حدث حين قابلت تشارلي كوفمان
 
 

(1)

«أنت لا تعرف كم أنت محظوظ أيها القرد، لأن الوعي لعنة فظيعة؛ أنا أفكر.. أنا أَحِسّ.. أنا أُعاني»

تشارلي كوفمان

سيناريو فيلم «Being John Malkovich» عام 1999

(2)

 مشهد 1 – القاهرة 2020

الكاتب في شقته بوسط البلد، يجلس أمام لابتوب مَفتوح على مَلف وورد اسمه «تشارلي كوفمان»، لم يُكتب فيه إلا الجملة الافتتاحية التي عَرَفَ منذ البداية أنها ستكون في مُفتتح مقاله.

يَعجز عن كتابة كلمة أخرى، يَجلس ثابتًا أحيانًا، يتحرّك في صالة البيت أحيانًا أخرى، يُحضر الكثير من القهوة، ينظر لدفتر الملاحظات الممتلئ الذي كَتَبَ فيه نحو ألف مَلحوظة واقتباس خلال الفترة الماضية، لكنه يعجز عن إجابة سؤال واحد: عما سيكون هذا المقال تحديدًا؟!

في البداية كانت الفكرة واضحة؛ مقال عن فيلم كوفمان الجديد «أفكر في إنهاء الأمور – I’m thinking of ending things»، ربما تحليلًا للسيناريو وفَك وتركيب الفيلم. كان هذا ما اتفق عليه مع المُحررة؛ «I’m thinking of writing things»، كما أخبرها. ولكن -كالعادة- اتسعت الأمور؛ من فيلمٍ لكوفمان إلى آخر، من مقابلة إلى أخرى، حتى الأخبار والنَقد وتعليقات الناس، صار صوت تأتأته المتوترة في الحَديث نَبرة مميزة للأيام؛ «كيف أكتب عن فيلمٍ ذاتي إلى هذا الحد دون أن ألتصق بصانعه؟».. يفكر الكاتب.

ولكن، كلما مر الوقت بدا أن هناك شيئًا خاطئ؛ لا يمكن أن يكون هذا المقال «فقط» عن الفيلم، ولا حتى عن كوفمان نفسه، هناك شيء أكبر، «إنه عن…. »، يفكر الكاتب وهو يقف في منتصف الصالة، ثم يقول بعجزٍ عن التقاط الفِكرة «… عن كل شيء».

«يجب أن تبدأ من مكان ما»؛ ميز الكاتب الصوت سريعًا، بالتأتأة، والإنجليزية اللاهثة، نَظَر نَحو الركن، وَوجده، تشارلي كوفمان، 62 عامًا، ذقنه شعثاء قليلًا وشعره طويل، يرتدي تي-شيرت واسع، ولكنه أنحف كثيرًا مما كان الكاتب يعتقد.

فكر الكاتب في أن يسأله «كيف هو هنا؟» ولكنه بدا سؤالًا غبيًا للغاية، ربما -بعيدًا عن الغباء- سيحرجه أكثر ويجعله يتلعثم، وربما حتى سيجعله يختفي. بدلًا من ذلك صَمَت الكاتب.

تشارلي

يجب أن تبدأ من مكان ما

من لا شيء.. إلى كل شيء

لم يكن تشارلي ينظر أبدًا إلى عينِ مُحَدّثه في بداية الجمل، ينظر فقط بعد أن ينهيها.

الكاتب

آه، بس إزاي؟! مش عارف!

تشارلي

دعنا نبدأ ببطئ، ما الذي تريد أن تكتب عنه؟

الكاتب

(يتنفس طويلًا ثم يحاول الإجابة بتوهان)

عنّك

عن الفيلم

عن اللحظة و2020

(يزداد التوهان مع كل كلمة جديدة)

عن الاكتئاب والقلق والهواجس

عن السينما والصناعة والاختيارات والمستقبل

(وبتوتر وشعور بالضغط/العجز)

حاسس إني عايز أحط فيه كل حاجة عشان يَحْتَمل يكون كل حاجة

عارف.. كإنه وَثيقة عن كل ده 

يتنحنح تشارلي، يثبت نظره -بارتباك- على نقطة مُعينة في الأرض، لا ينظر نحو الكاتب ولكن يبدأ في التحدث.

تشارلي

لست جيدًا أبدًا كـ mentor

أنا آخر شخص يمكن أن يخبرك كيف يمكن أن تفعل أي شيء

ولكن..

لو كنت مكانك.. فربما أبدأ من هذا التوتر الذي أشعره نحو كتابة المقال

الكاتب

لا لا لا

مش عايز أكون self-indulgent

اسمها إيه بالعربي؟ «منغمس في ذاتي»؟

ليه أكتب عن نفسي في مقال عن السينـ….

تشارلي

(مقاطعًا بارتباك شديد)

فاهم فاهم

(ويهمهم لنفسه)

أخبرتك إني آخر شخص يمكنه مساعدتك!

(يسكت قليلًا)

حسنًا

حاول أن تبدأ مما تعرفه يقينًا

من الأفلام والسينما ربما.. كيف بدأ كل شيء؟ 

يهز الكاتب رأسه مفكرًا.

الكاتب

يمكن آه

يتحرك نحو المَكتب، يجلس أمام اللابتوب المَفتوح. يَقوم تشارلي ويأخذ كرسي آخر ويجلس بالقرب منه. يَضَع الكاتب يده على الـ«كيبورد» ويَكتب:

(3) 

كيف بدأ كل شيء؟

في أغسطس 1998، كان تشارلي كوفمان سيصبح في الـ40 من عمره بعد ثلاثة أشهر فقط، وكان مَضغوطًا ومكتئبًا للغاية، ليس لشعوره بأنه «لم يحقق أي شيء في حياته» -وهو شعور سيلازمه إلى الأبد حتى بعد حقق أشياءً كثيرة- ولكن بسبب القلق؛ القلق على فيلم «أن تكون چون مالكوڤيتش» الذي كان تصويره -بطريقة ما- بدأ حينها، والقلق أكثر على مشروعه الجديد الذي تعاقد عليه مع شركة «كولومبيا» وهو اقتباس رواية «سارق الأوركيد» للكاتبة سوزان أورلين في فيلمٍ سينمائي، وهو -في لوس أنجلوس 1998- ما زال عاجزًا عن كتابة حرف واحد أو إيجاد مَدخل للحكاية.

السنوات السبع بعدها كانت أشبه بالحلم، لا يوجد كاتب سيناريو في العالم يتمنى أكثر مما حدث مع كوفمان في هذا الوقت: عُرِضَ «أن تكون چون مالكوڤيتش» في أواخر عام 1999، نالَ ثلاثة ترشيحات للأوسكار من بينها أفضل سيناريو أصلي، وحقق في نفس الوقت نجاحًا جماهيريًا في شباك التذاكر، وكان الجميع يتحدث عن الكاتب «الشاب» (الذي لا يدرون أنه في الـ41) «المَجنون». السُمعة والنجاح جعلاه أجرأ لعرض فكرته في اقتباس «سارق الأوركيد» على شركة الإنتاج: سيكتب فيلمًا عن تشارلي كوفمان الذي يعاني لاقتباس رواية «سارق الأوركيد»، سيتناول مراحل الكتابة والمعاناة والقلق، سيظهر في الفيلم وهو يمارس العادة السرية مرات عديدة، ويرتبك إثر الاقتراب من كل أنثى، وستكون سوزان أورلين زَوجة خائنة وستظهر صورتها عارية على موقع «بورن»، وسيهزأ من «هوليوود» ومن المنتجين الأغبياء وشركات الإنتاج العملاقة وسيجعلهم «الخِصم/Antagonist» في الحكاية، سيفعل كل ذلك في السيناريو وسيضع تشارلز داروين وبداية الخليقة وأسئلة عن الوجود في فيلمٍ عن الاقتباس/Adaption، ومع ذلك وافقوا عليه ودعّموه واعتبروه عملًا قيمًا، وجلبوا في بطولته نيكولاس كيدچ وميريل ستريب، ومرة ثانية تكرر نفس النجاح؛ أربعة ترشيحات للأوسكار (من بينها ترشيح أفضل سيناريو مقتبس لتشارلي وأخيه التوأم المُتخيل دونالد كوفمان الذي كُتِبَ اسمه على تترات الفيلم) بالإضافة إلى إيرادات جيدة في شباك التذاكر تعوّض الميزانية.

أصبح حينها أشهر كاتب في العالم؛ الكاتب الوحيد في قائمة مجلة «بريمير» لأقوى 100 شخص في العالم عام 2003 كما تخبرنا «تريڤيا» صفحته على موقع «IMDB». كل الشركات ترغب في التعاون معه، وهو ما حدث في فيلم ثالث؛«Eternal Sunshine of the spotless mind» في عام 2004، بنفس الميزانية المتوسطة المعتادة (20 مليون دولار) في نجاحٍ أكبر وأضخم تلك المرة، حقق الفيلم جماهيرية فائقة، أحبه الجميع. وفي فبراير 2005، فاز كوفمان بأوسكار أفضل سيناريو أصلي، كأعلى تكريم يمكن أن يحصل عليه كاتب في هوليوود تبعًا للمعايير السائدة. كانت المرة الأولى التي يراه الناس يتحدث على الأغلب، وقف مرتبكًا، ومتلعثمًا، وقفَ يَعِد الثواني المَكتوبة على الشاشة أمامه وتشير إلى مدة خطبته: «30.. 29..28..27.. آه.. هذا شيء مُرعب فعلًا.. آه آه.. يجب أن أنظر لمكانٍ آخر»، بدا الرجل -تمامًا- كأبطال أفلامه.

أحبت هوليوود تشارلي كوفمان؛ أحبته لأنه يقدم أفلامًا مُختلفة للغاية، ولأن أفكاره -دائمًا- غير معتادة، ولا يخشى التجريب والمجازفة، ويملك لَمسة أصيلة وذاتية جدًا. وأحبته لأن أفلامه تترشح للجوائز، ولأن الجمهور يُقبل عليها، وتحقق في شباك التذاكر ما يغطي تكلفة إنتاجها، وبالتالي كان يمنح أي أستوديو كل ما يريده في فيلم.

لذلك، وافقت شركة «سوني» حينها على طلب كوفمان في أن يُخرج فيلمه الجديد والطموح المُسمّى «Synecdoche, New York»، والميزانية متوسطة -كالعادة-: «20 مليون دولار»، كان من الصعب أن تكون معادلة خاسرة، ولكن النتيجة كانت كارثية؛ فشل الفيلم تمامًا.

كانوا يعتقدون -في الاستوديوهات- أن ما يُحرك الأفلام هو «الشقاوة» والأفكار المُتلاعبة ومفاجآت السرد التي لا تتوقف. ولكن في «سينكدوكي» لم يكن هناك -تحديدًا- أي من هذا، بدا واضحًا جدًا أن ما حرّك كل الأفلام من البداية كان ثيمات سوداوية للغاية عن الذات والإنسانية؛ الرهبة من الشيخوخة، الخوف من الموت، الإحباط الجنسي، القلق الاجتماعي، العجز عن التواصل، الشعور بالوحدة، ذكريات الأحباء القدامى، المعاناة في الكتابة، المعاناة من الآخرين، المعاناة مع ذاتك، المعاناة لأنك أنتَ؛ المعاناة!

كرهت هوليوود تشارلي كوفمان؛ كرهته لأنه يقدم أفلامًا مختلفة للغاية، ولأن أفكاره -دائمًا- غير معتادة، ولأنه لا يخشى التجريب والمجازفة، ويملك لمسة أصيلة وذاتية جدًا. كرهته لأن فيلمه لم يرشح للجوائز، ولأن الجمهور لم يحبه، ولم يحقق في شباك التذاكر أكثر من ثلاثة مليون دولار.

الأسوأ من ذلك أن الفيلم صدر عام 2008، في عز الأزمة الاقتصادية داخل أمريكا من ناحية، ومن ناحية أخرى كانت تلك هي لحظة صدور «The Dark Knight» وبداية عالم مارڤيل السينمائي الممتد (MCU) مع فيلم «Iron Man». كانت السينما تتغيّر في هذا العام، أكثر لحظة مؤثرة على هوليوود منذ السبعينيات ربما، حيث أصبح الناس بحاجة للأبطال الخارقين (كرد فعل ممتد على 11 سبتمبر؟)، والتقطت الأستوديوهات الخَيط؛ لم يعد هناك أي رغبة أو حماس في إنتاج الأفلام متوسطة الكُلفة أو المُغامرة بأي شكل. بطريقة ما كان من السهل إنتاج فيلم أبطال خارقين بميزانية 100 مليون دولار عن إنتاج فيلم مُغامر ومُغاير بـ10 ملايين دولار.

كان العالم يَتسع ويَضيق. آلة صناعة عملاقة تدور وتدور وتدور، لم يَعُد هُناك مكان لـ«تشارلي كوفمان».

والسنوات التالية كانت كالكابوس.

(4)

ثقيل جدًا أن ينصرف الناس فجأة. كأن شيئًا لم يَكُن هنا من الأصل.

لم يعد هناك شركات، أو أموال، أو مشاريع جديدة، أو أفكار يمكن أن تصبح حيّة. كل الصخب انتهى، والأمل يتآكَل، سنة تِلو الأخرى، يبدو وكأن العالم قد نَسَيَك بعد «سينكدوكي»، لم تَعُد كاتب فَلتة، أو سينمائي عبقري، أنتَ مُجرد شخص وَحيد، يجلس في شقته المُظلمة بمدينة نيويورك، يُفكر ماذا حدث؟ يفكر فيما يحدث؟ يفكر في إنهاء الأمور؟

عشر سنوات أو يزيد من الفراغ؟ بالطبع كان هناك لحظات جيدة متفرقة؛ الأوقات مع ابنته «آنا» والتمشيات الطويلة التي اعتادا عليها كل أسبوع دون انقطاع، مقابلة كاثرين كينر وسبايك چونز كل حين وآخر، الكتابة في روايته «Antkind» كمحاولة للفعل الفردي وعدم انتظار السينما أكثر من ذلك، إعادة الفُرجة على أفلام ديڤيد لينش وعلى فيلم «بارتون فينك» والشعور بقدر أقل من الوحدة لمدة ساعتين أسبوعيًا، كان هناك أيضًا تلك الليلة الجميلة في إنجلترا عام 2011 حين وَقف أمام ألف شخص على المسرح، وتجاوز -بقدر ما يستطيع- كل التوتر والقلق والإحراج ودقات القلب المتسارعة، ليخبرهم بما يشعره ويفكر فيه ويجعله يؤمن بخياراته القديمة والحالية؛ حدثهم عن العالم الذي يريد أن يُفقدك صوتك وأن تكون كل شيء عدا نَفسك، وعن حكاية الفِطر الذي يصيب عقل النمل الحفّار فيجعله «زومبي» وأداة ينمو من خلالها الفِطر ويصيب النمل الآخر فيصبح -بدوره- فطرًا، وأن الثقافة الحديثة تفعل ذلك مع الفنانين والناس، وهو -فقط- لا يريد أن يكون «زومبي»، أخبرهم أنه تردد لشهور في أن يأتي ويقف أمامهم خوفًا من أن يحاول تسليتهم وإلهامهم فيصدر صورة ممسوخة غير ما هو عليه أو يكون صادقًا تمامًا فَيَملّوه ويغادروا مقاعدهم ضَجَرين ويصيبه ذلك بالإحراج، أخبرهم أنه قد لا يكون شخصًا مثيرًا للاهتمام ولكنه لا يملك ما يقدمه للعالم إلا نَفسه، وأخبرهم أنك «إن صدقت في كتابتك، ومن أنت، فإنك ستعين شخصًا آخر على أن يكون أقل إحساسًا بالوحدة في عالمه، ربما يرى فيك نفسه، وقد يمنحه ذلك أملًا»، وأن هذا هو دافعه الوحيد -ربما- للكتابة والعَيش.

كان سعيدًا في هذا اليوم، شعر أنه تحدث من قلبه، شعر أنه «تواصل» مع الآخرين، تمامًا مثلما كان سعيدًا وآملًا أثناء العمل على فيلم «Anomalisa» عام 2015؛ فيلمه الوحيد بين 2008-2019 والذي نُفذ بشكل مُستقل -بعيدًا عن أي شركة كبرى- وميزانية ضئيلة جدًا وبمساعدات ضخمة من أشخاص مختلفين؛ ثلاث سنوات كاملة، وبعض الأشخاص يعملون بأجورٍ زهيدة، والبعض الآخر يعملون مقابل لا شيء»، وكالعادة كان «تشارلي» فيه هو «تشارلي»؛ يشعر بالوحدة ويبحث عن التواصل ويخاف من الموت ولكن لا يخشى التعبير عن كل هذا بصوتٍ عالٍ، ولكن مثل «سينكدوكي» لم يَسْمع أحد؛ فشل الفيلم أيضًا في شباك التذاكر، واعتبرته الشركات الكبرى «شخصًا مزعجًا» لا أكثر، وصارت الأمور أكثر صُعوبة، وعاد الحُزن أزيد من ذي قبل.

لكن الجحيم لم يكن كل هذا، الجحيم كان اضطراره أحياناً للكتابة بشكل خفي (Ghost writer) في أفلامٍ يحتقرها من كل قلبه، مثل «Kung Fu Panda 2» مثلًا، فقط لأنه يريد أن يدفع إيجار منزله! ولأنك لا يمكن أن تجد صَوتك إذا كان بالك مشغولًا بصخب الديون المتراكمة عليك! صحيح أنه فعل ذلك قديمًا، حين كان شابًا يكتب في مسلسلات تلفزيون نهارية كي يعيش، الجحيم -تحديدًا- هو أن يظل يفعل ذلك حتى في هذا السن، وهو في خمسيناته، وهو في الـ57..58..59…

لقد وصل للستين بالفعل، يشعر بالوحدة، بالفراغ، بالإهانة، بالذعر من الشيخوخة، ومن أن الأمور تزداد سوءًا، «يفكر في إنهاء الأمور» «يفكر في إنهاء الأمور» «يفكر في إنهاء الأمور»، تتكرر الجملة داخل رأسه. حتى رأى الصوت مصفوفًا على رفوف أحد المكتبات النيويوركية: رواية «I’m thinking of ending things» للكاتب إيان ريد.

 (5)

 مشهد 2 – القاهرة 2020

يتوقف الكاتب عن الكتابة، يكون كوفمان حينها واقفًا أمام رفوف المكتبة، يُمسك كتابًا بالعربية، اسمه «كيف تتذكر أحلامك»، ويقلّب فيه، ولم يسأل الكاتب -قطعًا- إن كان يعرف العربية، بدا سؤالًا غبيًا آخر!

ينتبه كوفمان لتوقف التّكتكة، يَنظر نحو الكاتب ويجده ينظر له، يتوتّر، يتأتأ باعتذار، ثم يبحث عن شيءٍ سريع يغيّر به الموضوع.

تشارلي

هل تعرف أكثر ما أحبه في الأحلام؟

الكاتب

إيه؟

تشارلي

أننا في الأحلام لا نهتم بصورتنا التي نظهر بها في عينِ الآخرين

لا يبدو الكاتب قد فَهِم -تحديدًا- قَصده، فيسترسل كوفمان دون أن ينظر في عينيه.

تشارلي

في الأحلام، نحن فقط مع ذواتنا

تتحول المخاوف والأزمات والحب والندم والذنب إلى قصص مرأية ومتحررة

وإذا كنا قلقين من صورتنا أمام الآخرين فإن هذا القلق نفسه يتحول لجزءٍ من الحلم

أحاول التفكير في الأفلام بتلك الطريقة

الكاتب

أيوة، من قريب كنت بفكر إزاي كل فيلم كنت بتحاول تحرره من قواعد الزمن بطرق مختلفة

تتحرك من لحظة لحظة ومن وقت لوقت تاني

في ذاكرة شخص.. أو في ذاكرته.. أو في خيالاته

أو حتى بدون قواعد خالص

تشارلي

في الأحلام الزمن لا يكون خطيًا

الكاتب

صح

يصمتان. يعيد كوفمان الكتاب لمكانه.

تشارلي

أين وصلت الآن؟

الكاتب

للفيلم، هبدأ كتابة عن الفيلم نفسه

بس… مش عارف

تشارلي

أين المشكلة؟

الكاتب

عطلان

كنت في الأول خالص عارف هكتب عنه إزاي

بس دلوقتي حاسس إن ده غلط، حاسس هيكون خيانة ما

تشارلي

خيانة؟!

الكاتب

قصدي.. آه.. خيانة؛ ليك وللفيلم

مش دي الطريقة الصح

اللي عايز أقوله هيبدو كإنه شَرح للفيلم؛ 1 -2- 3

وأنا مش مهتم بده أبدًا

مش مهتم أبدو كإني شخص أذكى من حد محبّش الفيلم أو مَفهموش

أنا عايز… أتكلّم!

أقول ليه حبّيت أو اتأثرت أو حسيت بإيه.. مش مهتم بحاجة تانية 

يخلع كوفمان نظارته، يمسح عينيه، ثم يمسح النظارة، ويعيد وضعها من جديد. يتحرك ليجلس على الكرسي مرة أخرى، ينظر للسطور المَصفوفة على لابتوب الكاتب، وإلى دَفتر المُلاحظات على المَكتب، وإلى الموبايل. تأتي الفكرة إلى رأسه، تبدو غريبة حتى له، ولكنه ينطقها سريعًا.

تشارلي

ماذا عن الـ ڤويس نوت؟!

الكاتب

ڤويس نوت إيه؟!

تشارلي

الـ ڤويس نوت

الـ25 دقيقة.. عن الفيلم.. التي أرسلتها لـ…

الكاتب

أيوة مالها؟!

تشارلي

(مبتلعًا ريقه)

ضعها وسط المَقال

الكاتب

ها؟!

تشارلي

سيكون مُختلفًا حين يَسمع الناس صَوتك تتحدث

الهمهمات والأفكار غير المُكتملة ستكون أوضح

لن تبدو كشخصٍ «عارِف» ولكن كشخص «يُفكّر»

الكاتب

مُستحيل!

(ويفكر.. مستنكرًا الفكرة)

تقنيًا حتى.. صعب..

الناس مش هتوقّف قراية تِسمع وبعدين…

(ويفكر)

مش هينفع لأ

تشارلي

ما الذي يمكن أن يحدث؟!

جَرّب.. للآخر

يفكر الكاتب. لا يبدو مقتنعًا. يظهر ذلك على ملامحه.

ينظر كوفمان للصفحة المَفتوحة على اللاب توب من جديد.

تشارلي

حسنًا، لدي فكرة أخرى.. 

(6)

«لما شُفت الفيلم في أول فُرجة كان فيه حاجات كتير مش فاهمها أو رابطها ببعض، وحاجات تانية مُرتبك ناحيتها، بس كنت متأثر جدًا لحد آخر تلت ساعة.

كنت بفكّر يومها قبل ما أنام إني متأثر -تحديدًا- بفكرة إننا بنشوف فيلم من خيال أو فانتازيا أو ذاكرة (مش عارف) راجل عَجوز، بس هو بيفشل -حتى في خياله- إنه يخلق شيئًا سعيدًا أو «دريمي» لحياته؛ حتى وهو بيهرب من وحدته في قصة خيالية محصلتش.. مكنش عارف يحررها من الكم ده من الضغط العائلي ومن الخوف، ولا حتى من أفكار البنت -جوا خياله- إنها تسيبه!

كان شيئًا مليان وِحدة ووَحْشَة، وكنت بفكر فيه في سياق كوفمان نفسه.

لما شُفته تاني، كانت كل حاجة مَربوطة ببعضها من أول لحظة، من أول الافتتاحية، وكلام البنت اللي لما أنت بتستقبله إنها جوا خيال العَجوز بياخد معنى تاني؛ عن إنهاء الأمور، وإنها «فكرة بتفضل موجودة لوقت طويل لحد ما بتتجذر جوّاك ومبتعرفش بدأت امتى»، بيبقى باين أن الكلام عن الموت/الانتحار، وانقبضت جدًا من ده؛ حسيت أن كوفمان هيموّت نَفسه، وإننا هنزعل جدًا، وكنت حاسس أن الفيلم كله كأنه رسالة استغاثة كده، بداية من اسمه.. لكل حاجة تانية فيه؛ أنه ممتلئ بالوحدة، والخوف من الشيخوخة، الفيلم -تحديدًا- عن الخوف من الشيخوخة، وأنه بيعبّر عن ده بكل وسيلة مُمكنة.

المهم، الراجل العجوز اللي جوا الفيلم لما بيفكر في فانتازيا لحياته بيكون أول شيء في الفانتازيا دي أنه عايش برة المدينة وبرة البيت ده (اللي في الحقيقة عاش فيه حياته كلها)؛ البيت اللي بيكرهه، وفي طريقهم ليه كان كل ما بيقربوا بيتوتر أكتر، زي ما القصيدة اللي بتقولهاله في العربية بتقول: «الرجوع للبيت هو الجحيم»؛ لأنه في كل حياته البيت كان جحيم.

لما بيوصلوا عند البيت، بيتوتر جدًا، مبيبقاش عايز يخش، بيقولها رجلي وجعاني وتعالي أوريكي المرزعة ومش عارف إيه، ولما بيروحوا البنت بتعلق على الخرفان، إن «حاجة حزينة إنك تعيش حياتك في مكان ضيّق؛ بتاكل وتنام وتدخل الحمام وتكرر ده للأبد».. دي حياة چيك اللي فاتت! ثم في اللحظة اللي بعدها بتيجي الحكاية بتاعة الخنزير اللي بيقولها لها؛ «كان ثابت في مكانه في وقت طويل، ولما جُم يحركوه اكتشفوا إن الديدان كانت بتاكل في بطنه بقالها زمن»، كانت صورة قاسية جدًا! عشان دي هواجسه ومخاوفه دلوقتي كراجل عجوز: أنه مش متشاف.. ولما يموت محدش هياخد باله! هيفضل جسمه في مكانه لوقت طويل والديدان تأكله لحد ما حد ييجي يحركه!

لما بيدخلوا البيت، بيبقى فيه شيء أوسع، أو قصدي شيء ما عَريض جدًا عن الحياة اللي عاشها جوا البيت ده؛ هذا المكان الموتر جدًا.. مع هذا الأب الموتر جدًا.. مع الأم الموتّرة جدًا، فيه حاجة عظيمة في النص ساعة دي أن هي كإنها.. لأ مش كأنها هي كده فعلًا.. هي حركة في الزمن لحياة هذا الشخص كاملة. مثلًا -ودي من الحاجات اللي مكنتش عايز أنسى أقولهالِك وأنا بسجّلك- إن الأم لما في لحظة بتقوله «في عيد ميلادك الخمسين» فراح قايلها -بجزّ- «العشرين» فتقوله «هو أنا قلت إيه» فيقولها «قلتي الخمسين» فترد «لأ قصدي العشرين»، بس هي -في ذاكرة العجوز- كانت تقصد الخمسين فعلًا، في عيد ميلاده الخمسين كان موجود في البيت مع أمه! الصورة دي بتكمل -بذكاء شديد في إزاي بنتحرك في الزمن- في مشاهد إنها بتكبر وبتعجّز ويكون قاعد جنبها بيأكلها، فتيجي البنت تقوله «حاجة لطيفة وحنيّنة إنك تعمل كده» فيرد عليها -بتأثر- إن «شكرًا، أنا دايمًا بحس أن محدش بيشوف اللي أنا بعمله من طيبة».

فهو، هذا الشخص، چيك، عاش حياته كلها في هذا البيت اللي بيكرهه، مع الأسرة المؤذية اللي مَعرفش يبعد عنها، «نيرد»، وجوا نفسه تمامًا، بيقرا ويرسم ويتفرج على أفلام بدينه، وبيعيش جوا خياله، بس من غير قدرة على التواصل مع الناس -زي ما بيتقال كذا مرة-؛ من غير ما يحب أو يتواصل أو يكون له أصحاب، ورغم إن كان فيه عَشَم عنه إنه عبقري وذكي و.. و.. و.. بس ده «فسسسس» مفيش أي حاجة حصلت!  فضل جنب أهله، لحد ما ماتوا، لحد ما شافهم -زي ما بنشوف- بيموتوا، وهو بعدها وحيد تمامًا، شغّال في المدرسة الثانوي بتاعته، مبقاش عنده حاجة، وغالبًا غالبًا دي اللحظة اللي بدأ يفكّر فيها «في إنهاء الأمور».

لما بيخلص تتابع البيت، وبيكونوا راجعين في العربية، بحسّ قد إيه التوتر بيزيد -جوا خياله- وهو حاسس أن البنت هتسيبه أول ما الرحلة دي تنتهي. وبيحصل الحوار بتاع فيلم «كازافيتس» «A Woman under the influence»، الفيلم ده من أكتر عشرة أفلام بحبهم في حياتي مثلًا، بس كنت حاسس أن كوفمان جوا سردية وحدته اللي بتتملكه غضبان من اللي الفيلم بيحكيه عن أن الحب ممكن يحمي من كل حاجة، حتى الجنون، زي بالظبط ما هو غضبان من أفلام رون هاورد وروبرت زيمكس والمحاولة الهوليوودية البغيضة لرومانسية الحياة وأن الولد هيصرخ للبنت «بحباااااك»، والدنيا تكون تمام! أكيد كوفمان عارف أن كازافيتس كان صادق مش زيهم، بس هو مش عارف يحس بإن «التعاطف» و«المحبة» كافيين لأي شيء، عشان كمان دي اللحظة اللي بعدها على طول «چيك» -في الفيلم- بيقول المونولوج الفشيخ وهو بيعيط عن «الخرة ده بتاع دايمًا هيبقى فيه حاجة كويسة ودايمًا فيه شخص مكتوب لك والحاجات بتحصل لسبب»، وأنا -من مكاني- بحس طبعًا إن الحاجات بتحصل لسبب، بس فاهم كمان هو بيحكي عن إيه وإزاي الحزن والغضب والوحدة دول متحكمين في الشخصية ومتحكمين في كوفمان.

كل شيء بيكون جميل وحسّاس وصادق، يمكن لحد لما البنت بتقابل چيك العجوز، ويسألها «كان عامل إزاي؟»، وبتقوله الجملة العظيمة بتاعة «مش عارفة أوصفه إزاي، ده واحد من آلاف الوشوش العابرة في حياتنا، كإنك بتسألني عن ناموسة قرصتني من 40 سنة!»، ويبان وقتها إن چيك الشاب مكلمش البنت يومها (في الذكرى القديمة في البار)، وإنها فِضلت فانتازيا حياته، وبيفكر في الـ«ماذا لو.. »، في مقابل الشيء الحزين -جدًا- عن إنه بالنسبة لفتاة أحلامه العابرة كان قرصة ناموسة من 40 سنة!

كنت بحس أن الفيلم ممكن يخلص هنا، إني لو بمنتج الفيلم هقصقص حاجات في الجزء الأخراني، عشان هي برة اللغة السينمائية حتى، بره الاتفاق بتاعنا؛ إحنا متفقين إننا هنتحرك في الزمن ومتفقين إن أمور غرائبية هتحصل بس جوا إطار مُحدد وممسوك جدًا، بس إحنا مش جزء من اتفاقنا أن الفيلم فجأة يتحوّل لميوزيكال ورقص عشان فيه فكرة جوا كوفمان عن المسرحية بتاعة «أوكلاهاما» عايز يقولها، وحتى مشهد الخَنزير، والحفلة والجايزة في الآخر، اللي هي حاجات مفيهاش أي فايدة إلا تنويع على نفس الشيء اللي «عشناه» فعلًا جوا الفيلم، كل حاجة وكل فكرة كانت اتقالت واتحسّت، مفيش أي «جملة» إضافية في المشاهد دي، وده فعلًا بيحصل كمان بلغة مختلفة في الكام مشهد دول. حسيت أن الفيلم في آخر تلت بيفقد إيقاعه المَحكوم طول ساعتين إلا شوية، بنفقد الإحساس بتاع أن الفيلم ممكن ينتهي إمتى، بتحسي أن ممكن الفيلم يخلص دلوقتي وممكن يبقى قدامه ساعة.

يمكن ده الفرق في أفلام كوفمان اللي مع مخرجين وأفلامه اللي لوحده، مش أي شيء تقني أو بصري، هو مخرج مُحدد وعارف هو عايز إيه، بس هما كانوا بيعرفوا يوقّفوه في حاجات، أو في تفاصيل معيّنة يزقوا قصاده ويقولوله «لأ خلصت هنا».

لو همنتچ الفيلم، كنت هخلي الفيلم يكمّل مع الراجل العجوز بعد حوار البنت، وهو اللي يمسِك السّرد من اللحظة دي؛ يخلّص شغله في المدرسة، ويطلع، ويقَعد في العربية، ويقرر إنه «ينهي الأمور» بالطريقة دي، والفيلم كان خِلِص بمشهد العربية اللي بيغطيها التلج.

وبس.. ده كل حاجة.

اسمع/ي الفويس نوت هنا.

(7)

مشهد 3

تنتهي الڤويس نوت، وينهي الكاتب التّكتكة على الكيبورد. ينظر للملف، ثم يلتفت -دون حماس- نحو كوفمان.

الكاتب

متهيألي خلّصت

تشارلي

امممم. كويس؟!

الكاتب

آه

لأ

حاسس فيه شيء ناقص

تشارلي

ما هو؟

الكاتب

مش عارف

مش ده كل اللي عايز أقوله

فيه زَقّة ناقصة

يلقي كوفمان نَظرة نحو السطور المتراصة.

يبدو حتمًا أنه يعرف -في خيال الكاتب- كيف يقرأ العربية. لا يُعلق على الانتقادات للفيلم، يكتفي بهز رأسه، وببعض الهمهمات، ثم ينظر للكاتب

تشارلي

أريد أن أسألك سؤالاً

لماذا أردت أن تكتب عني من الأصل؟

ما الذي.. (وبإحراج) جذبك لي؟

يفكر الكاتب، كأنه يبحث بداخله، يحاول أن يقول أصدق إجابة ممكنة.

الكاتب

عشان.. أحب أكون زيّك

(يسكت ثانية ثم يُكمل)

عشان.. بخاف أكون زيّك

يهز تشارلي رأسه، متفهمًا دون كلمة زائدة.

يسكت الكاتب قليلًا، ثم يتحدث بنبرة مختلفة، كأنه يستوعب شيئًا ما.

الكاتب

وقت ما شُفت الفيلم، كنت بأُدرك أن بقالي فترة مكتئب

مش زيّك يعني.. أنا آسف

بس قصدي.. اكتئاب أخفّ.. mild depression

بس كان مثبتني في مكاني؛ كإنه غِمَامة.. سودا.. بتخلّي كل حاجة وراها قاتِمَة

كنت بحاول أتحرّك وأعافِر، بس كل شيء تقيل

بعدها.. بعد لحظة الإدراك دي، كنت بدأت أبقى أحسن

وفي الوقت اللي كنت بفكر فيه في كتابة المقال وأسرح مع الأفلام والتفاصيل والكلام كنت بخرج من كل ده.. شوية بشوية

وبَفهم.. أكتر

منّك.. ومن حاجات تانية بتحصل في حياتي

و..

مش عارف

أنتَ كُنت بتزقني.. وبتخوّفني

يسمع كوفمان باهتمام، ثم يتحرك بخطى بطيئة نحو الكرسي، يجلس، وينظر في الفراغ، نحو البلكونة، ويتحدث للكاتب بعد وقت.

تشارلي

سأعود لاقتراحي الأول

يجب أن تكتب عن هذا تحديدًا

يجب أن يتضمنه مقالك

ولو من باب التجربة

أردت أن تكتب عني.. عن الفيلم.. عن كذا وكذا وكذا؟ جميل.. ولكنه عنك أيضًا!

اعمل كده!

ما هو أسوأ شيء يمكن أن يحدث؟

أن يكون مقالًا غبيًا؟ ألا يقرأه أحد؟ أن يقرأوه ويشعرون بأنك مُفتعل؟ أو مُتحذلق؟ أو نرجسي؟ أو self-indulgent؟

سأخبرك برأيي

هذا كله لا شيء.. صِفر!

لا شيء فعلًا في مقابل إنك تكتبه بصدق

كان كوفمان منفعلًا، نبرة صوته كانت تعلو لأول مرة، وعروقه تَنْفُر من التأثر.

ينظر الكاتب نحو وجه كوفمان، يرى تجاعيد وجهه أكثر من أي لحظة سابقة.

ويصمتان طويلًا؛ كوفمان عاد لهدوئه، ولتنفّسه البطيء، ونظرته السارحة في الفراغ. بينما الكاتب كان يُفكر..

(8)

في الأسابيع الماضية، أثناء التحضير لهذا المقال، وبتأثرٍ به قطعًا، كان لديّ فكرة فيلم، كوفمانية للغاية، وبدت لي رائعة جدًا، هل أذكرها هِنا؟.. إنها قصة عن شخصٍ ما، نبدأ معه الفيلم في حياة أخرى ما بعد الموت، حين يكتشف أنه من الممكن له أن يرى كل الأحلام التي ظَهر فيها في مناماتِ الآخرين، وهكذا نَعرف كل شيء عن هذا الشخص من خلال الأحلام؛ أفكر هل سيكون داخل كُل حِلم أم أنه سيراه من على شاشة؟ هل سيكون فاعلًا في لاوعي الآخرين أم مجرد مُراقب؟ كيف ستكون صورته في عقلِ كل شخص قابله؟ وكيف سنعرفه من خلال تلك الصور المتجاورة/المتناقضة/العشوائية؟ ماذا عن الاكتشافات المتأخرة التي سيعيها بعدما لم يَعُد في الدنيا؟ «بورتريه» لشخصٍ ما من خلال أحلام الآخرين عنه! كوفمان سيحب ذلك كثيرًا.

ثم أفكر: من يهتم بذلك هُنا؟ في مصر؟ من سينتجه؟ من سيخرجه؟ من سيراه؟ أفكر أن أجعل تلك الفكرة كتابًا؛ كعادتي مع أي فكرة لا أشعر بأن «السياق» يمكن أن يتقبلها وأحاول أن أقلبها لإنتاج فردي/شخصي، قبل حتى إن أعرف بكونه فعل ذلك مع رواية «Antkind»، ثم استنكر قلب فكرتي لرواية تلك المرة، إنها فيلمًا، عن الأحلام، الأحلام تُرى، تُحكى بتأتأة، ولكن لماذا أكتبه؟ لمن؟ تَخْفُت الفكرة في رأسي، يَقِل حماسي ببطء، وأشعر -كما أشعر في بعض الأحيانٍ- أن هذا المكان أصغر منّي؛ المكان الذي لا يسمح بالاحتمالات، لا يسمح بالأحلام. لكني أكره تلك السردية أيضًا، سردية التأسّي، وإن كان ممكن بس العالم مَسمحلناش، أفضل أن نفعل ما يمكن أن نفعله، أن «نحاول»، قدر ما نستطيع، ولكن… هذا صعب! كتابة الأفلام صعبة ومُرهقة!

مثلًا، من الممكن أن أكتب هذا المقال، وأن أقرر أن أكون حرًا فيه إلى أبعد حَد، أن يكون عن الحياة وليس -فقط- الأفلام، وأُقنع المُحررة أنني سأكتب عن نفسي بقدرِ ما أكتب عن كوفمان، وأن هذا هو الشكل الوحيد المُناسب، من الممكن أن أجد طاقة للاستغراق فيه لأسابيع رغم معرفتي بأنه لا يهم أحدًا -ربما- بهذا القدر، ومن المحتمل ألا يقرأه لنهايته أكثر من 100 شخص، طبعًا أحب أن يقرأه كل الناس، ولكن يكفي -كدافعٍ داخل رأسي- أن أكتبه لنفسي أو لكوفمان أو لأربعة من أصدقائي، كأنه توثيق لكل شيء، للأفكار، والمشاعر، والزمن. هذا مُحتمل هنا، لأنها أسابيع، ولأنه نص، ولأنه -وهذا الأهم- سيخرج للنور ويكون حيًّا بمجرد نشره. الأفلام شيء مُختلف؛ سيستغرق الأمر شهورًا للكتابة، وإنهاءها على ورق هو «بداية» الشيء وليس نهايته، ستحتاج شركاء وفلوس وبني آدمين، لن تصبح حية أبدًا إذا لم تُنفّذ. هذا صعب ومُرهق!

أكثر جملة يكررها كوفمان عن الكتابة أنها «معاناة». ولكن المعاناة الحقيقية ليست الكتابة في ذاتها، المعاناة هي أن تكون تشارلي كوفمان؛ أن تحاول أن تجد صَوتك، رغم كل القلق والهواجس والخوف، رغم كل المُخاطرة في أن تبحث طويلًا ولا تجد شيئًا، أو أن تجد شيئًا ولا يصدق فيه أحد، أو أن تجد شيئاً ويصدّق فيه الناس دون أن يتحول لفيلم حيّ. هل الأمر يستحق كل هذا؟!

أفكر، وأعتقد، بصدق، أن السؤال ليس «هل يستحق الأمر أم لا؟» السؤال «هل هناك اختيار آخر؟»

 (9)

يجلس الكاتب أمام الكيبورد، يكون بمفرده، كوفمان لم يَعد هُنا، يُفكر كيف يمكن أن ينهي المقال، هل ينهيه باقتباس مُلهم؟ بحكاية عن كوفمان؟ بقفلة درامية للسيناريو الموازي؟ ينهيه حتى بأن يشكر الرجل لأنه ساعده -بطرقٍ عديدة- في الأسابيع الماضية ؟ يفكر قليلاً ثم يكتب:

«يمكن للمقال أن ينتهي بمجرد أن أكتب النهاية»

(النهاية)

 

القاهرة – وسط البلد

سبتمبر 2020

*شخصية «كوفمان» في المقال هي خليط من الخيال والواقع، تم الاستعانة بالعديد من المقابلات والكتابات مِنه وعنه:

– مقال نيويورك تايمز This Profile of Charlie Kaufman Has Changed

– ليلة خطاب الـ BAFTA  -30 سبتمبر 2011

مقابلة مع ماريت كابلا – 2011

Talks at Google – سبتمبر 2020

John Malkovich on Being John Malkovich

– سوزان أورلين عن اقتباس «سارق الأوركيد» في Adaption

Charlie Kaufman on his latest film & why movies are dead» – أكتوبر  2008 

اعلان
 
 
محمد المصري 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن