«قرض الصندوق» الجديد.. موسم ثان من الاتفاق السابق دون إجراءات تقشفية
 
 

لأول وهلة، يبدو الاتفاق الجديد مع صندوق النقد الدولي أقل «قسوة» من اتفاق عام 2016، لأن وثائق القرض الجديد التي أفصح عنها صندوق النقد مؤخرًا تخلو تقريبًا من أي إجراءات مالية «تقشفية» الطابع بعكس الاتفاق السابق الذي تضمنت شروطه، على سبيل المثال، تمرير قانون ضريبة القيمة المضافة وتحرير أسعار الوقود، فضلًا عن تحرير سعر الجنيه، وهي كلها إجراءات انتهت إلى ارتفاع استثنائي في معدلات التضخم.

كانت الحكومة المصرية وقعت عام 2016 اتفاقًا مع صندوق النقد الدولي لاقتراض 12 مليار دولار عبر آلية «تسهيل الصندوق الممدد»، وهو اتفاق استمر العمل به لمدة ثلاث سنوات. وبعد انتهائها بأشهر، أعلنت الحكومة تفاوضها مع صندوق النقد الدولي مجددًا على مساندة مالية على خلفية تداعيات تفشي فيروس كورونا، وافق عليها لاحقًا الصندوق عبر آلية «أداة التمويل السريع» بقيمة 2.77 مليار دولار -وهو اتفاق غير مشروط- ثم آخر عبر آلية «الاستعداد الائتماني» بقيمة 5.2 مليار دولار في نهاية يونيو الماضي.

يقوم الاتفاق الجديد عبر آلية التسهيل الائتماني على «استعارة المجال الأصلي لعمل البنك الدولي لصندوق النقد الدولي، وهو مجال ما يسمى بالإصلاحات الهيكلية والتشريعات التي تعيد رسم صورة الاقتصاد على نحو أعمق بكثير من مجرد الإصلاحات المالية والنقدية»، حسبما يوضح عمرو عادلي، الأستاذ المساعد للاقتصاد السياسي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة لـ«مدى مصر».

يختص صندوق النقد بالأساس بمراقبة الاستقرار المالي والنقدي للدول الأعضاء، بينما يختص البنك الدولي في الأساس بتدعيم وضع القطاع الخاص في الدول النامية بصورة خاصة.

بحسب رأي عادلي، فإن «الاتفاق الجديد […] يعيد إلى الذاكرة اتفاق عام 1991 الذي وقعته مصر مع صندوق النقد والبنك الدوليين مجتمعين متضمنًا جوانب مالية ونقدية تقشفية الطابع وجوانب أخرى تتعلق بالإصلاحات الهيكلية».

على صعيد الإجراءات المالية والنقدية، تضمن اتفاق التسعينات في الأساس شروطًا من قبيل تحرير سعر العملة، وخفض تكلفة دعم الطاقة، وكذلك خفض دعم المبيدات والأسمدة إلى النصف، وتمرير قانون الضريبة على المبيعات. وفي المقابل، تضمن كذلك تحرير التجارة وتمرير قانون قطاع الأعمال 203 لسنة 1991 الذي مهد الطريق للخصخصة، على صعيد الإصلاحات الهيكلية.

يوضح الجدول التالي صورة إجمالية عن بنود الاتفاق الجديد مقابل اتفاق 2016:

اتفاق عام 2016

التنفيذ *

اتفاق عام 2020

توقيت تنفيذ الإجراء

تحرير سعر الجنيه ورفع سعر الفائدة بواقع 3%.

نفذ

تمرير الموازنة العامة متضمنة فائضًا أوليًا لا يقل عن 0.5%.

خطوة سابقة على صدور هذا التقرير

تمرير قانون الضريبة على القيمة المضافة.

نفذ

صياغة برنامج إصلاحي لبنك الاستثمار القومي وموافقة مجلس الوزراء عليه.

نهاية يناير 2021

تمرير قانون الضريبة على الأرباح الرأسمالية.

لم ينفذ

نشر تقرير محدث عن الأداء المالي لكل الشركات المملوكة للدولة في سنة 2019/2018، ونشر تقرير منفصل عن الهيئات الاقتصادية عن نفس العام.

نهاية سبتمبر 2020

تمرير موازنة 2018/2017، و2019/2018 متضمنة فائضًا أوليًا لا يقل عن 2%.

نفذ

تقديم مشروع قانون إدارة المالية العامة للبرلمان ليدعم عملية إعداد الموازنة العامة متضمنًا إطارًا متوسطًا المدى للمالية العامة، وتوقيتات إصدار وثائق الموازنة العامة، وقواعد واضحة بشأن كيفية نقل المخصصات من بند لآخر، ومخصصات الاحتياطيات في الموازنة، والاعتمادات الإضافية، وتعديلات محاسبية بشأن كل الكيانات العامة بما فيها الهيئات الاقتصادية.

نهاية ديسمبر 2020

إصدار قرار من رئيس الوزراء بإقرار آلية التسعير التلقائي للمواد البترولية.

نفذ

مراجعة استراتيجية متوسطة الأجل للإيرادات العامة تستهدف تنمية الإيرادات الضريبية، في ضوء المتغيرات المتعلقة بتداعيات تفشي فيروس كورونا.

نهاية ديسمبر 2020

رفع أسعار المواد البترولية لمستوى تكلفة الإنتاج.

نفذ

تحديث استراتيجية إدارة الدين مع التركيز على تمديد آجال الدين.

نهاية ديسمبر 2020

تشكيل لجنة من وزارتي المالية والتخطيط والبنك المركزي لإصدار خطة للتطوير ومراجعة الهيكل المالي ونموذج أعمال بنك الاستثمار القومي.

نفذ

التقدم للبرلمان بتعديلات على قانون حماية المنافسة لإضافة باب جديد حول الاستحواذ والاندماج.

نهاية ديسمبر 2020

طرح أنصبة في أربع شركات مملوكة للدولة في البورصة.

لم يطرح من الشركات إلا نصيب صغير إضافي في الشركة الشرقية للدخان وجرى الإعلان لاحقًا عن تجميد برنامج طرح الشركات إلى أجل غير مسمى.

تمرير تعديلات على قانون الجمارك لتبسيط الإجراءات.

نهاية مارس 2021

صياغة وتنفيذ استراتيجية متوسطة المدى للإيرادات العامة تستهدف تنمية الإيرادات الضريبية.

نفذ

إعلان استراتيجية كاملة للإنفاق العام على الحماية الاجتماعية بالاشتراك مع البنك الدولي.

نهاية مارس 2021

«إصلاح» آلية تخصيص الأراضي الصناعية.

نفذ جزئيًا (أقرت الحكومة نظامًا لتخصيص الأراضي الصناعية قائم على تقدير تأهل المتقدمين للحصول على الأرض بناء على معايير معينة وبمقابل تسعير محدد للأرض لكن صندوق النقد يرفض هذه الآلية ويوصي بآلية تخصيص وتسعير قائمة على المزايدة).

تمرير قانون التعاقدات الحكومية ولائحته التنفيذية وإطلاق موقع للتعاقدات الحكومية.

نفذ

تمرير تعديل قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية.

لم ينفذ

تخصيص 250 مليون جنيه في موازنة 2017-2018 للإنفاق على تأسيس حضانات عامة للأطفال لدعم مشاركة النساء في سوق العمل.

غير واضح

تخصيص 25 مليار جنيه في موازنة 2017-2018 كإنفاق اجتماعي إضافي موجه  لعدد من البنود من أبرزها الدعم النقدي والوجبات المدرسية ودعم التأمين الصحي والدواء.

نفذ جزئيًا وأوضح تقرير سابق لـ«مدى مصر» أن بعض المخصصات المالية لهذه الأغراض لم تنفق فعليًا.

إصدار تقرير مفصل حول الأداء المالي للشركات المملوكة للدولة.

نفذ

المصدر: وثائق قرض التسهيل الائتماني الممنوح لمصر (أغسطس 2020)، وثائق قرض تسهيل الصندوق الممدد (يناير 2017)، المراجعة الخامسة والأخيرة لاتفاق تسهيل الصندوق الممدد (أكتوبر 2019)
* بعض البنود نفذت متأخرة عن موعد التنفيذ المقرر وبعد صدور آخر مراجعات إتفاق تسهيل الصندوق الممدد

نعمان خالد، المحلل الاقتصادي في بنك استثمار أرقام كابيتال، يلفت النظر إلى أن «إجراءات الإصلاح الهيكلي [في الاتفاق الجديد] تمثل امتدادًا للاتفاق السابق [2016] الذي اشتمل على عدد من الإجراءات التي لم يكتمل تنفيذها بالكامل»، حسبما قال لـ«مدى مصر».

بحسب رأيه، فإن الاتفاق الجديد في مجمله يقوم على تدعيم وضع القطاع الخاص مقابل ما كان يمثله الاتفاق السابق من «إصلاح مالي في الأساس»، مضيفًا أن «وجهة النظر المشتركة بين صندوق النقد الدولي والحكومة والبنك المركزي بعد نهاية الاتفاق السابق كانت أن الأولوية هي تدعيم وضع القطاع الخاص للاقتصاد؛ وهو ما لم يتمكن الاقتصاد السابق من تدعيمه.. بل بالعكس فقد ساهمت الإجراءات المالية في تضرر القطاع الخاص بسبب تراجع القدرة الشرائية وبالتالي طلب المستهلكين».

ولهذا يرى أن الاتفاق الأخير خالي من شروط مالية واضحة لأنه «لم يعد هناك ما يمكن فعله على صعيد الإجراءات المالية.. ففي واقع الأمر، الاتفاق الجديد جاء بعد اتفاق 2016 اتخذت الحكومة خلاله أكبر قدر ممكن من الإجراءات المالية [التقشفية] على نحو لم يتبق معه أي إجراء يمكن اتخاذه في هذا السياق»، على حد قوله.

تمثل الإصلاحات المنتظرة في تطوير نظام عمل بنك الاستثمار القومي والتعديلات على قانوني الجمارك وقانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية -كما يتضح من الجدول السابق- أبرز الإجراءات المتعلقة بإعادة هيكلة الاقتصاد وتدعيم القطاع الخاص، كما يرى عمرو عادلي.

فيما يتعلق ببنك الاستثمار القومي، «فمن المتوقع أن يكون الغرض الأساسي من هذا الإصلاح هو إفساح المجال أمام بنك الاستثمار القومي للعب دور أكبر في تمويل الاستثمار الحكومي في البنية التحتية»، حسبما يقول عادلي، موضحًا أن «أجندة صندوق النقد الدولي تدعم على الدوام الاستثمار الحكومي في البنية التحتية كتوجه يدعم في حد ذاته وضع القطاع الخاص بعكس الاستثمار الحكومي في العمليات الإنتاجية».

وتأسس بنك الإستثمار القومى عام 1980، كبنك حكومي غير تجاري، لا يتعامل مع الجمهور، يتبع وزارة التخطيط ويرأس وزير/ة التخطيط مجلس إدارته. وتبعًا لقانونه، تأسس البنك بغرض تمويل المشروعات الحكومية المدرجة بالخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للدولة، وذلك عن طريق الإسهام فى رؤوس أموال تلك المشروعات أو عن طريق مدها بالقروض أو غير ذلك من الوسائل، ومتابعة تنفيذ تلك المشروعات.

يقول البنك على موقعه الرسمي إنه استخدم المدخرات المحلية طوال تلك العقود في مشروعات «شملت إنشاء محطات توليد كهربائية وشبكات لنقل وتوزيع الكهرباء، ومحطات وشبكات المياه والصرف الصحي، فضلًا عن شبكات الطرق والكباري والسكك الحديدية والموانئ والزراعة والري والخدمات والإسكان والمدن الجديدة والمشروعات التعدينية»، بالإضافة لمساهمته في «العديد من الشركات في عدد من قطاعات الأنشطة الاقتصادية الرئيسية مثل الأسمدة والبترول والبنوك والخدمات المالية والصناعات الغذائية والتنمية العمرانية والصناعات المعدنية ومواد البناء والسياحة، إلى جانب عدد من المؤسسات العربية بمشاركة جميع الدول العربية».

لكن، ومع ذلك، «فنحن لا نعلم عمليًا أي شيء عن عمليات البنك وأرباحه أو خسائره لأن قوائمه المالية غير منشورة ويفترض أن يكون الجهاز المركزي للمحاسبات هو الجهة الوحيدة التي تطلع على تفاصيل عمله لأنه غير خاضع لرقابة البنك المركزي.. ولا نعلم بالتالي حجم أصوله أيضًا في الوقت الذي يتمتع فيه بحكم القانون بحق احتكار ودائع أموال التأمينات الحكومية»، تبعًا لعادلي، الذي يستدرك قائلًا إن «المعلومات القليلة المتوفرة تشير إلى دور كبير يلعبه في تمويل الدين الحكومي كأحد المتعاملين في السندات والأذون الحكومية، ما يعني أنه يستثمر جانبًا كبيرًا من الودائع في إنفاق غير استثماري».

يرى محمد أبوباشا، كبير محللي الاقتصاد الكُلي بالمجموعة المالية «هيرمس»، أن «أي مراجعة أو إصلاح لنظام عمل بنك الاستثمار القومي -يدعمها صندوق النقد الدولي- غالبًا ما سيتضمن مراجعة تشابكاته المالية مع الجهات الحكومية بسبب شراكاته في الكثير من المشروعات الحكومية التي قد يكون بعضها خاسرًا، فضلًا عن أصوله غير المستغلة التي يتحصل على الكثير منها كمقابل عن مديونياته لدى جهات حكومية غير قادرة على السداد فضلًا عن طرحه شهادات استثمار للجمهور -عبر فروع البنوك العامة- بأسعار فائدة عالية للغاية قد تكون مكلفة.. كل ذلك في إطار من غياب أي معلومات كافية عن أوضاعه المالية، وهو ما قد يشكك في مدى كفاءة استثماراته وفعاليتها بمعايير السوق».

أما فيما يتعلق بتعديلات قانون المنافسة، تشير وثائق صندوق النقد إلى أن التعديل المستهدف ينبغي أن ينصب على إضافة باب خاص بأحكام الاستحواذ والاندماج. تقول منى الجرف، الرئيسة السابقة لجهاز حماية المنافسة، لـ«مدى مصر» إن قانون حماية المنافسة يفتقر لأي نصوص تسمح لجهاز حماية المنافسة بالتدخل السابق على صفقات الاستحواذ والاندماج، ولا يقر إلا بإخطار فقط بالصفقات التي تزيد قيمتها عن 100 مليون جنيه بعد إتمام الصفقة.

وأوضحت الجرف لـ«مدى مصر» أنها «تقدمت إلى وزارة الصناعة باقتراح بتعديل على القانون يضيف نصوصًا تتيح لجهاز حماية المنافسة الرقابة المسبقة على صفقات الاستحواذ والاندماج في عام 2016 بناءً على تعاون مع الاتحاد الأوروبي في هذا السياق.. لكن الاقتراح لم يصل أبدا لمجلس النواب»، مضيفة أن «هذا التعديل ضروري في سياق تشجيع القطاع الخاص على إبرام صفقات من هذا النوع دون التعرض للنقد الشعبي لأن مجرد وجود نص يسمح بالرقابة المسبقة على تلك الصفقات يعني أن الصفقات الممررة هي صفقات شرعية ولا غبار عليها ولا تتضمن ممارسة احتكارية».

وتمثل صفقة استحواذ شركة أوبر للنقل التشاركي على «كريم» أبرز صفقات الاستحواذ التي أثارت الجدل حول دور جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية في الرقابة على صفقات الاستحواذ والاندماج.

أما بالنسبة لقانون الجمارك، فتنصب التعديلات به على تفاصيل «قائمة في الأساس على تسهيل والإسراع في الإجراءات عبر السماح بميكنتها على نحو يخفض مدة بقاء الشحنات في الموانئ إلى صفر تقريبًا وفقًا لما وعد به وزير المالية»، تبعًا لما قاله محمد البهي، رئيس لجنة الضرائب والجمارك باتحاد الصناعات، لـ«مدى مصر».

مقابل هذا، وبعكس اتفاق 2016، جاء الإتفاق الجديد خاليًا من أي بنود تتعلق الإنفاق الاجتماعي، واكتفى فقط بالإشارة إلى ضرورة صدور استراتيجية مشتركة مع البنك الدولي حول الإنفاق الاجتماعي في إبريل من العام المقبل.

يرى أبوباشا أن غياب أي بنود اجتماعية في الاتفاق الجديد يعود إلى غياب إجراءات للضبط المالي أصلًا في الاتفاق الجديد. وتتمثل الإجراءات الاجتماعية في اتفاقات صندوق النقد الدولي عمومًا في إجراءات تتخذ لتخفيف أثر الإجراءات المالية تقشفية الطابع.

وفي المقابل، يرى عمرو عادلي أن النص على ضرورة إصدار استراتيجية للإنفاق الاجتماعي مع البنك الدولي يمثل خطوة لوضع تفاصيل الإنفاق الاجتماعي ضمن نطاق «مراقبة» صندوق النقد والبنك الدوليين جنبًا إلى جنب مع غيرها من التفاصيل التي تمثل نطاق العمل التقليدي لصندوق النقد الدولي من قبيل سعر الصرف.

ونقلت وثائق صندوق النقد عن الحكومة المصرية عزمها تعديل قانون الضمان الاجتماعي على نحو يضم برنامجي «تكافل» و«كرامة» للدعم النقدي المشروط مع برنامج الضمان الاجتماعي.

وقال مسؤول بارز في وزارة التضامن الاجتماعي طلب عدم ذكر اسمه إن التعديلات المحتملة تقوم على ضم برامج الدعم المختلفة من قبيل «سكن كريم» و«اتنين كفاية» إلى قانون الضمان الاجتماعي، بدلًا من أن تستند البرامج إلى قرارات وزارية أو من رئيس الوزراء.

اعلان
 
 
بيسان كساب 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن