة وزارة الشباب والرياضة بعنوان «دراجتك صحتك»،  إلا أن أمن منظومته يسبب ذعر لنا نحن راكبو الدراجات، من التواجد في مناطق الكثافة الأمنية، لأن الأمن يرتاب فينا، بالإضافة إلى أن الشوارع ما زالت على حالها غير الممهد لركوب الدراجات.

خوفًا من السرقة، صارت كامل تحمل دراجتها معها إلى الشقة، ما كشف لها استخدامات أخرى لصندوق الدراجة - المصدر: كارولين كامل

ختامًا، بشكل حزين وبعد سنوات من ركوب الدراجة في شوارع القاهرة، لا تزال مرارة التحرش والمضايقات ومحاولات القتل الفاشلة من قِبل السيارات تسبب لي تردد في كل مرة أفكر في النزول برفقتها، وأغرب تلك المواقف كان تحرش سائق سيارة إسعاف حاول مرات الاقتراب مني وإفزاعي بالسرينة، وهو يضحك من خفة ظله.

و#سلام

اعلان
 
 
كارولين كامل 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن