«النيل غدر بنا».. وقائع فيضان السودان
 
 

تتشارك محاسن قمر الدين 46 عامًا مع زوجها وأربعة من أطفالها السكن في أحد الفصول المدرسية في حي ود العقلي جنوبي العاصمة السودانية الخرطوم، نزحت العائلة إليه بعد أن دمر فيضان النيل الأبيض منزلها مع عشرات منازل الحي المُتاخم للنيل.

عائلة قمر الدين، واحدة من آلاف العائلات التي شُردت إلى العراء بعد موجة الفيضانات غير المسبوقة والتي ضربت البلاد بارتفاع منسوبَي النيلين الأزرق والأبيض، مع غمر كامل لآلاف الأفدنة من الحقول والمزارع على امتداد نهر النيل من العاصمة شمالًا.

«انتهى كل شيء بالنسبة لي. منزلي الذي ابتلعه النهر، أنفقت سنوات طويلة في تشييده على مساحة أرض لا تتجاوز الـ 200 متر مربع. وفي ساعة واحدة من ليلة سوداء قضت المياه الهادرة على مأوى عائلتي كله» يقول زوج محاسن، صلاح زين العابدين لـ«مدى مصر»، ويضيف: «سأظل مُقيمًا مع عائلتي في هذه المدرسة إلى أن يأتي الفرج».

التقى «مدى مصر» مع عائلات نازحة من المدن والقرى المُتاخمة للنيل في السودان، والذين فقدوا بيوتهم أو حقولهم الزراعية، قبل ساعات من تجدّد  التحذيرات بشأن تدهور الأوضاع لاحتمال تسبب أمطار غزيرة متوقعة على إثيوبيا وأجزاء من السودان في زيادة مستويات المياه في النيل الأزرق، ما قد يؤدي إلى مزيد من الفيضانات خلال الأيام القادمة.

وفيما لا تزال الحصيلة النهائية لفيضانات العام الحالي غير مُحددة، فإن عدد القتلى بلغ 114 شخصًا، ويقول مكتب تنسيق الشئون الإنسانية للأمم المتحدة «أوتشا» إن عدد المتضررين من الفيضانات وصل إلى 650 ألف مواطن. وتشير التقديرات المبدئية إلى أن  أكثر من 83 ألف منزل تعرض للانهيار أو للانهيار الجزئي، وغمرت المياه 200 ألف فدانًا زراعيًا وأغرقت محاصيلها.

يكمل صلاح حديثه لـ«مدى مصر» فيما يمد يده بنحو رطل من الزبادي المصنوع بالطرق التقليدية إلى زوجته، ويقول إنه اشتراه من المتجر القريب بـ 60 جنيهًا [الدولار يساوي نحو 250 جنيهًا في السوق الموازية]، من المفترض أن تصنع الزوجة منه وجبة تكفيهم وأطفالهم. ويستطرد: «نعم رطل الزبادي وحده لا يصنع وجبة تكفي لستة أشخاص، لكن بعض الخيرين منحونا كرتونة تحوي زجاجة زيت وكيلو سكر و3 كيلو دقيق.. بالضبط هذا ما نعيش عليه منذ ثلاثة أيام».

يكسب صلاح رزقه من الأعمال الحرة، بين عمليات البناء والعمل بأجر يومي على فترات مُتباعدة في مصانع العاصمة، يقول: «قبل كارثة الفيضان التي أنهت كل شيء كنّا في قلب الأزمة الاقتصادية التي سببتها جائحة كورونا، وتوقفت على إثرها مصادر كسب عيشنا. الأربع شهور الماضية كنت وعائلتي نعيش على حد الكفاف. انقطع الحليب عن الأطفال في منزلي، وأصبحنا أنا وزوجتي نتدبر وجبتين بأقل سعر ممكن.. أنا أب لأربعة أطفال يستهلك الواحد منهم رطلًا من الحليب بسعر 60 جنيهًا بجملة 260 جنيهًا في اليوم -حوالي دولار- وأنا دخلي اليومي لا يتعدى 300 جنيه [دولار ونصف]».

مبنى المدرسة الصغير يأوي إلى جانب عائلة صلاح زين العابدين 8 من العائلات المتضررة، ويجاور المدرسة مركزًا للشباب يأوي هو الآخر 10 عائلات، لكن هذه المباني الآمنة نسبيًا لم تسع جميع المتضررين في المنطقة. والتقى «مدى مصر» في الحي تجمعات سكن اضطرارية في الساحات العامة ضمّت عشرات الأُسر، والمحظوظين منهم حصلوا على خيام تبرعت بها مبادرات عدة، وآخرين اعتمدوا على ما أنقذوه من أمتعتهم وشدّوا بالحبال أطراف البطاطين لتقيهم الشمس الحارقة.

امرأة تعد طعامًا في مدرسة تحولت لمركز إيواء للمتضررين من الفيضانات-

وشكّل شباب الحي ولجان المقاومة السودانية دروعًا ومتاريس وحواجز ترابية ضخمة تمنع تسرب مياه النيل إلى الحي السكني، ويرابط الشباب في دوريات على مدار اليوم لحماية المتاريس وإعادة بناء المتهدم منها بالأنقاض وجوالات التراب.

ويقول أحد الشباب المتطوعين، صبري مكين رحوم: «منذ أن بدأ صعود النيل قبل أيام لجأنا لعمل هذه المصدات التقليدية بالعون الأهلى وبسواعد الشباب … لكن هذا لم يعد مُمكنًا، الكارثة كانت أكبر منّا، ومن بعض الثغرات دخلت المياه الحي ودمرت المساكن تحت أنظارنا وأنظار الحكومة التي لم تفعل شيئًا».

ويلوم رحوم على الحكومة وقوفها موقف المتفرج، بحسب تعبيره، ويستطرد: «حتى الجولات الفارغة التي نملؤها بالتراب ونجعل منها مصدات للمياه نشتريها بمالنا الخاص وبتبرعات سكان الحي، وكذلك الأنقاض التي نجلبها على الشاحنات أيضًا نشتريها من السوق.. كل شيء نقوم به بالعون الذاتي».

ومنذ أن حلت الكارثة قبل أيام، ترأّس مهند خليفة، لجنة طوارئ في الحي، وعمل مع شباب اللجنة على جمع التبرعات والاتصال بالجهات الإغاثية داخل البلاد وبأبناء المنطقة المغتربين. ويقول خليفة لـ «مدى مصر»: «بفعل التكاتف الشعبي الكبير تمكنا من توفير مُعينات إغاثية بسيطة تمثّلت في الخيام والمشمعات والجوالات الفارغة لعمل تروس تجنب المنازل الأخرى الانهيار، وكذلك كلما توفرت ميزانية نعمل على شراء مواد غذائية نوزعها من وقت لآخر على المتضررين».

تدمر منزل يونس إبراهيم يوسف أيضًا في حي القبة في ضاحية الكلاكلة في الخرطوم، ويقول: «انهارت أمام ناظري في لحظات جهود سنوات من الشقاء لأجل بناء منزل يأويني وعائلتي الصغيرة. بنيت منزلي الصغير المكون من غرفتين ومطبخ بجهد مشترك مع زوجتي وكنّا ندخل في صناديق مالية [جمعيات] مع الأهل والمعارف، ونقوم بأعمال عديدة إضافية لزيادة الدخل، هذا العمل استغرق منّا حوالى 8 سنوات لكننا فقدناه في لحظات.. تهدم المتراس التقليدي الذي كنّا نقيمه أمام المنزل، واجتاحت المياه الحي وحوّلتنا مع عشرات العائلات إلى مشردين».

يونس إبراهيم يوسف يقف أمام أطلال منزله المتهدم بحي الكلاكلة القبة ..

ظل سكان الحي في حالة طوارئ لما يقارب الشهر، وفقًا لإبراهيم، الذي يقول إن معظم السكان في حي «الكلاكلة القبة» موظفون وعمال في شركات خاصة، وعدد كبير منهم تعرّض للفصل من العمل بسبب الغياب، إذ إنهم اضطروا إلى المساعدة في أعمال الإغاثة.

العاصمة السودانية ليست الأكثر ضررًا في كارثة الفيضانات والسيول، أحياء كاملة وجزر مأهولة بالسكان على امتداد النيل في الولايات المختلفة غمرتها المياه، بجانب إتلاف مئات المزارع والحقول المثمرة على ضفاف النيل، والتي تقدر بـ 200 ألف فدان.

«النيل غدر بنا»، هذا ما قاله حسن الطيب، في اتصال هاتفي مع «مدى مصر» من بلدة فتوار شمالي السودان، مضيفًا: « نحو 300 من أشجار البرتقال والمانجو المثمرة هي الآن غارقة تحت المياه. أمضيت سبع سنوات في رعاية هذه الشتلات الصغيرة وصرفت عليها أموالًا طائلة حتى بدأت أجني ثمارها واستعيد القليل من الأموال التي أنفقتها، لكن النيل لم يكن رحيمًا بنا هذه المرة.. قضى على الأخضر واليابس وحطم كل شيء».

وأشار الطيب، إلى أن آلاف المزارع في منطقته والمناطق المجاورة جميعها قد غرقت تحت مياه الفيضان، وعلى إثر ذلك فقد السكان في هذه المناطق مصادر رزقهم الأساسية كما فقدوا الأعلاف التي يعتمدوا عليها في تغذية ماشيتهم، بجانب زراعة الخضروات التي تغطي جزئيًا غذائهم اليومي.

وفي ولاية الخرطوم وحدها، تقول وزارة الزراعة إن عمليات الحصر الأولية لخسائر الفيضانات تقدر  بأكثر من 100 ألف فدان من المزروعات تضررت، مما يؤثر سلبًا على واردات الولاية من الخضر والأعلاف والفاكهة.

حجم الدمار الهائل الذي خلّفه فيضان هذا العام في السودان، اضطر مبادرة «نفير»، التي تأسست قبل سنوات بشكل تطوعي لدرء آثار الكوارث الطبيعية، إلى الإعلان المستمر عن حاجتها لمتطوعين في جميع أنحاء السودان لإغاثة المنكوبين.

وقال عضو المبادرة، محمد طارق لـ«مدى مصر»: «السودان في قلب الكارثة.. ما حدث من تشريد بسبب الفيضان أمر أصبح واقعًا.. لكنّا على مرمى حجر من كارثة صحية تشابه في خطورتها جائحة كورونا»، مشيرًا  إلى أن آلاف الأسر التي وصلتها المبادرة في أحياء العاصمة، تعيش في العراء وظهرت بينها أمراض كالملاريا، ما دفع إلى الاستنفار بعدد كبير من الكوادر الصحية لعمل مخيمات صحية في مراكز الإيواء المؤقتة، وتمّ توزيع الأدوية والناموسيات التي تبرعت بها جهات عديدة للمبادرة.

ويرى طارق أن الحكومة في أزمتها الاقتصادية المعلومة لا تستطيع أن تغطي لوحدها هذه الكارثة. ويقول: «نحن نتعاون مع الحكومة في توفير بعض المعينات كأجهزة المعامل الطبية وأفراد الكوادر الصحية المتطوعين».

وعلى الرغم من توزيع التبرعات الإغاثية لمنظمات المجتمع المدني ووكالات الأمم المتحدة في السودان والتبرعات العينية التي يدفعها الشعب السوداني، إلا أن المبادرة تقول إنها لا تستطيع تغطية كل المناطق المُضارة، مؤكدة أنها تلقت بلاغات بأضرار بالغة في عدة مناطق لكن لم تستطع الوصول إليها.

وكانت وزارة المالية قد أعلنت عن تخصيص 15 مليون جنيه للدفاع المدني والتصديق بـ 202 مليون أخرى كدعم إضافي، بجانب تخصيص 33 مليون جنيه لوزارة الصحة لمجابهة آثار الفيضانات والسيول والطوارئ الصحية التي تنجم عنها؛ جملة المبلغ بالدولار مليون وربع.

وقال عضو اللجنة الاقتصادية بتحالف قوى إعلان الحرية والتغيير (التحالف الحاكم) عادل خلف الله لـ«مدى مصر» إن تلك الالتزامات التي حددتها وزارة المالية لا تتعدى كونها «أعمال إغاثية»، مضيفًا أن المشكلة الأكبر تتركز في غياب الإحصاءات الواضحة عن الخسائر، قائلًا إن «لا أحد يمكنه تقديم أي تقديرات..الكارثة كبيرة وننتظر نتائج عمل اللجان التي تم تشكيلها».

ويشير خلف الله، إلى أن الحكومة الانتقالية في البلاد بعد جائحة كورونا عدلت في 23 يوليو الماضي، موازنتها للعام  2020 بعد خسارتها 40% من الإيرادات العامة، ويضيف: «من جائحة كورونا إلى كارثة الفيضان يفقد السودان موارد كبيرة لدعم موازنته وتحسين اقتصاده وشيك الانهيار بالنظر إلى حجم الأخطاء الاقتصادية الكبيرة التي ارتكبها النظام البائد».

وفي قلب أزمة الفيضانات والسيول، لا تغيب مظاهر التدهور الاقتصادي عن الشارع السوداني. طوابير الخبز والوقود، وتزايد أسعار العملات الأجنبية مقابل الجنيه السوداني الذي هبط لمستويات قياسية أمام الدولار، ويتراوح سعره من 180 إلى 250  جنيهًا للدولار الواحد في السوق السوداء، وصاحب ذلك زيادة في سعر جرام الذهب الذي وصل إلى 14 ألف جنيه سوداني بدلًا من تسعة آلاف.

وتشكو الحكومة السودانية في شقها المدني، المتمثل في مجلس الوزراء، من عدم ولاية وزارة المالية على المال العام. وقال رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، في أغسطس الماضي، إن غالبية موارد البلاد الاقتصادية ليست تحت سيطرة الحكومة، مُشيرًا في مقابلة مع الإذاعة الرسمية إلى أن «18% فقط من الموارد الاقتصادية للبلاد تحت سيطرة الحكومة»، الأمر الذي دعا رئيس مجلس السيادة، الذي يشكل المكون العسكري في الحكومة الانتقالية، لاتهام المدنيين بـ«الفشل».

اعلان
 
 
نصر الدين الطيب 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن