أنت ما تأكل؟ 
 
 

#جو عام

أحيانًا لا يرضى البعض عن أجسادهم، وهذا شعور مزعج ويبدد الثقة بالذات، لكن هناك مسار للحل حتى لا يتفاقم عدم الرضا. بدلًا من تقديم حميات تصلح لإنقاص الوزن، نحاول نشر محبة وقبول الجسد عبر حكاية* عن تحوّل نظام الأكل إلى لعبة.

«أنت ما تَأكل»، انتبهُ لكوني مثلًا لهذه العبارة.

في شرخ الثلاثينيات، ووسط ما يُطرح من تساؤلات وجودية، فكرتُ كيف يُوضع الجسد في مسار سليم حتى يسعفني عقدًا وراء عقد. نجا الجسد، فلم يُصب برصاص أو يُضرب بهراوات في أيام المواجهات العظيمة؛ الجسد جزء من موجة عارمة، في المظاهرات، يذوب وسط الجموع. ولكن بعد رهط الثورة، عاد لي وحدي، لم يعد ضمن سردية أكبر تصنع تغييرًا، بل ظل مثل كل الأجساد أسيرًا لنظام سياسي اجتماعي معقد ومقيد. بل فقد كل جسد رمزيته، صار فردانيًا، يخص كل واحد منّا.

ما غيّر فكري تجاه الجسد أيضًا إدراك رغبتي في أن أكون أبًا حِركًا، أشارك طفلي الذي يتحرك مُكتشفًا العالم دون معاناة بسبب ثقل جسدي.. هكذا جاءت الانتباهة للجسد.

في فردانيته، يداعب الخيال الجسد بأن يكون نموذجيًا يجذب الأنظار، ويتطلع إليه الجميع، لكن هذه أسطورة، فلا يوجد جسد مثالي، مثلما لا يوجد نظام غذائي مثالي. لكن علينا أن نجرب.

وبعد رحلة متنقلًا من نظام غذائي شائع، لحمية مُرتجلة، ممارسًا المشي أو مواظبًا على حمل أوزان تفوق تخيّلي، أدرك أن لا جسد مثالي ولا نظام يصلح للجميع، بل رحلة لفهم الجسد حتى يلبي المطلوب منه، والحمية هي الدواء الذي يشفي الجسد مثلما قال طبيب عربي قديمًا.

دليل شخصي

في البدء وضعتُ قواعد للحمية، والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

-كل يوم هو أول يوم في الامتناع؛ الإرادة مهمة.

-تنمية مهارات الطبخ حتى يقل الاعتماد على الوجبات المعدة مسبقًا أو الأطعمة الجاهزة.

-تناول الطعام لا يجب أن يكون مملًا، وذلك عبر تغيير ما يُأكل، وإبراز الوجبة شكلًا.

-اللحوم والدواجن والأسماك تُشوى مع قدر يسير من زيت الزيتون وتأكل مع خضروات وسلاطة، دون أرز أو خبز أو صوص.

-إنهاء الوجبة قبل الامتلاء.

-الحركة والتريض.

-الأرق لا يُعالج بوجبة دسمة، بل العكس قد يكون سبيلًا للنوم.

-التعرف على مكونات الوجبة، مع الالتزام بأن يكون الطعام صحيًا.

-المشروبات بلا سكر، فهناك طعم آخر للمشروب لم تتذوقه بعد أو نسيته مقابل الطَعم المُسكر.

-شرب الماء بدلًا من المشروبات الغازية.

-يوم الأكل الحر خرافة.

-الحمية ستستمر، وإن أفلت أحد منها حتمًا سيعود.

لفترة قاربت الأربع سنوات آمنت بالدليل السابق، بل صرتُ أعرف نفسي بما امتنع عنه؛ الأرز، المكرونة، الخبز، المقليات. وذلك لأنه يُنصح بعدم حصول الجسد على دهون متحولة مُنتجة صناعيًا مثل الأطعمة المخبوزة والمقلية والوجبات الخفيفة المعبأة مسبقًا. كما جعلت التحلية مشروطة بأن تكون السكريات محصورة ما بين  5٪ و10٪ من الطعام أي حوالي 50 جرامًا يوميًا. مقابل ذلك يمكن الاعتماد على الفاكهة، وذلك بالحرص على تناول 400 جرام من الفاكهة والخضراوات يوميًا.

ومثلما يضرّ السكر، فإن الطعام الذي يحتوي على أملاح الصوديوم لا يجب أن يزيد عن خمسة جرامات، وهو ما تطلب تقليل الملح، وعدم وضع ملاحة على طاولة الطعام، ثم استُبدل الملح بتابل آخر مثل النعناع أو الريحان، كلاهما عطري ويمنح مذاقًا مختلفًا للأكل إذا طغى. فضلًا عن الاستغناء عن الصوصات. لكن لأني من محبي الحوادق، فإن ذلك لا يزال يمثّل تحديًا. وإن بدأت انتبه وأصير أكثر حرصًا تخوفًا من الضغط.

بتُ ما آكل، جسد نموذجي يتبع دليلًا شخصيًا، ثم مللتُ من حصر الجسد في فردانيته تلك.

التبرك بالنباتيين

فكرتُ أن الجسد لا يحتاج من الدهون إلا 30٪ مما يأكل يوميًا، ويفضّل خفضها لـ 10٪. ولتحقيق ذلك يمكن البحث عن طعام لا يحتوي على دهون مشبعة وهو ما يتوفّر في الأسماك والمكسرات والأفوكادو وزيوت الزيتون وفول الصويا، ولأني أحب السمك مقارنة باللحوم والدواجن، حشرت نفسي مع جماعة ولم يعد جسدي منعزلًا، فصرت نباتيًا يأكل الأسماك أي «بسكيتريًا».

واظبت على هذا النظام شهورًا، مع الحصول على حبة فيتامين باء 12 كل صباح، ثم امتنعت عن تناول الألبان أيضًا، لأنه يُفضل تناول منتجات الألبان قليلة الدسم. لكن هذا النظام اختُرق حين اشتهيت الطعمية والتي لا تتحقق هشاشتها وقرمشتها إلا في حالة القلَي، هكذا تخليتُ عن دليلي الشخصي الذي يحرم الأطعمة المقلية.

صرت مهووسًا بها، أعدها منزليًا؛ أطحن الفول المدشوش مع الكراث وقليل من البصل والخُضرة، وأحيانًا استخدام الشبت والجرجير وأوراق نعناع. وحين ينسجم الخليط متحولًا إلى اللون الأخضر تكون المهمة قد اُنجزت. لكن تلك الوصفة تتطلب حذرًا، لأن الإكثار من الطعمية المقلية قد يفتح الباب لتراكم الدهون، وهو ما جرى معي، خاصة مع توقف حمل الأثقال والتريض مع الإغلاق الجزئي بسبب الكورونا.

تابعتُ جسدي يخسر هيئة رافع الأثقال، كنت مُرتاحًا وأنا أتابعه ينسلخ من هيئة «الوحش» ويصير أكثر وداعة. لكن بين حين وآخر، أضع نظامًا غذائيًا مُرتجلًا، لكني لم أفلح في وضع حمية نباتية، فعدتُ آكل اللحوم وفقًا لسيرتي الأولى خارجًا عن جماعة النباتيين التي تبركت بها، وبتُ أحدد كل يوم طبيعة الوجبات محاولًا إرباك الجسد، مترقبًا كأي مُجرب فوضوي كيف ينعكس ما آكل على الجسد.

#سلام

وفي ختام هذا الدليل، نرشح للسماع «تفنيطة» لِستة الموسيقى الشهرية التي يعدها أحمد الصباغ:

إكمالًا لمُتع السمع، نرشح للمشاهدة اختيارات الصباغ لـ«تفنيطة» مما صُور من إنتاج موسيقي على يوتيوب، ويوتيوب ميوزيك.

*اعتمد هذا الدليل على تجارب شخصية ومعلومات منظمة الصحة العالمية حول النُظم الغذائية الصحية.

اعلان
 
 
أحمد وائل 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن