ما وراء رغبة «فودافون» في الخروج من مصر
 
 

قال مسؤول قريب الصلة من شركة فودافون مصر إن الأسباب الحقيقية لقرار الشركة الأم ببيع حصتها في وحدة «فودافون مصر» يرجع إلى صعوبة الاستمرار في المنافسة في السوق المصري لأسباب مختلفة.

كانت شركة فودافون العالمية أرجعت في بيان صحفي لها، نهاية يناير الماضي، أسباب خروجها من سوق المحمول في مصر إلى أنها تعمل على التركيز على أسواق بعينها، إلى جانب خفض أعباء الديون عنها.

جاء بيان فودافون بعد التوقيع على مذكرة تفاهم مع شركة الاتصالات السعودية «STC»  للاستحواذ على «فودافون مصر» بقيمة 2.39 مليار دولار، وهي الصفقة التي لم تتمكن أطرافها حتى الآن من إتمامها.

مصادر مختلفة تحدثت إلى «مدى مصر» أوضحت الأسباب المختلفة لهذه الصعوبات التي دفعت عملاق الاتصالات لمحاولة الخروج من مصر، وأسباب تعطل إتمام الصفقة.

المسؤول القريب من «فودافون» والمطلع على مسار المفاوضات، اعتبر أن السبب الرئيسي يعود إلى ما وصفه «الاحتكار» الذي تمارسه الشركة المصرية للاتصالات على البنية التحتية لقطاع الاتصالات.

أضاف المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته، أن استحواذ «المصرية للاتصالات»، المملوكة للحكومة، على 45% من أسهم «فودافون مصر»، في الوقت الذي تنافس في سوق المحمول من خلال «WE»، هو السبب الآخر الذي دفع المجموعة لمحاولة الخروج. «كيف تشاركنا في الأرباح وهي تنافسنا في الوقت ذاته، وكيف يمكنني أن أعمل ومنافسي شريكي ويعرف كل كبيرة وصغيرة عني»، يقول.

بحسب المصدر، حاولت الشركة تجاوز هذا الاحتكار واستخدام الحق المنصوص عليه في رخصتها لخدمات تشغيل المحمول في السوق المصري بمد كابلات البنية التحتية الخاصة بها، لكنها لم تتمكن أبدًا بسبب استحالة الحصول على تصريحات الجهات الأمنية، على الرغم من وعود متكررة تلقتها الشركة بالحصول عليها، وهو الأمر الذي ينطبق على شركات الاتصالات الأخرى.

تسبب هذا في إجبار شركات الاتصالات على عقد اتفاقات تجارية مع الشركة الوحيدة المخول لها مد كابلات الفايبر الخاصة بالبنية التحتية، وهي الشركة المصرية للاتصالات، لاستخدام بنيتها التحتية، الأمر الذي يكلف الشركات مليارات الجنيهات مقابل استخدام أو «تأجير» سِعات على كابلات الفايبر الخاصة بـ«المصرية للاتصالات».

وتربط كابلات الفايبر أبراج المحمول الخاص بمشغلي خدمات المحمول بالسنترالات لنقل الإشارات من البرج إلى السنترال، ومن برج لآخر، كما تستخدم لنقل خدمات الإنترنت الأرضي.

ولدى شركة فودافون مصر اتفاقيتان مع «المصرية للاتصالات» لاستخدام البنية التحتية الخاصة بالأخيرة، واحدة منها تم تجديدها العام الماضي وتستمر حتى عام 2028، وذلك بقيمة تتجاوز عشرة مليارات جنيه، والأخرى تم تجديدها في 2018 مقابل 12 مليار جنيه وتستمر حتى 2022، وذلك بحسب العرض التقديمي للمستثمر على موقع الشركة المصرية للاتصالات.

فيما لدى شركة أورنج نفس الاتفاقيات مع «المصرية للاتصالات»، منها واحدة بقيمة 1.5 مليار جنيه، تم تجديدها في 2018 وتستمر حتى نهاية 2021، والاتفاقية الأخرى بقيمة أربعة مليارات جنيه، وتم تجديدها منتصف 2018 وتستمر حتى نهاية 2022.

أما شركة اتصالات، فلديها مع «المصرية للاتصالات» اتفاقية تم تجديدها في 2013 حتى منتصف 2023، وذلك مقابل ملياري جنيه، واتفاقية أخرى تم إبرامها في 2018 وتستمر حتى نهاية 2022، مقابل ملياري جنيه.

إلى جانب هذا، تعاني شركة «فودافون مصر» كذلك في تقديم خدمات الإنترنت الأرضي بسبب نفس السبب، وهو احتكار «المصرية للاتصالات» لمد كابلات الفايبر، حيث تضطر الشركة لشراء سِعات بسعر الجملة من «المصرية للاتصالات» لإعادة بيعها للعملاء، بحسب المسؤول.

طبقًا له، فإن الشركة تخسر على كل عميل مشترك في خدمات الإنترنت الأرضي نحو 15 جنيهًا، بسبب دعمها للسعر حتى تتمكن من تقديم خدمة بسعر مثيل للشركات الأخرى.

وبلغ عدد مستخدمي الإنترنت الأرضي في السوق المصري نحو 7.9 مليون مستخدم بنهاية النصف الأول من العام الجاري، تستحوذ الشركة المصرية للاتصالات على نحو 6.3 مليون عميل منهم، بحسب بيانات الشركة المصرية للاتصالات.

فيما بلغ عدد عملاء الإنترنت الأرضي لشركة فودافون مصر نحو 694 ألف عميل بنهاية مارس الماضي، وفقًا لنتائج أعمال مجموعة فودافون العالمية.

وحققت شركة فودافون مصر إيرادات خلال العام المالي 2019-2020 المنتهي في مارس الماضي، بلغت قيمتها 27.3 مليار جنيه (ما يعادل حوالي 1.4 مليار يورو).

وبحسب نتائج مجموعة فودافون العالمية، فإن وحدتها المصرية سجلت أرباحًا قبل خصم الفوائد والضرائب بقيمة 11.4 مليار جنيه. ويبدأ العام المالي لفودافون في أبريل من كل عام وينتهي في مارس من العام التالي له.

المسؤول أوضح أن الشركة حتى الآن تحقق أرباحًا سنوية، لكن هذه الأرباح لن تكون عند نفس مستوياتها خلال الفترة المقبلة، ولا سيما مع تزايد أهمية خدمات الإنترنت، والتي تعتبر المستقبل. وفي الوقت ذاته، تصعب المنافسة في خدمات الإنترنت في ظل احتكار البنية التحتية من جانب «المصرية للاتصالات».

دفعت هذه الأسباب الشركة إلى اتخاذ قرار الخروج من السوق المصري. بدأت مفاوضات مع عدة شركات، ولكن شركة الاتصالات السعودية كانت الأكثر اهتمامًا، خاصة أنها عرضت من قبل شراء حصة «المصرية للاتصالات» في فودافون مصر.

بدأت المفاوضات في منتصف 2019، حتى وصلت إلى مراحل متقدمة بنهاية العام، ليتم توقيع مذكرة تفاهم بين الجانبين في يناير الماضي.

وبحسب المذكرة، تبلغ قيمة الصفقة نحو 2.39 مليار دولار، إلا أنه بعد الانتهاء من عملية الفحص النافي للجهالة، قالت وكالة «بلومبرج» إن شركة STC تعمل على تخفيض قيمة الصفقة، الأمر الذي لم ينفه أي من طرفي المفاوضات.

وكانت مريم وائل، محللة قطاع الاتصالات بشركة «فاروس»، قالت في ورقة بحثية إن قيمة الصفقة قد تكون انخفضت بنسبة تتراوح بين 20-40% بفعل آثار جائحة كورونا.

ورغم ذلك، فإن بيانات الشركتين «فودافون العالمية» و«STC» ألمحت إلى اتفاق الجانبين على إتمام الصفقة، ليتبقى فقط حسم الأمر مع «المصرية للاتصالات» بحكم استحواذها على 45% من فودافون مصر، تحسبًا لاستخدامها لحق الشفعة لإفساد الصفقة.

بموجب حق الشفعة المنصوص في اتفاقية المساهمين بين الشركة المصرية للاتصالات وفودافون العالمية، يحق للشركة تقديم عرض شراء مماثل لباقي حصة فودافون مصر في حال رغب الطرف الآخر البيع، بشرط تقديم عرض مماثل تمامًا للعرض الذي تلقاه الشريك.

انتهت مذكرة التفاهم بين طرفي المفاوضات منتصف سبتمبر الماضي دون إعلان الوصول لاتفاق نهائي.

وأعلنت «الاتصالات السعودية» في بيان صحفي انتهاء مدة مذكرة التفاهم دون التوصل لاتفاق لإنجاز الصفقة، وذلك لعدم التوافق مع الأطراف المعنية. بدورها، أعلنت مجموعة فودافون العالمية، في بيان صحفي، الانتهاء من جميع إجراءات وخطوات الفحص النافي للجهالة فيما يتعلق بالبيع المحتمل لحصتها.

وأضافت في البيان «أنه رغم انتهاء صلاحية مذكرة التفاهم التي سبق توقيعها بين الطرفين، لم يُحسم مصير الصفقة بعد، حيث لا تزال فودافون العالمية في مرحلة تفاوض ومباحثات مع «STC» لإتمام الصفقة»، بحسب ما أشارت إليه فودافون، «في المستقبل القريب».

على الرغم من الفشل المبدئي، ألمح البيان لإمكانية عقد الصفقة، لكن هذا يتوقف على موقف «المصرية للاتصالات». إذا تقدمت الاتصالات السعودية بعرض نهائي، يصبح لـ«المصرية للاتصالات» أحد خيارين، الأول: تفعيل بند حق الشفعة وتقديم عرض مماثل لحسم الصفقة لصالحها. والثاني: دفع الشركة السعودية لتقديم عرض شراء إجباري لأسهم «المصرية للاتصالات» في فودافون مصر كذلك، وهو الخيار الذي قد يمنع إتمام الصفقة بسبب ارتفاع تكلفتها. ويحق لـ«المصرية الاتصالات» قبول أو رفض عرض الشراء الإجباري لأسهمها.

لكن، يبدو أن القرار ليس ملكًا لـ«المصرية الاتصالات» نفسها. بحسب مصدر حكومي قريب من قطاع الاتصالات، فإن قرار بيع حصة المصرية للاتصالات في فودافون مصر لشركة الاتصالات السعودية، في حال تم تقديم عرض شراء إجباري لكامل أسهم فودافون، يعتبر قرارًا استراتيجيًا تتخذه الدولة وليست الشركة.

وأكد المصدر أن الحكومة المصرية ممثلة في الشركة المصرية للاتصالات، ليس لديها النية لبيع حصتها في فودافون مصر، ولن تسمح باتمام الصفقة إلا لصالح «المصرية للاتصالات» بموجب حق الشفعة، وذلك بسبب الأهمية الاستثمارية للصفقة.

وكانت الشركة المصرية للاتصالات قد اتفقت في 2003 على التنازل عن مجموعة من الترددات ورخصة المحمول التي قد حصلت عليها مقابل الدخول في شراكة مع مجموعة فودافون العالمية لتأسيس فودافون مصر، وتم تقسيمها بواقع 51% لفودافون العالمية و25.5% للشركة المصرية للاتصالات، فيما تم طرح النسبة الباقية كأسهم في البورصة المصرية، بحسب تقرير نشره «مدى مصر» قبل أعوام.

وبحلول يناير 2005، تنازلت المصرية للاتصالات رسميًا عن رخصة المحمول وتردداتها، وقبلت بفرض حظر على تقدمها لنيل الرخصة مرة أخرى يمتد حتى أواخر 2007.

وفي عام 2006، حصلت شركة اتصالات مصر اﻹماراتية على الرخصة الثالثة للمحمول في مصر. واشترط العقد المبرم بين جهاز تنظيم الاتصالات وبين شركة اتصالات مصر ألا يمنح الجهاز أي رخص جديدة للمحمول حتى عام 2010. وهو ما تسبب في مد الحظر المفروض على المصرية للاتصالات لثلاثة أعوام أخرى.

مع دخول الشركة اﻹماراتية السوق المصري، قامت المصرية للاتصالات بشراء 23.5% جديدة من أسهم شركة فودافون مصر، ليصل إجمالي نسبتها إلى 49%. وخلال العامين التاليين، حاولت المصرية للاتصالات شراء أسهم أخرى من شركة فودافون لتستحوذ عليها. وقتها، تدخلت فودافون لدى الحكومة المصرية لتقوم بإجبار «المصرية للاتصالات» على بيع 5% من اﻷسهم التي تمتلكها مرة أخرى كي تبتعد عن نسبة الاستحواذ، لتستقر نسبة ما تمتلكه المصرية للاتصالات في فودافون مصر عند 45% بحلول نهاية 2008.

وفي 2016، حصلت الشركة المصرية للاتصالات على رخصة لتقديم خدمات المحمول الافتراضي من خلال وحدتها «WE» عام 2016. ولم تتمكن الشركة منذ ذلك الحين سوى جذب نحو ستة ملايين عميل.

وبحسب تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات، وقعت «المصرية للاتصالات» اتفاقية مع شركة اتصالات مصر الإماراتية في 2018 لتقديم خدمات المحمول، أصبحت «WE» بناءً عليها، ملزمة بتحقيق مُستهدف ضخم من مكالمات المحمول خلال مدة التعاقد «2018-2022»، يصعب تحقيقه، بحسب التقرير، بسبب الزيادة المضطردة في أعداد المكالمات المطلوب تحقيقها من عام لآخر وفقًا للاتفاقية، حيث بلغت قيمة المكالمات غير المستغلة والتي تم ترحيلها من عام 2019 نحو 86.6 مليون جنيه، ما يماثل نحو 49.5% من إجمالي العدد الواجب تحقيقه بالاتفاق، فيما بلغت قيمة المكالمات غير المستغلة في النصف الأول من العام 2020 نحو 52 مليون جنيه.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن