سجن الأسئلة والغياب وإعادة التدوير.. هل يستحق زوجي كل هذا العذاب؟

في التاسع عشر من سبتمبر كان موعد زيارتي لوليد في سجن طره، بعد ما يقرب من ستة أشهر لا أعلم عنه شيئًا بسبب تعليق الزيارات منذ مارس الماضي بسبب فيروس كورونا، ولكن القدر أو مشيئة متخذي القرار في الأمن الوطني، منعتني من تلك الزيارة بسبب حصول وليد على إخلاء سبيل في 24 أغسطس الماضي، لأبدأ مرحلة جديدة من الغياب والعذاب، بعد ما يقرب من عامين له في الحبس الاحتياطي.

قبض على زوجي طبيب الأسنان وليد شوقي في أكتوبر 2018، وقضى قرابة العامين بحبس احتياطي في القضية رقم 621 بتهمة «نشر أخبار كاذبة، والانضمام لجماعة محظورة»، حتى حصل على إخلاء سبيل في أغسطس الماضي، ليبدأ بداخلي صراع مع الأمل، تجدد داخلي بعد أن ظننت أنه انتهي، ولكنني بدأت مرحلة جديدة من العذاب والغياب والخوف، فمر على قرار إخلاء السبيل أكثر من شهر، دون تنفيذه، ولا أعلم أين يوجد زوجي ، لا أعلم إن كان حيًا أو لا قدر الله أصابه مكروها، بصحة جيدة أم مريضًا، يحتاج لأدوية أو ملابس نظيفة، لا أعلم شيئًا، وكأنه عقاب على شيء لا أعرفه، حرمت من رؤيته طيلة ستة أشهر وانقطعت أخباره كما انقطعت أيضًا أخبار باقي السجناء منذ تعليق الزيارات بسبب «كورونا»، حتى فتحت مجددًا وكان موعد زيارتي وفقًا لترتيب الحروف الأبجدية في 19 سبتمبر، وحرمت من تلك الزيارة المنتظرة أيضًا.

«مع خبر إخلاء السبيل كان جوايا مشاعر كتير مختلطة، فرح وخوف وقلق، مش مصدقة أنه هيطلع واشوفه، ومش عارفة أتخيل أي سيناريوهات تانية ممكن تكون متعلقة بتدوير أو قضايا جديدة، كنت مدية لنفسي مدة ممكن توصل لأسبوعين ويكون معانا في البيت، عمري ماتخيلت أنه ممكن أوصل لأكتر من شهر وهو لسه مش معانا وكمان مش عارفين هو فين».

أخلي سبيل وليد ثم رحل من السجن إلى «تخشيبة الخليفة» ومنها إلى قسم شرطة دكرنس بمحافظة الدقهلية التابع لمحل إقامته، وفقًا للإجراءات المتبعة عند إخلاء السبيل، وعقب وصوله القسم رحل في اليوم التالي لأحد مقار الأمن الوطني لمناقشته وإخلاء سبيله، وفقًا لما أخبرنا به أحد ضباط قسم شرطة دكرنس، في 2 سبتمبر الماضي، ومنذ ذلك التاريخ وحتى كتابة تلك السطور لا أعلم أين زوجي، وما هو مصيره، هل سينفذ قرار إخلاء سبيله، أم سيوضع على ذمة قضية جديدة.

ابنتي نور التي تبلغ من العمر ثلاث سنوات، تنتظر عودة أبيها، لأنني مع قرار إخلاء السبيل مهدت لها الأمر وفقًا لنصيحة أحد الأطباء النفسين، بضرورة التمهيد لها بأن والدها سيأتي ويحضر لها الألعاب، لتكون جاهزة لاستقباله، وتنتظره معي، لكنني الآن لا أعرف الرد المناسب على سؤالها المتكرر «بابا هيجي إمتى؟»، فأنا لا أعلم موعد عودته.

رحلة البحث عن وليد بدأت مع اختفائه مجددًا من القسم، بدأت بالبحث في أقسام الشرطة المختلفة بمحافظة الدقهلية، فربما يكون قد تم ترحيله لأحدهم عقب مناقشته بالأمن الوطني، كما ذهبت إلى مصلحة السجون في محافظة القاهرة لأسأل عن مكانه إذا تم ترحيله لأحد السجون مجددًا، لم أجد شيئًا، لم أصل لإجابة، في مصلحة السجون سألني شخص لا أعرف رتبته على الباب وهو يطلع على هويتي وسبب وجودي، فأخبرته بقدومي للسؤال عن مكان زوجي السجين السياسي «وهو سايبك من قد إيه بقى؟»، فأجبت «عامين»، وبعد نظرة طويلة لي رد «تلاقيه في أمن الدولة.. خدي رقم تليفوني بدل متبقي تيجي المشوار ده تاني وأنا أشوفلك مكانه»، فطلبت منه تدوين رقم هاتفه في ورقه لأنني لم أحضر هاتفي المحمول «في الحقيقة أنا زهقت بقى من كل شوية لما حد يشوفني لوحدي ويعرف قصتي يقولي هاتي رقم تليفونك ونبرته تتغير.. تعبت من أسئلة الجيران هو جوزك راجع من السفر إمتى.. تعبت من النبذ والخوف اللي بشوفه في عيون اللي بيعرفوا الحقيقة وطلباتي أنه الأمر ميطلعش بره، وكأني متهمة في جريمة قتل أو هربانة من تار مثلًا».

مخاوفي كانت تزداد يومًا عن يوم، بعد تدوير صديقاه اللذان حصلا على إخلاء سبيل معه بنفس القضية، تم وضعهما على ذمة القضية 880، بنفس التهم السابقة التي حبسا بسببها عامين، سأل المحامي عن وليد بشكل رسمي في النيابة، وتبين أنه لم يتم عرضه على ذمة قضية جديدة، وتقدمت ببلاغ للنائب العام يطلب الكشف عن مكان احتجازه وتنفيذ قرار المحكمة وإخلاء سبيله، وفي 3 أكتوبر عقدت المحكمة جلسة تجديد التدابير لزوجي دون حضوره، وقدم المحامي صورة من التلغراف المقدم للنائب العام يفيد باختفائه، فقرر القاضي تجديد التدابير الاحترازية التي تلزمه بزيارة القسم ثلاث مرات أسبوعيًا لمدة 45 يومًا.

دائرة جديدة من العذاب عشتها، عذاب جسدي ونفسي، لا أستطيع النوم، كوابيس تطاردني، وآلام في المعدة مستمرة طوال النهار بسبب القولون العصبي، أسئلة دون إجابة، تسألني والدته يوميًا «هو وليد عمل إيه علشان كل ده يعني»، فأجيبها «مش عارفة»، لتنتهي المكالمة بدعوات بظهوره عاجلًا، وملابس جديدة اشتريتها ليخرج بها ويبدل بها ملابس السجن البيضاء، انظر إليها يوميًا ولا أعلم هل سيرتديها أم سيكون مصيرها انتظاره أيضًا.

«عمري ماكنت أتخيل أن أيام زيارات سجن طره هتكون بالنسبة لي جنة عن اللي بعيشه دلوقتي، كنت عارفه مكانه ومطمنه عليه وبوصل له أكل وشرب وفلوس، دلوقتي معرفش هو فين، كويس ولا تعبان، وبسأل نفسي ليه اتحرم منه أنا وبنته طول الوقت ده، ليه يطلع قرار إخلاء سبيله ويختفي تاني، ليه كل العداوة دي، وكأن في حد بينتقم مننا بشكل شخصي، ليه ممكن يبقى في سيناريو أسوأ بعد التعب والبهدلة والترحيل من مكان لمكان والاختفاء كل الفترة دي، يتحط على قضية جديدة، ماكانوا يسيبوه مكانوا في السجن وخلاص».

تخنقني جدران المنزل يوميًا بالذكريات والآمال، أشعر أنها تقترب مني حتى تحطم جسدي، وأصلي يوميًا وأدعو الله أن يرسل لي إشارة أنه يسمعني ويسمع دعائي، كنت أقول له إنني لا أريد معجزة، ولا أطلب انتهاء الوباء مثلًا، أو وقف الحروب في العالم، ولكن كل ما أتمناه طلب بسيط، تنفيذ قرار صدر بالفعل، إخلاء سبيل سجين وضع في الحبس الاحتياطي عامين، منع خلالهما من الزيارة، وأصابه وباء كورونا، حرم من ابنته، حرم من أسرته وعمله، أليس هذا كاف؟، أفكر ماذا يأكل زوجي وكيف ينام؟، كيف يقضي أكثر من شهر بنفس ملابسه؟، أين هو الآن وماذا يفعل وبما يفكر؟، هل سيخرج بعد تلك التجربة بكامل قواه العقلية والنفسية؟، أسئلة تحاصرني ليلًا ونهارًا دون إجابة، وكأنه كابوس لعين لا أستطيع النهوض منه.

في 6 أكتوبر وبعد ما يقرب من شهر ونصف الشهر على إخلاء سبيل وليد، اتصل بي المحامي ليبلغني أنه تم تدوير زوجي في قضية جديدة، نفس القضية التي وضع بها كلا من أيمن وسيد، بتهم نشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، والمشاركة في التجمهر، وقال لي إن القضية الجديدة بها أنه تم القبض على وليد قبل يوم واحد فقط، أثناء مشاركته بتجمهر بالقرب من محل إقامته، انتهت المكالمة بيني وبين المحامي وأنا أسأل نفسي لماذا كل هذا العذاب هل نستحق التدوير في قضية جديدة، هل أستحق أن يحرم زوجي من ابنته وتحرم منه أيضًا وأحرم أنا ووالدته منه، ليجيبني صوت بداخلي أننا لا نستحق كل هذا العذاب.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن