سابع مدى| تاريخ آلهة مصر
 
 
المصدر: عمر مصطفى
 

ما الذي يدفع إلهًا مثلنا للقيام بعملٍ حقيرٍ كالكتابة؟

نتذكَّر جيدًا حدثًا مهمًّا من فترة طفولتنا، كنا حينها نعيش مع والدينا وإخوتنا في منزل صغير بحي عريق من أحياء العاصمة. حرص أبونا على تعليق تماسيح صغيرة محنَّطة على جدران البيت، وزَّعها على الغرف وكأن الواحد منها شرط للعيش في المكان، كانت كلها تماسيح صغيرة إلا المعلَّق على جدار الصالة، كان أكبرها حجمًا، طوله يزيد قليلًا عن المترين وبطنه أعرض من بطون البقية كأنه كبيرهم. ربما كانت تلك عادة قديمة اكتسبها من سنوات طفولته البعيدة، تمتُّ بصلة إلى بلدته القديمة في الجنوب. وكما يتغيَّر كل شيء، بدأت ملامح التغيُّر في بيتنا المستقر عندما انتشرت رائحة كريهة في أحد الأيام، لم يدرك أبونا أو أمنا أو أحد إخوتنا مصدرها، نتذكَّرهم أثناء دورانهم في الشقة يتشمَّمون الأركان وما خلف الكراسي والأسرَّة وكل المواضع المختفية. وبالمصادفة اقترب أبونا من التمساح الأكبر المعلَّق على جدار الصالة ليكتشف أن الرائحة تنبعث منه.

أخذت عملية التعفن حتمية الحدوث تثير فكرنا منذ تلك الحادثة، تعجَّبنا لرغبة البشر في تخليد أي شيء حي، لم نفهم سبب الحفاظ على جثث تماسيح معلَّقة على جدران البيت، أيضًا لم نفهم ضرورة بذل العناء المتمثِّل في اصطياد تمساح ثم قتله ثم تحنيطه، والعملية الأخيرة لا بد أنها شاقة بالغة التعقيد. أكان أجدادنا يعبدون التماسيح؟ أكان الحفاظ عليها هكذا معلقة نوعًا من الإيمان بألوهية تمساح كبير هائل يطير في السماء؟ أم أن كل تمساح كان إلهًا على الأرض في وقت ما؟

نتذكَّر ونفكِّر اليوم، ونحن نكتب هذه المقدمة، في غضب أبينا وحزنه حينما علم بأن جثة التمساح قد بدأت تتعفن، غضبٌ كهذا لم يكن غضب جامع تحف تعرَّضت تحفته الأثيرة للتلف، بل – كما نظن – غضب عابد فوجئ بما يعبده وقد اعتراه الفساد.

بالطبع، لم يكن أبونا ليعلن قَطُّ عن عبادته لتمساح أجوف محنَّط، في ذلك الوقت كان عصر الظلام قد انتهى إلى الأبد منذ زمن بعيد جدًّا، وكان ضعاف النفوس – مثل أبينا وأمنا – لا يزالون متشبِّثين ببقايا الماضي السحيق ذاك، بتفاصيل عصر الظلام الكئيبة، حتى وإن لم يعيشوا في ذلك العصر قَطُّ، لكنهم ورثوا تلك التفاصيل بعد أن نُسيت أصولها مع مرور السنوات، ويبدو أن أبانا لم يدرك تمامًا أنه كان يعبد التمساح المعلق على الحائط، وأن غضبه ذاك ناتج عن تحطُّم صورة إلهه في عقله.

لم يشرح لنا أبونا سبب غضبه الشديد ومات بعد تلك الحادثة بأيام، ولذلك رأت أمنا أن موته مرتبط بشكل ما بتعفن التمساح، هذا الربط بين حادثين منفصلين، هو ربط غامض غير مفهوم بالنسبة لنا الآن، لم يكن مفهومًا أيضًا حينما مات أبونا منذ سنوات عدَّة، لكن يبدو أن عائلتنا كلها كانت تحتفظ بتلك المفاهيم القديمة، الرابط الغامض ينتمي إلى ما سُمِّي في زمن بعيد جدًّا «الغيبيات»، وهي أشياء لم يدركها الناس ولم يفهموها ولم يجدوا أي دليل على وجودها، لكنهم آمنوا بها كقوى مؤثِّرة على حيواتهم. أمُّنا لم تكن تتكلم كثيرًا معنا، كانت تعاملنا على أننا طفل مع أننا كنا – حين مات أبونا – في الخامسة عشرة، لم تشرح لنا لم آمنت بعلاقة ما بين تعفُّن التمساح ووفاة أبينا، ثم انتهى كل شيء عندما كبرنا ودخلنا كلية الآداب وصار لنا قدر كبير من الاستقلالية.

لكننا لا نكتب مقدمة عمل أدبي يحوي ذكريات عن عائلتنا وحياتنا قبل الألوهية، بل مقدمة كتاب تاريخي.

المصدر: عُمر مصطفى

فكرة هذا الكتاب جاءتنا عندما كنا لا نزال مؤرخًا إلهيًّا في القصر الإلهي، ففي أحد الأيام البعيدة جدًّا كنا نتمشى بين زحام هائل من البشر في شارع خيزو الأول في قلب العاصمة الجديدة 9، عندما سقط تمثال خايرو الفلاح على الأرض وتحطَّم، ودفن عددًا صغيرًا من الناس تحته، ظننا حينها أنهم ماتوا جميعًا، لكن صرخات أحد المدفونين تحته أكدت عكس ما ظننا، تحرَّكنا مسرعين نحو موضع الحادث، ورأينا نصف الرجل السفلي عالقًا تحت حطام التمثال بينما نصفه العلوي ظاهر لنا، كان الرجل يصرخ وينطق بكلمات مجنونة غاضبة؛ شتم الآلهة أقذع الشتائم، نطق بكلام لا يصحُّ أن يُقال أو يُعاد ذكره هنا، كُفريَّات صريحة بلا جدل، ولما رآنا هدأ قليلًا، وعندما اقتربنا منه لاحظنا عينيه تثبتان على الدبوس الإلهي الذهبي المثبت في عروة الجاكيت الخاص بنا، كان الدبوس علامة مميزة لكل من يعمل في القصر الإلهي، هدأ الرجل تمامًا، ثم قال لنا بصوت متحشرج يفتر رويدًا رويدًا إن المصريين لم يؤمنوا بتلك الآلهة قط، بل كانوا يسخرون منها طوال الوقت، وظلوا على إيمانهم بآلهتهم القديمة على الرغم من كل ما حدث، وإن يومًا سيأتي على المصريين فيكسرون خوفهم ويحطمون كل تلك التماثيل بأيديهم، قال أيضًا إن جميع المصريين لا يشعرون نحوهم سوى بالاحتقار. توقف الرجل عن الكلام فظننا أنه انتهى، لكنه بعد مدة قصيرة قال بصوت ضعيف إنه يقول لي ذلك لأنه يعلم أني لن أستطيع عقابه، وإن الموت هو التحرر الوحيد الممكن من مجموعة المجانين الذين يظنون أنفسهم آلهة، ثم أشار إلينا بسبابته إشارة ضعيفة وقال: «أنتم».

ولا بد أنه كان يقصد بما قال (أننا لن نستطيع عقابه)، أننا لن نبلغ عنه ونطلب اعتقاله ولن نشهد في المحكمة أننا سمعناه يقول تلك الكلمات، ولن نراه وهو مكبَّل بالحبال مثقَّل بصخرة يُرمى من قارب إلى قاع النيل. لقد كان دافعه لقول ذلك الكلام انعدام إيمانه بآلهة مصر، وبالتأكيد كان هذا الرجل أحد المصريين القلائل – في وقته – المؤمنين بأحد آلهة عصر الظلام، الآلهة التي بذل أغلب المصريين أكبر مجهود للخلاص منها ونسيانها، وحتمًا كان كلامه الأخير مجرد هلاوس من شخص بائس لم يتمتع بحلاوة الإيمان بآلهة مصر، شخص حزين يعلم أنه سيموت خلال ثوانٍ.

في تلك اللحظة البعيدة، والرجل ممدد أمامنا ميتًا، تذكَّرنا أبانا وتماسيحه.

مضينا بعيدًا عن جثمان الرجل ونحن نفكر فيما يمكن فعله، كانت تماثيل الآلهة موزَّعة بحساب على جانبي الشارع، بالوقفة الإلهية الصحيحة؛ الرأس مرفوع يواجه الأفق، الجسد منتصب، الساقان مستقيمتان، الذراعان ملتصقتان بجانبي الجسد، الكتفان عريضتان والقبضتان مضمومتان. تأملنا التماثيل العديدة، أكثر من مئة تمثال للآلهة الأربعة. وفجأة، في ذلك الزمن البعيد، التمعت فكرة هذا الكتاب في رأسنا.

المصريون ينقصهم الإيمان الحق، قد يكون بعضهم مؤمنين بما سمَّاه أهل عصر الظلام «الأديان»، الشيء الذي ضيَّع البشرُ الكثير جدًّا من الوقت والمال والمجهود والأرواح للتمسُّك به، وضيَّعوا ما هو أكثر للخلاص منه. وللأسف، تسرَّبت بعض عقائد وطقوس تلك الأديان إلى المصريين عن طريق أجدادهم وآبائهم. قد تفكِّر أيها القارئ أن المصريين نبت ضارٌّ كافرٌ، لكننا لم نفكر مطلقًا في ذلك، فبعد كل ما قام به آلهة مصر لم يبقَ أي نبت ضار على أرض مصر.

نحن نكتب هذا الكتاب لتذكير المصريين بما حدث في عصر النور، ولنخبر باقي البشر بالأحداث نفسها، لكي نخرج جميع البشر من الظلام إلى النور، ولنعلمهم الإيمان الحق، ولندفعهم لاتباع طرق التفكير العقلانية البعيدة تمامًا عن الأساطير والغيبيات، التي ستقودهم حتمًا إلى الإيمان بآلهة مصر. نحن نسرد ونسجِّل تاريخ آلهة مصر كي يعرف البشر أنهم أخطأوا كثيرًا، وأنهم ضلوا في الظلمات التي سمُّوها نورًا، وأنهم اعتنقوا أفكارًا مضحكة، وأنهم عبدوا آلهة اصطنعوها، أطلقوا عليها أسماء وأضافوا إليها صفات ووضعوا لها أشكالًا عديدة. نكتب لنؤكد أيضًا أن المصريين جميعًا عبروا ذلك العصر المظلم بعد خسائر كثيرة، فلا يمكن إحصاء ما خسره المصريون بسبب الإيمان بآلهة زائفة. نكتب لنؤكد أنهم جميعًا استجابوا لأول إله مصري أعلن ألوهيته وسطهم، من دون رسل أو أنبياء أو وسطاء، وأنهم منذ ذلك الحين يجاهدون يوميًّا من أجل الإفلات من البقايا التافهة لعصر الظلام المقيت. إن هؤلاء الذين يعتنقون أديان عصر الظلام، لم يكونوا ليعرفوا معاناة المصريين قبل أن يعلن خيزو الأول نفسه إلهًا.

في ذلك اليوم البعيد أخذتنا الأفكار بعيدًا، كانت تماثيل الآلهة خلفنا والناس أيضًا، كنا وحدنا تمامًا خارج العاصمة الجديدة 9، وتداعت آلاف الأفكار من مئات الكتب التي قرأناها، تاريخ كتبه مؤرِّخون مصريون، بشرٌ من هؤلاء الذين يمشون في الشوارع ولا يقيمون وزنًا لشيء إلا لآلهة مصر، مصريون كبقية المصريين لا يدركون إلا قليلًا مما يحدث حولهم. وكلَّما تذكرنا ما قرأنا من كتب وجدنا أنه رائع، بل مبهر، لكنه مشتِّت لعقل القارئ العادي ولا يمكن الإحاطة بكل ما فيه إحاطة تامة، بعيد تمام البعد عن التنظيم والترتيب، يليق تمامًا بعقول من كتبوه من المصريين الفوضويين، وكادت أن تختلط علينا بعض المعلومات، حينها لم نكن إلهًا بعدُ بل كنَّا مؤرخًا إلهيًّا فقط.

أثناء عودتنا إلى منزلنا، كتب عقلُنا كل شيء في عقلِنا، التاريخ كما حدث بالضبط منظمًا ومرتبًا ومتسلسلًا تسلسلًا زمنيًّا، لم تكن هنالك شذرات مشتِّتة وغير منتظمة كما جاءتنا الأفكار قبل ساعات، بل كان كل شيء منظَّمًا، نظَّمه عقلنا وحده.

قد يندهش القارئ العادي لما في هذا الكتاب من تفاصيل ربما لم يكن يعلمها من قبل، وربما علمها ولم يفهمها حق الفهم، لكن عليه أن يتأكد أن هذا الكتاب هو الطريق الوحيد للإيمان الحق.

خِرِبْتو المطلق

صدرت الرواية عن دار التنوير، في 2020، ومتوفرة للبيع إلكترونيًا. 

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن