نسور الإنسانية التي انقضت على لبنان

بعد أقل من ثلاثة أيام على انفجار هائل في بيروت، أسفر عن مقتل نحو 200 شخص وإصابة عدة آلاف وتدمير المدينة، طار رئيس «برنامج الغذاء العالمي»، أكبر وكالة إغاثة تابعة للأمم المتحدة، إلى العاصمة اللبنانية وتوجه إلى موقع الأنقاض. وقف أمام صوامع القمح الشاهقة المجوفة في المرفأ، والتي يمر عبرها 85% من القمح اللبناني سنويًا، وقد سجل مقاطع فيديو لمنصتيه على فيسبوك وتويتر.

كان يتجول مرتديًا سترة واقية وغطاء رأس مزين بإشارات وكالته وهو مُحاط بزملائه وحراس الأمن، فيما وعد لاحقًا بمساعدة مليون لبناني للتغلب على آثار الانفجار، بما في ذلك نقص المواد الغذائية. ووجهت وكالته في وقت لاحق نداءً لجمع 245 مليون دولار أمريكي للقيام بهذه المهمة، أي ما يقرب من 50% من جميع الأموال التي طلبتها وكالات الأمم المتحدة من أجل تنفيذ العمليات المتعلقة بفترة ما بعد الانفجار.

على مدار 13 عامًا من خدمتي في الأمم المتحدة، نظمت رحلات مماثلة لرؤساء وكالات الإغاثة في كابول وبغداد وحتى في بيروت. لقد ساعدنا ملايين الأشخاص الذين تضرروا جرّاء النزاعات والكوارث الطبيعية، عبر توفير الإمدادات الغذائية وغيرها من الاحتياجات الأساسية للبقاء في ظروف بالغة الصعوبة. لكن الوكالات التي عملت معها لم تكن مدفوعة أساسًا بالتعاطف الإنساني أو التفويضات القانونية، خاصة في الأيام الأولى للكارثة. هناك رغبة عارمة في الحصول على الأموال عند حدوث أزمة، تمامًا كما هو الحال مع المسؤول الإنساني الكبير الذي سافر إلى بيروت وقدم عرضًا أمام وسائل الإعلام العالمية.

لقد أدركت منظمات المساعدة الإنسانية منذ فترة طويلة أن معظم هذه الأزمات هي أزمات سياسية الطابع من صنع الإنسان، ومع ذلك أصبحت تدخلاتها خيرية إلى حد كبير وخالية في الغالب من أي اعتبار جاد للأسباب والتداعيات الاجتماعية والسياسية.

أخبرني أحد كبار مسؤولي الإغاثة ذات مرة، بينما كنا نطير إلى بغداد في مايو 2003، بعد أسابيع قليلة فقط من إطاحة الولايات المتحدة بالنظام المتداعي للديكتاتور العراقي، صدام حسين، أن منظمات الإغاثة تتصرف مثل النسور: إنها تدور ببطء في سماء المنطقة قبل أن تنقض على فريستها. كنا نحلق فوق مطار بغداد في انتظار دورنا في الهبوط عندما صاغ هذه الاستعارة.

بدأت معظم وكالات الإغاثة الاستعداد للحرب في العراق في أواخر عام 2002، قبل أشهر من شن «واشنطن» الغزو. أرسل برنامج الغذاء العالمي، حيث كنت أعمل في ذلك الوقت، خطة طوارئ بقيمة 800 مليون دولار إلى الإدارة الأمريكية. جرى تعليق الخطة داخليًا بعد اعتراضات من كبار موظفي الوكالة، الذين شعروا بالقلق من ظهور الوكالة علنًا كجزء من الاستراتيجية العسكرية الأمريكية الشاملة. عندما جرت عملية إنسانية ضخمة في ربيع عام 2003، بلغت ميزانية برنامج الأغذية العالمي 1.5 مليار دولار، أو ما يغطي 75% من المتطلبات الإنسانية لإغاثة العراق في ذلك العام. حصلت عمليات الحماية وحقوق الإنسان على 0.2% فقط من المبلغ، بواقع 4.7 مليون دولار.

بدأت أزمة لبنان الصيف الماضي ككارثة من صنع الإنسان في بلد يجني حماقات وأخطاء النخب الطائفية الفاسدة على مدى السنوات الثلاثين الماضية أو أكثر. منذ يناير الماضي، تراجعت الليرة اللبنانية بنسبة 70% أمام الدولار، ولم تعد البلاد قادرة على الوفاء بديونها الضخمة، وأصيب الاقتصاد المعتمد على الدولار (المدولر) بالشلل تقريبًا، في حين لم يعد المتقاعدون والمودعون وغيرهم ممن لديهم مدخرات في البنوك اللبنانية قادرين على الوصول الفعلي لأموالهم. ولقد أسهمت جائحة «كوفيد-19» في فض الاحتجاجات التي اندلعت في أكتوبر. لقد عاد المحتجون الآن، إذ يطالب مئات الآلاف من الأشخاص المتضررين بشكل مباشر من الانفجار بإجابات وتحديد المسؤولية. وربما يقترب لبنان من انفجار داخلي هائل.

تعمل الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة الأخرى، التي تطالب الآن بالأموال وتصف الوضع اللبناني بأنه أزمة إنسانية، على حجب الواقع وتساعد -بشكل غير مباشر- النظام الفاسد وغير الكفء الذي ستعمل معه لتقديم المساعدة إلى البلاد. بعد أن تفوق المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي على أقرانه في الحصول على الاهتمام الإعلامي والتعاطف على الساحة العالمية، وعمل مسؤولون إنسانيون آخرون بجد للانضمام إلى موكب التصوير الفوتوغرافي على أنقاض ما كان في السابق أكثر المدن حيوية في هذه المنطقة.

تتصرف هذه الوكالات جميعًا مثل الشركات التي تهتم بالمحصلة النهائية، ومقدار الأموال التي جمعتها، ومقدار نموها في الحجم وكيف يمكن أن تصبح أكبر حجمًا. جمع برنامج الأغذية العالمي 1.7 مليار دولار في عام 2000 ثم 3.6 مليار دولار في عام 2003 (عام الغزو الأمريكي للعراق). لقد تجاوز ما جمعوه في العام الماضي ثمانية مليارات دولار، وتقول مصادر إن الوكالة ستصل إلى مستوى قياسي، يبلغ عشرة مليارات دولار في العام الجاري. وفي ضوء ذلك، يصبح الانفجار في لبنان فرصة.

أصبح هذا النهج المتمركز حول الذات من قِبل معظم وكالات الإغاثة الكبرى واضحًا في العراق عام 2003، وفي سوريا خلال السنوات العشر الماضية والآن في لبنان. لم تعد هذه المنظمات مدفوعة في المقام الأول بدافع إنساني بقدر سعيها إلى الحفاظ على امتيازاتها الخاصة ونهمها للنمو المستمر. ومن هنا تأتي الحاجة إلى وضعها في المكان المناسب في اللحظة المناسبة عند دعم حملاتها لجمع التبرعات من الحكومات والأفراد.

يتغذى أسلوب العمل هذا بشكل أساسي على نظام عالمي غير قادر وغير راغب في التعامل مع الدوافع السياسية للكوارث التي يتدخلون فيها. وبالتالي فإن منظمات الإغاثة، التي تساعد الأشخاص المحتاجين بالطعام والمأوى والدواء، تنمو بشكل أكبر، وتزيد فخامة مكاتبها وضخامة ميزانياتها، بينما يصبح الناس في المنطقة أكثر فقرًا ويأسًا واعتمادًا على الصدقات. تظل الأسباب السياسية والاقتصادية الأساسية كما هي، ولا تتغير الأنظمة الحاكمة الفاسدة والفاشلة والظروف الفوضوية التي تولدها. تستفيد الطبقة السياسية وأعوانها أيضًا بشكل مباشر من التعاقد والعمل مع هذه الوكالات.

بدلًا من تحمل مسؤولياتها أمام المجتمعات التي تعمل معها على أرض الواقع، أظهرت معظم وكالات الإغاثة التزامًا أعمق بالوفاء بالمعايير البرنامجية وتقديم التقارير إلى المانحين الغربيين. وبذلك، تآكلت المبادئ الحاكمة للعمل الإنساني ببطء. لقد ابتعدت صناعة المساعدات بشكل متزايد عن الضرورات الإنسانية واتجهت نحو الحلول السريعة التي يمكن أن تجذب المانحين وترضي النخب السياسية الفاسدة (كليبتوقراطية) التي استولت على دولها -كما هو الحال في لبنان- على نحو يساهم في زيادة إضعاف نظام المساعدة العالمي وخيانة أهدافه السامية. تخون تلك المنظمات أيضًا الأشخاص الذين تزعم أنها تساعدهم، ما يجعلهم أكثر غضبًا تجاه مؤسسات الإغاثة كافة.

اعلان
 
 
خالد منصور 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن