نقد حزب الله: كيف وإلى أي مدى؟

عقب ساعات من انفجار مرفأ بيروت الشهر الماضي، والذي أسفر عن مقتل حوالي 200 شخص وإصابة حوالي سبعة آلاف، خرجت الكثير من التحليلات التي تتناول الشأن اللبناني، وفي القلب من ذلك الموقف من حزب الله. شكّل الموضوع فرصة لمناقشة موقف التيارات التقدمية من هذا الحزب.

اتفق مع التحليلات التي تطرح حتمية صدام أي مشروع ديمقراطي تقدمي وطني أو حتى إقليمي مع المشروعات الدينية والطائفية، وأن مآل هذه العلاقة هو الصراع بالضرورة. ولنا في رؤية حزب الله للثورات العربية عمومًا، والثورة السورية خصوصًا، دليلًا على هذا الصدام. وهذا كلام ليس جديدًا فهو متوافق مع طبيعة هذه النوعية من الكيانات وبنيتها السياسية والاجتماعية. صحيح أن الحزب امتلك في أوقات سابقة خطابًا مربكًا قائمًا على فكرة المستضعفين في مواجهة المتكبرين، وهو خطاب مستمد من أفكار رجال دين شيعة كالسيد محمد حسين فضل الله، وكانت تشكل امتدادًا لأفكار الإمام موسى الصدر. لكن هذا الخطاب نابع في الأساس من المظلومية التاريخية للشيعة، وهو خطاب خفت بوفاة هؤلاء الرجال، ولم نره يومًا يترجم في سياسات بعيدًا عن النموذج الخيري الذي تتبناه التيارات الدينية في السياسة.

لذا، فإن التعويل عليه كمساند أو داعم لأي حراك ديمقراطي مدني هو وهم من الأوهام، وهو ما ثبت منذ بداية ثورة 17 تشرين [أكتوبر] في لبنان والتي وقف الحزب على النقيض منها. وعليه، فإن نقد الحزب هو ضرورة، لكن أي شكل من النقد؟

على الرغم من التنويع والتعقيد الشديد في الساحة السياسية اللبنانية، وبالطبع الحزب هو جزء أساسي من هذا التعقيد، إلا أنه يجب التمييز بين الخطابات المختلفة الناقدة له محليًا وإقليميًا، والتي يمكن تقسيمها إلى أربعة خطابات أساسية، تتضمن تنويعات في ما بينها.

أول هذه الخطابات ذلك الآتي ممَن خاب أملهم في الحزب بعد أن كانوا مؤيدين له بشكل شبه مطلق من رافعي صور حسن نصر الله في الميادين عام 2006، هؤلاء الذي تجاهلوا طبيعته الطائفية والرجعية عند تأييده، اكتشفوا الحقيقة على مراحل متتالية. الأولى عندما قرر حزب الله إشعال الأحداث المعروفة بـ«7 أيار» عام 2008، والتي سيّطر فيها على العاصمة بيروت بقوة السلاح احتجاجًا على قرار صدر من الحكومة بتفكيك شبكة اتصالاته الأرضية وتحركات من بعض القوى المناوئة له لكسر حالة التباهي التي سيّطرت على الحزب بعد انتصاره في 2006. الثانية صاحبت قرار حزب الله أولًا بتأييد نظام الأسد في سوريا ومن ثم تدخله للقتال عسكريًا في الداخل السوري، والأخيرة أتت مع موقف الحزب المناهض لثورة 17 تشرين.

كان هذا خطابًا عاطفيًا من الأساس، وصل أصحابه إلى استنتاج أن «الحزب توقف عن كونه حركة مقاومة»، دون حتى مناقشة حقيقية لماهية المقاومة وتكتيكاتها أو دقة المعلومات التي تبنى عليها هذه المقولة. الأزمة مع هذا الخطاب أن عند ترجمته سياسيًا فإنه يسيء تقدير قوة الأطراف الأخرى، ويصر على قياس قوة أي طرف بما لديه من سلاح فقط، وهو أمر ليس دقيقًا ويستوجب المراجعة، فالتحالفات والقدرة على المناورة دوليًا ليس طرفها الأقوى حزب الله، والسلاح له حدود استخدام في الداخل وفي السياسة.

وهنا كذلك يتوجب علينا القول إن حزب الله ليس الضامن والحامي للنظام الطائفي، بل هو الحامي والضامن للسلطة المتولدة من هذا النظام في السنوات الثلاث الأخيرة فقط. والحقيقة أن الحريرية السياسية [نسبة إلى رئيس الوزراء الأسبق ومؤسس تيار المستقبل رفيق الحريري] سبقت حزب الله إلى موقع حامي النظام بسنوات طويلة، تحت إشراف وإدارة السعودية وبتحالف داخلي مع خصوم الحزب التقليديين. غفل أصحاب الخطاب الأول أن حامي وضامن النظام الطائفي هو ميكانيزمات النظام ذاته بأطرافه المختلفة. تشكلت من زعماء الحرب طبقة من السياسيين تستمد شرعيتها من مجرد كونها طرفًا في السلطة الحاكمة، وتكونت مجموعات الاوليجارشية المستفيدة من هذه الطبقة وعلى رأسها المصارف (البنوك)، لتتشكل طبقة سياسية مركبة تنازلت عن الاهتمام التقليدي بأبناء الطوائف وتراجعت عن تقديم المساعدات المالية المقدمة لهم، مع الحفاظ على خط رجعة يسمح لتلك الطبقة باسترجاع الولاءات الطائفية وقتما تحتاج إلى ذلك.

أما الخطاب الثاني، فهو خطاب طائفي مذهبي يعتمد على التضليل وترديد الأكاذيب بوضوح. يدعي هذا الخطاب على حزب الله ويحمله مسؤولية ما لا يقوم به، وبعد عشر دقائق من انفجار المرفأ انهال علينا بالتحليلات الجازمة: إنهما انفجاران متزامنان قام بهما الحزب استباقًا لحكم المحكمة الدولية للتحقيق في اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري. لا، الحزب كان يخزن السلاح في المرفأ وبين المدنيين وأحدهم ضرب المخازن، والبعض ذهب إلى أن الحزب منع المساعدات الدولية من الوصول إلى لبنان. كان يكفي هؤلاء نظرة مختصرة لبيانات الحكومة أو لمواقع الجهات المانحة للتأكد من كذب تلك الأمور.

لا أريد أن أنفي أي مسؤولية محتملة للحزب في التفجير، لكني لا أرى أسبابًا موضوعية لليقين عند هؤلاء عندما يصدرون مثل هذه الأحكام القاطعة. وينسجم ذلك مع عبارة شهيرة تصاحب كل تشكيل وزاري جديد. «حزب الله يعطل تشكيل الحكومة»، وهذه كذلك عبارة مرسلة بلا دليل أو إشارة، بدون اعتبار لمفاوضات من طبيعتها أن تشهد طرح وطرح مقابل، وأن تشهد أطراف أخرى أكثر تعنتًا من حزب الله، اعتاد الكثيرين عند الحديث عنهم القول: «عندما يقدموا لائحة مطالب عليك بقراءتها من أسفل والموافقة على آخر بند.. فهذا ما يريدونه حقيقة».

وعندما يتحدث هؤلاء عن تاريخ الحزب في التعرّض للحريات الفردية، فإنهم يتناسون أن المجلس الماروني العام هو من منع فرقة مشروع ليلى من إقامة حفلها، ويتناسون أن رجل السعودية في لبنان نهاد المشنوق كان هو أول وزير داخلية لبناني يقرر منع عرض أفلام سينمائية، أو أن مناطق السنة تشهد تشددًا تجاه ريادة الشواطئ وشرب الخمور.

عندما يتحدث هؤلاء عن الشروط الاجتماعية للحزب فإنهم يخلطونها مع العادات الاجتماعية للمواطنين الشيعة. ويربطون شرطيًا بين طقوس الطائفة الدينية والبؤس العام المخيم على لبنان. وبالتالي موقفهم يرفض فكرة التعايش بين المواطنين من الأساس، وفي الحقيقة هذا التيار لديه من الآليات الإعلامية والتأثيرية ما هو أقوى بكثير مما لدى حزب الله. ورغبتهم الأساسية تتلخص في الخلاص من حزب الله وسلاحه وما يمثله، حتى لو جاء ذلك بتدخلات أجنبية، ومن ثم القضاء عليه وحده دون غيره من الكيانات الطائفية القائمة.

أخيرًا، هناك الخطاب التطبيعي الصريح. الذي انتقل من الترويج للتطبيع باعتباره طريق السلام والرخاء، إلى الترويج للنموذج الإسرائيلي باعتباره نموذج للتقدم والديمقراطية، ثم وصل أخيرًا إلى إدانة كل ما هو ضد التطبيع ووصمه بأنه ضد التقدم والرخاء. يركز هذا الخطاب على المقاومة كمفهوم وفكرة، وليس نقدًا للممارسات، فيجمع كل النظم والكيانات التي أعلنت صدقًا أو زورًا العداء لإسرائيل من قوميين إلى إسلاميين إلى نظم تحرر وطني.. إلخ في مكان واحد، ويهاجم من خلالهم فكرة المقاومة باعتبارها أحد الأساليب البنيوية لتبرير القمع والفشل الاقتصادي. وكأن النظم التي لا تتبنى مفهوم المقاومة وتعمل ضده من نظام ملكية وخليجية، إلى دول شكلت الأحلاف في مواجهة المدّ اليساري في فترات تاريخية، تنعم في منطقتنا السعيدة بالحريات والديمقراطية، أو أن الدول التي دخلت في علاقات مع إسرائيل حققت نقلات اقتصادية وعم الرخاء بسببها.

يمتد الخطاب الأخير على استقامته ويهاجم أي فكرة تقاوم النظام العالمي، ويوصم أي خطاب مناهض للإمبريالية بـ «الشعبوية». يتجاهل صعود شعبوية يمينية حقيقية في العالم كله تعادي المفهوم المقاوم بشكل واضح. الولايات المتحدة نفسها التي اتهمت كل مَن يهاجمها بالشعبوية أصبح يحكمها يمين شعبوي، وهنا لا مانع من وصم فعل المقاومة نفسه بالإرهاب لتبرير أي إجراء يتخذ ضدها.

هنا نحن بصدد خطاب آخر، الخطاب التقدمي الذي ينقد التيارات والممارسات ولكنه يدعم فكرة المقاومة كجزء من مشروع تقدمي بديل لهذه المنطقة، وهنا نجد أصوات متناثرة ومتخصصة في أبعاد متنوعة تحتاج مثل لعبة مكعبات البازل لمَن يجمعها لتشكل صورة هذا المشروع، ومن يمكنه جمعها في رأيي هو الرافعة الاجتماعية التي تتولد من حركات الجماهير. إلا أن هذا الخطاب لا يزال مدفوعًا بهاجس الانفصال عن التيارات الرجعية التي تتبنى مفهوم المقاومة، ويستغني هذا الخطاب عن أفكار أو مبادئ مهمة، هي تنتمي له بالأساس، لمجرد أن بعض هذه التيارات يتبناها، ولكنه في المقابل لا يقيم حساب لاحتمال التماهي مع الخطابات الثلاثة السابقة في كثير من الأحيان.

عندما نتحدث عن مشروع تقدمي فهو لا يستقيم إذا نزعت عنه المقاومة كمفهوم، فإن أحد أركان أي مشروع تقدمي في سياق الوضع الدولي الراهن وتطور النظام الرأسمالي وصعود اليمين عالميًا، ومنطقتنا هي نموذج دال على ذلك، هو مقاومة كل ذلك. وفي الحالة اللبنانية فإن تركيز التصويب على الحزب -وحده- ونقده بشكل مستقل ما هو إلا خدمة لخطابات أخرى ضد المشروع التقدمي. ومشكلة التماهي مع تلك الخطابات أنه يضع الخطاب التقدمي في مأزق تحديد الخصوم وكيفية التعامل معهم، ويركز كل مدفعيته على طرف واحد ويصبح المشروع البديل هو بديل لهذا الطرف بينما الطعنات تأتيك من مئة جهة لتسقط مشروعك. ما نحتاجه هو نقد متكامل للنظام ككل، يكون قادرًا على هزّ المنظومة ككل بحزبها وأحزابها وزعمائها.

هل يعني كل ذلك تأجيل المواجهة مع حزب الله والكيانات الشبيهة؟ لا، فإن أي تأخير ليس في صالح المشروع الديمقراطي والتقدمي في منطقتنا. لكن ذلك يكون أولًا ببناء خطاب بديل يحمل القيم التقدمية، ويطرح رؤية متكاملة تتمكن في حالة لبنان أن تحل بديلًا للخطاب الطائفي، كخطوة أولى يتم عبرها بناء القوى التي يمكن أن تتبنى هذا المشروع لإسقاط النظام الطائفي وفي قلبه حزب الله. أما إسقاط المُنتج السياسي وحده دون إسقاط ما أنتجه، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الظاهرة ذاتها بوجوه أو كيانات مختلفة لكن بنفس الطبيعة وربما بشكل أكثر شراسة.

اعلان
 
 
محمد العجاتي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن