لا بريق تراجيدي على وجوه رافضي التطبيع

منذ بدأت حمّى السلام العربي الإسرائيلي، لاحظت أن أخبار التطبيع لا تزعجني بقدر ما يزعجني الانزعاج منها. وهو إحساس يأتي من موقعٍ فيّ شديد الحبّ لفلسطين، في عمقي وجذري، ولا يأتيني من نواحي التجريب السياسي والفكري التي أستضيفها أحيانًا. ولهذا الإحساس مستويان: الأول هو رفضي المَرَضي -الحزين للمفاجأة أو الصدمة على وجوه الأفراد الذين يناصرون القضية الفلسطينية منذ ولدوا، والثاني هو رفضي السياسي- الأخلاقي لأي تأوه من أيّ ذي سلطة، تحديدًا مقاوِمة، تجاه تبدّد حالة العداء العربي مع إسرائيل.

 أولًا

على مستوى الأفراد المخلصين للقضية والذين سعوا لجعل حياتهم مساحة دعمٍ لفلسطين وأهلها حيثما حلّوا وفي أي مضمارٍ اشتغلوا، أنفر من حزنهم وصدمتهم لأنهما يجسّدان فداحة ما جرى. هذا الحزن ليس وليد عزيمة العدالة، وإنما سنين المكابرة والتهليل لخطابات التحرير والعودة. خطاباتٌ سبق ازدهارها ولادتي وها أنا أراها تذهب إلى مثواها الأخير. هذا حزنٌ على الخطابات، منفصلٌ عن الواقع بينما فلسطين شديدة الواقعية وليست «فكرة» أو «وجهة نظر». أريد أن أحاكم هذا الحزن وأغانيه التي تغنّى مردّديها بالمزيد منه، ولا أريد أن أتفهمه وأحتضنه. استسلمنا لمناصرة قضيةٍ لا نرى واقعها. استسلمنا لخطابات التحرير والعودة، وروّجنا لمنع أيّ خطاب آخر، أو بأحسن الأحوال «تفهّمنا» هذا المنع. وقد قيل لي أكثر من مرة إن التفكير بمنطق «المقاومات» القائمة وجدواها في الزمن الراهن هو تراقصٌ على حبال الخيانة. قيل لي إن خطابات التحرير والعودة قد تكون خارج الزمن لكنها تقينا من التلوّث.

هو تلوّثُ ذو بُعدين، أبعدتنا قيادات هذه البلاد عنه بقوة السلاح والقانون والإعلام: تلوّثٌ بالعلاقة مع سياسات الواقع، وهي تأتي من بطولة الخليج والفرس والترك بأموالهم ومشاريعهم، وقبلهم أمثال صدّام ومعمّر وحافظ بفسادهم وإجرام سلطاتهم. فيرتئي الحاكم أنه من الأفضل لنا ألا نتابع مجريات هذا الواقع وصفقاته إلا عبر المُعلن المنمّق. وفي بُعده الآخر، هو تلوّثٌ بالعلاقة مع إسرائيل، يتجلى عبر خطر التقاط ذبذبةٍ صهيونية من رواية، فيلم، كتاب تاريخ، رحلة عبر سكايب مع صديقة فلسطينية في عكا، … كلٌّ من هذه الممارسات «الخطرة» يمكن أن يجعل الواحدة منا تنام فلسطينية الهوى وتستيقظ مع رغبة شديدة بمعانقة مستوطن. فتم منعنا عن الاتصال بفلسطين اليوم، وبواقع الاحتلال وماهيته، معًا.

أنفر من هذا الحزن لأنه ساذج في أحسن الأحوال ومتواطئ في أسوأها. كيف يمكن لأيٍّ كان أن يتخيّل نهايةً مغايرة لحالة العداء المفخخة بالقمع والجمود والفساد والسلطة؟ هذا الحزن من حق أهل فلسطين في الداخل فقط، لا نحن.

إلى نفوري من الحزن، أضيف نفورًا من احتفال المخلصين بأنهم قلّة مخلصة باقية على العهد.. إلخ. هذه الطبطبة على كتف الذات في بلاد الظلم، لا أتحملها. أجد الصمت أكثر لياقة. كما أن الترويج المستدام لفكرة أن القلة الباقية «الثابتة» (في نصرة أي قضية) هي التي تمتلك الصواب والبوصلة و«المسخّن» وشجر الزيتون، هو تعبيرٌ عن نرجسية وليس فعلًا سياسيًا. فالقلّة لا تقوى على الدفع باتجاه العدالة، وإنما تُذكَر كتحيّةٍ عطرة في حاشية كتاب التاريخ. العمل السياسي بجوهره هو عمل استقطاب لتوسيع قاعدة لتشكيل قوة ضغط تمتلك قولًا في تغيير. لماذا رضي مناصرو قضية فلسطين أن تتحول إلى قضية قلّة؟ لماذا استعدوا الناس ولم يستمعوا للشكوى أو لتبدّل الزمن؟ لماذا لم يسعوا للاستقطاب، مثلما فعل المقاطعون في الغرب وضمن سياقاتهم؟ لم يصِح مناصرٌ مقيمٌ في الغرب بوجه أجنبيّ يقول ما لا «يجب» قوله. ببساطة، أجابوا. القضية متينة، ليست ركيكة ولا نخدع المريدين بها. هناك، شعرتُ بفلسطين أقوى. هنا، قلقٌ وهمسٌ وجعير. لا يسكت الرأي، الإحساس أو المُعاش بمجرّد كنسه تحت السجادة. سيكبر ويأكلك تطبيعًا.

لماذا لم نصرّ على البحث عن معرفة وإجابات؟ لماذا لم نرضَ بالنقد ونراجع الماضي وممارساته ونحسّن اللغة؟ لماذا لم نسمح برؤية الزمن الجديد، وسياسات الحدود الجديدة، وتنوّع الجنسيات، وإمكانيات العلاقة مع فلسطينيي الداخل؟ لماذا نخشى لقاء إسرائيلي في الخارج بينما يمكن أن تكون هذه لحظتنا المفضلة في فتح مواجهة العدالة، أينما كنا؟ كيف توقعنا خيرًا من سلطات «مقاومة» يموّلها الخليج وإيران وتركيا وقبلهم حافظ وصدام ومعمر؟ كيف رضينا بأن نصبح قلّة، بينما فلسطين تحتاج الكثرة؟

قبل الحزن، يجب أن نقدّم إجابات لهذه الأسئلة وسواها، بحيث نعود إلى أرض الواقع بالعلاقة مع فلسطين، فنتوقف عند اللحظة ونعيد النظر بكل ما ومن قادنا إليها، قبل أن نبدأ فصلًا جديدًا من السعي للعدالة في فلسطين، فصلٌ تحدد طبيعته وأدواته سمات واقعها الراهن. لا يمكنني أن أتقبّل حزنًا يتغذّى من الخطابات ذاتها ليبكي فلسطينًا متخيلة، خارج الواقع وسلطاته وفسادها. هذا احتفاء بأسباب الهزيمة، وليس مراجعة لها، ولن ينتج سوى المزيد منها. لقد زال البريق التراجيدي عن هذا الحزن، وما عاد أكثر من نتاج كسلٍ ذهني وجبن في المحاججة ومكابرة في تأكيد صوابية الذات الدائمة والمستمرة ولو على أنقاض القضية.

أن تتجمد في سنة 1948 وخطاب الحقّ التاريخيّ لا يعني أن تكون صلبًا وإنما يابسًا. يعني أن تقتل قضيتك. فالحياة ليست يباسًا وجمودًا. وهذا الجمود مهندَسٌ سياسيًا، والناس يتبنونه لأنه يشعرهم بقوتهم في ضعفهم، بأنهم حاكمين وليسوا محكومين، فيبادرون لإخراس غيرهم أيضًا. صلبون، رأسهم حجر كما يقال، لكن فلسطين ضعيفة ولم تستفد من حجارة هذه الرؤوس، لا بل خسرت الكثرة والكثير. خسرت إمكانية أن تكون في منطقتها قضيةً حيّةً ابنة زمنها، لا أسيرة لحظة النكبة. خسرت أن تُرى كما هي تتبدّل، بحواريها وأجيالها وحدودها تحت الاحتلال المتمدد والحيّ جدًا، لسنين وعقود. خسرنا الواقع ونحن نجتهد لنجد الدليل الدامغ في الماضي: رموا لنا بحجةٍ لتأسيس دولة إسرائيل، شعب بلا دولة ودولة بلا شعب، فجمدنا عند الحجّة ورحنا ندحضها مرة تلو الأخرى بصور أجدادنا. قالوا إن الهيكل تحت الجامع، فانبرينا نؤكد أن لا هيكل تحت الجامع، وكأن وجود هيكلٍ إنما هو مبرر سحري للاستعمار الاستيطاني والمجازر والتمييز. استقرّينا في الخيمة التي سمحت لنا بها «السلطات المقاومة»، جعلنا معركتنا في التاريخ، وخضنا حروب طواحين الهواء، حتى انتهت القصة بالقدس عاصمةً وغزّة تحت الحصار والضفة قيد الضمّ والاتفاقيات ترفرف بالسلام.

لذلك، أنفر من الصدمة الصادقة لأنها تضع أمام عيني الجهل والجمود والرضا بهما، لا بل الاحتفال بهما، حتى تفاجأنا بأن صوت هذه القلة الثابتة ثبات الصخور في الجبال لا يمتلك أي أثرٍ في الواقع، ولا يُسمع ولو من بعيد في فضاء اتفاقيات السلام والتطبيع. لسنين انهوستم بالتطهّر من كل تجديدٍ يُمكن أن يُفهم على أنه تطبيع، حتى أتى التطبيع كاملًا صريحًا حاكمًا، بلا إذن منكم أو اعتبار لكم، كأنكم لستم موجودين. صفرٌ على الشمال.

ثانيًا

تأوهات ذوي السلطة وأصحاب خطابات المقاومة تحديدًا. وهنا مكمن الخبث.

ما أن أعلنت الإمارات عن إبرامها اتفاقية سلامٍ مع إسرائيل، حتى سالت الأقوال ذاتها التي تعبّد طريقنا إلى القدس منذ أزل فلسطين. الاستسلام، التنازل، الخيانة، ناهيك عن مساهمة «الجندي في ولاية الفقيه» -قائد مقاومة إسرائيل في لبنان حسن نصرالله، بحسب وصفه لنفسه سنة 2015- في إثراء المعجم التخويني عبر إضافته تعبير «حَلْب». وتوالت الاتفاقيات وراحت تخفت الهبّات الكلامية الرسمية، حتى صارت الموجة تواكب الاتفاقيات، تعلو وتهبط لا حزنًا ولا فرحًا، كعاشقٍ خطّ سطرًا في الهوى ومحا.

للناس في لبنان –الحيوانات الناطقة سياسة، بحسب قائد المقاومة- زنزانةٌ تحتوي على أفكارٍ وأسئلة ومساءلة، يحتجزهم فيها سجّانون مخلصون، وكل من يخرج عنها يُسمّى عملاء وخونة ومطبّعين. أما العالم السفلي السياسي ففيه يمكن أن ترمي إسرائيل صاروخًا تحذيريًا لسائق الشاحنة التي تقلّ أسلحةً عبر سوريا إلى مقاومة إسرائيل، كي يهرب السائق من الشاحنة قبل تفجيرها فلا يصاب. تلك هي «قواعد الاشتباك»، وأيضًا بحسب قائد المقاومة في أحد أحاديثه المبتسمة عن حرب سوريا.

في منطقة «قواعد الإشتباك» هذه، يجري ما لا يعرفه الشعب الذي يعادي إسرائيل ويدفع الدم عن وعي ومن دونه، عن إرادة ومن دونها، في بحر هذا العداء. اتفاقيات السلام تجري ضمن سياقٍ في هذا الوعاء الممتنع عنا. وبما أن هذا الامتناع يأتي مدعّمًا بأسلحة وقوانين ودماء وكفاءة خطابية، استمر وقد آن وقت تقييمه.

منذ عشرين عامًا، تحرّر لبنان من احتلال إسرائيل واستلم مقاوموها بعد عملائها حُكم جنوب لبنان وبقاعه. منذ لحظة التحرير وحتى اليوم، مررنا بألف تجربة ومأساة بالعلاقة مع إسرائيل، لعل أفدحها كان عدوان تموز (يوليو) 2006. ولكن عليه أيضًا، مرّت 14 سنة استمر فيها أعداء إسرائيل بحكم جنوب لبنان وبقاعه. العين المجرّدة كافية لترى بصمة هذا الحكم الكوارثية على منطقة سيطرته: من البحر إلى النهر، من حرية الملبس إلى حرية الرأي، من الوضع الزراعي إلى الوضع الصناعي، من كل شيء إلى أي شيء.. والأهم دائمًا افتتاح معلمٍ عظيم يثبّت النصر العظيم. إذًا، هو ليس تحريرًا ومنحًا للحرية وفتحًا لفرص الحياة، بقدر ما هو تغييرٌ للحاكم من محتلّ إلى محلّي. وللأمانة، لم يُحك عن نقصٍ في المال أو المواد لدى الحاكم المحليّ أعاق وصولنا إلى أرضٍ عادلة بحق جميع ناسها. بالعكس، تباهى الحاكم بالكثرة والوفرة في خزينة النصر الإلهي، ثم أكّدهما لبقية الشعب بينما الأخير يغرق في الانهيار الاقتصادي والأمني. الانهيار التام، صراحةً.

أتكون على هذا التردّي أحوال المجتمعات التي تريد أن تقاوم إسرائيل وتواجهها بنديّة؟ وإذا كان التمسك بحالة العداء موقعًا مشتهى ويعبّر عن قناعات الناس، فما الذي قامت به هذه السلطات «الوطنية» لتحصين الوطن ضد العدو وتهديد العدو معًا؟

خلال عقدٍ من الزمن، أثمرت الجهود الجبارة في تحرير فلسطين عن خطابات تؤكد الصلاة في الأقصى المحرّر قريبًا، بالتوازي مع تدمير خمس دول على الأقل، هي: العراق، سوريا، ليبيا، اليمن ولبنان. صارت الحياة في المنطقة المقاوِمة فاجعةً وصار الناس عاجزين تمامًا عن نصرة أنفسهم قبل العروبة أو فلسطين. من هذه الأراضي وفوق ركامها، أعلن قادة مقاومة إسرائيل انتصارات وتباريك وأخبار عظيمة. وها هو المحتل «أوهن من خيوط العنكبوت» يتخبط أمامنا. ولكن، في جردة التقييم بعد السنين، اتضح أن بلادنا ومجتماعاتنا هي التي صارت أوهن من خيوط العنكبوت، بينما العدو استقر في أرضنا، وهو ينافس العالم في مجالاته الحديثة. أما نحن فأشرف ناس وتليق بنا أطول كوساية.

بنتيجة عقود من مقاومة إسرائيل، «أنظروا إليها» تستمر وأنظروا إلينا نحتضر.

لهذه الأسباب بشكلٍ أساسيّ، أنفر من تأوهات الحزن وخطابات المكابرة. فهي تستمر في تغييب فلسطين الواقعية بينما تدّعي نصرتها. وهي، في أحسن الأحوال، ابنة وهمٍ آن لها أن تستفيق منه.. وفي أسوأها، هي تعرف ما تفعل وتلك هي نتيجة ما تفعله.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن