جاهلية مُحطمة
الحلقة الأولى من ملف «أصنام ومساخيط وآثار: إبراز الهوية وطمس التاريخ»
 
 
 
تدمير متحف الموصل 2015
 

نقدم هذا الملف بينما يحشد زاهي حواس حملة لاستعادة رأس نفرتيتي من الخارج، أحد رموز القومية المصرية، يعاد تصميم هوية ميدان التحرير بمظهر فرعوني عن طريق نصب مسلة للملك رمسيس الثاني وحولها أربع كباش من معبد الكرنك. وبينما يتعنت الغرب في تسليم أي قطعة أثرية حازها في القرون الماضية من بلادنا -حتى وإن كانت جماجم المجاهدين في الجزائر، يشوه النشطاء ضد العنصرية في جميع أرجاء العالم تماثيل زعماء الغرب الاستعماري وقادته ورموزه الذين اُشتهر أن لديهم ماضٍ عنصري من رئيس الوزراء البريطاني تشرشل، إلى الملك البلجيكي ليوبولد الثاني، وحتى المستكشف اﻹيطالي كريستوفر كولومبوس. أصبح عالم اﻵثار والتماثيل بكل تأكيد ساحة معارك سياسية حقيقية، وليست مجرد رمزية خلف واجهتها الثقافية.

ليس هذا الملف سوى محاولة لنبش التراب ونفض الغبار عما تعنيه هذه المعارك حقًا في بلادنا العربية بين هويتين حديثتين، واحدة قومية فرعونية، وأخرى دينية إسلامية، والدور الخفي للتاريخ الاستعماري في نشأة كلتا الهويتين.

في حلقتنا الأولى نقدّم ترجمة* لمقال آرون توجندهات، والذي يتصل موضوعه بكتابه «أصنام داعش: من اﻵشورية إلى اﻹنترنت» الذي سيصدر الشهر القادم. وفي الحلقة الثانية نتناول كيف تطوّرت النظرة الوطنية المصرية للآثار الفرعونية.

غلاف الكتاب

1

يخاطب رجل ملتحٍ الكاميرا وهو يرتدي طاقية سوداء وثوب أبيض يميزاه كمسلم ملتزم، يقف أمام حطام تمثال آشوري ضخم يعرف باسم شيدو لاماسو أو الثور المجنح، وهو إله راعٍ يتجسد في صورة ثور له أجنحة نسر ورأس إنسان. «أيها المسلمون، إن هذه اﻵثار التي ترونها ورائي إنما هي أصنام وأوثان ﻷقوام في القرون السابقة، كانت تعبد من دون الله عز وجل»، يشير الرجل إليها في وقار مرشد المتاحف، ثم يضيف، «أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بإزالة التماثيل وطمسها وفعل ذلك الصحابة من بعده لما فتحوا البلدان، وإن هذه التماثيل وهذه الأصنام عندما أمر الله بطمسها وإزالتها هانت علينا فلا نبالي إن كانت بمليارات الدولارات».

عندما ينتهي من حديثه، ينتقل الفيديو إلى قاعة المتحف. يُسقط ثلاث رجال تمثال بالحجم الطبيعي عن قاعدته، بينما يشاهدهم آخرون. يُسقط الرجال التماثيل في المشاهد التالية، وينهالوا عليها بالمعاول، ويشوهونها باستخدام آلة ثقب كهربائية. خلال دقيقتين ونصف دقيقة، يتخلل مشاهد التحطيم هذه لقطات لتماثيل مدمرة تفترش اﻷرض- عادة ما تعرض بتقنية الحركة البطيئة مما يمنح تتابع المشاهد قيمة تعبيرية، أما الخلفية الصوتية فليست أقل صنعة: صوت يرتل آيات قرآنية ثم نشيد يصدح طوال مدة الفيديو بنبرة مخيفة، «الله أكبر، حطم، حطم دولة الصنمِ / تاقت جهنم للأصنامِ والحطبِ / حطم أباطيل أمريكا وزمرتها». حتى لمن لا يستطيعون فهم كلمات اﻷغنية بالعربية، تبقى الموسيقى التي يتخللها أصوات تحطيم الحجارة وطلقات اﻷسلحة اﻵلية، ملفتة للانتباه.

أثار هذا الفيديو الداعشي غضبًا فوريًا عند بثه عبر اﻹنترنت في 25 فبراير 2015، وعجت المدونات بنداءات لحماية اﻵثار من المحليين في استعادة للأفكار الاستعمارية المتكررة حول البربرية والحضارة. جادل البعض أنه يجب إرسال فرق إلى العراق تشبه «رجال اﻵثار» [1] من أجل إنقاذ ما تبقى من ملكيتها الثقافية.

بررت زميلة معهد هادسون، آن مالرو، في موقع «ذا ديلي بيست» The Daily Beast، الموقف بقولها، «بما أن اﻹسلاميين المجانين طلقاء عبر مناطق شاسعة في الشرق اﻷوسط، فلدينا أسبابًا لتثمين الاستعمار الثقافي في العصور السالفة. سُوغ اﻷمر وقتها باعتباره حفظًا للكنوز بعيدًا عن متناول البرابرة. أي ما كانت حقيقة اﻷمر في تلك اﻷيام، فلا شك اﻵن أن البرابرة عادوا للانتقام». وبأسلوب أكثر خفة، رسم باتريك تشابات، جهاديين يغادران متحف الموصل وفي أياديهما المعاول بينما يقول أحدهما للآخر، «هذه هي المرة اﻷولى التي أزور فيها متحفًا، أمر رائع!».

في أعقاب غارات الدولة اﻹسلامية في سوريا والعراق، ترأس متحف اللوفر في باريس التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع «ألِف» بدعم من الحكومة الفرنسية والإمارات العربية المتحدة. بعدما صاغ الصندوق الدولي بيانه اﻹلكتروني «ردًا على البربرية»، تعهد بإعادة تأهيل متحف الموصل مع مشروعات أخرى لاستعادة المواقع الثقافية المدمرة في الشرق اﻷوسط.

سعى معرض «ممالك منسية» للتماثيل السورية في العصر الحديدي في اللوفر الصيف الماضي، إلى تعزيز جهود «ألِف» عن طريق حشد الزوار للنضال من أجل «تراث قابل للاندثار بشدة تشترك فيه اﻹنسانية كلها». ركز المعرض على تماثيل بازلتية من «تل حلف» في سوريا، دُمرت أثناء غارة من الحلفاء قصفت برلين أثناء الحرب العالمية الثانية. ظلت اﻷجزاء المحطمة مُخزنة في قبو متحف بيرجامون ﻷكثر من 50 عامًا، حتى شرع فريق الترميم في بذل مجهود مضنٍ لاستعادة التماثيل في عام 2001. وكشف معرض خاص بعد عشر سنوات عن 30 عملًا استطاع الفريق ترميمها. يبني متحف بيرجامون حاليًا قاعة عرض جديدة كي يُقيم التماثيل التي بُعثت من جديد. وبينما تنتظر الانتقال إلى منزلها الجديد، ذهب بعضها في جولة. اُستخدمت تماثيل تل حلف المعروضة في باريس للتركيز على هشاشة التراث الثقافي وضرورة حمايتها.

لكن معرض باريس تجنب تناول اﻷسئلة التي طرحها عرض تلك التماثيل، ﻷن حقيقة تدميرها في برلين تعكر الافتراضات السائدة حول أن آثار الشرق اﻷدنى آمنة في المتاحف الغربية أكثر من بقائها في موطنها اﻷصلي. في الوقت نفسه، تضع رؤية التراث الثقافي للمعرض أن تحطيم الدولة الإسلامية الاستعراضي للتماثيل وجهود الحلفاء في هزيمة ألمانيا النازية على نفس القدر من البربرية.

2

عندما زار صمويل بيكيت متحف تل حلف في حي تشارلوتنبرج ببرلين في 21 ديسمبر 1936، اختلى بالمكان وحده. كانت هذه المؤسسة الغريبة بالكاد وجهة سياحية شهيرة. بعدما قرع بيكيت جرس بوابة المتحف، تُرك وحده بين اﻷسود الضخمة والرجل العقرب وتماثيل الغرفين وأبي الهول. كتب الكاتب الأيرلندي المجهول وقتها في يومياته، «منتصبة + شيطانية مشؤومة بصورة رائعة».

متحف تل حلف من الخارج

تعود ملكية محتويات المتحف إلى البارون ماكس فون أوبنهايم (1860-1946) وقد حصل عليها من خلال حملات تنقيب ذاتية التمويل في تل حلف. وجد أوبنهايم، وريث أحد أكثر عائلات أصحاب البنوك ثراءً، أن الشرق أكثر جاذبية من أعمال والده البنكية في كولونيا، فاشترى بيتًا في أحد أحياء القاهرة القديمة في عام 1892 واستعمله كقاعدة لاستكشاف المنطقة وتعلُم طرقها. كان أوبنهايم وطني مخلص يحرص على خدمة وطنه بصفته خبير في الشرق اﻷوسط، فعلى الرغم من أنه حُرم من منصب رسمي في وزارة الخارجية اﻷلمانية بسبب خلفيته اليهودية، فقد أصدر تقارير دورية للقيصر حول السياسات العربية المعاصرة.

عندما كان أوبنهايم يجمع معلومات في شمال سوريا في عام 1899، أخبره أصدقاؤه من البدو عن التماثيل الحجرية العجيبة التي وجدت في تل قريب، فقرر أن يراها بنفسه. بعد ثلاثة أيام من التنقيب السري، أدرك أوبنهايم أنه حظى باكتشاف مهم، قال عنه بعد ذلك، «كان نقطة تحول في حياتي»، لكن لم يكن هناك ما يمكن فعله أكثر من ذلك بدون اﻷدوات المناسبة ولا التصريح بالتنقيب. بعد 12 عامًا فقط، بعدما فُصل من منصبه كملحق في القاهرة بسبب مؤامرة اُعتبرت «خطرًا دائمًا على السلام وتهديد عميق له»، عاد أوبنهايم إلى تل حلف بتصريح للتنقيب من السلطات العثمانية، وظل ينقب في الموقع حتى أعاد اندلاع الحرب العالمية اﻷولى اهتمامه إلى السياسة مرة أخرى.

آمن أوبنهايم أن اﻹسلام هو نقطة ضعف أعداء ألمانيا، فقد حكمت اﻹمبراطورية البريطانية أكثر من 100 مليون مسلم من مصر إلى الهند، بينما حكمت روسيا 19 مليونًا، وكان العدد نفسه خاضع للحكم الفرنسي. واعتقد أوبنهايم أنه إذا أمكن تحريض هؤلاء المسلمون على التمرد ضد حكامهم، فسوف تجني ألمانيا المكاسب جراء ذلك. في مذكرة من 100 صفحة بعنوان «مذكرة بخصوص تثوير المناطق اﻹسلامية الخاضعة لنفوذ أعدائنا»، رسم أوبنهايم خطة لتأجيج الجهاد العالمي، ناشد فيها الخليفة العثماني بإصدار فتوى، أعدتها ألمانيا، تعلن الحرب المقدسة ضد الحلفاء، وبث منشورات في بلاد المسلمين تهدف إلى استغلال الغضب ضد حكم المستعمرين.

أنشأ أوبنهايم مركزًا للجهاد في برلين بدعم من وزارة الخارجية اﻷلمانية، التي قررت التغاضي عن أصوله اليهودية، جمع هذا المركز المستشرقين اﻷلمان من أجل إصدار آﻻف من المنشورات بلغات مختلفة في العالم اﻹسلامي. سعى أوبنهايم أيضًا إلى ضم أسرى الحرب المسلمين للجهاد، حيث أن فرنسا وبريطانيا جندتا جنودًا مسلمين -وبخاصة من شمال أفريقيا والهند على التوالي- في حرب الخنادق على الجبهة الغربية. ظن أوبنهايم أنه قادر على تجييش الجنود المأسورين، وإعادتهم مرة أخرى خلف خطوط العدو، وبنى أقدم جامع في ألمانيا من أجل هذه الغاية في «معسكر الهلال» في بلدة فون سيدورف، التي تقع على بعد 40 كليومتر جنوب برلين. وعلاوة على ذلك، بدأ أوبنهايم في مارس 1915 تحرير جريدة «الجهاد» الدعائية التي تهدف إلى تحريض أسرى الحرب ضد القوى الاستعمارية، لكن برغم كل هذه الجهود، فإن قليل من اﻷسرى انضموا إلى هذا المشروع.

أعداد جريدة الجهاد

لم تنجح حملة جهاد أوبنهايم في الانتشار، ﻷن البارون لم يُقدر الموقف على أرض الواقع حق قدره، وبالرغم من متانة علاقته الشخصية بالملك فيصل اﻷول، ابن الحسين بن علي شريف مكة، فقد فاقه غريمه البريطاني، تي إتش لورانس (لورانس العرب) في السباق لكسب دعم العرب في النهاية (تعارف أوبنهايم ولورانس قبل الحرب، عندما كان اﻹنجليز ينقبون في كركميش، موقعًا ليس بعيدًا عن تل حلف). عندما تحالف شريف مكة مع البريطانيين، وأعلن الثورة ضد اﻷتراك، تقوضت شرعية جهاد أوبنهايم نهائيًا، وفي عام 1915، أعلن الدبلوماسي كورت بروفر، راعي أوبنهايم المخذول، أن فكرة الحرب المقدسة كانت «كوميديا تراجيدية».

بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية اﻷولى، عاد أوبنهايم مرة أخرى إلى علم الحفريات. وعندما انضمت ألمانيا إلى عصبة اﻷمم في 1926، تقدم بعريضة إلى سلطات الانتداب الفرنسي كي تصرح له بالعودة إلى تل حلف. سافر في زيارة للموقع لتقييم الوضع في 1927، وعاد إلى التنقيب مرة أخرى في العامين التاليين، ثم رتب لشحن بعض اكتشافاته في تل حلف إلى برلين، بينما نُقلت البقية إلى متحف حلب الوطني الجديد. انتقل متحف حلب من مقره في قصر عثماني قديم إلى مُنشأة صُممت خصيصًا له في 1966. يستعيد المبنى الحديث، الذي صممه المعماريان اليوجاسلافيان، زدراڤكو بريجوڤاك وفيجنسلاف ريختر، الرواق الشهير من تل حلف في مدخله اﻷساسي، وقد قُصف بقذائف الهاون في يوليو 2016.

سعى أوبنهايم إلى عرض التماثيل التي حازها في متحف بيرجامون على جزيرة المتحف المرموقة. وعندما فشلت المفاوضات، ارتضى إقامة معرضه في مصنع آﻻلات مهجور على الجانب اﻵخر من المدينة. اُفتتح متحف تل حلف للعامة في 15 يوليو 1930- عيد الميلاد السبعين للبارون. لم يكن صمويل بيكيت وحده زائره المشهور، فطبقًا لسجلات المتحف، زار الرسام التأثيري، إيميل نولد، مع زوجته المتحف في يناير 1931، وكاتبة روايات الجريمة، أجاثا كريستي، مع زوجها عالم الحفريات، ماكس مالوان. سجلت كريستي الطريقة التي مسح بها البارون بيده في حرارة على أحد «أقبح» التماثيل (في رأيها). حتى الملك فيصل بن الحسين، الذي أصبح اﻵن ملك العراق، زار المتحف. على اﻷرجح، لم يحمل البارون ضغينة تجاه الملك لتحالفه مع لورانس والبريطانيين أثناء الحرب.

تل حلف من الداخل

لم يسبب صعود الاشتراكية القومية اضطرابًا للبارون العجوز. تلقى أوبنهايم، سريعًا، مركزًا آريًا شرفيًا، وقُيد ضمن كشف رواتب الحكومة النازية. وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية، كتب مرة أخرى مذكرة طويلة توصي بطرق ﻹثارة الاضطرابات في الهند والشرق اﻷوسط ضد البريطانيين، لكن وزارة الخارجية تجاهلتها. لم يكن هتلر نفسه متحمسًا لتحريض أبناء البشرة الداكنة للتمرد ضد أسيادهم البيض (وقد سخر من حرب المستشرقين اﻷلمان المقدسة في كتاب كفاحي)، لكن كان لديه ميلًا تجاه صديق أوبنهايم، الشيخ أمين الحسيني، مفتي القدس اﻷكبر. عبر تعبئة جهود أوبنهايم مجددًا بدعم نازي، بث المفتي المقيم في برلين سلسلة من الخطب عبر الراديو في وقت الحرب تدعو العالم العربي إلى الانضمام في الجهاد العالمي ضد البلاشفة والبريطانيين واليهود.

أشعلت قنبلة حارقة، ألقاها الحلفاء، النيران في متحف أوبنهايم في 1943. وعندما وصل رجال اﻹطفاء، تسبب الماء البارد الذي استعملوه في إطفاء الحريق في تحطم تماثيل المتحف البازلتية إلى 27 ألف قطعة. أقنع أوبنهايم، والتر أندري، مدير مجموعة الشرق اﻷدنى في متحف بيرجامون، كي ينقذ الحطام. وصلت تسع شاحنات محملة بكنوز أوبنهايم إلى أرض المتحف أخيرًا، لكن في هيئة متشظية، وتم الاحتفاظ بها في مخزن لمدة نصف قرن.

توفي أوبنهايم وفاة طبيعية بعد عام من انتهاء الحرب. أفنى عمره في استعادة الآثار القديمة وتشجيع الجهاد الحديث. بالنسبة ﻷوبنهايم، لم يكن هناك تعارض بين الاثنين، لكن رغم ذلك، مهدت منشوراته الجهادية الطريق نحو الفيديوهات الداعشية التي استفزت القوى الاستعمارية بتحطيم تلك اﻵثار التي أحبها بشدة.

3

«حطم، حطم دولة الصنمِ»، يردد النشيد الذي يرافق صور التدمير في فيديو فبراير 2015 لداعش من متحف الموصل بالعراق. يعرض الفيديو التدمير باعتباره إعادة تمثيل لتحطيم إبراهيم عليه السلام للأصنام.

يُلمح فيديو داعش إلى هذه القصة من خلال الظهور اللحظي للآية القرآنية من سورة اﻷنبياء «فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا»، لكن المقال الذي ظهر في مجلة دابق، المجلة الرسمية لداعش، بعد نشر الفيديو، جعل هذا الربط أكثر وضوحًا. «إن محو إرث اﻷمم الغابرة يبين النهج الذي أحيا بها جند الخليفة بالمعاول سنة أبانا إبراهيم عليه السلام، عندما حطموا إرث الشرك ﻷمة بادت منذ زمن بعيد من على وجه اﻷرض» [2]. المقالة لا تقارن التحطيم بناءً على عمل النبي إبراهيم فقط، بل على موقفه أيضًا. تفسر المقالة، رافضة ردة الفعل الغاضبة حول تدمير التراث الثقافي القديم، أن مقاتلي داعش «لا يضعون في اعتبارهم مشاعر الكفار وأحساسيهم، مثلما لم يضع إبراهيم عليه السلام مشاعر قومه وأحاسيسهم عندما حطم اﻷصنام». لا تلق داعش بالًا إلى الشجب المعاصر لتصميمها على تطهير العالم من اﻷصنام -بالقوة إذا دعى اﻷمر- مثلما فعل إبراهيم.

تبدأ القصة في القرآن بالنبي إبراهيم يسأل الناس عن التماثيل التي يبدو أنهم عاكفون على عبادتها وملازمون لها، ويردون عليه بأنهم وجدوا آباءهم عليها وأنهم مقتدون بآثارهم، أي أنهم مصدقين للحكمة العملية في المحافظة على التقاليد. ورغم أن فعل «عبادة» عادة ما يفهم بصفة «التقديس» عندما يستخدم للإشارة إلى اﻵلهة، فإن معناه اﻷصلي هو «الخدمة»، مثلما يخدم عبد سيده أو أحد الرعية ملكه. وإذا قاومنا ميلنا الحديث في فصل الدين عن السياسة في مجالات مستقلة، يمكننا أن ندرك بصورة أفضل دلالات الفعل السياسية. إن الصور التي يخدمها الناس تتصل بصورة حميمية بالنظام السياسي الذي يعيشون في ظله، أن «تخدم صورًا» هي أن تخدم السيادة التي تُحكم من خلالها. لم ينتقد إبراهيم عقيدة أهله بدعوته لهم إلى التسليم بعبادة «رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» فقط، بل قوض سياستهم ودعا إلى تغيير النظام.

يؤطر المؤرخ العلامة، محمد بن جرير الطبري، في كتابه «تاريخ الرسل والملوك» القصة بسياق سياسي أشار إليها القرآن وحده، وتُجمع مصادر عديدة على أن إبراهيم شهد في طفولته حكم الملك البابلي اﻷسطوري نمرود. تسبب تحطيم النبي إبراهيم للأصنام في مواجهة بين حاكم جبار ومُصلح حديث العهد باﻹصلاح.

ترسم التماثيل التي حطمها إبراهيم ملمحًا أساسيًا لنظام الملك نمرود. لا تُغفل أعراف الرجلين الدلالة السياسية لفعل التحطيم، فكما يروي الطبري، «قَالَ المنجمون لنمرود: إنا نجد فِي علمنا أَن غلامًا يولد فِي قريتك هذه يقال لَهُ إِبْرَاهِيم يفارق دينكم ويكسر أوثانكم فِي شَهْر كَذَا وكذا من سَنَة كَذَا وكذا، فَلَمَّا دخلت السنة المذكورة بعث نمرود إِلَى كُل امرأة حاملة بقريته فحبسها عنده وَلَمْ يعلم بحمل أم إِبْرَاهِيم، فجعل لا يولد غلام فِي ذَلِكَ الشهر إلا ذبحه». لكن أم إبراهيم تنجح في النجاة بإبراهيم من خطة الملك اﻹجرامية. وعندما يُدان إبراهيم بتحطيم اﻷصنام لاحقًا، يحاول نمرود مرة أخرى أن يعدمه، لكن بإحراقه هذه المرة. لكن تفشل هذه المحاولة أيضًا، فيجري هذا الحوار بين نمرود وإبراهيم، «فقال [نمرود]: إني مقرب إِلَى إلهك قربانًا لمِا رأيت من قدرته، فَقَالَ [إبراهيم]: إنه لا يقبل منك مَا كنت عَلَى دينك، فَقَالَ [نمرود]: لا أستطيع ترك مُلكي، ولكن سوف أذبحها لَهُ».

يعي نمرود أن ترك دينه وهجر أصنامه يعادل التخلي عن منصبه كملك، معادلة تظهر بصورة ضمنية في وقت مبكر عندما أشار المنجمون بقولهم «أوثانكم» و«دينكم» بدلًا من «أوثاننا» و«ديننا»، ورغم انبهاره برب إبراهيم، فلم يكن مستعدًا لتفكيك ملكه.

مَثّل نمرود بالنسبة إلى حضارات ما بين الرافدين العظيمة، التي سبقت اﻹسلام، رمزًا في المخيلة الشعرية اﻹسلامية. عندما عرّف المتحدث الداعشي في الفيديو (على نحو ما غير دقيق) التماثيل الخاضعة للهجوم بأنها تنتمي إلى «اﻵشوريين واﻵكاديين وغيرهم»، فإنما يربطهم بحكم نمرود. ورغم ذلك، فمن الواضح أن مملكة نمرود القديمة ليست من تتعرض للهجوم في لازمة أنشودة «حطم دولة الصنم»، ﻷن الحضارات القديمة التي يرمز لها نمرود بادت منذ آلاف السنين، وآثارها لم تكن ظاهرة للعيان حتى في أيام النبي محمد. تتأكد هذه النقطة في الفيديو عبر عرض صورة من القرن التاسع عشر تُظهر المُنقبِين البريطانيين يستخرجون تمثال الثور المجنح الذي نراه لاحقًا يتم تحطيمه بالمعاول. لم يكن نمرود وحده «دولة الصنم»، لقد أقامت القوى الاستعمارية الحديثة أنظمة وثنية جديدة، ولا سيما في رغبتها الفتيشية في التماثيل القديمة. يدمج مصطلح الجاهلية بين كلا الدولتين الصنميتين.

تشير الجاهلية إلى ما يقرب من قرن من تاريخ العرب قبل بعثة النبي محمد. لكن بمرور الوقت، توسع المصطلح ليشمل الحقب التي سبقت اﻹسلام. وبهذا المعنى، يصبح أقوام ما قبل اﻹسلام مثل «اﻵشوريين واﻵكاديين وغيرهم» ينتمون إلى الجاهلية. وقد قارن أيضًا الشيخان محمد عبده (1849-1905) ورشيد رضا (1865-1935) في اﻷزمنة الحديثة حياة المسلمين المعاصرين بجوانب من المجتمع الجاهلي. يُعرّف المترجم الهندي عبد الله يوسف علي (المتوفي 1953) في إحدى حواشي ترجمته للقرآن، الجاهلية بأنها «أيام القبلية والكراهية واشتداد الخلافات اﻷنانية بين البشر. لم تنقضِ هذه اﻷيام بعد، ودور اﻹسلام أن يبعدنا عن هذا السلوك العقلي الخاطئ».

في ستينيات القرن العشرين، أشاع مُنظّر اﻹخوان المسلمين، سيد قطب (1906-1966)، مصطلح الجاهلية في محاولة لتحديد موضع الخطأ في الحياة الحديثة. شارك سيد قطب بقوة في المشهد اﻷدبي القاهري منذ منتصف العشرينيات حتى أوائل الخمسينيات، وكما تروى القصة، بدأ في تطوير خط متشدد للإسلام انتهى إليه، بعدما كره ما رآه من أعراف مفككة شهدها أثناء رحلته المدعومة من الحكومة المصرية للولايات المتحدة اﻷمريكية. انضم سيد قطب إلى جماعة اﻹخوان المسلمين بعد عودته إلى مصر، وأصبح شديد الانتقاد للحكومة المصرية والتأثير المتبقي للقوى الاستعمارية، رغم استقلال مصر الجديد عنها، حتى حظرت الحكومة المصرية جماعة اﻹخوان المسلمين، وسُجن سيد قطب بعد محاولة فاشلة لاغتيال جمال عبد الناصر في 1954، قاضيًا بقية حياته في السجن، حيث كتب تفسيره الكبير للقرآن تحت عنوان «في ظلال القرآن»، وأشهر كتبه «معالم على الطريق» الذي نادى فيه بالثورة اﻹسلامية، وأعمال أخرى كثيرة. في أغسطس 1966، أُعدم سيد قطب بتهمة التآمر ضد نظام الحكم المصري.

يضع سيد قطب الجاهلية في القلب من كتاباته المتأخرة اﻷكثر جذرية، ويطرح أن المجتمع الذي يفشل في اتباع هدى الله في كل مجالات الحياة، مجتمع جاهلي، ومشارك في اغتصاب حاكمية الله. المجتمعات الجاهلية هي سلطان البشر المنتحل لحاكمية الله، سواء كانت قبيلة أو مملكة أو إمبراطورية، أو كما في الدول القومية حاليًا، أما على النقيض من ذلك، كما يرى سيد قطب في كتابه «معالم على الطريق»، فإن «طبيعة اﻹسلام ذاتها، وهي أنه إعلان عام لتحرير اﻹنسان من العبودية للعباد، وتقرير ألوهية الله وحده وربوبيته للعالمين، وتحطيم مملكة الهوى البشري في اﻷرض، وإقامة مملكة الشريعة اﻹلهية في عالم اﻹنسان». ويفسر سيد قطب في الجزء الثاني من ظلال القرآن (ص. 904): «فالجاهلية، كما يصفها الله ويحددها قرآنه، هي حكم البشر للبشر، لأنها هي عبودية البشر للبشر، والخروج من عبودية الله، ورفض ألوهية الله، والاعتراف في مقابل هذا الرفض بألوهية بعض البشر، وبالعبودية لهم من دون الله. إن الجاهلية -في ضوء هذا النص- ليست فترة من الزمان، بل هي وضع من اﻷوضاع، يوجد باﻷمس، ويوجد اليوم، ويوجد غدًا».

عن طريق تصوير تدمير قطع حضارة الرافدين اﻵثرية، أنتجت داعش صورة تكثف المعاني المتعددة للجاهلية بامتياز. أصبحت إعادة تمثيل تحطيم النبي إبراهيم ﻷصنام نمرود رسالة مشفرة معادية للأنظمة السياسية القائمة. تشهد قطع التماثيل المحطمة على أرضية المتحف على جاهلية قديمة وحديثة.

4

انخرط الفنان، ريان تابت، منذ عام 2016 في سلسلة من اﻷعمال الفنية المرتبطة بتل حلف. بدأ اهتمامه بالموقع اﻷثري منذ أن علم أن جده الكبير عرف ماكس فون أوبنهايم ذات مرة، عندما عين أوبنهايم جده بورخوش سكرتيره الخاص، بعد أن عاد إلى التنقيب في سوريا عام 1929. وحيث أن سلطات الانتداب الفرنسي شكت في أن يكون أوبنهايم عميلًا سريًا يُبطن خططًا بتثوير القبائل البدوية المحلية، فقد جندت بورخوش كي يراقبه جيدًا. عندما وجد تابت بطاقة اتصال أوبنهايم بين أوراق جده، كشف ذلك له عالم من اﻵثار والمؤامرات.

قبل سنواتٍ قليلة، كُشف عن 30 قطعة مرممة من تماثيل تل حلف في برلين. من بين 27 ألف قطعة حجرية أُنقذت من متحف تل حلف المدمر، استطاع المرممون تجميع 25 ألف قطعة منها فقط، وتبقت ألفا قطعة غير مُعرّفة ولا يوجد ما يتطابق معها. ونتيجة ﻹعجابه بتلك البقايا الحجرية، تواصل تابت مع المرممين في برلين لكي يسألهم إذا كان يستطيع رسمها. حير الطلب المرممون، ﻷن تلك البقايا تمثل -بالنسبة إليهم- إخفاقًا في مشروعهم، لكنهم منحوه اﻹذن على أي حال، فسافر تابت إلى برلين في 2017 كي يصنع تقليدًا كربونيًا من جميع البقايا البازلتية.

عندما بدأ المرممون في برلين إعادة تجميع قطع تل حلف، وضعوا كل قطعة على ألواح خشبية ملأت موقع هائل. يحول عمل تابت «شظايا البازلت» (2017) هذه الخطوة المتمثلة في عملية إعادة التجميع إلى موضوع خاص للتأمل. عُلقت مقلداته للشظايا الحجرية على لوحات خشبية، كل منها على فرخ أبيض خاص بها، لكنها تستند عموديًا، من اﻷرض إلى السقف، على حائط كامل. يتحقق لكل قطعة خصوصيتها الفردية التي تعرقل رغبتنا في استيعاب القطع كلها. وحيث أنها مجرد مرسومة على ورق، فهي لا تدعي الخلود، بل أن هذه المقلدات تعلن الزوال حتى بالنسبة إلى الحجر.

يعترف عمل تابت بالتاريخ الحافل الذي يحيط اﻷشياء القديمة التي نعجب بها في متاحفنا. فهو لا يهدف إلى طمس التاريخ بتقديسه أو الهرب منه بتحطيمه، بل يقع في المساحة المقلقة بين تدمير اﻵثار وصيانتها. إنه يساعدنا على الاشتباك مع الماضي دون مُصادرة بدعوى الحفاظ عليه.

رسوم ريان تابت

أتت اﻷلفا شظية التي عمل عليها تابت من قلب تماثيل تل حلف اﻷصلية. يطرح هذا ما أسماه تابت «تلاعب ذهني مؤقت» عند المحاولة لتأريخ اﻷشياء المحفوظة في غرف تخزين متحف بيرجامون مرة أخرى. هل هذا اﻷحجار تعود إلى القرنين التاسع والعاشر قبل الميلاد، مع القطع السطحية للتماثيل، حتى وإن لم تبد أي علامة لصناعتها في ذلك الوقت؟ هل هي اﻵن مجرد قطع بازلتية تعود جيولوجيًا إلى 350 مليون سنة؟ أم علينا اعتبارها أعمال أكثر حداثة صُنعت في 1943 بأيدي فريق التفجير من الحلفاء ورجال الإطفاء اﻷلمان معًا؟

الخيار الثالث مثير للاهتمام. لن تبقى القطع مجرد حطام، بل ستأخذ مكانة اﻹبداعات الجديدة. أصبحت هذه «القطع الحجرية» بمساعدة تابت تظهر كأنها أعمال قائمة بذاتها، فهي مثل أي فن جيد، تحركنا نحو إعادة توجيه تجاربنا- للحرب وللفن ولعلاقتنا بالماضي. فهي ليست، إلى حد ما، مثل فيديو داعش الذي حول التماثيل المحطمة إلى صورة رقمية جديدة. هذه الصور أيضًا لها قدرة على إعادة توجيه خبراتنا. ما من أحد شاهدها يمكن أن يرى تماثيل بلاد الرافدين القديمة بنفس النظرة مجددًا.
يشهد كلا العملين، «القطع الحجرية» وفيديو متحف الموصل، على أن تحطيم اﻷصنام لا يمحي الصور مثلما ينتج صورًا جديدة. ففي النهاية هذا ما فعله إبراهيم محطم اﻷصنام بالفعل. لقد ترك أكبر الأصنام واقفًا بين الحطام حتى إذا ما عاد أهله إليها، يمكنهم أن ينظروا ويتفكروا.

* الترجمة منشورة بإذن من المؤلف.

[1] رجال اﻵثار: اسم الفيلم مبني على أحداث حقيقية يدور حول مجموعة من خبراء الفنون، الذين كلفتهم الحكومة الأمريكية، باسترداد القطع الفنية التي سرقها النازيون بُعيد الحرب العالمية الثانية.

[2] ترجمة المترجم لا ترجمة المجلة المعتمدة.

اعلان
 
 
آرون توجندهات 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن