عن مشروعية المشاعر في العمل السياسي النسوي

خلال الشهور الثلاث الماضية، شهدت مصر تحولًا كبيرًا في العمل النسوي على مستويات عديدة. جاء الأول من يوليو ليغرق وسائل التواصل الاجتماعي بعشرات الشهادات عن التعرض للعنف الجنسي والاغتصاب، كتبتها فتيات تتهم الطالب أحمد بسام زكي بالاعتداء عليهن. لم يطل الوقت حتى أصبحت الشهادات التي تم نشرها من خلال صفحة «assault police» على تطبيق الانستجرام متداولة بشكل واسع على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة واحتلت حيزًا كبيرًا من النقاش الدائر في المجال العام. وتوالى ظهور الشهادات منذ هذه اللحظة لتحمل اتهامات ضد أشخاص قاموا بالتعدي الجنسي ضد فتيات خلال عملهن مثل حالة الصحفي هشام علام وصولًا بالشهادات المتعلقة بحادثة الاغتصاب الجماعي في حادث الفيرمونت.

احتلت الشهادات الشخصية ذلك النقاش، فخرجت النساء واحدة تلو الأخرى ليشاركن تجاربهن مع الانتهاك الجسدي و تفاصيل تعايشهن مع الوجع المصاحب له، فتطور الحراك في شكل كرة ثلج مع استمرار خروج النساء عن صمتهن في جلسات بوح علنية. كل شهادة شجعت صاحبة غيرها أن تخرج عن صمتها. هؤلاء الفتيات والنساء لم يخرجن عن صمتهن حتى شعرن أن تجربتهن، على الرغم من خصوصيتها، فهي ليست حكرًا عليهن، فهناك أخريات مررن بمثيلتها. كان للمشاعر دورًا كبيرًا في تحريك الأفراد وتفاعلهم مع ذلك الحراك في مراحله المختلفة. وهنا لا أتحدث عن المشاعر بمفهومها النفسي والحسي فقط، ولكن عن دور المشاعر في تسييس التجارب الشخصية وفي خلق أرضية للعمل الجماعي من خلال تبادل الخبرات الاجتماعية المتشابهة بشكل كبير. ظهرت الشهادات على الإنترنت وتفاعل معها قطاع واسع من المجتمع، وبشكل أساسي من النساء، اللواتي وجدن شيئًا شخصيًا جدًا في تفاصيلها، هؤلاء هن من تم دفعهن بسبب هذا الارتباط المشاعري بالشهادات وتفاصيلها للمشاركة في الدفع بهذا الحراك في المجال العام. فتفاعل هذا القطاع من المجتمع مع الشهادات بشكل فردي، فكل امرأة قرأت الشهادات شعرت إنها تتحدث عن تجربتها الشخصية، وهو الأمر الذي خلق دائرة واسعة من الأفراد تشعر بنفس المشاعر وبالتالي ترى القيمة السياسية في التفاعل مع المجال العام من أجل تصحيح الوضع الجندري حيث جعل من الشهادات ومعاناة أصحابها أمرًا واقعًا.

 تجاهلت الأدبيات النسوية الحديث عن المشاعر في العمل النسوي بشكل كبير. فكان هذا التجاهل قائمًا على قرار واع بأن الحديث عن المشاعر لا يضيف لقيمة العمل النسوي، بل على العكس ينتقص منه وذلك للربط بينه وبين قيمة تحظى بنظرة دونية في معظم المجتمعات وهو الأمر غير المقبول في حالة التنظيم لعمل سياسي. فليس من الممكن للمشاعر أن تفرز عملًا نسويًا وسياسيًا! فنجد مثلًا النسويات من الجيل الثاني المهمومات بالمساواة القانونية يدفعن بخطاب فحواه هو التساوي بين الجنسين على شتى الأصعدة مع التركيز على قدرة المرأة على التفكير بنفس النمط «الرشيد» الذي ينتهجه الرجال. وهو الأمر الذي فرض عبء على المرأة أن تثبت قدرتها على التفكير والتعامل بشكل «متزن» و«رشيد» وفقًا لمعايير لم تفرضها سوى الثقافة الذكورية المهيمنة حولنا. حتى النسويات المجددات والثوريات كجوديث باتلر عندما تتحدث عن خصوصية العمل النسوي فهي تتحدث عن دور القيم النسوية، وغيرها من الأنساق القيمية مثل حقوق الإنسان، في الدفع بالنسويات تجاه العمل السياسي من أجل الدفاع عن حياة أفضل لهن وغيرهم من الفئات الأضعف في المجتمع.

هذا التجاهل للمشاعر لا يقتصر على الأدبيات النسوية بل يظهر أثره بوضوح في دراسات الحركات الاجتماعية. تلك الدراسات التي تركز على الأفعال السياسية ودورها في خلق حراك مجتمعي حول أهدافها، ومنها تلك التي تدرس الحركات النسوية فلا تتيح مجالًا للحديث عن القيمة السياسية والاستراتيجية للمشاعر وتستبدلها بالحديث عن الوعي ودور تلك الحركات في رفع الوعي المجتمعي حول قضاياها. تتجاهل تلك الأدبيات الدور المركزي الذي من الممكن للمشاعر أن تلعبه في خلق دوائر واسعة من الفاعلين الذين يرون في التفاعل مع الحركات الاجتماعية سبيلًا سياسيًا للدفع بمطالبهم الشخصية، وهو الأمر الذي أبرزه الحراك النسوي الحالي في مصر وقدرته على خلق جيل جديد من النسويات التي تتقاطع خلفيته، سواء من طبقات مختلفة أو فئات عمرية متفاوتة، من أجل التفاعل مع قضيته.

تقول سارة سالم في إحدى مقالاتها إن «نقطة قوة الذكورية أنها تخص النساء بالعواطف والرجال بالمنطق. سواء بالقول إنهن يفرطن بالغضب أو السعادة أو النغش أو الانفعالية. يتراءى لنا أن النساء (يشعرن) باستمرار، وأكثر من اللازم. وقد كان لهذه النظرة إنعكاسات جلية على النسوية بشكل خاص، فالنسويات -وأغلبيتهن نساء- تفرطن بالشعور وتبادرن إلى الرد أكثر من اللازم، في إطار مواقف عادية ومنطقية لا تستلزم رد فعل عاطفي لهذه الدرجة».

يأتي كلام سارة في إطار الحديث عن حتمية الاعتراف بالدور المحوري للمشاعر في تحريك الحراك النسوي، وهو الأمر الذي بات حتميًا في خضم الحراك النسوي الدائر في مصر عن العنف ضد أجساد النساء. فعلى القائمين على الحركة النسوية الحالية أن ينتزعوا الغطاء الذكوري في وصم المشاعر، وذلك من خلال الاعتماد عليها كقيمة سياسية في الدفع بالنسويات للعمل الجماعي والسياسي وقيمة استراتيجية في وضع آليات جديدة للعمل على القضايا النسوية.

المشاعر كفعل سياسي وتنظيمي لخلق مساحات أوسع للحركة النسوية 

علينا ألا نخلط بين المشاعر والوعي في العمل النسوي، على الرغم من أن كلاهما ينتج عن معرفة الفرد بأوجه معاناة قطاعات من المجتمع التي أصبحت عديدة في يومنا هذا. فالوعي هو الفعل الناتج عن تلك المعرفة والذي يحفز الانتماء للقضايا الخاصة بتلك القطاعات وهو الأمر الذي يحرك دوافع النشطاء في تبني تلك ومثيلاتها من القضايا. أما المشاعر فهي تجربة مختلفة وأكثر تعقيدًا، وهو الأمر الذي أظهره الحراك النسوي الحالي الذي اعتمد بشكل أساسي على نشر شهادات ذاتية عن تعرض فتيات ونساء للانتهاك الجسدي والعنف الجنسي، وهي الآلية التي اعتمدت عليها الكثير من الناشطات النسويات في السنوات الماضية، ولكن هذه المرة كان لها وقع مختلف على الأفراد يختلف عن تجربتهم مع الوعي. فتعرض الأفراد لتلك الشهادات استدعى تجاربهم الحياتية والشخصية كنساء في مصر، هذا لا يعني أن كل نساء مصر قد تعرضوا لتجربة الانتهاك الجنسي ولكن خاض عدد من المؤكد كبير منهن تجربة العنف الجنسي بشكل أو بآخر في فترات مختلفة من حياتهن. تلك الشهادات أصبحت المحرك الأساسي لعملية خلق الارتباط المشاعري بين الأفراد والقضية العامة، فأصبح كل فرد فاعل يتماهى مع المطالب الخاصة بالحراك وهو ما دفع بهم من خانة المتفرج والمتعاطف إلى خانة الفاعل والناشط. حكت لي الصحفية السورية زينة أرحيم في لقاء خاص عن تجربتها في نشر الشهادات إن «صاحبات الشهادات التي قمت بنشرها لم يكن ببالهن طرح تجاربهن بشكل علني، وهو الأمر الذي تغير عندما تفاعلوا مع الشهادة الأولي التي طالت الصحفي هشام علام». ففي الشهادات وجدت الضحايا أنفسهن، وهو الأمر الذي دفعهن للتفاعل، وكذلك وجدت النساء من دون الضحايا أنفسهن في الشهادات وشعرن بأنها تجربتهن الخاصة ومن هنا كان تفاعلهن معها من خلال الانضمام للحراك وتبني مطالبه. العديد من النساء وجدن أنفسهن في تفاصيل تلك الشهادات كأنهن من كتبهن، ففي تجربة قرأتها ما يجمعهن كنساء في مصر وهو ما كان قادر على تحويلهن إلى فاعلات نسويات في الحراك. أما الوعي فدوره كان مختلف في هذا الحراك، معظم الفاعلين به كانوا على علم مسبق بتفشي ثقافة التحرش والعنف الجنسي في مصر ولكنه لم يكن كافيًا للدفع بمثل هذا الحراك النسوي لهذا الموقع المركزي في المجال العام. كان لا بد من طرح تلك الشهادات حتى تقوم النساء بالتفاعل معها بشكل شخصي قبل الاشتباك مع الحالة الجماعية الدافعة للحراك.

وجد الحراك فرصة سياسية في خلق عمل تنظيمي حول نشر شهادات الضحايا على الإنترنت، وهو مجال يضعف فيه آثر الثقافة الذكورية المسيطرة في المجتمع كونها تتيح للمرأة فرصة للتعبير عن الذات بطريقة غير مباشرة. فعلى الرغم من انتشار حملات الاستهداف والتنمر المتعددة على الإنترنت، إلا أنه يبقى مساحة للتعبير أكثر أمانًا مقارنة بمساحات أخرى مثل التحرك الميداني. فالعديد من النساء يجدن في الإنترنت وسيلة للظهور بشكل أصدق وأقرب لذواتهن عن تلك الصورة الخاضعة للرقابة الذاتية التي تظهر بها في الشارع وأماكن العمل تجنبًا للاصطدام بالقواعد الجندرية السائدة. فتلك المساحة من التعبير ظلت حتى فترة قريبة متحررة من سطوة الدولة، والتي تسعى حاليًا من خلال القوانين المنظمة لاستخدام الإنترنت أن تضعها تحت الرقابة والسيطرة. وركزت آليات الحراك على استغلال تلك المساحة من أجل نشر خطابها من خلال صفحات متخصصة على وسائل التواصل الاجتماعي لنشر شهادات ضحايا العنف الجنسي، ومنها: «assault police» لتبني قضية الطالب أحمد بسام زكي، وأيضًا صفحة «cat calls of Cairo» المعنية بشهادات عن تفشي ثقافة الاغتصاب في مصر، وكذلك «gang rapists of Cairo» التي تركز بشكل أساسي على «جريمة الفيرمونت». هناك أيضًا مدونة «دفتر حكايات» والتي تم إنشاءها لنشر شهادات فتيات تعرضن للتحرش في مجالات مختلفة منها شهادات عن تعدي الصحفي الاستقصائي هشام علام على الصحفيات، ومنها أيضًا شهادات ضد صحفيين آخرين وحقوقيين وأطباء ومعلمين. تجنب الحراك الآليات التقليدية للتنظيم ولجأ لقنوات حديثة وبديلة لاستيعاب حراك بمثل هذه الخصوصية، فهذا الحراك يسعى لحصول المرآة على حقها في حماية جسدها من خلال ممارسة البوح والفضفضة، ويركز بشكل أساسي على التجارب الشخصية التي لم يكن من الممكن إعطائها قيمة في ظل الأطر التقليدية المهيمنة على المجتمع. مثل تلك الآليات لم تكن لتنجح في التوسع والانتشار سوى بسبب ماكينة المشاعر الدائرة والتي خلقت قطاع واسع من الفاعلين، الذين تبنوا خطاب الحراك باعتباره يعكس تجربتهم الجماعية للحياة في مصر.

أفرزت ماكينة المشاعر المناخ المناسب للتنظيم. تلك الماكينة ارتكزت بالأساس على التفاعل الشخصي مع الشهادات المنشورة ثم على خلق ارتباط عاطفي بالحراك، وهو ما أدى إلى خلق قطاع واسع من الفاعلين وجدوا مكسب شخصي في التفاعل مع الأحداث، وبالتالي كانت هناك درجة عالية من الجدية والالتزام تجاه دورهم في هذا الحراك. فكل مكسب للحراك أصبح مكسب شخصي للنساء المرتبطة به. فكان من بين هؤلاء الفاعلين بعض من المتضررين بشكل مباشر، وهن ضحايا العنف الجنسي وغيرهن من المتضررات بشكل غير مباشر وهؤلاء هن من خضن تجربة التعرض للشهادات فأصبحت جزءًا من تجربتهن الشخصية. وارتبطت التجربة الشخصية بالعمل السياسي لدى هؤلاء الفاعلين، وهو ما أكد على إحساسهن بالمسؤولية تجاه تبني خطاب الحراك بشكل أساسي والدفع به نحو المجال العام.

مجهولية الراوية وخصوصية مشاعر المتلقين 

نُشرت الشهادات على وسائل التواصل الاجتماعي كلها مُجهلة، مجهولة المصدر دون اسم، ظهرت على صفحات هي الأخرى مجهولة وغير معروفة. خرجت تلك الشهادات مُجهلة فأصبحت نصوصًا ذاتية لكن غير مشخصنة، وهو ما كان له أثر كبير لدى المتلقين. امتد هذا الأثر ليشمل قطاعًا كبيرًا من النساء منهن من عكس محتوى الشهادات على تجاربهن الشخصية وتعاملهن مع مواقف سابقة كانوا فيها ضحايا للعنف الجنسي. هؤلاء النساء تفاعلن مع الشهادات كجزء من تجربتهن الشخصية مع تلك الأفعال، وساهمت في إعادة تعريفهن لها ولعلاقتهن بجسدهن بشكل أوسع. قطاع آخر من النساء، وهو الأكبر، قرر التفاعل مع الحراك كونه فرصة لتغيير العلاقات الجندرية في مجتمع اعتاد إهانة المرأة على أصعدة مختلفة. كل من نساء القطاعين سعى لتغيير الوضع سواء بالمشاركة في الحالة الجماعية المحفزة للحكي وعرض تجاربهن الشخصية، أو من خلال التفاعل السياسي مع حملات الحراك، أو حتى من خلال الحديث مع الآخرين حول أهمية الحراك في تغيير الوضع الحالي الذي يهدر حقوق المرآة بشكل واضح.

ساهمت الشهادات في تسييس ماكينة المشاعر وخلق الحالة الجمعية التي ضمت تلك النساء من مختلف الطبقات الاجتماعية والفئات العمرية على أرضية هويتهن كنساء ضحايا  للأطر السلطوية المتعددة والمتحكمة في حياتهن، وهو ما دفع عددًا كبيرًا منهن ليصبحن ناشطين وفاعلين في الحراك النسوي. هذا بالإضافة لخلق حالة من التوتر بين الرجال الذين أخذوا في إعادة ترتيب أفكارهم وموقفهم من سلوكيات ظنوها لأوقات طويلة لا تعد تعدي جنسي على النساء، ومنهم من أصبح حليف للحراك. فخلق التوتر هذا حالة من إعادة تعريف السلوكيات الجندرية بشكل جماعي في المجتمع المصري. وكذلك لم تتوقف المجهولية عند حد كونها تطوير لآلية الحكي التي انتهجتها النسويات في نضالهن لسنوات عديدة بل امتد أثرها إلى الأطر العامة الحاكمة لمفهومنا عن الذكورية و«الرجولة» وهو ما شجع عدد من الرجال الذين تعرضوا لعنف جنسي أن يشتبكون مع موجة البوح العام. فخرج عدد من الرجال ليحكوا عن تجاربهم من خلال سياق الحراك مستخدمين نفس الخطاب النسوي وآلياته. فهم أيضًا وجدوا جزءًا من ذواتهم وتجربتهم في الشهادات المُجهلة، وهو الأمر الذي يبشر بتحول واسع في المجال العام يتخطى حدود الحراك الحالي.

بشكل عام، سعت الشاكيات لتجهيل هويتهن لأسباب عديدة منها اجتماعية وأخرى قانونية. فليس هناك بيئة قانونية آمنة لتلقي تلك الشهادات، فلم تضع الدولة الأطر المناسبة للتعامل مع شكوى ضحايا الاعتداء الجنسي حتى مع موافقة مجلس النواب على مقترح استحداث المادة 113 مكرر في قانون الإجراءات الجنائية بضمان سرية بيانات ضحايا التحرش والإغتصاب. لم يحم هذا القانون أو ضمانات المجلس القومي للمرأة بحماية الشهود والمبلغين في مثل تلك الجرائم من تعرض الشهود في حادث الفيرمونت للتهديد ثم للحبس في وقائع متعلقة بالجريمة التي أبلغوا عنها. فالقانون لا يحمي المبلغين ولا الشهود حتى! وكذلك وضع المؤسسات ليس أقل بؤسًا، فتغيب الأطر المؤسسية للتعامل مع شكوى التحرش الجنسي أو الاغتصاب في أماكن العمل المختلفة، وخير دليل على هذا هو تجاهل نقابة الصحفيين التعاطي مع وقائع تعدي الصحفي هشام علام على الصحفيات، والذي تشابه إلى حد كبير مع موقف عدد من المؤسسات الصحفية والتعليمية التي يتعامل معها الصحفي ذاته.

هذا إلي جانب محاولة أصحاب الشهادات تجنب الوصم المجتمعي لضحايا العنف الجنسي ومحاولات التأقلم مع معطيات واقعهن الاجتماعي كفتيات في مجتمع ذكوري. سعت الشاكيات لتجهيل شهاداتهن لسبب أو آخر من تلك الأسباب العملية، ولكن كان الأهم من ذلك بالنسبة للحراك هو تبني آلية للتنظيم ورفض الأطر السلطوية والذكورية المفروضة على ضحايا العنف الجنسي نتيجة لموازين القوى في المجتمع المصري، وهو الأمر الذي ظهر بوضوح في محاولات الصحفي هشام علام للتصدي للهجوم عليه. خرج الصحفي عن صمته مبكرًا لينفي التهمة عن نفسه بعد الشهادة الأولي المُجهلة ضده مهددًا بمقاضاة صاحبة الشهادة والمدونة التي نشرتها، فما كان من حملته سواء محاولة لاعادة فرض موازين القوى في المجتمع والتي تفرض على ضحايا العنف الجنسي، والنسويات بشكل عام، التفكير من خلال الأطر الذكورية المفروضة عليهن من قبل القانون. فظهر رد علام عقلانيًا محتكمًا لقواعد القانون المستقر في مصر، ولكنه في حقيقته كان محاولة لإجهاض حراك نسوي تمرد على تلك الأطر والقواعد التي استمرت لعقود طويلة في إخضاع المرأة.

تكرر مثل هجوم علام في الكثير من الأحيان فأصبحت المجهولية موضع شد وجذب بين قطاعين، قطاع متمسك بالقيم الذكورية المفروضة من خلال الأطر القانونية والتي استمرت لعقود من الزمن في هدر حقوق ضحايا العنف الجنسي من النساء، في مقابل قطاع آخر رافض للخضوع لتلك المعايير ويعمل على إعادة تعريف موازين القوى في المجتمع. أختبر هذا الصدام مركزية المجهولية كأداة للحراك في العديد من المرات منها مثلاً اضطرار صاحبة صفحة «assault police» أن تعلن عن هويتها، فلم تشعر نادين أشرف بالحاجة للظهور بشخصها سوى بعد محاولة التهديد التي صاحبت دخول صفحتها في حملة شديدة التعقيد مثل جريمة الفيرمونت، حين أصبحت ضحية للترويع من قبل الأفراد التي تتهمهم الصفحة بارتكاب جريمة الاغتصاب الجماعي لفتاة بعد تخديرها. فتلك كانت محاولة أخرى لإخضاع الحراك وفرض حالة من الصمت على قدرة الشهود والضحايا من النساء على الاستمرار في البوح من خلال الشهادات.

فلما أصبحت المجهولية هي رمز لخصوصية الحراك ورفضه لموازين القوى السائدة، وجدت كل امرأة تعاني من تلك القيود نفسها في خطاب الحراك وآلياته. فهذا مثلًا ما دعا زينة أرحيم لنشر الشهادات الثلاث التي اتهمت علام بالتعدي الجنسي من أجل دعم صاحبة الشهادة الأولى، والتي نالتها حملة تشكيك بسبب عدم افصاحها عن هويتها. فهنا أصبحت المجهرة بهوية الناشر والمساندة من خلال التأكيد على مصداقية الشهادات آلية أخرى لضمان الحماية وكسب المصداقية. تتحدث زينة عن واقعة تلقيها الشهادات فتقول «تفاعلت مع الشهادة الأولي ضد هشام علام فصدقتها ولذلك لم أتردد للحظة واحدة عندما تواصلت معي واحدة من ضحاياه لنقل شهادتها. صاحبات الشهادات الثلاث تواصلن معي لرغبتهن في نشر شهاداتهن بشكل علني دون الإفصاح عن هويتهن، ولكنهن رأين في التواصل معي حل استراتيجي لتجنب حملات التكذيب والتشكيك التي طالت غيرهن».

سعت صاحبات تلك الشهادات لخروج شهاداتهن عبر منصة بديلة، هذه المرة غير مُجهلة ولكنها تابعة لصحفية معروفة وهو الأمر الذي أكد على مصداقية المجهولية كآلية للحراك.

حاليًا، يشهد هذا الحراك واحدة من أقوى معاركه شراسة مع الدولة في محاولة الأخيرة السيطرة على الحراك وتحديد سقف مطالبه. فبعد شهور عديدة من فقدان السيطرة، نجحت الدولة في الوصول لنقطة دفاعها من خلال التحايل على وقائع جريمة الفيرمونت التي ظهرت أحداثها من خلال صفحة «gang rapists cairo» على الانستجرام لتستعيد أحداث وقعت في 2014. تقاعست الدولة بشكل كبير في التعامل مع أحداث هذه القضية وماطلت في التعامل معها حتى تمكن خمسة من أصل سبعة متهمين من الهرب خارج مصر، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل قامت النيابة العامة بحبس أربعة من شهود القضية، وتحويل مسارها بعيدًا عن جريمة الاغتصاب في محاولة لإنقاذ المعتدين من العقوبة القانونية في حالة إثباتها عليهم. هناك خطر أكبر في ممارسات الدولة الحالية تجاه تلك الحادثة لا يتوقف عند حد تحويل مسار القضية لخدمة أصحاب النفوذ، فإن الخطر الأكبر هو تمكن الدولة من السيطرة على ماكينة المشاعر الدائرة في المجتمع من خلال نشر صور وفيديوهات خاصة بالشهود في الجريمة في رسالة فحواها النيل من مصداقيتهم، فهم، الشهود، من خرجوا عن قيم المجتمع وتقاليده، وهم من هيأوا المناخ لمثل تلك الجريمة أن تحدث، وهو الأمر الذي يخفف من وقع كونها حادثة اغتصاب جماعي لفتاة تحت تأثير المخدر. تسعى الدولة من خلال التشكيك في سلوكيات وأخلاق الشهود لاستدعاء القيم الذكورية العاملة في المجتمع من أجل إيقاف عمل ماكينة المشاعر التي استمرت لشهور في جذب فاعلون جدد للحراك، وذلك من خلال خلق فجوة بين المتلقين وصاحبات الشهادات. فلا قيمة لرواية الدولة عن أخلاقيات الشهود سوى لوضع مصداقيتهم وبالتالي مصداقية الشهادات كآلية مركزية للحراك في موضع الشك والنقاش، وهو الأمر الذي يهدد الحراك واستمراريته بوضوح.

اعلان
 
 
ريم عوني أبو زيد 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن