يومًا ما| خدماتجي
 
 
صورة: سهير شرارة
 

القصة الفائزة بالمركز الثاني في مسابقة يومًا ما للقصة القصيرة، والتي نظمها المركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة بالتعاون مع «مدى مصر». ووجهت فيها دعوة للكاتبات والكتاب أن يحاولوا ويحاولن «تخيل يوم سيحل على مصر، أو سيحل عليكم، في المستقبل القريب أو البعيد، يوم بإمكانه تغيير حياتكم أو قناعاتكم، يوم تتخيلون أنه سيكون الأهم في حياتكم، بإمكانه إحداث التغيير الأهم فيها، أو في نفوسكم وقناعاتكم». يمكنكم قراءة القصص الخمس الفائزة هنا

عادل

كانت شاشة بطاقتي مصدر الضوء الوحيد في ظلام المسكن الدامس، اقتربت ذبابة وحامت حولها، بيدي الحرة لوحت مرتين لطردها، ثم كتبت بطرف إصبعي على الشاشة «عطل يحتاج إلى فحص من فني كهرباء متخصص».

ضوء البطاقة كان كافيًا لرؤية يد السيدة الممتلئة المزينة بسوار كحلي، وهي تضرب صدرها ليغطي كفها البض شعار الوطن المطبوع على منتصف ردائها المنزلي الكحلي الرسمي.

«يالهوي؟ فحص متخصص؟ ليه بس يا أخويا؟ دي لمبة محروقة، اكتب عندك.. لمبة محروقة، اصرفولي لمبة وأنا أركبها بنفسي».

انضمت للذبابة أخرى، وعندما انطفأ نور البطاقة بعد أن وضعتها في جيبي لم تبتعدا، وإنما حامتا حولي. مضيت في اتجاه المخرج «انتِ عارفة يا زميلة الدنيا مابتمشيش كده، أنا ماليش دعوة، انتِ قدمتِ شكوى بعطل وأنا اتكلفت أكتب تقرير عنه، ولما يجي المتخصص يحل المشكلة».

عُبِّقَ الكوريدور الطويل خارج المسكن برائحة فضلات تنفس ألف شخص، مصابيحه كانت بين الميتة والمرتعشة، الأرض متسخة والحوائط مثلها. يشبه كوريدور الهيئة يومها، حين.. تُزين الحوائط رسومٌ لأعضاء جنسية ذكرية، لماذا لا توجد مثلها أنثوية؟ كنت سأحب أن أراها حتى لو كانت رسمًا على حائط.

«ياخـ… قصدي يا زميلي أنا ماقلتش عندي عطل، قلت عندي لمبة مكسورة وعايزة لمبة، وبعدين هما بعتوك بعد شهر من الشكوى، والكهربائي حايجي بعد شهر كمان، ويصرفولي اللمبة بعد شهر تالت، يرضيك أقعد 3 شهور في الضلمة؟».

مداخل المساكن تبدو كأفواه وحوش عجوز مفتوحة وقعت أنيابها. وقفت ذبابة على طرف سواري الأسود، حاولت قتلها، هربت.. استمرت السيدة في الحديث، صوتها مزعج ثقيل.

«طب وغلاوة الوطن عندك، اللمبة في الحمام عندي ضاربة بقالها سنة، سنة! وكل ما أقول نقدم شكوى شريكي يقولي عيب يا ولية، ما تشيليش الوطن أعباء أكتر ما هو شايل، علشانا يا ولية الوطن بيعاني عشان إحنا نعيش مرتاحين، مافيهاش حاجة لما نحسس لغاية ما نلاقي الكبانية.. بس لمبة الصالة هي الحاجة الوحيدة اللي كانت منورة.. اكتب ياخويا عشان خاطري، لمبة.. اصرفولها لمبة».

صدرت عن بطني أصوات، سمعتها واضحةً في أذني، هل سمعتها هي أيضًا؟ لا أظن، إنها غارقة بالكامل في ظلامها ولا تسمع مثلما لا ترى إلا مصباحها المكسور. هل يمكنني استغلال ذلك؟

«يا زميلة ماتعطلينيش، ورايا خدمة كمان شوية وماليش دعوة بكلامك ده كله، ماتدخليش غلاوة الوطن في كلامنا».

قد يؤدي بي هذا إلى مشاكل كثيرة، فأنا لست إلا سوارًا أسود، وهي سوار كحلي، تفوقني رتبة.

«معلش يا زميلي دانا غلبااااانة، غلبانة وحياتك والدنيا ضلمة، وبعدين هو في أغلى من الوطن أحلفك بيه؟».

لكن، رغم كحليتها فإنها في النهاية سوار غامق، لا تعلو عني كثيرًا، ثم أنها خارج مكتبها وأنا من أؤدي وظيفتي، ليست هي المتحكمة الآن. ثم إني.. ثم إني جائع.

«ما هو يا ست.. مش عارف أقولك إيه.. شكلك ست طيبة وتستاهلي الخير.. الكلام ده مايصحش بس.. أنا أعرف حد ممكن يخلص لك الحوار، بس يعني.. كلك نظر».

مع كلماتي أخرجت بطاقتي، لمستها فاستطالت وانفتحت على شاشة فحص العطل، لمست اسمي المكتوب في الركن لتتغير الشاشة إلى بياناتي الرئيسية على خلفية تحمل شعار الوطن.

الاسم: عادل_65458 – تاريخ الميلاد: 25 مارس 2215 – الوظيفة: عامل خدمات

التقييم: 2.95/5

السمات

سمات جسدية:

ذكاء: 40 نقطة قوة عضلية: 47 نقطة صحة: 33 نقطة

سمات معنوية:

سعادة: 20 نقطة راحة: 35 نقطة إرادة حرة: 42 نقطة 

دق قلبي بعنف، لم أفعل هذا من قبل، هل فهمت التلميح؟ لا يبدو ذلك، يتجسد على وجهها غباء العالم كله. نقاط الإرادة الحرة تناقصت حتى صارت 33 نقطة.

يتغير وجهها، يبدو أنها فهمت.

«رشوة؟!! عايز رشوة يا خدماتجي يا معفن؟ يا إسورررة سووووودا».

هل الذباب يسمع؟ تطير الذبابتان بيننا بنفس الأريحية رغم صوت المرأة الأقرب لدوي كسر حاجز الصوت الذي يصدر عن الطائرات العسكرية في العروض.. غمرتني رغبة عارمة في الجري والاختفاء فورًا من أمامها. بدأت العيون الفضولية المتعطشة للدراما تخرج من أفواه المساكن المفتوحة تتحرى سبب الصراخ، عيون فقط، لم يجرؤ أحدهم أن يخطو خارج مسكنه.

«يا ست ماقصدش، بالراحة بس..».

«عمالة أقولك ست غلبانة وقاعدين في الضلمة، وانت يا عرة المجتمع يا سواد الطين عايز رشوة؟ وعايزني أستنى شهرين؟».

ارتعشت ركبتاي. هل شريكها في الداخل؟ هل سيخرج ليضربني؟ هل هي ستضربني؟ أحا! لا أحب أن يضربني أحد، ليس مرة أخرى. لكن أنا من في موضع السلطة هنا، أنا ممثل الوزارة وهي مواطنة اعتيادية، سوار غامق ليس أكثر.

«جرا إيه يا زميلة، بتعترضي على قرارات الوزارة؟ مش عاجبك كلام الحكومة؟».

انطفأت فورًا، وكأن أحدهم نزع قابسها.

«لأ.. مش.. بس..».

«لا بس ولا مبسش، في إيه؟ شوية ضلمة مضايقينك؟ أمال اللي ماتوا وبيموتوا عشان تنامي انتِ وشريكك في بيتك متهنية دول يقولوا إيه؟ عالم معندهاش أصل».

اختفت في ظلمة مسكنها، لو كان لمدخلها بابًا لأغلقته، لكن بالطبع لا يُسمح للأساور الغامقة بوضع أبواب لمساكنهم، ماذا لديهم ليخفونه؟ المواطن الشريف لا يكتم سرًّا.

كنت أرتعش كقطة مبتلة..

«بتتفرج على إيه يا مواطن منك ليه؟».

عادت الأعين لمساكنها، لم يعد في الممر إلا أنا والذبابتان.

ززززززززززززز

هل تتحدثان عني؟

تنفستُ بعمق، حاولتُ التوقف عن الارتعاش، الكوريدور يذكرني بـ… وضعت بطاقتي في جيبي.. ولما شرعت في نزول السلم صدرت عن بطني أصواتٌ.

تحت ضوء الشمس أخرجت البطاقة مرة أخرى، وفتحتها على صفحة «تكليفات اليوم»، فتحت التكليف الثالث، في خانة التقرير كان ما كتبته ما زال هناك «عطل يحتاج إلى فحص من فني كهرباء متخصص»، ذهبت بسبابتي إلى مربع «تأكيد»، ترددت، تنهدت، مسحت المكتوب، كتبت «يُصرف مصباح كهربي اعتيادي»، ضغطت تأكيد. انخفضت نقاط الإرادة الحرة إلى 27.

«يا خدماتجي يا معفن، يا إسورة سودة».. سيدة سليطة اللسان، لكن لا بأس، ليست الوحيدة، فكل الأساور الكحلية يسبون عمال الخدمة ذوي الأساور السوداء، وكل الأساور الفاتحة يسبون الأساور الغامقة، هكذا كان الحال دومًا، ينقسم الناس تبعًا لألوان أساورهم، وعلى كل واحد أن يلزم حدود رتبته التي يحددها له النظام، فالنظام يعرف كل شيء، وما يختاره النظام هو الأفضل. ربما أمرُ عليها زائرًا بعدما يُصرف لها المصباح، ربما ستشكرني.

على الشاشة «التكليف الرابع: خدمة نظافة – الموعد: 2:00 م – اضغط هنا لمعرفة محل الخدمة». لمست الخانة الأخيرة لتظهر على الشاشة خريطة توضح اتجاهات السير، مشيت. الساعة الآن 1:58، من المستحيل أن أصل في موعدي، لكن لا بأس، يسري سيصبر ولن يبلغ عن تأخري، لكني بحاجة لأن أسرع قليلًا.

لكني جائع، والجوع كافر.

ماذا تعني «كافر» تلك على أي حال؟ لا أعرف ولا أظن أن هناك من يعرف، كل من يعرفون معاني هذه الكلمات التي تخبرنا رسائل الوزارة يوميًّا بوجوب تجنبها، ماتوا في الحرب الكبرى قبل مائة عام، ولكن تعبيرات مثل «الجوع كافر» و«إن شاء الله» وما إلى ذلك من كلام العجائز بقيت متداولة. لابد أن كافرًا هذه تعني صوت الأمعاء التي تنادي على الطعام. يجب أن أتحكم أكثر في عصبيتي التي توقعني في المشكلات، مشاجرتي مع الطباخ اعتراضًا على سوء حال الطعام كلفتني منعي من دخول «الميس» لعشرة أيام.

ربما بوسعي شراء شيء آكله، كم معي من النقاط؟

تأملت نقاطي في صفحة بياناتي الشخصية، كدت أحسب مجموع نقاطي الكامل لكني توقفت عندما تذكرت أن عملية حسابية كهذه ستكلفني عشر نقاط ذكاء على الأقل، لا أعاني من كثرة النقاط كما هو واضح، نقاط السعادة هي أكثر ما يقلقني، هي حائط الصد الأخير، إن فقدتها لا أنام. 

دعني أحاول التفكير في أشياء أخرى تلهيني عن الجوع، صور أفخاذ الفتيات العارية مثلًا التي وصلتني في نشرة الوزارة الصباحية اليومية، كم كانت رائعة. تُرسل تلك اللقطات لمن قدم طلب مجامعة رسميًّا ورُفض طلبه ثلاث مرات متتالية، على سبيل المساعدة على الصبر. هل يرسلون للفتيات اللواتي تُرفض طلباتهن لقطات لرجال عراة أيضًا؟ لا أعرف، لم أتحدث مع فتيات من قبل، ولا رجال كثيرين أيضًا، لم أتحدث إلا مع يسري ورفاق عنبر 137_ب_قطاع خدمة. كل قاطني العنبر تقريبًا يستيقظون قبل السابعة صباحًا بدقائق، ويفتح بث الوزارة في انتظار بدء النشرة الصباحية، قد تتأخر للسابعة والنصف إن كانت هناك بيانات مهمة مثلًا، ولكن عندما تبدأ فلن تدوم إلا ثلاث دقائق قبل أن ينقطع تدفق الصور، من الأفضل إذًن أن تبكر وتنتظر من أن تتأخر وتندم. من لم يلحق التسرية عن نفسه قبل انتهاء البث عليه أن يستكمل فعله اعتمادًا على مخيلته. كلنا ننتظر البث ونعتمد عليه، إلا رشدي_65771، الذي استطاع أن يكون مواطنًا أفضل وبلغ تقييمه أخيرًا 3.5/5، وقُبل طلبه للمجامعة ثلاث مرات، والآن وقد استوفى الشروط يمضي في إجراءات طلب الشراكة. يتوقع أن توافق الوزارة على طلبه سريعًا لسجله النظيف، على عكس سجلي، لكنه يقلق من أن الشريكة التي ستوفرها له الوزارة قد تكون غير جميلة. 

أظن أنني لو استطعت تقديم طلب شراكة، سأكون سعيدًا بالشريكة التي ستوفرها الوزارة أيًّا كانت، ألن تكون لديها الأعضاء الأنثوية؟ لا فارق إذن. لكن لا أظن هذا سيحدث أبدًا، أنا على وشْك بلوغ الثامنة والثلاثين من عمري، والوزارة لا تلق بالا لمن يطلبون الشراكة فوق الأربعين، كفاءتهم في إنتاج أفراد جدد تكون أقل، وتشكل شراكتهم عبئًا على الوزارة، ولا أظن تقييمي سيتحسن بما يكفي في العامين القادمين. لابد أن الجالسين أمام شاشات المراقبة يكرهون تلك اللحظة في كل صباح التي عليهم فيها مراقبة أربعين رجلًا يلاعبون أنفسهم على أسِرّة متجاورة. لكن أيُّنا – لحسن الحظ – لا ينتبه لرفيقه، كل منا يسعى لبلوغ متعته قبل انتهاء البث. أحيانًا أنجح في هذا وأحيانًا ينتهي العرض قبل أن أبلغها، حينها تخبرني النشرة أن بوسعي المتابعة ومشاهدة مقاطع طويلة عالية الجودة فقط مقابل خمسين نقطة، وهو فخ وقعت فيه ثلاث مرات هذا الشهر، وها أنا الآن جائع وليس لدي ما يكفيني من النقاط، والجوع كافر. مثلما توجد نقاط للذكاء والصحة والسعادة، لماذا لا توجد نقاط لإشباع المعدة وما أسفلها؟

«إيه التأخير ده كله يا زميل خدمة؟»

أفزعني الصوت المباغت وقطع تسلسل أفكاري، كنت على وشك الشروع في تبرير تأخيري عندما أدركت أن المتحدث هو يسري، يسري_55324، زميل عنبر وخدمة ويمكن بشيء من التجاوز اعتباره صديقي. كان يرتدي مثلي السوار الأسود وأفرول عامل الخدمات الأسود المتسخ من قضائه ساعات طويلة في خدمة النظافة، أعلى ذراعه اليسرى شعار النظام مُطرَّزًا بخيوط ذهبية، وأسفله كُتب في مستطيل ضيق «قطاع الخدمات»، كتفه خالٍ من الأشرطة، وعلى رأسه بيريه قديم متمزق في منتصفه الشعار، أين البيريه الخاص بي؟ نسيته! اللعنة، أتمنى ألا يصيبني تفتيش مفاجئ من سوار فاتح اللون خلال الخدمة. كان يستند إلى مقشة متآكلة الأطراف ويجر صندوق قمامة كالح اللون مكتوب عليه بحروف لا تُقرأ «قطاع الخدمات – نظافة». مضيت وأخذت من يده المقشة وترك لي طرف الصندوق، سحبت الصندوق وشرعت في الكنس دون أن أنبس بحرف.

«مالك يا ابن الفقرية؟ إيه الفقر اللي على وش أمك ده؟»

ظهري يؤلمني والكنس فعل مرهق، هل سأستطيع تحمل الخدمة ثماني ساعات متتالية؟

«مافيش يا يسري».

«عليا أنا الكلام ده؟ مالك ياله وشك مضلم كده ليه؟».

على كتفي استقرت ذبابة، وأمام وجهي طارت أخرى، هل هما الذبابتان نفساهما من وقت كشف العُطل؟ هل تبعتاني إلى هنا؟

«كنت في كشف عطل واتخانقت مع إسورة كحلي، ست وسخة لسانها زي الخرا».

ندت عنه ضحكة ساخرة قصيرة. 

«وده اللي مزعلك؟ ماحنا بنتخانق كل يوم وبنتضرب كمان، من إمتى ده بيضايقك؟ مالك يا عادل؟».

توقفت عن الكنس، درت حول نفسي ونظرت له مباشرة.

«جعان يا يسري، جعان».

«يا سلام؟ مانت طول عمرك جعان يا ابن المقشفة».

ابتسمت رغمًا عني، طوحت المقشة في حركة دائرية محاولًا إصابة صدره بها لكنه تراجع وتفاداها. الحركة المباغتة سببت ألمًا فوريًّا في ظهري المتخشب، بدرت مني صرخة ألم قصيرة حادة، كتمتها سريعًا عندما نظر ناحيتي سوار أصفر – كان يمر بالصدفة – في شك.

«أحسن.. تستاهل».

تجاهلت تعليق يسري، أخرجت بطاقتي، وبعد بضعة لمسات قالت الشاشة «استهلاك نقاط صحة«، كتبت 15 وضغطت تأكيد، فورًا ذهبت آلام ظهري وشعرت بليونة مفاصلي، ولكن أصوات بطني لم تسكت.

«وخدلك خمسة سعادة يفكو وشك المضلم ده».

شعرت بإغراء شديد مباغت، لمسة صغيرة على الشاشة ستجعلني أشعر أفضل كثيرًا، خمس نقاط لن تجعلني أرقص وأغني، لكنها بالتأكيد ستضمن لي أمسية باسمة. لكن.. لا، يكفي ما فقدته من نقاط على نشرات الوزارة، أحتاج لبقاء قطرات السعادة المتبقية في قاع عداد النقاط حتى نهاية الشهر. النقاط غير المستخدمة لن تسبب السعادة، لكنها تقوم بدور حائط الصد لنقيضها، الحزن. أعلم هذا لأني أشعر بهجومه الليلي، كل ليلة، وأرى عداد السعادة يتوهج وكأنه كرات دم بيضاء في مواجهة جراثيم الذكرى اللعينة، أعلم هذا لأني أذكر الليالي التي قضيتها في الشهرين السابقين بلا نوم بعدما فرغ عداد سعادتي. ربما كان بوسعي أن أتحمل قضاء بضعة أيام بلا نقاط سعادة مناعية من قبل، لكن ليس منذ ما حدث، ليس وذكراها تطاردني. 

«إبقى هاتلك حاجة تاكلها من المخبز».

لم أرد، استرق نظرة من عداد نقاطي قبل أن أعيد بطاقتي إلى جيبي.

«عايز نقط؟».

ابتسمت.

«روح يا يسري، ماتضيعش ساعتين النوم اللي مسموحين لك قبل تكليف المغرب».

رد الابتسامة بمثلها، ربت على كتفي ومضى. أي نقاط هذه التي تعرضها يا يسري؟ كلنا خدماتجية.

وحولي طارت الذبابتان.

رسميًّا، على المُكلف بخدمة النظافة أن يغطي عشر مربعات سكنية في فترة خدمته التي تتراوح بين ثماني واثنتي عشرة ساعة. إن مرَّ تفتيش رسميٌّ ووجد في نظافة محل الخدمة ما يعيب، أو حتى لاحظ أي مرتدي سوار فاتح عابر بالصدفة أي ملحوظة بخصوص نظافة الخدمة، يُعاقب فورًا المُكلف بالخدمة بخصم من تموين الشهر التالي لا يقل عن 10% من نقاطه، وقد يصل الخصم للنصف في بعض الأحيان. لكن فعليًّا، لا أحد يهتم. أماكن سكن ووجود الأساور الفاتحة مزودة بآليات نظافة أوتوماتيكية تتأكد من نظافة المكان طوال الوقت، فيستطيع عامل الخدمة المكلف الاعتماد طوال فترة خدمته على كفاءة الآلات التي تتقن عملها وتفوقه قيمة عشرات المرات. أما في أراضينا، نحن الغوامق، للقمامة مكان دائم ومضمون وربما مستحق، كانت هنا دومًا وستظل هنا بعدما نذهب، حتى يكاد يشعر الواحد منا بالذنب عندما يرفعها من مكانها. لذا يستريح عامل الخدمة في نواحينا مثلما يستريح في أراضي السادة، لن يأتي تفتيش فاتح مفاجئ، وحتى إن اشتكى ألف سوار غامق فلن يلتفت إليهم أحد. لكن للراحة حدود، فالأساور تحلل أنماط حركة مرتديها وتقارنها بما يفترض به أن يفعله، والتخاذل المستمر سيؤدي إلى مزيد من الانخفاض في التقييم. علاوة على ذلك، مخالفة التكليف المباشر والتوقف عن الكنس هو قرار، والقرارات بحاجة لنقاط إرادة حرة، وأنا لا أملك منها الكثير.

يتعلم الواحد منا، بعد نزع أساور المدارس الخضراء وتركيب الأساور الدائمة لكل واحد تبعًا لما اختاره له النظام، أن كل فعل هو قرار، وكل قرار يتطلب إرادة للتنفيذ، والإرادة بحاجة لنقاط، ونقاط الإرادة الحرة شحيحة. لذا يوجه للجميع في بداية حياته سلسلة من الأوامر الدائمة، تختلف حسب لون سواره، ما يجعل تنفيذها ليس إلا امتثالا لها، وهو ما لا يحتاج نقاط إرادة. 

يعود هذا الحل للمهندس كريم_23156، الذي كان قبل 10 سنوات مهندس متدرب في غرفة تحكم فرعية على أطراف العاصمة، الآن هو كبير مهندسي غرفة التحكم الرئيسية في مبنى الوزارة نفسه. وقتها كان الناس، عندما يستهلكون كامل رصيدهم من نقاط الإرادة، لا يجدون في أنفسهم قدرة على الخروج من أسرَّتهم في الصباح، ومات البعض من الجوع والعطش لعدم قدرتهم على الأكل والشرب بدون إرادة، وعندما كانت الوزارة توفر نقاط إرادة أكثر، كان الناس يستخدمونها في الأعمال المؤذية غير الشريفة التي تضر بزملائهم المواطنين وتسيء للوطن، مثل الأعمال الإجرامية والاعتراض على قرارات الوزارة. حينها تقدم المهندس الشاب بمشروع سجل الأوامر الدائمة، التي تتضمن أوامر مثل «استيقظ كل يوم في الساعة كذا، استخدم الحمام عندما تحتاج، تناول طعامك في مواعيد الطعام الرسمية، امتثل لأوامر من يفوقونك رتبة ما لم يخالف الأمر مصلحة الوطن،…. إلخ». 

وبين كل حين وحين يُرسل لكل فرد تحديث بالأوامر التي عليه أن يتبعها، تبعًا لتطور احتياجاته كما يراها النظام. كان المشروع ناجحًا لدرجة أن الوزارة حاولت بعد تطبيقه حظر نقاط الإرادة الحرة تمامًا، لكن هذا أدى لتعطل كثير من الأمور لحين إضافة الأمر المناسب في سجل التحديثات، وهو ما يتطلب المرور بسلسلة طويلة من الإجراءات وموافقات كبار المسؤولين، الذين يحتاجون لكثير من الوقت لبحث وتمحيص الأمر الجديد للتأكد من موافقته للروح العامة للوطن. لذا صار يُسمح لكل مواطن بعدد نقاط إرادة حرة بحد أقصى 150 نقطة تُخصم من مجموع نقاطه الكلي. المضحك أن كثيرًا من المواطنين حينها اتكلوا تمامًا على قائمة الأوامر الدائمة ولم يتسلموا حصة الإرادة المُصرح بها، وإنما استبدلوا بها مزيدًا من السعادة والصحة. ما أدى لصدور تحديث في قائمة الأوامر الدائمة يأمر المواطنين باستلام حد أدنى 50 نقطة إرادة حرة. 

كنت مثل الجميع لا أهتم بتلك النقاط وأنفقها بمجرد استلامها، حتى ذلك اليوم، عندما نادتني ولم… كانت النشرة الجنسية صباح اليوم مختلفة، اللقطة السابعة بالذات كانت أفضل ما رأيت منذ سنوات، لم أرَ نهدًا بهذه الحلاوة من قبل.

أثناء الكنس، أو أثناء محاكاتي لفعل الكنس، مررت أمام مدخل محل تحمل لافتته اسم «المنفذ الوطني لبيع المخبوزات القومية بوسط العاصمة». وفورًا هبت عاصفة من رائحة المخبوزات الطازجة، وكان هذا أقوى من قدرة أعصابي على التحمل. ربطت المقشة والصندوق بسلسلة معدنية معي مفتاحها في عمود قريب، حتى المقشات وصناديق القمامة تُسرق وتباع هذه الأيام، وكلاهما عهدة عليّ تسليمها لزميل الخدمة التالي، الحذر واجب.

دخلت، كانت أنواع المخبوزات المختلفة تملأ الأرفف، فوق كل منها يطفو سعرها بأرقام ثلاثية الأبعاد متوهجة، (75 نقطة، 46 نقطة، 90، 66، …..). أخرجت بطاقتي وتأملت أرقامها مرة أخرى، مازال العدد مثلما كان آخر مرة، لن يرتفع بطريقة سحرية ما، مثلما لن تمتلئ بطني كذلك. قبل أن أخرج حاملًا خيبة أملي لمحت في رف بعيد مهمل بقايا خبز من أيام سابقة، سعر القطعة 20 نقطة، لا يبدو مغريًا للأكل أبدًا، ولكن أظنه صالحًا لذلك، أصوات بطني تتابع تذكيري أني لا يوجد أمامي كثير من الخيارات. 

أخذت قطعة وتوجهت لمنضدة البيع في الركن، عليها كان ينام البائع مستندًا إلى ساعديه، رأسه مكشوف نصف أصلع، وبجواره بيريه كحلي بلون أفروله وسواره، على كتفه كان هناك شريط، وتحت شعار النظام المطرز كُتب «تغذية». على الحائط خلفه كان شعار الوطن كبيرًا متألقًا. 

بعد عدة لمسات كُتب على شاشة بطاقتي «تحويل قوة عضلية: 20 نقطة. باقي: 27 نقطة«، بإصبع متردد وكزت البائع مرتين ليستيقظ، رفع رأسًا ناعسًا متسائلا، قدمت البطاقة إليه وأشرت بيدي الأخرى إلى قطعة الخبز، ألقى نظرة على الشاشة، هز رأسه مرتين وقال «سعادة»، وعاد ليدفن رأسه بين ذراعيه.

«إيه؟»

أجاب دون أن يرفع رأسه فجاء صوته مكتومًا: «بناخد نقط سعادة بس».

خراء.

«إزاي؟ القانون بيقول أني أشتري بالنقط اللي أنا عايزها».

لم يرد.

«انت بتعمل كده عشان تبدل النقط بعد كده من الخزنة بنقطك، أنا حاقدم فيك شكوى، أنا حافضحك وأوديك في ستين داهية».

فقدت أعصابي مرة أخرى على من يفوقني رتبة، ها قد نقصت 10 نقاط إرادة أخرى في سبيل اللاشيء. إضافة إلى أن بوسعه أن يشكوني مثل طباخ الميس من قبل. رفع البائع رأسه، تأملني بنظرة راح منها النوم وحل محله الاستنكار، نهض، كان أقصر مني ولكنه بدا أطول مرتين، وضع البيريه الكحلي على رأسه في إحكام. 

«راسك مكشوف ليه يا عامل خدمة؟».

تحسست رأسي المكشوف وكأني أداريه بيدي، لم أنبس بشفة. تابع «بناخد نقط سعادة بس».

«بس أنا معيش غير الـ20 دول لآخر الشهر، و… انت مش فاهم، أنا محتاجهم، محتاجهم فعلًا».

لم يبدُ أنه سمعني، عاد لجلسته وعاد رأسه إلى مستقرّه السابق. وطبقًا للأمر رقم 62 من سجل الأوامر الدائمة قسم قواعد المعاملات التجارية، أعدت قطعة الخبز لمكانها مثلما كانت من قبل. ولملت خيبتي وجوعي وحماقتي، وخرجت.

تناولت المقشة والصندوق، تابعت محاكاة الكنس، دارت محادثة طويلة لم أفهم منها شيئًا بين أصوات بطني وأزيز الذبابتين اللتين صارتا من أقرب أصدقائي، حتى أكاد أجزم أن بوسعي تفريقهما عن مئات أخرى. طفت حول المخبز مرات عدة، وفي المرة الأخيرة ألقيت المقشة بجوار الصندوق ودخلت. 

قالت شاشة بطاقتي «تحويل سعادة: 20 نقطة. باقي: 0 نقطة»، تناولها البائع وقرنها بالشاشة التي تحمل شعار النظام في المحل، وعندما انطلق صوت إتمام التحويل أعادها لي وأومأ برأسه لي أن أذهب.

عندما جلست على الرصيف أمام المخبز جوار صندوقي ومقشتي، شرعت في الأكل، وعلى كتفي استقرت ذبابتاي، ولعبت الذكرى نفسها في مخيلتي كفيلم طويل أعلم أنه لن ينتهي قريبًا. ومن عيني نزلت الدمعة الأولى.

يسري

عادل؟ عادل شخص كويس، أحمق إلى حد ما، سريع الانفعال، لكنه شخص كويس. لكنه ليس بخير منذ ذلك اليوم.

ماذا حدث؟ ألا تعلم؟ كيف هذا؟ من أين جئت؟ كل أفراد العنبر يحكون عما حدث لعادل طوال الوقت، الكل إلا عادل بالطبع الذي تحميه نقاط السعادة من التذكر؛ كل منا يحمل حملًا تنسيه إياه نقاط السعادة فلا يشعر إلا بثقل مبهم على ظهره، ما إن يفقد هذه حتى يقع بحمله ويسوي به الأرض. على أي حال لم يكن ما حدث معه استثنائيًّا، فهي أمور تحدث طوال الوقت.

كان هذا قبل شهرين أو ثلاثة، عندما كان مكلفًا بخدمة نظافة في مبنى حكومي ما. يومها جاءته أخته، كان اسمها وفاء أو ولاء، لا أذكر. كان يتحدث عنها كثيرًا من قبل، طالما قال إنها شخص لطيف يطمئن عليه باستمرار، وكيف كان سعيدًا لها عندما قبلت الوزارة طلب شراكتها وتمنى لها الخير. جاءته أخته في ذلك اليوم في محل خدمته، كانت مريضة، لم تحتج لقول هذا، لو كان للمرض شكل فهي كانت على ذلك الشكل، ومع ذلك قالت له:

«عادل.. أنا عيانة».

«عادل.. أنا عيانة».

كان يمسح الحائط بخرقة تزيده اتساخًا، لم يلتفت لها.

«عادل.. أنا بموت. الكشف قال إني محتاجة 75 نقطة صحة بس عشان أخف، بس أنا معيش، خلصتهم».

«عادل.. رد عليا أرجوك، قدمت التماس بنقط استثنائية عشان المرض، وافقوا على الالتماس والنقط حاتنزل الشهر الجاي، بس الكشف بيقول إني محتاجة النقط بسرعة، الكشف بيقول إن قلبي بينهار».

«عادل.. رد عليا، محتاجاك».

لكنه لم ينظر حتى تجاهها، عيونه مثبتة على الحائط المتسخ وكأن بينهما حاجز غير مرئي، ظلت واقفة في مكانها دقائق.. يئست.. استدارت.. ذهبت.

وقبل أن تبلغ نهاية الممر كانت قد وقعت ميتة.

كان معه ما تحتاجه من نقاط صحة، وكان سيعطيها لها عن طيب خاطر. لكنه كان يؤدي خدمته، والأمر رقم 17 من سجل الأوامر الدائمة قسم قواعد التكاليف يقول «يُمنع الانخراط في أحاديث وتعاملات جانبية مع عموم المواطنين أثناء الخدمة». لم يكن أمرًا ذا أهمية عالية، ويمكن تجاوزه بأقل من عشر نقاط إرادة حرة، لكن رصيد عادل من الإرادة وقتها كان: صفرًا. 

اعلان
 
 
محمد أ. جمال 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن