«غلاف مراد» ومخاوف الحقل الأدبي

صدر العدد الأخير لمجلة عالم الكتاب وعلى غلافه صورة للكاتب الشهير أحمد مراد. يكاد يكون مراد غنيًا عن التعريف. فهو أحد الكتاب الأكثر مبيعًا، وبعض رواياته تحولت إلى أفلام سينمائية حققت أيضًا نجاحًا ملحوظًا في شباك التذاكر. مراد مع ذلك كاتب يثور دائمًا الخلاف حول القيمة الأدبية لأعماله، مما يتسبب في مشاحنات متكررة في دوائر ليست واسعة للغاية، وبخاصة من خلال السوشيال ميديا. من ثم، لم يكن غريبًا أن يثير نشر دورية عالم الكتاب لصورته على غلافها، بطريقة فيها احتفاء واضح، خلافًا ومشاحنة جديدة على موقع فيسبوك؛ أدت إلى أن يصدر رئيس تحرير المجلة بيانًا يتهم فيه المستائين بسبب غلاف مجلته بأنهم متآمرون ولهم أجندات خفية. سنضع هذا جانبًا رغم أن ذكره ربما يوضح مدى سخونة المشاحنة التي اعتبرها كثيرون تافهة وبلا قيمة. وسأضع جانبًا أيضًا بصفة مؤقتة رأيي الشخصي في موضوع المشاحنة نفسه وكذلك في مدى قيمتها، فما أثار اهتمامي قبل أي شيء هو أنها تصلح لتطبيق بعض مفاهيم علم الاجتماع عليها، وبصفة خاصة أدوات ومفاهيم بيير بورديو.

تطبيق هذه المفاهيم في حد ذاته ليس هو الهدف، ولكنني أرى أنه قد يسمح لنا بأن نرى في هذه المشاحنة نافذة تطل على ما ورائها. فعادة ما يحب المعلقون على مثل هذه المشاحنات أن يرد مواقف المنخرطين فيها إلى أسباب مباشرة وبسيطة وغالبًا ذاتية، مثل الغيرة، والحقد، والنفاق، والتعالي (على ذوق الجماهير مثلا).. إلخ. وواقع الأمر أن هذه التفسيرات إضافة إلى سطحيتها تعمل كحائط معتم يحول بيننا وبين أن نرى البنى والعلاقات الاجتماعية غير الظاهرة التي تشكل سلوك وردود أفعال الفاعلين الاجتماعيين. وهذا بالضبط هو ما طور بورديو أدواته لتجاوزه. بمعنى أن بورديو رأي دائمًا أن المرئي والواضح والمباشر من العلاقات والدوافع في أي تفاعل اجتماعي هو بالضرورة يخفي وراءه المؤثرات الحقيقية التي أنتجت هذا التفاعل ومواقف أطرافه. وهذه المؤثرات ذاتها هي ما ينتج التفسيرات الجاهزة الشائعة، والتي نطلق عليها في مجموعها «الحس المشترك Common sense».

قد يكون حكم البعض على موضوع مشاحنة صورة مراد على الغلاف بأنه تافه لكون نطاق الخلاف ضيقًا من حيث عدد من يهتمون به. فعلى أي حال مهما كان مراد مشهورًا ككاتب ففي ظل حال الإقبال على القراءة في بلادنا يظل كل كاتب مغمورًا. وعدد من عرفوا مراد من خلال الأفلام المأخوذة عن رواياته غالبًا يفوق عدد من قرأوها، وأغلب مشاهدي الأفلام لم يعنه أصلا أن يعرف من يكون كاتب القصة المأخوذة عنها. الأمر أسوأ بالنسبة لعدد قراء دورية معنية بشؤون الكتاب، وعدد من سيهتم بمن تنشر صورته على غلافها. في المحصلة الأمر بحق يبدو أصغر من زوبعة في فنجان. ولكن بالنسبة لي تمثل تلك كلها مزايا لا عيوب. فمحاولة استخدام مفاهيم بورديو في فهم قضية أكبر إلى جانب أنها بالضرورة أصعب هي بالتأكيد لا يمكن طرحها من خلال مقال ذو مساحة محدودة. وبالتالي فالمشاحنة الصغيرة نموذج مثالي لمحاولة طرح طريقة مختلفة للنظر إلى تفاعل اجتماعي تتجاوز التفسيرات التقليدية، وتستخدم بعضًا من مفاهيم علم الاجتماع التي أظن أن من المفيد أن يتعرف عليها من لم يتح لهم ذلك من قبل.

لغة بورديو

   ما أنوي استخدامه من لغة بورديو هنا هما مفهومان بالأساس، الأول هو مفهوم الحقل والثاني هو مفهوم رأس المال. يحاول بورديو أحيانا إيضاح مفهوم الحقل باستعارة تشبيهات تتعلق بعلم الفيزياء. في الفيزياء ما قبل نيوتن كان العلماء يرون أجسامًا لا يمكنها التأثير في بعضها البعض إلا بالاصطدام المباشر. وبالتالي فأي جسم سيبقى ثابتًا حتى يصطدم به جسم آخر فيدفعه إلى الحركة. العامل الحاسم في هذه الفيزياء هو المرئيات، الأجسام المرئية، العلاقات المرئية (التصادم) النتيجة المرئية (الحركة). في فيزياء نيوتن تبقى الأجسام وحركاتها مرئيين، ولكن تفسير الحركة عندما تغيب علاقة مرئية يضطرنا إلى افتراض أن العلاقة غير مرئية، هذه العلاقة هي قوى التجاذب بين الأجسام، وهي لا تعمل بنفس القدر في كل مكان وإنما تعمل في نطاق محدد ولا تعمل خارجه. هذا النطاق هو حقل القوة. وإذا ما أخذنا منظومة مشكلة من بعض الأجسام والقوى (العلاقات) المتبادلة بينها نجد حقلًا أوسع يحدد موقع كل جسم فيه حصيلة القوى الواقعة عليه. يشبه الحقل الاجتماعي عند بورديو حقول القوى الفيزيائية. الحقل الاجتماعي هو ذلك الذي يكون فيه تأثير علاقات قوة بعينها محسوسًا. ما يحدد هذه العلاقات هو نوع أو أنواع رأس المال المميز لهذا الحقل. لو اعتبرنا الأكاديميا مثلًا حقلًا اجتماعيًا فسيمنح التدريس في جامعات ذات وجاهة ما قدرًا من رأس المال الأكاديمي أكبر من غيره. ذلك فيما يتعلق بالأفراد، ولكن الحقل الاجتماعي أيضًا يضم كيانات بعضها مؤسسات والبعض الآخر جماعات ذات أثر. مرة أخرى في الحقل الأكاديمي تتنافس مؤسسات كالجامعات على مراكمة رأسمال أكاديمي يؤمن لها موقعًا أكثر تميزًا وتأثيرًا داخل هذا الحقل. إضافة إلى ذلك فإن تحقيق موقع مهيمن داخل أحد الحقول الاجتماعية يسمح لصاحب هذا الموقع بالمنافسة على النفوذ ممثلًا لحقله في العالم الاجتماعي الأوسع.

  في الوقت الذي تغلب فيه المنافسة على علاقات الأفراد والمؤسسات المنخرطين في حقل اجتماعي واحد، فهم أيضًا تجمعهم مصالح مشتركة يأتي في مقدمتها معايير الدخول إلى الحقل. ثمة دائمًا رغبة، غير معلنة عادة، في خفض حدة المنافسة بتقليل عدد المنافسين، ولذا فإن السعي إلى وضع اشتراطات واضحة للدخول إلى الحقل هو أحد الاهتمامات المشتركة لأفراد ومؤسسات وجماعات هذا الحقل. النقابات تلعب دورًا كحراس البوابات لبعض الحقول، على سبيل المثال. في حقول أخرى يكون اعتراف بعض المؤسسات المهيمنة في الحقل أحد شروط الدخول إليه. في الحقل الأدبي يسعى النقاد عادة إلى أن يكون اعترافهم بالموهبة الأدبية شرطًا لقبول صاحبها في هذا الحقل، وإن كانت طبيعة هذا الحقل لا تسمح لهم بقدر كاف من الهيمنة عليه. في المقابل تواجه بعض الحقول مشاكل في إبقاء حدودها تحت السيطرة. الحقول الثقافية بصفة عامة تعاني من هذه المشكلة أكثر من غيرها. فهي دائما عرضة لتطفل الغرباء الذين راكموا رؤوس أموال مشتركة بينها وبين حقول أخرى ثم استخدموا رأس المال هذا للمطالبة بموقع داخل هذا الحقل الثقافي أو ذاك. لا يمكن للحقول الثقافية أن تتنصل من حقيقة أن الشهرة أو الجماهيرية هو رأسمال مؤثر فيها على سبيل المثال، وهو نوع من رؤوس الأموال شائع في حقول مختلفة إلى الحد الذي يمكن أحيانًا إعادة استخدامه عبر هذه الحقول. فربما يحقق فرد جماهيريته في حقل صناعة السينما ويراكم رأسمال كبير يعاود استخدامه مثلا باقتحام حقل الأدب فينشر رواية تحقق مبيعات كبيرة بسبب جماهيريته، ويطالب بناءً على ذلك بمكان في الحقل الأدبي بغض النظر عن رأسماله من القيمة الأدبية الذي يحتفظ النقاد عادة بحق توزيعه.

   السؤال الذي أسعى إلى إيضاح إجابة لي عليه فيما يلي هو: كيف يمكننا قراءة هذه المشاحنة حول تصدر صورة كاتب لغلاف دورية معنية بالكتاب، من خلال مفاهيم بورديو (الحقل ورأس المال)؟

المبيعات والحقل الأدبي

  ما الذي تعنيه صورة غلاف لدورية معنية بالكتب اكتسبت في السنوات الأخيرة بعض الوزن في مساحة لم يعد فيها الكثير من الدوريات المماثلة؟ حسنا، ما يراه رافضو هذا الغلاف أنها تمثل صورة من صور الاحتفاء والتكريم يصرون على أن الروائي صاحب الصورة لا يستحقه. وإذا أردنا أن نترجم ذلك إلى لغة بورديو فيمكننا القول إنهم رأوا في الغلاف إضافة غير مستحقة إلى رأسمال الروائي في حقل الأدب. رأس المال المتداول في الحقل الأدبي هو القيمة الأدبية، ومصادره المعتادة هي تقدير النقاد الأدبيين واعتراف الدوريات الأدبية الهامة والحصول على أو الترشح للجوائز الأدبية المرموقة.. إلخ. وفي حالتنا هذه يرى المستاؤون أن دورية مهمة قد منحت الكاتب المعني قيمة أدبية دون وجه حق.

ولكن هذا ليس كل ما في الأمر، يرى المستاؤون أن اختيار الدورية للكاتب يتعلق حصرًا بكونه الأكثر أو بين الأكثر مبيعًا في السوق، وهم يعتقدون أنه لا ينبغي للمبيعات أن تكون معيارًا لنوع التكريم الذي حصل عليه الكاتب، والذي يضيف إلى قيمته الأدبية. بلغة بورديو، المبيعات هي صورة من رأس المال تنتمي إلى حقل النشر. هذا الحقل يتداخل بشدة مع الحقل الأدبي وعدة حقول ثقافية أخرى، ولكنه مستقل عنها ويعبر المسافة الفاصلة بينها وبين الحقل الاقتصادي. والتجاذب الدائم بين الحقلين يدور حول عملية تحويل رأسمال أحدهما إلى رأسمال الآخر. وهذا التجاذب يعكس تنافسًا بين الحقلين حول أيهما يكون له نفوذ أكبر على الآخر. ما حدث في حالتنا هو عملية تحويل لرأس المال من صورة إلى أخرى عبر حقلين، يراها المستاؤون غير شرعية، إنها بذلك أشبه بغسيل الأموال، فما حصله مراد في حقل النشر، هو رأسمال غير مقبول (غير شرعي) في الحقل الأدبي، ومجلة عالم الكتاب هنا قد قامت بدور مكتب صرافة أقدم تحويل رأس المال غير الشرعي هذا إلى رأسمال شرعي هو القيمة الأدبية.

ما يزيد الطين بلة هو أنه إذا كان مفهومًا، وإن لم يكن مقبولًا بالطبع، أن يتم هذا التحويل بين رؤوس الأموال، في السوق السوداء، عندما يدعي صحفي ما مثلًا قيمة أدبية لمراد، أو يدافع قراء عاديون عن هذه القيمة، بناءً على نسبة مبيعاته، فهو أمر غير مفهوم عندما تقوم به دورية أدبية، أي عندما يمارس غسيل الأموال مكتب صرافة معترف به. فهذا لا يعني فقط حصول مراد على رأسمال لا يستحقه، وإنما يرسي قاعدة جديدة لتحويل رؤوس الأموال يسمح بتحويل رأسمال مكتسب في حقل النشر إلى رأس المال المعمول به في حقل الأدب. وهذا بالضبط محور التجاذب أو لنقل الصراع المستمر بين الحقلين، فالواقعة إذن تمثل هجمة مباغتة لحقل النشر اخترقت خطوط الدفاع للحقل الأدبي ونجحت في احتلال موقع استراتيجي. وهو أمر مؤلم إذا ما أخذنا في الاعتبار أن المواقع الاستراتيجية لحقل الأدب لم يتبق منها الكثير، وما تبقى هو في حال تدهور وتراجع شديدين.

ما بين الظاهر والخفي

هل يبدو ما سبق مبالغة أو تنطعًا لا مبرر له؟ أعتقد أن إجابة الغالبية ستكون بنعم. ولكن دعني أحاول تقديم دفاع محدود عن القراءة السابقة. فقبل أي شيء ليس في قراءتي هذه أي ادعاء لأهمية كبيرة لواقعة عابرة وبسيطة. ما تطرحه هذه القراءة هو أن أي واقعة مهما كانت ضآلتها تعكس البنى والعلاقات ذات الصلة بها. الواقعة المرئية هنا تشبه الرأس متناهي الصغر لجبل جليد ضخم. يشمل جبل الجليد علاقات بين أفراد ومؤسسات ومواقع متغيرة لكل منهم في إطار تجاذبات القوى المؤثرة عليهم. ذلك كله ينتج من وقت لآخر واقعة صغيرة ولكنها تلخص في تفاصيلها كل مواصفات جبل الجليد. ربما هذا يلخص رأيي في أهمية الواقعة والذي أرجأت الإفصاح عنه. الواقعة تلك أو غيرها قد لا تكون مهمة بذاتها. ومن حق أي أحد إذن أن يراها تافهة، ولكنه إن أراد أن يحكم على اهتمام الأطراف المختلفة لهذه الواقعة بها، ينبغي أن يحاول النظر إلى الكامن خلفها، إلى العلاقات الحقيقية المنشئة لمواقف المتداخلين. هذه العلاقات تدفعهم دون وعي كامل منهم إلى اتخاذ مواقف قد يراها غيرهم حادة أو مبالغًا فيها، ولكنهم هم أنفسهم يستشعرون أن ثمة الكثير على المحك، حتى وإن كانت كافة التفاصيل التي عرضتها في قراءتي السابقة غائبة تمامًا عن وعيهم أو تنعكس في هذا الوعي بصورة مختلفة تظهر من خلال الحجج التي يسوقونها في الحوار.

الأمر الآخر الذي أرجأت الحديث عنه وهو موقفي الشخصي من المشاحنة ومبرراته لا يمكنني إلا أن أرجئ الحديث عنه مجددًا إلى فرصة أخرى؛ فحديثي هذا قد طال بالفعل لأكثر مما كنت أريد له. وسأكتفي هنا كخاتمة بتكرار التأكيد على الهدف الحقيقي من هذا المقال، فهو ليس مداخلة تتعلق بالواقعة والمشاحنة حولها، وإنما هو محاولة لإيضاح أن أمور حياتنا اليومية التافهة هي مداخل لفهم الكثير عن المؤثرات الخفية الكامنة خلف هذه الحياة. هذه المؤثرات طبيعتها هي أن تكون خفية وأن تعكس نفسها في صور لا تقودنا إليها دون استخدام أدوات طورها علم الاجتماع، أو على الأقل هذا هو الحال في نظرية علم الاجتماع عند بورديو الذي أعتقد شخصيًا أنها تستحق اهتمامنا، ومن ثم فإذا أثار مقالي اهتمام بعض القراء بما طوره بورديو من مفاهيم وأدوات لفهم وتحليل عالمنا الاجتماعي؛ يكون قد حقق بالضبط ما أريده منه، حتى وإن قصر عن أي شيء آخر، بما في ذلك الاستخدام الملائم لهذه الأدوات بخصوص هذه الواقعة على التحديد، ففي نهاية المطاف يظل ما نحتاج إلى تعلمه أكثر كثيرًا جدًا مما نظن أننا قد تعلمناه بالفعل.

اعلان
 
 
تامر موافي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن