اتفاقيات التطبيع.. من الربيع العربي إلى نهاية الأساطير

كان الربيع العربي بموجاته، ولا يزال، يمثّل تغييرًا في قواعد اللعبة الداخلية لصالح شعوبه تمهيدًا لإحداث تحول على المستوى الإقليمي، وفي علاقة المنطقة بالنظام الدولي. في مقابل ذلك، كانت هناك قوة مضادة تستثمر فائض قوتها في الديناميكيات التي فضحها هذا الربيع لتعيد تشكيل المنطقة وتغير قواعدها لصالح رؤية مناهضة لجوهر الانتفاضات العربية؛ الباحثة عن عقد اجتماعي جديد يتم به إعادة بناء الدولة الوطنية بنخب جديدة، على أمل أن يستند هذا العقد إلى مقومات ثلاثة: الحرية والديموقراطية، العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للموارد، تحرير الإرادة الوطنية من الهيمنة الإقليمية والدولية. 

هذا الحلم  قوته المحركة أجيال جديدة من الشباب مع حضور نسائي طاغٍ.

ليس من قبيل المصادفة أن من يقود التطبيع اليوم مع الكيان الصهيوني هي الدول التي قادت الثورة المضادة من قبل، وهي، وإن كانت تزعم أنها تنسق مع إسرائيل اليوم لمواجهة التهديدات الإيرانية (وهو ما يكذبه واقع الجماهير العربية كما سنرى لاحقًا في هذا المقال)، إلا أن العلاقات التي خرجت للعلن الآن كانت زادت وتيرتها منذ سنوات، هي نفس عمر الربيع العربي. وعلى الجهة المقابلة فإن قطاعات متسعة من العرب لم تعد تقبل أن تبقى القضية الفلسطينية ذريعة لمصادرة مطالبها في العيش الكريم، على غرار ما فعلت الأنظمة القومية في الخمسينيات والستينيات.

وإذا كانت الانتفاضات تعطي أولوية للسياسات الداخلية، إلا أن نماذج الممانعة والاعتدال باتت غير ذات معنى وليست مقنعة للجماهير، والمطلوب منها التحرك لمساندة الفلسطينيين بصيغة جديدة وأطراف جديدة وخطاب جديد وآليات عمل جديدة، وإلا بالله عليكم هل يمكن لمواطن عربي الآن أن يثق في إيران في ظل سياساتها المذهبية التوسعية في المنطقة، أو في تركيا في ظل سياساتها التقسيمية، أو يثق في حزب الله بعد مساندته لنظام الأسد ووقوفه ضد الاحتجاجات الشعبية في لبنان، أو يثق في القوى الفلسطينية بعد عجزها عن معالجة انقساماتها وعدم قدرتها على تطوير استراتيجيات تعالج الأوضاع المستجدة للقضية الفلسطينية. 

سقطت الصيغ القديمة، وقطاعات شعبية عديدة تبحث عن أشكال جديدة تستطيع أن تتعامل مع تحديات الواقع المستجد. 

إسرائيل أم إيران أكثر تهديدًا؟

في الاستطلاع الأكبر من نوعه بالمنطقة، سأل الباروميتر العربي المواطنين العاديين عن آرائهم بشأن إيران وإسرائيل. تكشف النتائج أن نسب أكبر عبر المنطقة تعتبر إسرائيل مصدر تهديد، مقارنة بإيران، وأن قلة من المواطنين العرب يفضلون تقوية العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل.

إجمالًا، في ثلاثة أرباع الدول المشمولة بالاستطلاع، تعتبر إسرائيل تهديدًا أكبر لاستقرار المنطقة من إيران. الاستثناء هو الكويت، حيث قال 4 من كل 10 أشخاص تقريبًا إنهم يخشون إيران أكثر من أي دولة أخرى. وفي الوقت نفسه، يُنظر إلى إيران بصفتها تهديد متوسط في اليمن (33%)، وفي العراق 31%، وهما دولتان تدخلت فيهما إيران بصورة مباشرة. لكن في الدول الأخرى، هناك قلة قليلة في العالم العربي تخشى إيران. يقول 11% فحسب من الأردنيين إن إيران هي التهديد الأساسي لاستقرارالمنطقة، مقارنة بـ 7% في لبنان و6% في مصر و4% في السودان و3% في فلسطين و2% في المغرب و1% في كل من الجزائر وليبيا وأقل من 1% في تونس.

على الجانب الآخر، عدد أكبر بكثير من المواطنين العرب يقبلون على الرأي القائل بأن إسرائيل لا تزال أكبر تهديد للمنطقة. ففي جميع الدول، ذكر ذلك شخص واحد على الأقل من كل 10 أشخاص. تعتنق اغلبيات هذا الرأي في لبنان (79%) وفلسطين (63%) ومصر (54%)، في حين يؤيد هذا الرأي أكثر من الثلث في الأردن (42%) والسودان (36%). كما أن أكثر من شخص من بين كل خمسة يرى أن إسرائيل تمثل أكبر تهديد، في المغرب (27%) واليمن وليبيا (24%) والجزائر والعراق (21%). أما الدول التي بها أقل نسب فهي تونس (14%) والكويت (13%).

وفي الوقت نفسه، قلة نسبية من المواطنين العرب يؤمنون بأن التقارب بين بعض العواصم العربية وإسرائيل في الآونة الأخيرة مفيد للمنطقة. ففي جميع الدول التي طُرح فيها السؤال، أيد أقل من الثلث هذا التطور الأخير، بما يشمل أقل من الخُمس في أغلب الدول. والدول التي بها أكبر نسبة دعم لزيادة التنسيق مع إسرائيل هي السودان (32%)، فلسطين (24%)، مصر (23%)، لبنان والعراق (19%). وعلى الجانب الآخر، 9% فقط في تونس و5% في ليبيا واليمن، يؤيدون زيادة التنسيق.

أربع دلالات استراتيجية

بوابة إسرائيل للمنطقة لم تعد مصر والأردن. إن الأحداث الأخيرة في الخليج تتحدى مكانة الأردن كأقوى ميسر لإسرائيل في العالم العربي؛ ففي مقابل السلام مع إسرائيل، اقترب الأردن من حليف رئيسي للولايات المتحدة. وكان لهذا ميزتان: يمكن للأردن دفع إسرائيل للتوسط للحصول على المزيد من المساعدات الأمريكية، والعمل كوسيط سري بين إسرائيل والدول المجاورة.

وإذا كانت أبو ظبي والمنامة الآن أقرب إلى إسرائيل وواشنطن، فهل يعني ذلك أن محادثات السلام المستقبلية ستتجه بعيدًا عن عمان باتجاه الإمارات والبحرين؟ وإذا كان الأردن لا يزال يريد اهتمام واشنطن، فعليه أيضًا إرضاء الإمارات.

ستظل الولايات المتحدة تنظر في القيمة الجيوستراتيجية للأردن، لكن انخفاض الأهمية كقناة وصول العرب إلى إسرائيل قد يعني انخفاض المساعدات وانخفاض مستويات المعيشة وزيادة الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية وسط خلفية من الاضطرابات المتزايدة.

أما التحدي لمصر، والتي كان أحد ركائز شرعيتها مع الأمريكان منذ عهد مبارك هي قدرتها على أن تلعب دور الوسيط مع الفلسطينيين وفي أحيان كثيرة دور الضاغط عليهم، وقد اختزل ذلك في الفترة الأخيرة ليتركز مع حماس في قطاع غزة، هو احتمالية أن تأخذ أبو ظبي دورها في المبادرات المستقبلية. وأزعم أنه في ظل الاستراتيجية الإماراتية في السيطرة على منافذ بحرية هامة، فإن عينها ستكون على سواحل غزة، خاصة أنها قادرة علي أن تقدم ما لا تستطيع أن تقدمه مصر بحكم تاريخها. يقول أنور قرقاش، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، في المجلس الأطلسي، إن المنطقة «لا يمكن أن تكون سجينة الخطاب» من جهة «وفي الوقت نفسه الركود والتقاعس» من جهة أخرى، وقال: «النظرة الحصرية للعالم من خلال منظور عربي بحت لن تسمح لك باللعب إلى مستوى إمكاناتك (على المسرح العالمي)».

الخلاصة التي انتهت إليها أحد الدراسات الإسرائيلية هي: «إسرائيل ستكون موجودة في كل المناطق العربية التي توجد فيها الإمارات، ومن المرجح أن تتطابق المصالح الأمنية الإسرائيلية والإماراتية في جميع المجالات التي تحاول فيها الإمارات تأكيد نفوذها البحري».

الشرق الأوسط الجديد: الاتفاقيات، وإن كانت تجعل فرصة تحقيق سلام عادل ومنصف ومستدام أكثر صعوبة بكثير؛ إلا أنها  نزعت التطبيع من الفلسطينيين كورقة مساومة ضد إسرائيل، وطرحت مفهومًا جديدًا للسلام في المنطقة. 

في يناير 2020، قدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب «صفقة القرن» لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. تم تقديم إطار عمل الخطة كنموذج جديد لحل الصراع وتصميم جديد في الشرق الأوسط، على أساس تحالف عربي أمريكي إسرائيلي. الخطة تقلب مبادئ العملية السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين على مدى العقود الثلاثة الماضية. إنها تتحدى الافتراض القائل بأن الوقت في صالح المسعى الوطني الفلسطيني، وأن المجتمع الدولي مع مرور الوقت سيجبر إسرائيل على قبول الشروط الفلسطينية للتوصل إلى اتفاق، وتقدم المصالح الاقتصادية كسبيل لإعادة صياغة والتغاضي عن الحقوق الفلسطينية. أما نتنياهو وحكومته، التي تجنبت دفع مفاوضات السلام مع الفلسطينيين، فقد بدأ في الادعاء بإمكانية التحرك نحو التطبيع مع الدول العربية دون المضي قدمًا في العملية السياسية مع الفلسطينيين. تشير دراسات إسرائيلية عديدة إلى هذه الحقيقة: «على مدى سنوات، تجاهلت صناعة السلام التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي التطورات الإقليمية واستمرت في نشر أكاذيب مفادها أن إنشاء دولة فلسطينية فقط على خطوط عام 1967 يمكن أن يحقق الاستقرار في الشرق الأوسط وقبول حق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية». 

وتنتهي دراسة أخرى إلى: «إلا أنهم ما زالوا يشيرون خطًأ [يقصد الأوروبيين] إلى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني على أنه (صراع الشرق الأوسط) وينظرون إلى السلام بين إسرائيل والفلسطينيين على أنه  مفتاح الاستقرار للمنطقة بأسرها».

ونتساءل هل الاتفاقيات محاولة لاستعادة مفهوم شمعون بيريز عن الشرق الأوسط الجديد، الذي طرحه في التسعينيات، مستهدفًا به قيادة إسرائيلية للمنطقة تستند إلى صيغة اقتصادية تستفيد من التكنولوجيا الإسرائيلية والمال الخليجي والعمالة العربية الرخيصة؟

لحظة تحول: صحيح أن اتفاقيات التطبيع لا تغير أي ديناميكيات أساسية ثنائية أو إقليمية للصراع، إلا إنها جاءت في لحظة تحول تاريخي يجري في المنطقة منذ عقود، ويتزامن معه أيضًا لحظة تغير في هيكل القوة في النظام الدولي وفي علاقات قواه الأساسية بالمنطقة. اللحظة تتضمن صعودًا صينيًا وعودة للحرب الباردة بأشكال جديدة، كما تشمل تصاعد حضور النفوذ الروسي في المنطقة مع انسحاب أمريكي وانقسام أوروبي، وصراع إقليمي بين محاور ثلاثة (التركي-القطري، السوري-الإيراني، الإماراتي-المصري) تستفيد فيه إسرائيل من ذلك. 

لحظة التحول هذه تدعونا للمقارنة بينها وبين السياق الذي وقعت فيه اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية في 1979؛ فقد كانت المنطقة وقتها تشهد تحولات عميقة أبرزها تراجع الدور المصري لصالح بلدان الخليج، ولا ننسى أن نشير أن المعاهدة قد وقعت قبل عقد تقريبًا من انهيار الاتحاد السوفيتي. 

قناعتي أن هذه الاتفاقيات ستسهم في تعميق الاضطرابات التي تشهدها المنطقة منذ عقود ولن تساعد بأي حال في تحقيق الاستقرار الذي بات الجميع يتحدثون عنه دون توافق حقيقي على مضمونه ولا المقصود به، كما تجعل من إسرائيل في المستقبل جزءًا من ترتيبات الأمن الجماعي في المنطقة. 

ويصبح السؤال المطروح في هذا الصدد هو: ما تأثير السياسات العدوانية التي تستخدمها المحاور الإقليمية الثلاثة، وقد انضمت إسرائيل لأحدها، على صراعات المنطقة؟

الرموز الثقافية/الدينية: هذه الرموز حاضرة في صلب الاتفاقيات؛ ونسبتها إلى النبي إبراهيم هدفه تسويقها جزئيًا على أنها تقارب ديني متجدد بين المسلمين واليهود والمسيحيين. تضمن الإعلان عن الاتفاقية قسمًا (سيتم التعبير عنه أيضًا في الاتفاقية نفسها) ينص على أنه سيتم السماح لجميع المسلمين المحبين للسلام بالصلاة في المسجد الأقصى، وأن الأماكن المقدسة الأخرى في القدس ستفتح  للمؤمنين من جميع الأديان، ومن ثم -كما ترى أحد مقالات جيروزاليم بوست- فقد «حان الوقت لتطبيع الحرم القدسي»؛ بمعنى السماح لليهود بالصلاة فيه كما المسلمين. 

ويرتبط موضوع الرموز الدينية والثقافية أيضًا بالصراع الدائر في المنطقة حول الخطابات الدينية، ومن يمثل الإسلام السني، والصراع مع الحركات السياسية الإسلامية، كما تعمق أيضًا استخدام الانقسام الشيعي السني لمواجهة إيران. 

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن