المكانة والسطوة: حول نشأة وتحولات القضاء الحديث في مصر

كل من كتب حول الشخصية المصرية وتحولاتها، أو حول النظم السياسية التي تعاقبت على مصر منذ تأسيس دولتها الحديثة على يد محمد علي، استثنوا النظام القضائي من معظم ما اعتبروه خصائص سلبية، سواء في الشخصية القومية واضطراباتها أو في نظم الحكم والإدارة، وهي الخصائص التي يمكن إجمالها في الطبيعة السلطوية والمركزية الشديدة والفرعونية السياسية ثم المملوكية المتجددة أو الأبوية الطاغية، فضلًا عن فساد وبلادة البيروقراطية، وغيبة مفهوم الخدمة العامة في الجهاز الإداري لحساب مفهوم امتيازات المنصب، فضلًا عن التحكم وافتراض سوء النية المسبق لدى المواطن.

يستوي في هذه الملاحظة المنزهة للقضاء عن تلك العيوب جمال حمدان مع صبحي وحيدة وحتى وليم سليمان قلادة. الأول بحث مظاهر وعوامل الاستمرار والانقطاع في الشخصية المصرية عبر التاريخ، ارتكازًا على العلاقة الفريدة بين الوطن والمجتمع المصريين وبين نهر النيل، في إطار الخصوصية المتفردة أيضًا لموقع مصر الجغرافي. وصبحى وحيدة أسس رؤيته للمسألة المصرية على جدلية التكوين الاجتماعي السياسي المصرية بين سكان الوادى الأصلاء والهجرات الثلاث الكبرى إلى هذا الوادي (الهجرة الإغريقية الرومانية، ثم العربية الإسلامية، ثم الآسيوية المغولية)، وتتفاعل هذه الجدلية مع المؤثرات الهائلة للحداثة الأوروبية. أما وليم سليمان قلادة فركز رؤيته على حاضر مصر ومستقبلها على حركة المحكومين نحو المواطنة والمشاركة.

لم يأت استثناء القضاء من الخصائص السلبية للدولة على سبيل المجاملة، أو لتجنب مخاطرة انتقاد القضاء المحمي بحصانة يقررها القانون ذاته، وإنما كان الأمر إقرارًا بحقيقة موضوعية عبرت عن نفسها في المكانة البالغة حد التقديس للقضاء  لدى عموم المصريين، وهي مكانة تستمد جذورها من خصوصية نشأة الجهاز القضائي سواء في الدولة الحديثة أو عبر مختلف العصور التي تطور فيها الكيان السياسي الذاتي لمصر، بما في ذلك عصور التبعية للامبراطوريات الأجنبية. إذ كان القضاء، شخوصًا وقيمًا، ينبثق غالبًا أو دائمًا من صميم المجتمع، أي من صفوف الأهالي بالتعبير القديم أو الشعب بالتعبير الحديث، في وقت كانت فيه سائر أفرع الجهاز الحاكم تتألف وتقاد من أجانب أرسلوا من المركز الإمبراطوري في الخارج، أو جئ بهم إلى البلاد من أجل الحكم والحرب والجباية فقط لا غير، في عهود الاستقلال الذاتي للسلطة المحلية في مصر.

كان هؤلاء الأجانب الذين تشكلت منهم الجيوش والشرطة والإدارة، وكذلك جماعة الملتزمين وحكام الأقاليم يشعرون ويؤمنون بأنهم أرقى من أهل البلاد، ولم يكونوا بالطبع أطرافًا مباشرة في العلاقات الإنتاجية ولم يكن يحكمهم في علاقتهم بالأهليين سوى ٌقانون القوة والإكراه، كذلك كان غير مسموح لهؤلاء الأهليين بالالتحاق بصفوف الطبقة، وعلى الرغم من كل التغيرات التي عصفت بنظم الحكم المتعاقبة، وصولًا إلى الاستقلال الوطني، وتولى المصريون حكم أنفسهم بأنفسهم، فقد ظلت هذه الخصائص قابعة لتنتج أسوأ آثارها في فترات الاضمحلال أو فترات الانحطاط العام.

 في مقابل ذلك كان العنصر المجتمعي (أو الأهلي أو الشعبي) بارزًا في تكوين الجسم القضائي طوال التاريخ، وإذا بدأنا بالعصر المملوكي المشكل لبداية استقلال مصر السياسي الكامل عن الخلافة العباسية المحتضرة، واستمرت تقاليده حافظة لقدر كبير من الاستقلال الذاتي عن الدولة العثمانية، فقد كان علماء الدين هم عماد مرفق القضاء للأغلبية المسلمة، فيما كان آباء الكنيسة وأعيان الأقباط هم عماد القضاء المللي للأقلية القبطية، وكذلك الأمر بالنسبة للطوائف اليهودية الأقل عددًا. ومن تحصيل الحاصل القول إن هؤلاء جميعًا كانوا من الأهالي، بما أن أبناء طبقة  السيف والكرباج والجباية لم يكونوا ينخرطون أصلًا في سلك علماء الدين الإسلامي، ومن باب أولى لا علاقة لهم من قريب أو بعيد بوظائف كهنوت الأديان الأخرى، وقد ظل هذا هو الوضع طوال العصر العثماني، على الرغم من انفراد سلطان «إسطنبول» بتعيين قاضي القضاة، وإيفاده من عاصمة الدولة تحت مسمى قاضي العسكر.

باستثناء الصراعات على السلطة والجرائم المرتبطة بها، والتي لم يكن للقضاء ولاية عليها من الأصل، فإن هذا التكوين الأهلي أو الوطني (بلغة هذه الأيام) قد ضمن للقضاء في مصر قدرًا كبيرًا من النزاهة والاستقلال ومن ثم الاحترام، والأهم من ذلك الشعور المتبادل بين القضاة والمواطنين بالانتماء إلى رابطة مجتمعية وقيمية واحدة، بمعنى عدم شعور القضاة بالانغلاق والاستعلاء الطبقيين، واستمداد المكانة والهيبة من قدسية وظيفة إقرار العدالة ونصرة المظلومين، لا من التسلط الفئوي بمظاهره وأدواته التي سبق إيضاحها.

استمرت هذه الخصائص وتوسعت وتعززت مع نشأة القضاء الحديث في مصر عام 1883 باسم القضاء الأهلي، تمييزًا له عن القضاء المختلط، بل أن القضاء المختلط ذاته -والذي ساءت سمعته في ما بعد- كان في أصله وسببه محاولة للحد من مظالم المحاكم القنصلية والامتيازات الأجنبية للمواطنين المصريين في تعاملاتهم وعلاقاتهم بالأجانب. ومنذ البداية كان ممثلو الجانب المصري فيه من أهل البلاد أو من المتمصرين الذين تشربوا عقيدة الاستقلال الذاتي لمصر عن الدولة العثمانية، خصوصًا في عهد الوالي محمد سعيد الذي كان يكره الأتراك ويميل إلى المصريين، فسمح للأخيرين بملكية الأراضي الزراعية وبالترقي إلى رتب الضباط في الجيش.

وكذلك في عهد الخديوى إسماعيل الذي كانت نزعته للاستقلال عن الدولة العثمانية أقوى، وكذلك نزعته إلى تحديث مرافق البلاد ومظاهر الحياة الحضرية، مما مهد لانتشار الأفكار السياسية الحديثة مثل النظام البرلماني والدستوري ومفهوم الوطنية… إلخ.

من هنا نشأ القضاء الأهلي في عام 1883 متميزًا بخصائص الحداثة والانتماء الوطني، والارتباط العضوي بالمجتمع ثقافة وقيمًا، وكان أغلب من تولوا مناصب القضاء إما متمصرين من زمن طويل وإما مصريين من أبناء البلاد، فلاحين وعلماء دين وملاك أراضي. ومن هنا أيضًا كان من أبرز أعلام القضاء المصري في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مصريون أقحاح من أشهرهم سعد زغلول وحفني ناصف وعبدالعزيز فهمي، وفي هذا السياق أيضًا أسس الإمام محمد عبده مدرسة القضاء الشرعي ليكون هذا النوع من القضاء في أيدي المصريين الأقحاح بأكمله.

وقد ترتب على خصائص النشأة الوطنية الحداثية للقضاء في مصر أنه أصبح بمختلف مكوناته الرافد الأعظم للحركة الوطنية، فمن مدرسة الحقوق جاء باعث الروح الوطنية مصطفى كامل وخليفته في زعامة الحزب الوطني محمد فريد، ومن مناصب القضاء جاء أكبر زعيمين لثورة 1919 وحزبها (حزب الوفد) سعد زغلول وخليفته مصطفى النحاس، كما كان القضاء من الروافد الأساسية للمناصب الوزارية ومناصب الإدارة العليا.

في كل تلك الأطوار حظى القضاء والقضاة بهيبة أو مكانة بلغت حد القداسة لدى المواطنين، دون حاجة إلى فرض تقاليد السطوة على المواطن العادي، ودون الحاجة إلى سوء استخدام النفوذ المتوطن لدى بقية مكونات أجهزة السلطة وفروعها. ولا جدال أن حرص القضاة على إقرار القانون دون تمييز ورفضهم لتسييس القضاء، كان من دعائم هذه المكانة. والأمثلة على ذلك كثيرة، نذكر منها الحكم لصالح زعيم الوفد مصطفى النحاس على غير رغبة الملك فؤاد في القضية التي عرفت باسم قضية «وقف الأمير سيف الدين»، وحكم محكمة النقض الشهير ضد حكومة إسماعيل صدقي في قضية مشهورة أيضًا عرفت باسم «قضية البداري»، إلى حد وصف سلوك الشرطة في هذه القضية، ووصف عهد صدقي كله بأنه «إجرام فى إجرام».

يتصل بهذه الخصائص في نشأة القضاء المصري الحديث أو ينبثق عنها خاصية أخرى بالغة الأهمية، وهي نبذ تقاليد الاستعلاء الطبقي في اختيار الملتحقين الجدد بهيئة النيابة العامة، وبالهيئة القضائية ككل. فقد كان النحاس باشا مثلًا ابن تاجر أخشاب من مدينة سمنود، وعمل فترة من الوقت في وظيفة عامل تلغراف في محطة السكة الحديد في تلك المدينة. وكان عبدالعزيز فهمي باشا ابن مزارع من قرية كفر المصيلحة بمحافظة المنوفية، وكذلك كان توفيق الحكيم عندما عمل وكيلًا للنائب العام فى بداية حياته المهنية، وذلك في وقت كانت المعايير الطبقية تلقي بظلالها الكثيفة على ما يسمى الآن بالمؤسسات السيادية الأخرى، لاسيما الجيش والشرطة.

ظل القضاء المصري محتفظًا بهذه الخصائص وبالهالة القدسية الناتجة عنها حتى قيام النظام السلطوي بعد يوليو 1952. إذ بدأت العواصف تحوم حوله ولكن دون أن تقتحمه، فاعتدى على رئيس مجلس الدولة وأنشئت المحاكم الاستثنائية تحت مسميات مختلفة. مرة محكمة الثورة، وأخرى محاكم عسكرية وثالثة محاكم أمن الدولة، ثم محكمة القيم وجهاز المدعي العام الاشتراكي وديوان المظالم، فيما ظل الجسم القضائي الأصلي محتفظًا بأهم خصائص النشأة كرفض التسييس، وانعدام الممارسات السلطوية والطبقية الاستعلائية. وكان من أبرز وجوه مقاومة القضاء لتلك العواصف رفض الحكم بالإعدام على معارضي الرئيس السادات فى أحداث مايو 1971، وتبرئة المتهمين في مظاهرات الطعام عام 1977، وإدانة المتهمين بالتعذيب في أواخر عصر السادات وبداية حكم حسنى مبارك. لكن قبل ذلك كانت العواصف قد تحولت إلى أعاصير بمذبحة القضاة في أواخر سنوات حكم جمال عبدالناصر، ثم جاء عهد حسني مبارك المتطاول الراكد والمتسم بكثير من السلبيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بدءً من فساد عمليات الخصخصة إلى شيوع مبدأ توريث الوظائف، وتقاليد الانغلاق الفئوي والاستعلاء الطبقي وتوغل السطوة السلطوية خارج القانون، فضلًا عن تجميد الحياة السياسية، وتزوير الانتخابات.. إلخ.

هكذا وجد القضاء نفسه في قلب الصراع بين المكانة والسطوة.. وهنا يستحسن أن يتوقف القلم احترامًا للقانون وللقضاء كمفهوم وهيئات.. متمنيين من القلب والعقل معًا أن تنتصر تقاليد المكانة الأصيلة المتأصلة لدى القضاء على أساليب السطوة الدخيلة عليه.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن