العنصرية الأمريكية كفكرة مؤسِسِة: تاريخ الرأسمالية العنصرية (2-2)

من المخطط أن تشهد الولايات المتحدة في نوفمبر القادم انتخابات رئاسية وبرلمانية على كامل مقاعد مجلس النواب وثلث مقاعد مجلس الشيوخ. وبينما ينتظر الشعب الأمريكي -والعالم أجمع- نتيجة تلك الانتخابات في ظل استمرار أزمة وباء كورونا وانتفاضة لم تتوقف منذ مايو الماضي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن إدارته ستوزع مصلًا للفيروس يوم 1 نوفمبر. وليس من قبيل الصدفة أن يأتي هذا الموعد قبل يومين فقط من الانتخابات. كما أعلنت نقابة الشرطة تأييدها إعادة انتخاب ترامب.

سعى هذا المقال في جزئه الأول إلى قراءة تأثير الحركة الاحتجاجية الواسعة التي انطلقت عقب مقتل أحد المواطنين السود خنقًا بيد أحد رجال الشرطة، وسط تداعيات وباء كورونا، على المشهد السياسي الأمريكي عشية الانتخابات الرئاسية، وانعكاس ذلك على خطاب وأداء الفاعلين الانتخابيين، ويؤصل هنا في الجزء الثاني من المقال لجذور فكرة العنصرية الهيكلية في تاريخ الرأسمالية الأمريكية.

 

إن إقدام عناصر البوليس الأمريكي على قتل مواطنين سود ليس مجرد حوادث فردية أو حتى ظاهرة تخص هذا العصر، الأمر يعود للتاريخ الأمريكي المؤسس. وكذلك، فإن مسألة العنصرية تلك لا تأتي منعزلة عن باقي ملامح المجتمع.

ومن الصعب تلخيص تطور الرأسمالية الأمريكية في سطور قليلة. لكن يمكن القول باختصار إن الرأسمالية الأمريكية في نشأتها وتطورها كانت دائمًا مرتبطة بالعنصرية، بما يشكل ما سمي بـ «الرأسمالية العنصرية». ومصطلح الرأسمالية العنصرية مصطلح جديد ظهر عام 1983 في كتاب «الماركسية السوداء» لمؤلفه سيدرك روبنسون. في هذا الكتاب الهام بنى روبنسون تحليله على أعمال الكثير من المنظرين السود الماركسيين مثل أوليفر كوكس، ودبليو أي بي دي بويز، وسي إل آر جيمس. ومن خلال دراسته لأعمالهم في سياق نضال السود في الولايات المتحدة وخارجها، أوضح روبنسون كيف تعمل الرأسمالية من خلال العنصرية، مرسخًا لفكرة أن العنصرية ليست مجرد أداة ثانوية لعمل الرأسمالية الأمريكية ولكنها جزء أصيل من كيفية عملها. وتعني الرأسمالية العنصرية ببساطة أن مؤسستي الرأسمالية والعنصرية يعتمدان ويستفيدان من بعضهما البعض. فكما تستفيد الرأسمالية من العنصرية وتعتمد على تأجيجها والاستثمار فيها ربحيًا، تستفيد العنصرية من الأوضاع العرقية وارتباط هيراركية العرقية بالاستغلال وترسيخ الأوضاع العنصرية القائمة.

باختصار، فإن الرأسمالية العنصرية كانت ملمحًا أساسيًا لتطور الرأسمالية الأمريكية منذ نشأتها اعتمادًا على العبودية والاستيلاء على أراض السكان الأصليين ثم في سنوات التطور الطويل لهذه الرأسمالية. وهذا التطور هو الذي استدعى وأدى إلى التكوين المؤسسي للبوليسية العنصرية كما سنستعرض بعد قليل.

 ولنبدأ بنشأة الرأسمالية الأمريكية. في كتابه «تاريخ قصير للرأسمالية الأمريكية» يقول المؤرخ الأمريكي ماير وينبرج إن نشأة الاقتصاد الأمريكي مرت بثلاث مراحل أساسية. المرحلة الأولى منذ عام 1600 إلى 1790 تقريبًا. واعتمدت هذه المرحلة على الاكتفاء الذاتي المرتبط بالزراعة والتجارة وخصوصًا تجارة التبغ، معتمدة بشكل أساسي على العبودية والسخرة، ولا يمكن وصفها بأنها رأسمالية بالمعنى المعروف لكنها كانت شبه رأسمالية.

وفي المرحلة الثانية، من عام 1790 وحتى 1865، ظهرت الصناعة بما يعنى ظهور تطور رأسمالي في إدارة عملية الإنتاج. وكانت من أهم ملامح هذه الفترة فقدان الزراعة لهدف الاكتفاء الذاتي، وتم ربط الصناعة بالزراعة وانتشار وأهمية فكرة سوق الإنتاج. وفي هذه الفترة انتشرت وتطورت الطبقة العاملة البيضاء واستمرت جنبًا إلى جنب مع بقايا العبودية ومع العمال السود الذين تم تحريرهم من العبودية. وفي المرحلة الثالثة، وهي من عام 1865 حتى 1920، تطورت الصناعة بطريقة مذهلة وسريعة وأصبحت الزراعة مرتبطة بالكامل بعملية التصنيع والإنتاج الرأسمالي. وفي المرحلتين الثانية والثالثة كان تصنيع القطن صناعة بارزة، بالإضافة إلى صناعة السيارات والحديد والتعدين.

وبينما مثلًا كان تطور الرأسمالية الأوروبية مرتبطًا بالتخلص من الإقطاع والاعتماد على حرية الطبقة العاملة في العمل والتنقل، كانت نشأة الرأسمالية الأمريكية أمرًا معقدًا وهجينًا. كما يقول وينبرج في كتابه مثلًا أصبحت الزراعة مرتبطة بالرأسمالية في إنجلترا في وقت قصير، ولكن في الولايات المتحدة استمرت الزراعة المبنية على الإقطاع والعبودية جنبًا إلى جنب مع الرأسمالية. وبينما كانت الرأسمالية الأوروبية معتمدة اعتمادًا كليًا على العمالة الحرة (قانونيًا)، فإن الرأسمالية الأمريكية تطورت بناءً على وجود عمالة حرة (بيضاء) وعمالة شبه حرة (بيضاء وملونة) وعمالة قائمة على العبودية تمامًا من السود. ويمكن القول باختصار إن الرأسمالية الأمريكية هي نموذج فريد من نوعه، بل هي أول رأسمالية في العالم ارتبطت في ظهورها بالأساس بالاستعمار (والاستيلاء على أراض وقتل السكان الأصليين وعلى العبودية، بالإضافة إلى فرصة الاستمتاع واستغلال خيرات طبيعية مهولة في الأراضي الأمريكية.

يمكننا القول إنه بدون الاستيلاء على أراض السكان الأصليين طوال قرنين، وبدون استخدام العمالة الإفريقية المبنية على العبودية أيضًا لما يتجاوز القرنين، لم تكن الرأسمالية الأمريكية لتنشأ بالطريقة التي ظهرت بها.

لكن كيف نفهم هذا في سياق الثورة الأمريكية، والتي يفترض أنها رسخت للاستقلال من الاستعمار البريطاني ورسخت حرية المواطن الأمريكي؟  للإجابة على هذا السؤال يمكننا إلقاء نظرة سريعة مختزلة لأهم حزمة من القوانين المؤسسة للولايات المتحدة وحرية مواطنيها، مثل إعلان الاستقلال عام 1776، ثم الدستور عام 1789 وإعلان للحريات عام 1791. وقد تم تعديل الدستور 25 مرة تعكس تطور المجتمع، معظم هذا التطور كان له علاقة بتطور الإنتاج والعنصرية. فعند كتابة الدستور نفسه كان هناك ست ولايات من الـ 13 ولاية المؤسسة للدولة هم مستوطنات قائمة على العبودية، وكان هناك 25 من بين 55 مندوبًا من الذين ناقشوا الدستور وأقروه من ملاك العبيد. جورج واشنطن وهو أول رئيس أمريكي كان من ملاك العبيد، وتوماس جيفرسون وهو من الآباء المؤسسين وتم انتخابه كالرئيس الثالث كان من ملاك العبيد أيضًا، وفي عام 1802 عندما أصبح رئيسًا جلب بعض العبيد معه من مزرعته\اقطاعيته بفيرجينيا لخدمته في البيت الأبيض. صحيح أنه لم ينص الدستور صراحة على أن الملاك البيض من الذكور فقط هم من لديهم حق التصويت، ولكن الدستور أعطى الولايات حق تنظيم هذه المسألة وهذا هو كان الواقع. وهناك جدل قانوني ودستوري كبير حول موقع العنصرية في الدستور، ولكن الدستور نفسه تضمن إشارة لأنواع مختلفة من البشر، وأيضًا أقر بفكرة أن تنظيم العمل والخدمة والسخرة هو أمر يقره القانون (المادة 4). أي أن العبودية لم تكن مسموحة صراحة ولكن ضمنيًا بالدستور وفقًا لهذا النص.

والمسألة لم تكن مجرد خلط أو غموض دستوري، ولكن العبودية كانت أمر واقع مرتبط بالإنتاج القائم على العبيد الأفارقة وخصوصًا في الجنوب. وقد صدر التعديل رقم 13 الشهير للدستور عام  1865 بعد الحرب الاهلية، وهذا هو التعديل الذي نص على تحريم العبودية والسخرة. أي أن تحريم العبودية دستوريًا لم يحدث إلا بعد تقريبا 100 عام من إعلان الاستقلال، ولم يكن ليحدث سوى بحرب أهلية.

حدثت الحرب الأهلية من عام 1861 واستمرت أربع أعوام لتنتهي عام 1865، وعلى عكس ما يدرسه معظم الأمريكيين في تصوير هذه الحرب بأنها كانت حربًا لتحرير العبيد من قبل الولايات الشمالية وبقيادة الرئيس الأمريكي ابراهام لينكولن، كانت الحرب في حقيقتها حرب حول انفصال الولايات الجنوبية، وكانت في حقيقتها حرب بين نمطين من الإنتاج: المصنعين الرأسماليين في الشمال والذين أرادوا الحصول على العمالة الموجودة بكثرة في الجنوب، وأصحاب الإقطاعيات في الجنوب المبنية كليًا على مزارع القطن والعبودية، وهم الذين أرادوا استبقاء العبيد للعمل في هذه المزارع.  وحتى هذا التصور النقدي للحرب لا يتضمن دور السود في التحرير وكان في منتهي المركزية، سواء أكانوا جنودًا في جيش الشماليين أو من العبيد الذين أضربوا عن العمل في مزارع القطن وهربوا وساهموا في خسائر كبيرة لملاك هذه المزارع في وقت الحرب.

ومن أهم الأمور الرمزية ذات الدلالة السياسية الهامة هي موقف النظام الأمريكي (الذي يفترض أنه كان نظاما ثوريًا) من ثورة هاييتي عام 1791 والتي استمرت حتى عام 1804. وفي هذا الوقت كانت هاييتي تحت الاستعمار الفرنسي، وكانت الثورة بقيادة العبيد، واعتبرت من أهم ثورات تاريخ الإنسانية ولم تلق اهتمامًا كافيًا، وخاصة لأنها كانت ثورة استقلال وأيضًا ثورة طبقية ضد العبودية. كان جيفرسون وزير خارجية في بدايات هذه الثورة. وقرر جيفرسون دعم الاستعمار الفرنسي لإعادة السيطرة على جزيرة هايتي، وكان يخشى أن يكون انتصار العبيد في الحصول على حريتهم وحقهم في إنشاء دولة حرة في هايتي هو بداية ثورة لحرية العبيد في الولايات المتحدة. وقرر جيفرسون منح البيض المستعمرين في هايتي قرضًًا بمبلغ 300 ألف دولار للتخفيف عنهم من آثار الثورة. وأراد جيفرسون أيضًا طمأنة ملاك العبيد في الولايات الجنوبية بهذا الموقف. ويذكر أن جيفرسون قال أثناء حملة ترشحه عام 1801: «اذا لم نتدخل فورًا فإننا سنكون السبب في قتل أطفالنا (بسبب انتفاضة محتملة للعبيد)». ليس هذا فقط، ولكن بعد توليه الرئاسة فرض جيفرسون حصارًا اقتصاديًا على هايتي من 1806 حتى عام 1808، ورفضت الولايات المتحدة الاعتراف باستقلال هايتي حتى عام 1862.

باختصار شديد يمكن القول إن الثورة الأمريكية (وهي كانت حرب استقلال أكثر منها ثورة) كانت ثورة هجينة ومليئة بالتناقضات. فقد تحدثت عن ورسخت الاستقلال (فقط من الاستعمار البريطاني)، ولكن الاستعمار الاستيطاني استمر بعدها. ورسخت هذه الثورة الحرية للمواطن الأبيض الذكر وخاصة من أصحاب الملكية، لكن لا للنساء ولا للعبيد، والذين لم يكن لديهم حق التصويت لسنوات طويلة. ويكفي أن نتذكر أن الثورة تسامحت مع وقامت على أساس العبودية والإبادة الجماعية. وإذا نظرنا لموقف جيفرسون والنظام الأمريكي من ثورة هاييتي، فليس من قبيل المبالغة القول إن قيادات الثورة الأمريكية أنفسهم لعبوا دور الثورة المضادة بالنسبة لهايتي.

فرص ضائعة للتحرر

وبدون القفز على مراحل تاريخية كثيرة نجد أن تاريخ الولايات المتحدة كان تاريخًا من الفرص المهدرة لوجود تحالف عرقي قوي ينهي العنصرية كعمود فقري للرأسمالية الأمريكية. ومن أهم الفرص المهدورة ما عرف بسنوات إعادة البناء، وهي السنوات التي أعقبت الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865) واستمرت إلى 1877. وكما شرح عالم الاجتماع الراحل الكبير دبليو أي بي ديبويز في كتابه إعادة البناء، والذي شرح فيه ما تم في  سنوات ما بعد الحرب الاهلية وإهدار فرصة تاريخية للتضامن بين العامل الأبيض والعامل (المتحرر) الأسود، فإن المؤسسة العنصرية استمرت في لوم السود وقالت إنهم لم يشاركوا في البناء بعد الحرب الأهلية. وشرح العالم الكبير فكرة الأجر النفسي للعامل الأبيض، وهو بالرغم من عدم تمتعه بالملكية والوجود في وضع طبقي مميز، لكنه كان يجد في تميزه، ولو فقط في صورة وظيفة لإخضاع الرجل الأسود، ميزة كبيرة.

 ومن الأمثلة الهامة كذلك قانون واجنر (المعروف أيضًا بقانون علاقات العمل)، والصادر عام 1935. ضمن هذا القانون للعمال الحق في التنظيم وخلق النقابات والتفاوض الجماعي وحمايتهم من الفصل، ولكنه تعمد منذ نشأته حرمان كل العمالة الزراعية وعمال المنازل من حق التنظيم. وحتى هذا الوقت (ثلاثينات القرن العشرين) كان ما لا يقل عن نصف عدد العمالة السوداء من الرجال وأكثر من 90 % من العمالة السوداء من النساء، يعملون في هذين القطاعيين بالعصر الذهبي للرأسمالية الأمريكية. ما عنى فعليًا منع السود من التنظيم وتحطيم أي فرص للتضامن والعمل النقابي المشترك بين العمالة السوداء والبيضاء.

 ماذا حدث في المرحلة النيوليبرالية؟ 

بالتقدم عدة عقود زمنية للأمام، فلم تكن المرحلة النيوليبرالية أفضل كثيرًا. لنذهب إلى لحظة وصول رونالد ريجان إلى رأس الإدارة الأمريكية لينقلب على المرحلة الكينزية التي أتت لعلاج آثار الكساد الكبير.

كانت حملة ريجان الانتخابية قائمة نسبيًا على خطاب اقتصادي مغلف بأبعاد عنصرية ومعادي للنساء، مثل تكراره القول إن المنتفعين باقتصادنا هم رجال بعضلات قوية يستخدمون الإعانات والقروض الفيدرالية ليأكلوا اللحم (في تلميح لكسلهم وكونهم فقراء سود)، بدلًا من أن يعملوا ويدفعوا الضرائب، وأن هناك نساء أصبحوا «ملكات الإعانة welfare queens».

 وأثناء رئاسته دعم ريجان كل ما فعلته الولايات الجنوبية من استمرار في وضع عراقيل انتخابية للملونين والسود. وعارض إصدار قانون عام 1988 لتصحيح الحقوق المدنية، وكان القانون ينص على أن كل مؤسسات الدولة يجب عليها الالتزام بمعايير الحقوق المدنية إذا أرادت الحصول على دعم فيدرالي، ولكن القانون صدر برغم معارضة ريجان بعد موافقة الكونجرس. وقطع ريجان التمويل عن «مجلس التكافؤ في الفرص» وقطع تمويل الكثير من البرامج الفيدرالية الخاصة بالرعاية الاجتماعية ورعاية الطفل ودعم السكن وبرامج توفير الغذاء في المدارس، والتي كان يحصل عليها في الغالب فقراء.

في خلال السنوات الأولى لحكمه، وصل حجم ما قطعه من الإنفاق الحكومي على الرعاية الاجتماعية إلى 20 مليار دولار. ونتيجة لهذه السياسات خسر مئات الآلاف من السود والفقراء الملونين وظائفهم، كما تأثر الكثير من الفقراء البيض بهذه السياسات بالطبع.

وبدون تجاوز للخصوصية التاريخية لتطورها، يمكن القول إن السياسات النيوليبرالية استمرت مع بعض التنوع منذ رئاسة ريجان، ولم يفرق في هذا وصول إدارات ديمقراطية مثل إدارة كلينتون وأوباما أو الجمهورية مثل جورج بوش، ووصولًا لوقت ترمب، مرحلة الشعبوية اليمينية القائمة على استمرار الاقتصاد النيوليبرالي مع مغازلة الفاشية وفكرة السيادة للبيض بطريقة شبه صريحة.

ويقسم الباحث أفيس جارسيا المتخصص في الرهن العقاري تطور سياسات النيوليبرالية في الولايات المتحدة لثلاث مراحل: سنوات السبعينات وهي مرحلة إرهاصات النيوليبرالية، وسنوات الثمانينات وهي مأسسة النيوليبرالية، ثم مرحلة التسعينات وما تلاها وهي مرحلة تعميق النيوليبرالية.

 وتعتمد النيوليبرالية في ما يتعلق بالعنصرية على خليط عجيب من الأفكار: مثل أن فكرة الحرية تتحقق فعلًا بحرية السوق، وأن كل مشاكل العنصرية هي مشاكل فردية ويمكن مواجهتها بالمسؤولية الفردية (إذا وجدت أصلًا) وأن السوق الرأسمالي (سواء الإنتاج أو الاستهلاك أو العمل) هو سوق محايد لا يعترف بالعنصرية، بالإضافة إلى تبني فكرة غريبة هي أننا نعيش في عصر ما بعد العنصرية (post racial society or color-blind racism)، والاحتفاء الفارغ بالتعددية الثقافية والعرقية بدون أي تغيير اجتماعي. وكانت ذروة الفكرة السابقة بعد انتخاب أوباما، وسرعان ما اكتشف الكثير من الأمريكيين زيف كل ذلك. وظهر ذلك عند انتخاب ترامب عام 2016 والذي كان بمعنى من المعاني رد فعل على رئاسة أوباما. وليس من قبيل المبالغة القول إن النيوليبرالية لها وجه تقدمي زائف يحتفى بالتعددية ويتعامل مع التعدد العرقي كسلعة، ووجه رجعي يميني شعبوي، وربما فاشي، ويستخدم العنصرية بفجاجة من أجل مصلحة السوق ورأس المال.

كانت الثورة النيوليبرالية ببساطة تتضمن إطلاق العنان للسوق ووحشيته للتحكم في المجتمع. وبموجب هذه الثورة تتحول الدولة تقريبًا لخادم السوق، وتتضمن في ما تتضمنه تخلي الدولة عن كل مهامها الاجتماعية، وسنعود لهذه النقطة بعد قليل. تطلب هذا التاريخ الطويل من الرأسمالية العنصرية وظيفة معينة للشرطة، يمكن تسميتها بالبوليسية العنصرية. فما هي بالضبط؟ وكيف كانت الشرطة تعمل طوال تاريخها في الولايات المتحدة من خلال العنصرية كمؤسسة؟

البوليسية العنصرية

وفقًا للعديد من الاحصائيات فإن السود الأمريكيين معرضون للقتل من قبل البوليس  بمعدل مرتين ونصف بالمقارنة بالبيض، وهناك واحد من كل ألف مواطن أسود معرض للقتل من قبل البوليس. وفي مينابوليس وهي المدينة التي قتل فيها فلويد، استخدمت الشرطة العنف ضد السود بمعدل سبعة أضعاف ما يتم استخدامه ضد البيض. ووفقًا لإحصائية صدرت عام 2018  فإنه يوجد ما لا يقل عن 800 ألف ضابط شرطة بالولايات المتحدة، نسبة 80 % منهم من الرجال، وما لا يقل عن 77 % من البيض (رجال ونساء)، وحوالي 18 %  فقط منهم من السود (رجال ونساء).

لا يمكن النظر لهذه الأرقام بعيدًا عن التاريخ الطويل والتركيبة العنصرية للشرطة. فقد كانت نشأة الشرطة وتطورها في كل مراحلها، بما في ذلك وقت عسكرتها في العقدين الأخيرين، مرتبطة بضبط المختلفين عرقيًا والفقراء وضمان السيطرة عليهم، ومنع التضامن بين الفقراء البيض والفقراء الملونين.

من حيث النشأة، كانت العنصرية جزءًا من مضمون الفكرة البوليسية. فمثلًا ظهر أول بوليس نظامي في الولايات المتحدة في بوسطن عام 1838، وانتشر ذلك إلى نيويورك وفيلاديلفيا والولايات الجنوبية. قبل ذلك كان البوليس غير نظامي ويدار بطريقة مجتمعية. وكان قطاع كبير من ضباط البوليس وخاصة في الولايات الجنوبية يعملون في دوريات مطاردة العبيد. وهذه نقطة في منتهى الأهمية وتشير للطابع العرقي والطبقي معًا لأصول الشرطة. فدوريات مطاردة العبيد (slave patrol) تشكلت من الفقراء البيض من غير أصحاب الأراضي ومستعمرات العبودية، وهدفها كان مطاردة العبيد الهاربين من هذه المستعمرات. بهذا التكوين أصبحت الشرطة مستفيدة من العبودية وأصبحت مصدر دخل وأساس لرضاء الرجل الأبيض الفقير. ولعب هذا التكوين هدفًا مزدوجًا: السيطرة على العبيد من جهة وشراء رضاء الفقراء البيض والتأكد من وجود عداء بين الفقراء البيض من غير أصحاب الأراضي (والذين حصلوا أيضًا على حقوق سياسية) والفقراء السود (العبيد)، وبهذه الطريقة يضمن الأغنياء البيض من ملاك العبيد سيطرتهم. وكانت كل قوات البوليس بطريقة حصرية من الرجال البيض حتى في الولايات الشمالية لوقت طويل. وعلى سبيل المثال فإنه بينما نشأ بوليس شيكاغو بطريقة رسمية عام 1835 فإن أول ضابط أسود في شرطة شيكاغو تم تعيينه عام 1871، أي أن الأمر استدعى أكثر من 35 عام لقبول الفكرة. وبينما نشأ بوليس نيويورك عام 1845 فلم يتم السماح بوجود أي ضابط أسود إلا عام 1911، أي بعد 66 عامًا. وهذا معناه أن الولايات الشمالية نفسها التي كانت تدعى الحرية وإنهاء العبودية لم تكن مهيئة لفكرة وجود ضباط شرطة سود لسنوات عديدة.  ناهيك عن أن هذا الأمر حدث بعد انتهاء الحرب الأهلية بست سنوات على الأقل في شيكاغو وبـ 46 عامًا في حالة نيويورك. وبالإضافة إلى ذلك فإن الكثير من ضباط البوليس كانوا من العائدين من الجيوش التي شاركت في استعمار دول أخرى مثل الفلبين في بداية القرن العشرين، وكان معظم بوليس شيكاغو مثلًا من الجنود العائدين من غزوات استعمارية. وهذه نقطة هامة أيضًا، لأن هؤلاء العائدين كانوا مدربين بالأساس على القمع العرقي.

وقد أشارت تقارير من المباحث الفيدرالية الأمريكية، مثل تقرير صدر عام 2006 وآخر في 2015) أن هناك تزايد كبير لأعداد من عناصر القومية البيضاء أو السيادة للبيض داخل البوليس في الكثير من الولايات. تقول هذه التقارير إن هناك صعوبة لعمل إحصائيات حول التحيز العنصري بين الضباط، ولكنها تشير إلى دخول أعداد من أنصار السيادة للبيض (white supermasists) والمليشيات العنصرية المسلحة على الحدود التي تطارد المهاجرين (skinheads) في العمل الشرطي. هدف هذه المجموعات هو التغطية على الجرائم العنصرية وضمان السيادة البيضاء داخل الجهاز الشرطي، لكن  هذه المسألة ذات عمق تاريخي أيضًا يرتبط بالبوليسية العنصرية.

ظهرت مثلًا منظمة الكو كلوكس كلان، وهي منظمة مسلحة للعنصرين البيض، تاريخيًا بعد الحرب الأهلية وانتصار ولايات الشمال بقيادة ابراهام لينكولن. هذه المنظمة أسسها ضابط في الجيش الكونفيدرالي (يدعى ناثان بيدفورد) عام 1865 وانتشرت في الولايات الجنوبية وكان هدفها قتل وترهيب السود والمهاجرين والكاثوليك. وهناك وثائق وشهادات تاريخية كثيرة تدل على أن البوليس كان متسامحًا مع الكلان بل وسمح لهم بعمل مسيراتهم في ضوء النهار وكان يعرف قياداتهم ولم يلاحقهم على جرائم القتل المنهجية للسود، ولم يحصل السود على حقوقهم السياسية إلا بعد حركة الحقوق المدنية في خمسينات وستينات القرن العشرين.

انتهت حركة الحقوق المدنية بحصول السود شكليًا على حقوق الانتخاب والترشح وبوقف العراقيل أمام تصويتهم، وصدور القوانين التي تمنع من التمييز العنصري في السكن والتعليم… إلخ. صدرت حزمة القوانين الأولى عام 1964 لتضمن منع التمييز في الانتخاب والترشح بصفة أساسية ومنع التمييز والفصل العنصري في التعليم والعمل. وصدرت حزمة قوانين ثانية عام 1968 لمنع التمييز في السكن وإنهاء العقبات التي كانت توضع ضد السود للحصول على قروض سكنية والعيش في مناطق معينة.

ولم يمض عدة أعوام حتى بدأ رئيس الجمهورية ريتشارد نيكسون حربًا على المخدرات عام 1971. وصل نيكسون على أنغام شعارات إنفاذ القانون والضبط، وهذه كانت إشارة للكثيرين من البيض الذين تململوا من سنوات حركة الحقوق المدنية. كانت إدارة نيكسون تقريبًا إدارة تستهدف الانتقام وتوقيف الاتجاهات الثورية المعادية للحرب التي نشأت بعد حركة الستينات. في هذا السياق كانت الحرب على المخدرات، التي أسفرت عن سجن عدد كبير من السود بعقوبات شديدة، غير القبض عليهم دون مبررات أصلًا.

اعترف من عملوا في إدارة نيكسون أن الحرب على المخدرات كان هدفها الأساسي هو السيطرة على السود خاصة ومنع أي انتفاضة لهم. وعلى سبيل المثال نشرت مجلة هاربرز في تقرير لها عام 2016 أن جون ايرلكمان، وهو رئيس شرطة في إدارة نيكسون، قال إن أحد الأهداف الحقيقية للحرب على المخدرات كان «القبض على قيادات السود، واقتحام بيوتهم، ومنع أي اجتماعات لهم، وتصويرهم أمام شاشات التليفزيون والصحافة وشيطنتهم أمام المجتمع كل مساء».

باختصار، يرى كثير من الباحثين أن الحرب على المخدرات لم تكن سوى مؤسسة عنصرية. وبينما شهدت هذه الحرب خفوتًا أثناء رئاسة كارتر، توسعت توسعًا كبيرًا أثناء رئاسة ريجان التي بدأت عام 1981.

بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 ظهرت حرب جديدة، هي الحرب على الإرهاب،  استخدمت هذه الأخيرة كذريعة لتطبيق توسعات كبيرة في سلطات البوليس في الداخل، كما شهدت نقلة كبيرة في مسألة عسكرة الشرطة الداخلية. بدأ ذلك التوسع من قانون الوطنية (patriot act) الذي منح الشرطة سلطات قبض على أي مواطنين بدون تصريح قضائي، مرورًا بالتوسع الكبير في إمداد وحدات الأمن الداخلية بتدريب عسكري ومعدات عسكرية، وانتهاءً بالنقلة الكبيرة لتحول عمليات القبض إلى ممارسات أو عمليات عسكرية متكاملة.

ويذكر أن عمليات الشرطة التي كانت تطبق كحملة عسكرية (سوات SWAT- Special Weapons and Tacticts) كان لها تاريخ قديم منذ ستينات القرن العشرين، وطبقت على وجه الخصوص تجاه التنظيمات الثورية للسود مثل البلاك بانثرز (والتي نشأت أصلًا، ويا للمفارقة، لحماية السود في المناطق الفقيرة من وحشية البوليس). لكن الحرب على الإرهاب خلقت المجال لتطبيق هذه الهجمات بتوسع كبير، وأصبحت تطبق على أمور أخرى غير الإرهاب، مثل المخدرات ومطاردة المهاجرين. وصدر تقرير من اتحاد الحقوق المدنية الأمريكي عام 2014 تم فيه دراسة 800 هجمة سوات طبقت عامي 2011 و 2012 بمعرفة 20 جهة شرطية، جاء فيه أن السوات طُبق على هجمات تتعلق بالمخدرات بنسبة 62% من إجمالي العمليات، وكان 7% فقط من تلك العمليات ردًا على هجمات مسلحة أو بغرض تحرير الرهائن، بكلمات أخرى لم يكن هناك داعٍ لتطبيق الحملة العسكرية سوات على 93% من العمليات. وأشار التقرير كذلك إلى أن نسبة كبيرة من الهجمات كانت تطبق على أحياء فقيرة يتكدس فيها السود والملونين.

ومنذ بداية التسعينات، بدأت السلطات الأمريكية تطبيق برنامج 1033 بمعرفة وزارة الدفاع، والقائم على توفير دعم عسكري تقني لوحدات الشرطة. ووفقًا لأحد الاحصائيات فإن إجمالي تكلفة المعدات العسكرية التي نقلت للشرطة وفقًا لهذا البرنامج من عام 1997 وحتى بداية 2020 هو مبلغ  5.1 مليار دولار.

الحرب على الإرهاب أيضًا طورت من تركيبة وعلاقات الأجهزة الأمنية ببعضها البعض، فلم يتم فقط عسكرة الشرطة ولكن تم إعادة ترتيب بعض الأجهزة لترتبط بقضية محاربة الإرهاب، بما في ذلك قضية المهاجرين. فمثلًا بعد أحداث 2001 استحدثت الإدارة الأمريكية وزارة الأمن القومي لتعاون الشرطة في جميع الولايات، كما طورت شرطة الهجرة والجمارك وتم توسيع سلطاتها في القبض وتوقيف المواصلات واقتحام المنازل بحجة البحث عن المهاجرين غير الشرعيين.

وبالعودة لفترة النيوليبرالية في علاقتها بالبوليسية، فإن التوسع هذا تضمن كذلك شركات الأمن الخاصة. وكان مترافقًا مع  التزايد الضخم لميزانيات الأمن في سياق تراجع رهيب للدور الاجتماعي للدولة. ووفقًا لتقرير لـ«بلومبيرج» صدر بتاريخ 4 يونيو، فقد تضاعفت ميزانية الشرطة ثلاث مرات من عام 1977 حيث كانت تصل إلى 42.3 بليون دولار، ثم ارتفعت إلى 114.5 بليون دولار عام 2017. وفي عام 2017 كانت الميزانية الفيدرالية لمؤسسة الأمان الصحي وسلامة العمل مبلغ 558 مليون دولار، والهيئة الفيدرالية للكوارث مبلغ 3 مليار دولار وهيئة حماية البيئة 9 مليار دولار، وهيئة مواجهة الأوبئة 11 مليار دولار.

هنا يكون شعار إلغاء البوليس، بمعناه المتعارف عليه وتقليص الميزانية، مطلبًا يلمس عصب الموضوع. المنظومة من أصلها قائمة على تأسيس عنصري، وعليه فإن استمرارها مرهونًا بالقمع العنصري ومنتجًا له في آن واحد.

تجتمع كل تلك المشاهد والسياقات التاريخية لتشكل صورة كبيرة تنتظر انتخابات نوفمبر القادم حتى تكتمل. إما أن يبقى ترامب رئيسًا، أو أن يأتي بايدن، في كل الأحوال فإن هذا الحراك أمامه طريقه الطويل، يبدأ من انجازات رمزية استطاع تحقيقها، ويضمن طبيعة خطابه المتقاطع بين مخاصمة البوليس وإنهاء العنصرية، إمكانية بقائه وتوسعه، ليواجه معضلات تنظيمية وسياسية تخصه كحركة لا مركزية تقوم على بعض التنسيق وفقط. تستمد الحركة قوتها من آلام الماضي ووحشية الحاضر، ولو بدا أن زخم الحركة قد تقلص، لكنه لن يموت في الوقت القريب، فقوام الرأسمالية العنصرية والبوليسية العنصرية يقوم على القتل. ولن تتوقف الحركة إذ أن القتل لن يتوقف.ش

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن