دليل المواطن لفهم «موازنة المواطن»: «ما تدخلنيش في التفاصيل»
 
 
المصدر: وزارة المالية
 

كيف تهرب من زحام التفاصيل بحثًا عن الصورة الكاملة؟ ومتى تبحث عن التفاصيل غير المروية التي قد تجدها فتغير نظرتك لتلك الصورة الكاملة؟ هذا هو مفتاح قراءة موازنة المواطن، الوثيقة «المبسطة» التي أصدرتها وزارة المالية قبل أيام للسنة السابعة على التوالي للموازنة الحالية (العام المالي 2020-2021) توجهها لغير المتخصصين.

للوهلة الأولى، يبدو إصدار موازنة المواطن في حد ذاته كفيلًا باطلاع المواطن غير المتخصص على السياسات المالية وعملية جمع الموارد العامة وتخصيصها، بما يكفل له اتخاذ موقف بقبول تلك السياسات أو رفضها. لكن الأمر أعقد من هذا بعض الشيء. فموازنة المواطن، ربما لدواعي التبسيط، تتجاهل بعض الجوانب التي تساعد على فهم الصورة الكاملة. كما أنها في المقابل، مزدحمة بتفاصيل أخرى قد تجعل الصورة الإجمالية لسياسة الإنفاق والإيرادات غائمة. لهذه الأسباب، أعددنا لكم هذا الدليل للإجابة على السؤال الأساسي: «الفلوس جاية منين وعلى فين؟».

لماذا تصدر الحكومة موازنة المواطن أصلًا؟

تصدر وزارة المالية موازنة المواطن ضمن التزاماتها نحو «شراكة الموازنة الدولية»، وهي منظمة دولية غير هادفة للربح تهدف لضمان أكبر قدر من الإفصاح والشفافية بشأن الموازنات العامة. وفي مقابل التزام الحكومة المصرية بمعايير الإفصاح وشفافية الموازنة، يتحسن تصنيفها بناءً على «مسح الموازنة المفتوحة» الذي تصدره الشراكة. ويُظهر الشكل التالي تحسن درجة الشفافية الممنوحة لمصر بناءً على هذا المسح الذي تجريه الشراكة كل سنتين. 

المصدر: شراكة الموازنة الدولية

وترتبط الدرجات الممنوحة لأي بلد، من جانب، بصدور وإعلان ثماني تقارير متعلقة بالموازنة في توقيتات معينة من العام، بدءًا من البيان المالي التمهيدي، ومرورًا بمشروع الموازنة، ثم الموازنة المقررة، وموازنة المواطن، والتقارير الشهرية، وتقرير نصف العام، والحساب الختامي، وصولًا لتقرير المراجعة (تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات حول الحساب الختامي). 

وتعترف سارة عيد، رئيسة وحدة الشفافية والمشاركة المجتمعية والمتحدثة الرسمية لشؤون الموازنة بوزارة المالية، بأن لسرية تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات حول الحساب الختامي للموازنة العامة، تأثيرًا سلبيًا على الدرجات الممنوحة لمصر. «لكن أي تعديل في هذا السياق يكفل الإعلان عن التقرير يستلزم تعديلًا تشريعيًا في قانون الجهاز المركزي للمحاسبات»، تقول، «لكننا [وزارة المالية] فتحنا نقاشًا مع أعضاء في البرلمان حول إمكانية الإعلان عن التقارير البرلمانية الصادرة بشأن نتائج مناقشة تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات»، كما أوضحت.

مفاتيح أساسية لقراءة موازنة المواطن

لفهم توزيع «الأموال» في الموازنة، ينبغي أولًا أن نعرف أن تصنيف الموازنة يقوم على نوعين أساسيين من التصنيفات: الاقتصادي، والوظيفي (بالإضافة للتصنيف الإداري الذي يمزج بين التصنيفين الأساسيين).

وفقًا لدليل تصنيف الموازنة العامة للدولة، الصادر عن وزارة المالية، يعتمد التصنيف الاقتصادي على تصنيف الموارد وفقًا لطبيعتها والهدف منها (مرتبات، وسلع وخدمات، وفوائد، ودعم ومنح، إلخ). فيما يعتمد التصنيف الوظيفي على تقسيم المصروفات وفقًا للوظائف التي تستهدف الحكومة تحقيقها (دفاع، أمن، بيئة، إسكان، صحة، تعليم، إلخ).

بعد معرفة التقسيم الاقتصادي للمصروفات، يمكنكم ملاحظة أن النسبة الأكبر من المصروفات موجهة لفوائد القروض، لكنكم لن تجدوا أثرًا للمصروفات على سداد القروض نفسها. ولا يعقل أن تتولد فوائد دون قروض، ولا أن تقترض الدولة قرضًا دون تخصيص أموال لسداده.

لفهم هذا، يجب التفرقة بين مفهومين: «المصروفات» و«الاستخدامات».

تشمل المصروفات ستة أبواب هي: الأجور، شراء السلع والخدمات، الدعم، المنح والمزايا الاجتماعية، المصروفات الأخرى، الاستثمارات. بينما تمثل الاستخدامات مفهومًا أكثر شمولًا. فبالإضافة للأبواب الستة المذكورة، تشمل الاستخدامات كذلك مخصصات سداد القروض وحيازة الأصول المالية (أي مساهمة الموازنة في مشروعات مملوكة للدولة كالهيئات الاقتصادية أو بعض شركات قطاع الأعمال العام).

لفهم الصورة على نحو أوضح، طالعوا الشكلين التاليين. هناك كعكتان: الصغيرة هي المصروفات، الكبيرة هي الاستخدامات. الكعكة الصغيرة ستخبركم جزءًا من الحقيقة، وهو أن 33% من المصروفات محتجز لسداد فوائد الديون. أما الكعكة الكبيرة فستخبركم أن نحو 50% من الموارد المتاحة محتجز لسداد القروض والفوائد معًا. لن تجدوا الكعكة الكبيرة في موازنة المواطن، لهذا تذكروا، حين ترون الكعكة الصغيرة، أن هناك كعكة أكبر في البيان التحليلي للموازنة العامة.

المصدر: البيان التحليلي للموازنة العامة وموازنة المواطن

من أين تأتي الحكومة بالمال؟

في مقابل «كعكتي» الإنفاق، هناك كعكتان أخريان للتدفقات المالية التي يفترض أن تغطي هذه النفقات: الإيرادات والموارد. كعكة الإيرادات التي تتكون من الضرائب وإيرادات أخرى (معظمها من عوائد الدولة من ممتلكاتها) والمنح. في المقابل، تتكون كعكة الموارد من كل ما سبق، بالإضافة إلى «المتحصلات من الإقراض ومبيعات الأصول المالية»، وهي إيرادات تصل للخزانة العامة من جهات حكومية تسدد قروضًا كانت قد اقترضتها من الخزانة العامة، بالإضافة للإيرادات من بيع أصول غير إنتاجية، كما يبدو من الشكل التالي. 

المصدر: موازنة المواطن والبيان التحليلي

يعتبر مفهوم الموارد أشمل من مفهوم الإيرادات بطبيعة الحال. رغم هذا، ستلاحظون أن موازنة المواطن استبعدت مفهوم الموارد واكتفت بـ«الإيرادات» فقط.

بعد معرفة هذه الفروقات، يمكننا فهم مفهومين ضروريين. الأول هو العجز النقدي، أي الفرق بين المصروفات والإيرادات. الثاني هو الاحتياجات التمويلية، أي الفرق بين الاستخدامات والموارد، وتمثل كل ما تحتاج الموازنة إنفاقه ولا تتوفر له موارد كافية لتغطيته.

المصدر الوحيد لتغطية هذه الاحتياجات هو الاقتراض، والذي يصل إلى 987.6 مليار جنيه في موازنة العام الحالي. يعني هذا أن الاقتراض يمثل أكبر مصدر من مصادر التمويل في الموازنة العامة، إذ يتخطى المصدر الرئيسي للإيرادات، وهي الضرائب، والتي تبلغ 964.8 مليار جنيه، تبعًا لموازنة المواطن.

هذه هي فخاخ الموازنة العامة.. فكن على حذر

أهم فخ في الموازنة هو قراءة الأرقام بدلًا من النسب. حاولوا قدر الإمكان ألا تنخدعوا بما تثيره الأرقام الكبيرة. الأرقام لا تعني شيئًا طالما لا تُقاس بالنسبة لأرقام أخرى. على سبيل المثال، يبدو رقم 34 مليار جنيه رقمًا ضخمًا كزيادة في مخصصات الأجور الحكومية في موازنة العام الحالي، قياسًا بمخصصات العام الماضي. لكن هذا الرقم يكتسب معناه فقط حين تسأل عددًا من الأسئلة: كم تبلغ نسبة الزيادة في مخصصات الأجور قياسًا للعام الماضي؟ هل النسبة هذا العام أكبر أم أقل من نسبة الزيادة في مخصصات الأجور العام الماضي قياسًا للعام السابق عليه؟ تمثل هذه الزيادة 11.25%. هذه هي الإجابة على السؤال الأول. لكن هذه الزيادة أقل من زيادة مخصصات الأجور العام الماضي -قياسًا للعام الأسبق- إذ بلغت الزيادة في العام الماضي 13% تقريبًا. هذه هي إجابة السؤال الثاني. يمكنكم أن تستنتجوا إذًا بعض التراجع في نمو الأجور، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الارتفاع في مخصصات الأجور، أو غيرها من المخصصات، قليلة أو طفيفة أو حتى كبيرة. فهناك معيار أساسي هنا يجب أن يوضع في الاعتبار وهو معدل التضخم.

هذا هو الفخ الثاني الذي ينبغي عليكم تجنب الوقوع فيه. فالقول إن هذه الزيادة أو تلك قليلة أو كثيرة، لا يمكن أن يتم دون خصم معدل التضخم المتوقع في العام المالي الذي تغطيه موازنة المواطن من نسبة الزيادة في الإنفاق. لنعود إلى نفس المثال، وهو مخصصات الأجور التي ارتفعت بنسبة 11.25% كما سبقت الإشارة. إذا خصمنا منها متوسط معدل التضخم المستهدف في العام المالي، وهو 9%، سيعني ذلك أن النمو الحقيقي للأجور يبلغ 2%. يُفترض أن التضخم يتسبب في «تآكل» قيمة أي زيادة في الإنفاق، أي أن الأجور ستفقد قيمتها بنسبة 9%، وفقًا لهذا السيناريو. وبالتالي فإن الزيادة الحقيقية في الأجور هي الزيادة التي تتجاوز متوسط التضخم.

الفخ الثالث هو الوقوع في أسر التفاصيل. احذروا التفاصيل التي قد تُغيب الصورة الإجمالية، التي ينبغي أن تقودكم أولًا لفهم أولويات الحكومة في تخصيص الموارد بناءً على نسب الزيادة في الإنفاق وعلاقتها بالتضخم، كما سبقت الإشارة. هذا ضروري قبل الانزلاق إلى قراءة طويلة في الإجراءات التي اتخذتها الحكومة أو تنوي اتخاذها. فيما يتعلق بنفس المثال، باب الأجور، والذي يشمل قائمة طويلة من الإجراءات من قبيل «تحسين دخول الموظفين والعاملين بالجهاز الإداري للدولة من خلال إقرار حافز شهر إضافي»، «استكمال تحسين دخول العاملين والموجهين بمرحلة رياض الأطفال والصف الأول والثاني الابتدائي (حافز تطوير التعليم قبل الجامعي)»، «تمويل حركة الترقية للمستوفين اشتراطات الترقية في يوليو»، «منح علاوة دورية بنسبة 7% من الأجر الوظيفي في 30 يونيو 2020 للموظفين المخاطبين بقانون الخدمة المدنية» و«منح 12% من المرتب الأساسي في 30 يونيو 2020 للعاملين غير المخاطبين بقانون الخدمة المدنية». كل هذه الإجراءات أُعلنت بالفعل في بيانات رسمية وتناولتها وسائل الإعلام -خصوصًا المقربة من الدولة- مرارًا قبل نشر موازنة المواطن، وستقودك قراءتها ضمن موازنة المواطن إلى لا شيء تقريبًا.

وسواءٌ كنتَ تتفق مع هذه الإجراءات أو لا تتفق معها، فلا يجب أن تنشغل بمراجعتها، أثناء قراءة موازنة المواطن، عن قراءة إجمالي المصروفات وتوزيعها مقابل إجمالي الإيرادات وتوزيعها.

ما هي معايير العدالة في الموازنة؟

يمثل الإنفاق على الصحة والتعليم -وفقًا للتصنيف الوظيفي- أبرز معايير العدالة الاجتماعية في الموازنة العامة. ومن الملفت أن وثيقة موازنة المواطن هذا العام تضمنت جدولًا بالتقسيم الوظيفي للمصروفات يستبعد الصحة والتعليم. ومن ثم، فإن تتبع هذا المعيار العام للعدالة يستلزم منكم إلقاء نظرة على هذه المخصصات كما ذُكرت في البيان التحليلي للموازنة العامة. 

يوضح الشكل التالي تطور معدل نمو الإنفاق على الصحة والتعليم مقابل معدل التضخم، ويتضح معه تحسن كبير في الإنفاق الحقيقي على الصحة والتعليم في العام الحالي.

المصدر: موازنة المواطن والبيان التحليلي للموازنة

وبالرغم من التحسن الكبير، إلا أن الإنفاق على الصحة والتعليم يمثلان أقل من نصف الاستحقاق الدستوري كما سبق ورصد تقرير لـ«مدى مصر». وينص الدستور على أن تلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومى للتعليم لا تقل عن 6% من الناتج المحلي، وتخصيص نسبة لا تقل عن 3% للإنفاق على الصحة. 

لسبب ما، لم يتطرق التصنيف الوظيفي في موازنة المواطن من حجم الإنفاق على الصحة والتعليم. بينما جاءت الإشارة إليهما تحت تصنيف آخر مستحدث لا أصل له في دليل وزارة المالية لتصنيف الموازنة المصرية، يتوسع في تعريف الإنفاق على الصحة والتعليم على نحو يسمح بتضخم مخصصاتها كي تستوفي الاستحقاقات الدستورية، عبر إضافة كل ما يمكن أن يخصص لغرض التعليم أو الصحة من قبل جهات أخرى غير وزارات الصحة والتربية والتعليم والتعليم العالي، بما في ذلك الإنفاق على فوائد الديون التي اقترضت للإنفاق على الصحة والتعليم.

سارة عيد قالت لـ«مدى مصر» إن موازنة المواطن صدرت على عجل «لأن وزارة المالية ملتزمة بإصدار موازنة المواطن بعد 90 يومًا على الأكثر من تمرير الموازنة من مجلس النواب، وتسبب تمرير الموازنة في وقت مبكر نسبيًا هذا العام في تعجل الوزارة في إصدار موازنة المواطن، ما اضطرها لتجاوز بعض بنود التصنيف الوظيفي، لكن سيتم معالجة الأمر لاحقًا عبر إصدار بعض البيانات التوضيحية».

ما الذي يجب أن تتجاهله عند قراءة الموازنة المبسطة؟

الأوصاف المستخدمة لوصف الإجراءات والسياسات التي تنفذها الحكومة ليست محايدة، ولا تمثل مدخلًا موضوعيًا يسمح بالتعرف بشكل حقيقي عليها واتخاذ موقف موضوعي منها. على سبيل المثال، من المعتاد تمامًا أن تصف كل الموازنات المتعاقبة -بلا استثناء تقريبًا- نفسها بالانحياز للعدالة الاجتماعية، وموازنة المواطن هذا العام ليست استثناء.

تجاهلوا الأوصاف عمومًا، لأنها لن تضيف إلا المزيد من التعقيد وتشتيتك بعيدًا عن المضمون الأساسي الذي ينبغي عليك تعقبه: الإنفاق مقابل المورد. إلى أين تذهب الأولى؟ ومن أين تأتي الثانية؟

اعلان
 
 
بيسان كساب 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن