العمران والعنف: من صفقة مبارك إلى خطة السيسي

منذ صعوده إلى الحكم قبل ست سنوات، عمل رئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسي على ثلاثة محاور أساسية: استعادة قوة وهيبة الدولة وتماسك مؤسساتها السيادية، تعظيم موارد الدولة من الثروة وقدرتها على انتزاع تلك الثروة، وأخيرًا، السيطرة على كل ما هو غير رسمي (الاقتصاد، والعمران، وحركة الأموال، والحراك السياسي والاجتماعي.. إلخ). لا يمكن فهم الأبعاد المختلفة لأزمة البناء المخالف دون الحديث عن ومن خلال تلك المحاور.

دون الدخول في تفاصيل صار معظمها معلومًا، نجح السيسي في قيادة جهاز الدولة لشن حرب ضروس على تنظيم الإخوان المسلمين والقضاء على الثورة المصرية والحراك السياسي الذي شهدته مصر قبل وبعد الثورة. نجح السيسي، حتى الآن، في قتل السياسة. ثم تفرغ لإحكام قبضته على مختلف أجهزة الدولة والقضاء على استقلالها النسبي، وانتهت آخر معاركه تلك مع إقرار قانون السلطة القضائية وتمرير التعديلات الدستورية. وعندئذ كان الوقت قد حان لإكمال مسيرة «التخلص من أعباء الدولة» التي بدأها برفع الدعم وتحرير أسعار الوقود وزيادة الضرائب.

وفي هذا السياق، أقدم السيسي على مغامرة كبرى هي تحرير سعر الصرف، واستطاع القضاء على جانب كبير، إن لم يكن القضاء التام، على السوق السوداء التي ظلت مهيمنة على أسعار صرف الدولار وسيولته. الرجل واضح في عدم قبوله بالجوانب غير الرسمية للاقتصاد وللحياة بشكل عام. رؤيته تفترض أن السيادة لا تتحقق إلا بالسيطرة الكاملة على الأفراد وعلى جهاز الدولة بشكله الهرمي، وليس عبر شبكات متداخلة من الزبائنية مثلما كان الحال مع مبارك. ولذلك يأتي مشروع قانون التصالح على البناء المخالف بالتزامن مع مشروعات القضاء على العشوائيات ومع محاولة كبيرة لضبط السوق غير الرسمي عبر القضاء على السيولة المالية وتحويل جميع المعاملات إلى معاملات بنكية ورقمية (مثال واضح على ذلك سياسة الشمول المالي، ثم حملات شركات مثل فوري وميزة للتداول الرقمي).

بالنسبة لنظام السيسي فإن السيطرة على جهاز الدولة لم تكن مهمة مستحيلة، واستطاع الانتهاء منها خلال سنتين من تسلمه زمام الأمور، وبعدها كان لا بد من السيطرة على الأرض، والتي طالما أن شكلت مصدر نهم للقوات المسلحة بغرض الاستحواذ عليها. منح السيسي بقوانين رئاسية وقرارات مباشرة مساحات شاسعة من الأراضي لصالح أجهزة مختلفة داخل القوات المسلحة -أجهزة مثل الهيئة الهندسية أو جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة أو مشروعات الخدمة الوطنية. وأتاح لهذه الأجهزة إنشاء شركات مساهمة لإدارة المشاريع المختلفة، أكبر مثالين على ذلك هو أراضي العاصمة الإدارية وأراضي مدينة العلمين الجديدة.

وتاريخيًا وإلى اليوم كانت مسألة الاستحواذ على الأراضي، بمختلف أنواعها مسألة أساسية بالنسبة للدولة وللمجتمع، خاصة مع ضعف العملية الانتاجية، فشكلت محل نزاع دائم بين الأطراف كافة: الدولة والسكان، أجهزة الدولة وبعضها البعض، الأفراد والعائلات. وهذا الصراع حول الأرض يمتد من المدن إلى الأرياف والصعيد، وحتى الأدوات المستخدمة لا تختلف كثيرًا: التقاضي والعنف المباشر بين الأطراف المتصارعة ووضع اليد والبلطجة، ما يختلف فقط هو نمط الفاعلين داخل الصراع. كذلك فإن الاستحواذ على الأراضي مرتبط أيضًا بالثروة العقارية، وهي أحد أكبر مناحي الاستثمار والادخار.

السيسي نقيض مبارك

هناك بعد رابع يجب الالتفات إليه في استراتيجية السيسي في الحكم، وهو أن السيسي يمثّل النقيض بالنسبة لمبارك في الأمور كافة، إلا اشتراكهما في البعد الطبقي المعادي لعموم الفقراء، والسلطوية. وحتى الأخيرة فهما مختلفان كليًا في إدارة شكل ونمط العنف والقمع وعمليات القهر السياسي والاجتماعي. أما النقطة المشتركة بين أنظمة الحكم كافة منذ فشل المشروع الناصري في أواخر الستينات على اختلاف أنماطهم، فهي إدارة السكان ومعاداتهم وتصويرهم كعبء دائم على كاهل الدول يجب التخلص منه.

كان من الطبيعي أن يتمدد السكان جغرافيًا ما يعني توسعًا للعمران. وبم أن الدولة ترى الحكم الحديث باعتباره إدارة للسكان وتعظيم الموارد وإدارتها من خلال الهيمنة الكاملة على الجغرافيا والفرد، فكان السؤال الأساسي الذي تحول ليصبح معضلة كبرى: ماذا نفعل مع عموم السكان؟ هذا السؤال بدأ يبزغ بشدة على لسان ناصر حبيب الملايين نفسه في نهايات حكمه، وكل من عقبه من الرؤساء لم يكتم أحد منهم امتعاضه من السكان. فتارة أنتم كثر، وتارة أخرى أنتم تستهلكون الكثير من الشاي والسكر، وعلى طول الخط أنتم همج خطرون على الدولة.

وعند الحديث عن البناء المخالف في مصر، والذي شهد توسعًا مهولًا في عهد مبارك، فيجب تمييزه عن مسألة البناء في العشوائيات بشكلها المتداول في المخيلة الاجتماعية، والتي تجافي الواقع في كثير من الأحيان.

في عهد مبارك توسع الأمران. نستطيع القول إن المعمار المخالف والعشوائيات كانا صفقة مبارك مع المجتمع. فالدولة التي تخلت تمامًا عن عملية الإسكان، مع عدم قدرة المدن الجديدة الصحراوية على جذب تكتلات سكانية ضخمة، غضت الطرف تمامًا عن نمو العمران المخالف. وكان لهذا العمران قدرة كبيرة على استيعاب طبقات مختلفة من متوسطي ومحدودي الدخل، وللإسكان الفاخر أيضًا. وإلى جانب ذلك، ففي أطراف المدن الريفية وفي الريف نفسه، تم التوسع في البناء على الأرض الزراعية. لهذا الأمر قصة حزينة وقصة إجرامية. فكثير من هذه المباني تم بنائها بشكل تدريجي بسبب العوز والاحتياج الماس للأبناء لبناء أسر جديدة. في الصعيد كان للاغتراب في العراق دورًا مهمًا في هذا التوسع، فكثير من هذا العمران جاء عبر سنوات من شقاء الأبناء والآباء في العراق وتحويل مدخراتهم لبناء منزل مكون من أربعة أو ثلاثة طوابق. لا تختلف قصص الريف في الدلتا كثيرًا، ولكن بدلًا من العراق سيكون بقية الخليج أو أبناء الدلتا الذين خاضوا صراع مع أمواج المتوسط في موجات من الهجرة غير المنظمة لأوروبا، فشيدت الطوابق الواحد تلو الآخر، وأحيانًا بعض العمارات.

الجانب الإجرامي وقع بين خليط من المضاربة في العقارات وغسيل الأموال أو إيغال في الاستيلاء على الأراضي، وفي الصعيد بعض المناطق ارتبطت إما بالتنقيب عن الأثار أو غسيل الأموال. ولذلك لا عجب من حدوث ارتفاع مخيف في أسعار متر الشقة ليصل في بعض مناطق الدلتا مثل المنصورة إلى 40 ألف جنيه للمتر، أو في بنها التي تصل في بعض المناطق إلى 20 ألف جنيه للمتر.

قاد التوسع العمراني المخالف إلى توحش غير مسبوق من الفساد والنهب، وكان نتيجة لهم كذلك. تمحور النهب في ثلاث حالات، وضع اليد على أراض الغير، إهدار واسع النطاق للأراضي الزراعية، وتوسع كبير على أراض الدولة. ولكن الدولة نفسها كانت في عمق عمليات الفساد بذاتها. فخلقت شبكات واسعة من الزبائن والفساد تمر بالمجلس المحلي والبلديات إلى المحافظة ورجال الأمن. فكل هذا العمران المخالف ليس مهمشًا أو جانبيًا أو بلا خدمات حكومية كالكهرباء والغاز والماء. كل هذه المرافق كان يتم إدخالها، كما كان يتم التصالح والتسامح مع الأدوار المخالفة. وهي قصة أخرى يتداخل فيها العمران غير المخالف مع المخالف وغير الرسمي. هناك قاعدة معروفة وسط المقاولون وهي أنه حتى الدور السادس أو السابع لا يوجد مكسب حقيقي بالنسبة لهم، فالمكاسب تبدأ مع الأدوار المخالفة. والأدوار المخالفة لها عمق آخر من الفساد والبلطجة. فكثيرًا ما يتم منح أو بيع شقق مخالفة لأحد رجال الدولة من المراكز الحساسة أو المهمة كضمانة لعدم إزالة الطابق. وأحيانًا أخرى، وهذه ظاهرة كانت شديدة الانتشار في الإسكندرية على سبيل المثال، يقوم أحد البلطجية الكبار -وهو عكس الصورة النمطية عن البلطجي، هو رجل له هيبة ومكانة ونافذ داخل بعض مؤسسات الدولة- بشراء طابق أو اثنين من المقاول في الأدوار غير المخالفة، ويسدد ثمنهم بالكامل ودفعة واحدة، وما أن يبدأ المقاول في بناء الأدوار المخالفة، يبدأ البلطجي في تهديده بإيقاف العمل وإزالته، والبلطجي هنا يهدد المقاول بالقانون والمؤسسات أو عبر قدر من العنف المباشر، حتى يتقاسم معه نسبة ما من أرباح الأدوار المخالفة، وكثيرًا ما يقوم هذا البلطجي النافذ بتخليص كل الأمور العالقة مع المحافظة والبلدية والحي.

قاد العمران المخالف إلى تراكم مهول من الثروات السائلة وشبكات من الفساد والزبائنية يختلط فيها المؤسسي بغير المؤسسي والرسمي بغير الرسمي، وقروض البنوك بالمال السائل وغسيل الأموال، والبلطجة بالفساد، والعنف المباشر بالقانون والابتزاز. ولكنه بقي عمران نجح في ضم ملايين من البسطاء ومتوسطي الدخل والطبقات الوسطى العليا، وهنا تكمن أكبر معضلات الأمر، فقد خلقت حيوات كاملة لعقود طويلة حول هذا العمران وبفضله. الأمر هنا لا يتوقف مثلما يرى بعض الأنثروبولوجين حول الذاكرة والذكريات والمدينة، بل حول الوجود المادي نفسه لحياة الملايين والشروط المادية الحاكمة لهذه الحياة.

كيف يرى نظام الحكم الأمر؟

السيسي هنا عينيه على ثلاثة أمور:أولًا، الثروة المهولة المتراكمة. ثانيًا، تفكيك الشبكات الزبائنية داخل الحكم وخارجه. ثالثًا، حصر والسيطرة على حركة الأموال السائلة والتحكم فقط من خلاله في السوق العقاري. النقطة الأخيرة هي شديدة المركزية لاستراتيجية الحكم عنده، فالسيسي لا يقضي على السوق بمعناه النيوليبرالي، ولكنه يجعل نفسه ومن خلال المؤسسة العسكرية، البوابة المركزية وربما الوحيدة للولوج إلى السوق. كذلك ربما يكون هناك أمر رابع ولكنه غير مكتمل الملامح حتى الآن، وهو إعادة هندسة المجتمع نفسه. ويتضح ذلك بشكل كبير من خلال مشروعه حول العشوائيات.

هنا جاء دور الدولة كماكينة للسيادة على القرار. فبعد تدشين قانون التصالح، أوقف السيسي عمليات البناء والتشييد التي لا تمر من خلاله. فلا أحد الآن يستطيع دق مسمار واحد في أي مبنى حتى ولو كان مستوفيًا لجميع شروط البناء والتراخيص اللازمة من الناحية القانونية. وهي ضربة شديدة العنف في سوق ومجتمع مثل مصر، حيث تتمحور قدر من العمالة الرسمية وغير الرسمية والكثير من الصناعات (الحديد، الأسمنت، السيراميك، مواد الدهان.. إلخ) حول سوق العقارات.

ومع عدم إقبال الجمهور على عمليات التصالح، لجأ السيسي إلى التهديد الخطابي ثم العنف المادي المباشر. كان العنف المادي والتجهيز القانوني أيضًا سابق على العنف الخطابي. فقد قام السيسي بتحويل هذه النوعية من القضايا إلى النيابة العسكرية، في نفس الوقت الذي أحدث فيه قدرًا كبيرًا من إعادة الهيكلة داخل بنية المحافظات والأحياء، حيث دعم حضوره بمزيد من العسكريين داخلهم، ليس على نمط مبارك في منح العسكريين مناصب المحافظين أو كمستشارين كمكافئة نهاية الخدمة، ولكن هذه المرة في مناصب تنفيذية واضحة تهدف إلى المزيد من السيطرة والتوغل داخل هذه المؤسسات وإحكام القبضة عليها. ثم شن السيسي حملة اعتقالات كبيرة لبعض المقاولين. نجحت هذه الحملة نسبيًا في إرغام البعض على دفع مبالغ طائلة للتصالح، مثلما أشار رئيس الوزراء نفسه في مؤتمر له، وكان لافتًا للانتباه أن من قام بالقبض على هؤلاء المقاولين كان الجيش وليس الداخلية. ولكن ظل الإقبال على لجان التصالح ضعيف في عمومه. فلجأ السيسي في مؤتمره قبل قبل الأخير إلى التهديد الخطابي وعقب ذلك حملة عنيفة من إزالة وهدم البيوت المخالفة. وكان اللافت للنظر في ذلك المؤتمر عدة أشياء. أولًا، تلويح السيسي بقدر مهول من العنف مؤكدًا على وجود القدرة المادية من معدات وإمكانيات لتنفيذ تهديده. ثانيًا، وجود برنامج أمني تقني، وليس مجرد تصوير هوائي، لرصد وحصر البناء المخالف في عموم الجمهورية، وهو برنامج لا نعلم عنه شيئًا إلى الآن. ثالثًا، لم يكن تهديد السيسي موجه فقط للجمهور، بل أشار بحدة إلى المحافظين ومديرين الأمن بالمحافظات، حيث قال صراحة «اللي مش قد الموضوع يمشي». رابعًا، كان وزير الداخلية نفسه جالسًا في الصف الرابع أو الثالث، وهي إشارة بروتوكولية إلى أن الأمر منحصر بين الجيش ورئيس الوزراء، وهو ما كان واضحًا من العرض نفسه. خامسًا، التلويح باستخدام قوة الجيش بشكل مباشر ونزوله للقرى لإتمام المشروع.

مشروع السيسي بين الوجاهة والتخوفات 

المشروع في جوهره حتى إن كان يهدف لمحاصرة الثروة العقارية كهدف رئيسي مشروع جيد. والمفارقة أن كثير من الناس كانوا يتساءلون عن غياب دور الدولة وقدرتها على الحسم والردع في هذا الملف. كما أنه لو تم إنفاذه بشكل منضبط إلى حد يقرب من 60% فهو قادر على تفكيك شبكات واسعة من الفساد والبلطجة. كذلك قد يحد من توحش الفساد والنهب في الأحياء والمحافظات واختلاط ذلك برجال الأمن ورجال الدولة النافذين.

من ناحية أخرى، لن يعيد المشروع الرقع الزراعية الضخمة التي تم إهدارها، لكنه سيحد من هذا النزيف. وعمرانيًا قد يدفع أيضًا لمزيد من تخطيط وتنظيم عمليات البناء بشكل لائق، كما أنه سيقلل من تراكم ثروات سائلة ضخمة وحصارها.

ولكن إلى الآن هذا المشروع به عوار كبير. فهو لا يمس المسؤولين القدامى الذين سهلوا، وأحياناً نظموا، هذا النهب والتوسع. وهو ما يزيد من حنق الجمهور الواسع ويفقد الأمر جانب من مصداقيته. ولكن بشكل عام هذا كان نهج السيسي في تفكيك ما ورثه من مبارك، فهو يغير النمط بشكل جذري ولكن دون المساس أو محاسبة رجال هذا العصر.

ثانيًا، يستهدف السيسي الحيتان الكبار من المقاولين وكذلك الملاك والفقراء. فقانون التصالح لا يترك أحد. وهو يستهدف الجميع لسبب واضح آخر غير جمع المال المباشر لسد عجز الموازنة والاستمرار في الإنفاق على مشاريعه الكبرى. فهو يهدف إلى تحقيق ما فشلت فيه الضريبة العقارية التي تم فرضها في 2008. لم تحقق هذه الضريبة أي نتيجة مرجوة. ولكن هذا المشروع قادر على مضاعفة المال من زاويتين: الأولى، الحصاد المباشر لأموال التصالح، والتي قد يكون بها قدر من المبالغة في تقديرات الحكومة المتوقعة والتي تصل إلى 300 مليار جنيه طبقًا لمجلس الوزراء، و500 مليار جنيه طبقًا لمجلس الشعب. الثانية: بعد عمليات الحصر، يستطيع السيسي رصد الثروة العقارية وفرض ضرائب مباشرة على الملاك الذين يقومون بتخزين واستثمار ثرواتهم في السوق العقاري. وأخيرًا القضاء على جانب كبير من القطاع غير الرسمي بهذا السوق ورصد جانب كبير من حركة الأموال السائلة.

أكبر عوار في هذه الخطة هو فقدان المشروع للجانب الاجتماعي وعدم المراعاة الطبقية. فمرة أخرى، هذا العمران المخالف لا يضم فقط الحيتان الكبار وشبكات الفساد. بل يضم أيضاً، ملايين من الفقراء ومتوسطي الدخل الذين أنفقوا أغلب مدخراتهم للحصول على حقهم في المسكن ومن ثم الحق في الحياة نفسها. ولذلك لقى المشروع قدرًا كبيرًا من النقد وبعض المقاومة الاجتماعية. وفي ظل سياق مضطرب نسبيًا هذا الشهر، حيث مقتل إسلام الأسترالي في المنيب وخروج مظاهرات ضد قسم الشرطة، وبعض المظاهرات في الإسكندرية بسبب حملات البلدية والتهديد بحملات إزالة، إلى جانب مقاومة ومعارضة مشروع التصالح وإزالة بعض المنازل المخالفة، لجأت الدولة لتهدئة الوضع نسبيًا عبر تخفيض غرامات التصالح وتقديم خطاب غير تهديدي عبر مؤتمر رئيس الوزراء. ولكن هذا لم يحل المعضلة الكبرى، وهي ماذا يفعل عموم الفقراء الذين سيكونون تحت مقصلة هذا القانون؟

جانب آخر من العوار هو غياب بديل واضح للإسكان المخالف. فحتى تحل هذه القضية يجب وجود مشروع زراعي واضح للأراضي في الدلتا والصعيد. فلا يمكن إرغام صغار الملاك للاستمرار في العمل الزراعي والحفاظ على أرضهم في ظل عدم الجدوى الاقتصادية لهذه الأراضي. ثانيًا، لا بد من إتاحة بدائل للحق في السكن تكون مقبولة وصالحة وقريبة من هذه الأراضي وإلا فلا معنى من إزاحة السكان. وأخيرًا، ما هي الخطة القادمة لعمليات البناء الأهلي والخاص؟ وكيف يضمن المشروع عدم ارتفاع أسعار الوحدات السكنية لأرقام مبالغ بها؟

العنف والشرعية والإدماج

أي تناول لقضية العمران والبناء المخالف في مصر يتطلب قدرًا كبيرًا جدًا من العنف، سواء المادي المباشر أو الرمزي والهيكلي. وذلك تحت أي نوع من الحكومات سواء كانت ثورية أو ديمقراطية أو استبدادية عسكرية. العنف أمر أصيل في مشروع هكذا، لأنه يتطلب ضرب قوى اجتماعية كبيرة وصاحبة نفوذ وثروات كبيرة. ثانيًا، سيكون مصحوب بعمليات تدمير ضخمة. ثالثًا، الشروع في عمليات نقل وإزاحة للسكان. رابعًا، ردع عنيف لمن يخالف في ما بعد. إذن فالعنف مخيم على جميع أركان وجوانب الأمر.

ولكن ممارسة عنف كهذا لا تتوقف عند حدود الإمكانيات المادية والاستبدادية المتاحة لإنفاذ العنف نفسه. ولا تتوقف أيضًا عند حدود إرادة السلطة السياسية وسيادتها على القرار. فهذا الأمر يتطلب معنى ومشروع واضح إلى جانبه له علاقة بما هو المطلوب من السكان ومن أجل ماذا وكيف وعلى من سيقع العنف الأكبر، ولماذا سيضطر قطاع كبير من السكان للقبول بتضحيات جسيمة مثل هذه.

المشكلة أيضًا أن الجانب الاحتلالي في الدولة المصرية مصحوب بسعار وهواجس أمنية لا يترك مساحة كبيرة للثقة بين الدولة والسكان. ففي ظل نظام كان له مشروع اجتماعي واضح، لم تنجو قطاعات معينة من التهميش والتنكيل. فمشروع مثل السد العالي تطلب إزاحة سكان النوبة واقتلاعهم من أراضيهم، وقد قبل النوبيين بهذه التضحية الكبيرة بخليط من الاقناع والعنف. ولكن بعد ذلك حرم أغلبهم من العودة مرة أخرى، وهو سبب الأزمة مع هذا القطاع من السكان إلى اليوم بسبب هواجس أمنية غير متحققة بالضرورة.

هذا كان الحال في ظل مشروع قومي ضخم وواضح المعالم، فيمكن تخيل الحال مع عنف عاري حتى وإن كان جوهر المشروع نفسه به قدر كبير من الوجاهة وله أهمية قصوى. ولذلك فعلينا تأمل مشاهد العنف في الفترة القادمة وما يمكن أن يولد عنها من حراك اجتماعي. فليس كل مشاهد العنف المتعلقة بالإزالة وإزاحة السكان واحدة في مدلولاتها. فمثلًا، إذا عدنا سنتين إلى الوراء أو حتى لبعض المشاهد المتداولة إلى اليوم لمشاريع إزالة المناطق العشوائية، ولنأخذ مثلاً بعض المشاهد من تل العقارب بالسيدة زينب. فسنجد أنها مشاهد تتسم بقدر كبير من العنف والقسوة والحضور الأمني الطاغي. ولكن لم ولن ينتج عن مثل هكذا مشاهد أي حراك اجتماعي واسع أو حتى تزمر اجتماعي كبير. حيث وجد إلى جانب هذه المشاهد عملية واضحة من التفاوض ووجود بدائل قد نختلف أو نتفق عليها ولكنها مطروحة ومتحققة ماديًا.

على العكس من ذلك، فالعنف وحده لم يردع أهالي جزيرة الوراق. وهو عنف كبير، وكثير من أبناء الجزيرة تم حبسه. كذلك العنف العاري وحده في مسألة إزالة مساكن مخالفة -ليست بالضرورة عشوائيات- لمجموعة من الفقراء ومتوسطي الدخل وليس لهم بدائل ولا قدرات مالية على التصالح، لن يكون ناجعًا أو كافيًا في حالة توسعه. فهؤلاء لن يجدوا مكانًا آخر غير الشارع ليتواجدوا فيه. وهذا ليس على سبيل الرمز أو المجاز. ولو اكتفى مشروع قانون التصالح بفرض غرامات مالية فقط وبعضها مخفض بشكل كبير، وتضرر منها قطاع كبير من الفقراء كما هو متوقع، فسينجح المشروع في جانب منه، لكنه سيظل مفتقرًا ومتفقدًا إلى المعنى، وسيزيد من حنق الناس على النظام الحاكم. وقد يقود إلى بعض التلاقي بين قطاعات جماهيرية وقطاعات من داخل النظام وجماعة الإخوان قد تهدد استقرار النظام الحاكم لاحقًا. ولكن من المبكر القول بهذه النتيجة حتى يتبين حجم العنف والنتائج التي ستتحقق في الأسابيع القادمة.

في كل الأحوال، هكذا مشاريع عليها النظر في أمرين غير العنف، وضوح الرؤية وإدماج ومشاركة قطاعات اجتماعية أوسع من عموم السكان والقوى الاجتماعية، فيكون للتضحية معنى اجتماعي وسياسي وإلا البديل هو خلق أزمات كبرى تستمر إلى عقود من الزمن.

اعلان
 
 
علي الرجّال 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن