فلويد والراوي ودولة الأمن والاستقرار

في نهاية شهر مايو الماضي وثقت كاميرا هاتف ذكي لأحد المارة في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا بالولايات المتحدة لحظات مقتل المواطن الأمريكي من أصل إفريقي جورج فلويد، على يد ضابط الشرطة ديريك تشوفين.

ضَغط تشوفين على عنق فلويد بركبته لمنعه من الحركة في محاولة لاعتقاله وإجباره على ركوب سيارة الشرطة لما يقرب من تسع دقائق، فيما قيد شرطيان آخران حركة فلويد وحاول رابع منع المارة من التدخل.

أظهرت مقاطع الفيديو التي تم تداولها على نطاق واسع في منصات التواصل الاجتماعي حينها، صراخ فلويد الذي حذر الضباط وبشكل متكرر «لا استطيع التنفس.. أنا أموت يا رجل»، ألا أن رجال الشرطة الأربعة لم يلتفتوا إلى صراخه، حتى توقفت حركته ونبضه، ومع ذلك لم يُظهر ضباط الشرطة أي محاولة لإسعافه، بل على العكس، استمر تشوفين في الضغط على عنق فلويد بركبته حتى فارق الحياة.

وما أن بدأت مقاطع الفيديو التي وثقت مقتل فلويد في التداول، حتى بدأت وسائل الإعلام الأمريكية في متابعة الحادث الذي تحول بعد دقائق إلى قصة رئيسية «Top Story» في كل منصات الإعلام الأمريكية والدولية، وبعد ساعات أزاحت قصة فلويد أخبار فيروس كورونا من عناوين الأخبار في أنحاء عدة من العالم إلى المرتبة الثانية.

لم تكتف الصحافة بنقل الخبر، بل أفردت له مساحات واسعة من المتابعة والتحليل، وتذكير الرأي العام بجرائم وانتهاكات الشرطة الأمريكية في حق المواطنين السود، وأُعيد إلى الواجهة مرة أخرى ملف التوتر العرقي والعنصرية التي لا تزال متجذرة في بعض الولايات والمؤسسات الأمريكية.

تسبب الحادث في اندلاع حركة احتجاجات واسعة تندد بممارسات الشرطة الأمريكية، وتحمل مسؤولية ما جرى للرئيس دونالد ترامب الذي فضل في البداية الهروب إلى مساحة «المؤامرة» التي تشارك فيها منظمات يسارية وأعداء الدولة.. إلخ، ودافع عن رجال الشرطة الذين «يفرضون السيطرة على الشوراع»، وطالب المحتجون ليس بمحاكمة قتلة فلويد فقط بل بإعادة النظر في إفلات رجال الشرطة من العقاب الرادع عندما يكون الأمر متعلق بسوء معاملة أو انتهاك حقوق المواطنين السود.

 الصحافة في قلب تلك الاحتجاجات، نقلت المواجهات التي دارت بين المتظاهرين وعناصر الأمن لحظة بلحظة وعلى الهواء مباشرة، وأفردت مساحات واسعة لنقل مطالب المحتجين ومناقشتها وتواصلت مع كل الأطراف ذات الصلة لبحث إمكانية تحقيقها،  الأمر يحدث عادة في كل قضية يكون المواطن طرفًا فيها، فالقاعدة هناك أن الصحافة تعمل في «خدمة المحكوم لا لخدمة الحاكم»، حتى المنصات الإعلامية الموالية للرئيس الأمريكي لم تستطع أن تدافع عن ممارسات الشرطة وانتهاكاتها، واكتفت بإظهار بعض أعمال السلب والنهب التي صاحبت الاحتجاجات.

تحول فلويد بفعل وسائل الإعلام إلى «أيقونة» لمقاومة العنصرية والتفرقة العرقية، وصارت وسائل الإعلام قاعات محاكم مفتوحة تطُرح فيها مطالب المحتجين وتعُرض في جلساتها الأدلة والمعلومات والوثائق والشهادات ووجهات النظر المختلفة، وتُرك الحكم لـ«هيئة المحلفين» من الجمهور صاحب الولاية والكلمة الفصل في الدول الديمقراطية الحديثة التي تقيم وزنًا للرأي العام.

مع الضغط الشعبي أُحيل قتلة فلويد إلى المحاكمة ووجهت للضباط الأربعة تهم القتل العمد من الدرجة الثانية، وتراجع الرئيس ترامب «المتهور المتسلط.. الذي يريد تقسيم الولايات المتحدة.. ويبحث استخدام قوات الجيش لمواجهة المحتجين ويصر على إعادة أمريكا عقود إلى الخلف» عن الكثير من أفكاره، ورضخ لمطالب المحتجين، فوقع أمرًا تنفيذيًا لتطبيق إصلاحات الشرطة حتى ينتهي البرلمان من مناقشة وإقرار قوانين فجرتها القضية، فيما قررت سلطات مينيابوليس تفكيك وإعادة بناء جهاز شرطة المدينة، واتخذت العديد من الولايات قرارات سريعة مماثلة للحد من انتهاكات جهاز الشرطة.

هذا ما جرى في دولة تحترم مواطنيها وتقدر حقوقهم ومنها الحق في المعرفة دون وصاية أو حجب، وتتعامل مع الصحافة باعتبارها «عين المواطن التي تراقب مؤسسات الحكم»، أما في مصر الدولة التي حولت سلطتها الصحافة إلى أداة من أدواتها، تسبح بحمدها وتعرض «إنجازاتها» وتُخفي خطاياها وتدلس على استبدادها، فُيقتل المواطن «في عز الظهر» أمام أهله وأبنائه وتهاجم قوات الأمن جنازته، ولا تنقل أي وسيلة إعلام حرفًا مما جرى، فتغيب الحقائق وتختلط المعلومة بالشائعة، ويصبح مستقبل الوطن كله رهينًا لأخبار وفيديوهات منصات التواصل الاجتماعي التي لا يعرف المتلقي مصدرها ولا يمكنه التحقق من مدى دقتها.

في اليوم التالي لسقوط المواطن عويس الراوي (38 سنة) برصاص ضابط شرطة بحسب شهادات جيرانه، أدار من تسلل إليهم الخبر عبر منصات «السوشيال ميديا» محركات البحث على شبكة الإنترنت لمعرفة تفاصيل ما جرى، لكنهم للأسف لم يجدوا أي تفصيلة تشبع رغبتهم في المعرفة على أي منصة إخبارية مصرية، وباستثناء عدد من المواقع الصحفية المحجوبة، وبعض المنصات الإخبارية الأجنبية، لم تنقل أي وسيلة إعلام مصرية ما جرى في قرية العوامية بمدينة الأقصر جنوبي مصر، ولم يخرج من وزارة الداخلية ولا من مكتب النائب العام حتى كتابة هذه السطور بعد أربعة أيام من الأحداث أي بيان يوضح ملابسات الحادث.

ظن رئيس غرفة كنترول الإعلام المصري أن تغييب حادث مقتل الراوي عن المنصات الإعلامية التقليدية التي يحركها ويوجهها سيدفن الواقعة في مقابر الأقصر، وسيخمد النار التي تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي شرارها على مدار يوم كامل، تناسى هو ومن معه أن عصر التجهيل ومنع تدفق المعلومات قد انتهى إلى غير رجعة وأنه من الأفضل مصارحة الرأي العام بدلًا من تركه فريسة للمعلومات المنقوصة أو المخلوطة بالشائعات.

القصة باختصار، وكما نقلها موقع «مدى مصر» المحجوب عن شهود عيان، أن قوة أمنية توجهت فجر الأربعاء 30 سبتمبر إلى منزل عائلة الرواي بقرية العوامية القريبة من مدينة الأقصر لاعتقال أحد أبنائها بدعوى أنه شارك في مظاهرات 20 سبتمبر، وعندما لم تجده قررت القبض على ابن عمه الراوي الراوي شقيق عويس الصغير.

«حاولت الأسرة إثناء القوة عن القبض على الشاب الصغير، لكنهم رفضوا واصطحبوه إلى الخارج. وبحسب رواية اثنين من الجيران، أحدهما تواجد أمام المنزل فور سماع الرصاص، خرج عويس خلفهم، وبعد مشادة كلامية بينه وأحد ضباط القوة، أخرج الضابط سلاحه، وأطلق أربع رصاصات، منهم رصاصة أصابت عويس في رأسه»، يكمل «مدى مصر» القصة.

هربت قوات الأمن، ونقل عويس إلى المستشفى لكنه فارق الحياة في الطريق، وشهدت جنازته مواجهات بين قوات الأمن والأهالي الذين خرجوا لتشييع جثمانه، استخدمت فيها الشرطة بحسب العديد من الفيديوهات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي قنابل الغاز، واستمرت الاشتباكات حتى صباح الخميس 1 أكتوبر.

في السنوات الأخيرة من عصر نظام الرئيس الراحل حسني مبارك، تكررت انتهاكات أفراد جهاز الشرطة، وتحول العديد منها إلى مادة للتداول على مواقع الإنترنت وصفحات الصحف وشاشات القنوات الخاصة، من قضية عماد الكبير الذي تم تعذيبه على يد الضابط إسلام نبيه في قسم بولاق الدكرور عام 2006، إلى مقتل الشاب نصر عبدالله متأثر بتعذيبه في قسم شرطة المنصورة عام 2007، وإلقاء أمناء شرطة للمواطن ناصر صديق من شرفة منزله في العمرانية أمام زوجته وأولاده ليتوفى متأثر بجراحه في ذات العام، ووصولًا إلى ضرب خالد سعيد حتى فاضت روحه في الإسكندرية عام 2010، وتعذيب الشاب سيد بلال حتى الموت مطلع 2011 في الإسكندرية أيضًا، وغيرها العشرات من الوقائع التي تسربت إلى الصحف الخاصة والحزبية.

لم تتمكن إدارة مبارك من كبح جماح رجال اللواء حبيب العادلي وزير الداخلية حينها، وغض نظامه الطرف على العديد من جرائم التعذيب والقتل التي كانت تشهدها «سلخانات الشرطة»، تعامل نظام الرئيس الراحل مع الأمن على أنه هو طوق النجاة والوسيلة الوحيدة للبقاء في السلطة رغم أنف الشعب، ضاعت الحقوق إثر تغليب الأمن السياسي على أمن الوطن والمواطن، فتراكم الغضب وبلغ الاحتقان مداه، حتى وصلنا إلى محطة 25 يناير 2011، خرجت بشائر الشعب المصري إلى الشوارع للاحتجاج على عنف رجال الشرطة، ثم لحق بهم الملايين ليتحول الأمر إلى مطالبة الشعب بإسقاط النظام ومحاكمة رموزه، ليصبح يوم «25 يناير» عيدا للثورة على نظام مبارك بدلًا من عيدًا للشرطة.

لم يستفد رجال النظام الحالي من الدرس، ولم ينظروا إلى الخلف ليتحسسوا مواقع خطواتهم المقبلة، صاروا على النهج نفسه، قدموا الأمن السياسي على أمن الوطن، آثروا البقاء والاستمرار في السلطة باستخدام عصا الأمن الغليظة على حساب استقرار البلد، ظنوا وكل ظنهم إثم أن ما جرى لن يتكرر مادمت القبضة أكثر إحكامًا ومادامت وسائل الإعلام التي تناقلت أنباء انتهاكات رجال الأمن قبل الثورة تحت السيطرة الكاملة، لا تنشر إلا ما يسمح «حراس البوابة» بنشره، ولا تعرض ما يجري إلى بعد تمريره على معامل «الفلتره» .

ستأتي الفكرة عندما تنتهي السكرة، وسنفيق جميعًا على انفجار لا يبقي ولا يذر، مهما صدرنا للجمهور أن الأمور تحت السيطرة وأن ما يتحقق في مصر الآن لم تشهده البلد منذ قرون، لن يتحقق «الأمن والاستقرار» إلا بصون كرامة المواطن واعتباره شريكًا في إدارة الدولة، يعرف ويختار ويحاسب ويعزل، حينها سنتمكن من إقامة الدولة الآمنة المستقرة الناجحة.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن