أذكر كل الخوف
 
 
رسم: ه ل ك
 

أذكر جيدًا أول خوف عايشتُه، في الخامسة من عُمري تقريبًا، كنتُ مع أبي في أحد المحلات، أكلمه عن أشياء لا أذكرها الآن، أنا صغير الحجم وهو طويل لا أرى سوى ساقه بالقرب مني، أمسك يده في انتظار شيء ما، تركت يده لوهلة ثم أمسكتها مرة أخرى. بعد دقائق أدركت أني أمسكت يد شخص آخر لا أعرفه، مضى بي خارج المحل وتوقف على الرصيف، بعد دقائق ظهر أبي وأمسك يدي وتحركنا بعيدًا عن المحل. كلمتُه فلم أسمع أي رد منه، وعندما نظرتُ لأعلى وجدتُ وجهه متجهمًا، تابعت كلامي لكنه لم يرد عليَّ على الرغم من أسئلتي الكثيرة. تابعنا مشينا إلى البيت، وعندما دخلنا فوجئت به ينفجر غاضبًا، لم أكن قد رأيته يتصرف هكذا من قبل، كان منحنيًا عليَّ، وجهه مقابل وجهي تمامًا، يصرخ بعصبية، ظهري لباب الشقة، لا أستطيع الحركة أو الإفلات من أمامه، شلني الخوف، أمي تقف خلفه تبكي، أنا أبكي، لا أذكر إن كان قد ضربني، لكن لا بد أنه فعل. لم أتمكن من كبح البول فتبولتُ رغمًا عني، ومع الخوف شعرت بالخزي. كنت قد تعلمت كيف أتبول في الحمام منذ مدة، وكففت تمامًا عما يفعله الأطفال وهم نائمون. الآن، لا أذكر كيف انتهى ذلك الموقف البعيد، لكني أذكر تمامًا ما قبل التبول المفاجئ؛ وجه أبي الغاضب وعينيه الهلعتين وفمه المفتوح وصراخه بكلام لم أفهم منه أي شيء.

هذه كانت أقدم الشقق التي عشت فيها مع والديَّ، لا أذكر سوى خمسة مشاهد حدثت فيها، كلها مرتبطة بالخوف. أوضح المشاهد كان إجباري على تناول قطعة كبيرة من اللحم، غصصت ولم أبلعها إلا بصعوبة بالغة، والأسوأ أني أجبرت على تناول غيرها، غصصت مع كل قطعة، ثم تبع ذلك إجباري على شرب كوكتيل عصير فواكه لم أحب طعمه بعد أول رشفة، قلت إني لا أستطيع إكماله، فوجئت بالصراخ يواجهني، تابعت الشرب حتى أنهيت الكوب كله، منعني الخوف من القول إن طعمه كان بشعًا.

استمرت الحياة مع كثير من الإجبار والضرب والغضب، لا أذكر الآن مواقف هادئة سوى اثنين؛ أحدهما حفلة عيد ميلادي، والآخر اختبائي خلف كنبة الصالون في الظلام، واستمتاعي -في نور مصباح صغير- باللعب بنماذج سيارات حديد صغيرة.

كان الخوف هو الشعور الوحيد الذي يسيطر عليَّ عندما أرى أبي، تزايد الخوف مع كل مرة قرر أبي أن يشرح لي شيئًا ما لم أفهمه في المدرسة، وفي كل مرة ساعدني على حل الواجب المدرسي، ما جعلني متحيرًا دائمًا بين اللجوء إليه لحل الواجب أو شرح مسألة غامضة، وبين الحصول على درجات متدنية والمغامرة بمضاعفة غضبه عندما يعرف هو ذلك. الأمر الذي دفعني في إحدى المرات إلى تزوير درجة متدنية في الشهادة التي كانت تُكتب بخط اليد في ذلك الوقت، أضفت رقم «1» إلى جانب الرقم الموجود، ثم سلّمتُ الورقة له. كان التزوير واضحًا وأدرك هو ذلك من أول نظرة، سألني بسرعة إن كنت قد أضفت الرقم بقلمي، أدركتُ فورًا أني سأعاقب بشدة ولم أجب عن سؤاله، منعني الخوف، وكانت مفاجأتي كبيرة لأنه لم يفعل شيئًا، لم يوضح لي أن ما فعلته تزوير، ولم يغضب، ولم يسألني لم فعلت ذلك، ظللت منتظرًا عقابه وغضبته المقبلة لأيام، لكنهما لم يأتيا.

اعتدت على التصرفات المفاجئة والغضب المنفجر بلا مقدمات، ومرت الأيام دون أن يبدو أن هناك طريقة أخرى لتعامل أبي معي سوى تلك، لكن كل ذلك تغيّر في يوم واحد. أذكر أني ذهبت مع أمي لزيارة إحدى صديقاتها المريضة في المستشفى، بعد دخولي المستشفى مباشرة شممت رائحة نفاذة، شيئًا ما كيميائي وغير طبيعي، أصابني الغثيان بعد دقائق. دخلت مع أمي إلى غرفة المريضة التي بدت ممتنة لزيارتنا. كنت قاعدًا إلى جانب أمي أقاوم الغثيان والتقيؤ، خفت أن أتقيأ فألوث أرضية الغرفة النظيفة. انتهت الزيارة ومشيت بخطوات بطيئة إلى جانب أمي. من معدتي خرج مقدار قليل من سائل حاد المذاق ووصل إلى فمي، جاهدت حتى لا أفلته وابتلعته، خفت أن ألوث أرضية المستشفى النظيفة. وعندما خرجنا إلى الحديقة الواسعة حول المستشفى تنفست بعمق وزال الشعور بالغثيان، لكن الخوف من التقيؤ ظل حاضرًا. بعد دقائق كنت أجلس في المقعد الخلفي في سيارتنا، أبي يقود وأمي إلى جانبه وأختى الصغيرة إلى جانبي، داهمني بقوة الشعور بالغثيان مرة أخرى، وأتى معه شعور بالخوف من التقيؤ وتلويث أرضية السيارة النظيفة. قاومت كثيرًا، وابتلعت القيء عدة مرات، فكرت أن أطلب من أبي أن يوقف السيارة لأتقيأ، لكن الخوف من غضبة مفاجئة منعني من الكلام، وفي النهاية عندما عجزت عن بلع القيء فتحت باب السيارة وتقيأت خارجها. فوجئ أبي بما فعلت، وصرخت أمي كي أغلق الباب، ولامتني لأني فتحت باب السيارة أثناء حركتها. لم يعقب أبي. أذكر أنها لامته كثيرًا عندما عدنا إلى البيت، وأنها قالت إني فعلت ذلك لأني «خايف منه». كانت هذه أول مرة أسمع كلمة «خايف». لم أفهم تمامًا ماذا تعني، وكنت بحاجة إلى شهور عديدة حتى أربط بينها وبين ما أشعر به. ما زاد ارتباكي خلال تلك الشهور أن أبي غيّر طريقته تمامًا، لم يعد يضربني، وقلت كثيرًا انفجارات غضبه، لكن الخوف كان قد استقر.

هل كانت هناك حوادث سعيدة؟ بالطبع، لكني لا أذكر منها شيئًا، هناك فقط صور ثابتة لأفراد العائلة، يبتسم كل منهم فيها بغير سياق محدد.

لا يمكنني وصف خوفي بسهولة، أظن أن لكل إنسان طريقة ما لوصف خوفه. أذكر أني عندما عبرت إلى الثلاثين كنت في كوالامبور، صعدت إلى قمة جبل خارج المدينة، الطقس في الأعلى أبرد قليلًا من الطقس عند سفح الجبل، رائحة الغابة منعشة، والضباب قريب للغاية من موضع وقوفي. سرحت في الهدوء المحيط بي، ثم اقترب مني الضباب ببطء، نصف أبيض ورطب، وعندما أحاط بي إحاطة كاملة وفقدت القدرة على رؤية ما حولي ظهر بوضوح كل خوف بداخلي. كان الشعور مسيطرًا إلى درجة عدم القدرة على الحركة أو التفكير أو التذكر، كان هناك الخوف فحسب. تأكدت في تلك اللحظة أن ما أنا فيه هو التجسيد الأوضح للخوف. كنتُ في سحابة الخوف.

نصف ذكريات طفولتي تقريبًا عن الخوف الذي أخذ يتزايد؛ الخوف من الفشل في الدراسة، ومن عبور الشارع، ومن الزملاء البلطجية والعنيفين في المدرسة. أذكر أني كنت قد انتهيت من أداء أحد امتحانات نهاية العام، لم يتبق سوى امتحانين فقط، وقبلهما يومان إجازة، ما يعني أن أمامي عدة ساعات من الراحة. ذهبت مع صديقين إلى ملعب كرة قريب من المدرسة، لعبنا قليلًا، ثم -ولسبب لم أعلمه قط- انفجر أحد الصديقين في موجة غضب؛ أمسك بكفي ولواها بعنف لم أتوقعه، وظل ممسكًا بها في ذلك الوضع الغريب المؤلم لدقيقة أو أكثر. شلني الألم والخوف، أخذ يشتمني صارخًا. حينها لم أفكر قط لم يفعل ذلك، لم أسأله ولم أرد على شتائمه، لم أحاول الإفلات، لم أحاول مهاجمته بيدي الأخرى، منعني الخوف من كل ذلك. حينها كل ما كنت أخافه أن تكسر يدي فأضطر لإخبار أبي ليأخذني إلى المستشفى. خفت من غضبه إن حدث هذا، وخفت من تضييع وقت المذاكرة إن حدث هذا، ومن العجز عن أداء الامتحانين المقبلين. كل ما كنت أفكر فيه في تلك الدقيقة البعيدة هو متى سينتهي هذا الوضح، وعندما ترك يدي أخيرًا مضيت مبتعدًا من دون كلمة واحدة.

أذكر الشجار المليء بالشتائم والصراخ بين اثنين من مدرِّسيَّ كنت أحبهما كثيرًا، كنت أقدِّر أنهما يستطيعان شرح المسائل الرياضية الصعبة بطريقة سهلة وواضحة ومباشرة، صدمني سماع ألفاظ لم أتوقع سماعها منهما، صدمني أيضًا انفجارهما معًا في وصلة الشتائم والصراخ ثم انتهاء كل هذا كما بدأ، فجأة ومن دون مقدمات. أذكر أني كنت أحب أحد مدرسي اللغة العربية للأسباب نفسها، اعتاد أن يشرح بطريقة ممتازة، كنت أحب صوته وطريقة نطقه المميزة للكلمات، وكنت أعرف ابنه الذي يكبرني بسنة واحدة وطالما لعبنا معًا، أضاف ابنه إلى تلك المحبة الكثير، كنت أرى أن هناك رابطًا إضافيا يربطني بالمدرس. صدمت كثيرًا عندما لطمني فجأة في إحدى الحصص. لم أفهم في البداية لمَ فعل ذلك، ولم أنتبه إلى أنه انهال بالضرب على زميلي الجالس إلى جانبي، ثم أجبره على القيام والخروج خارج الفصل. أدركتُ بعد دقائق أنه فعل كل هذا لأني تكلمت مع زميلي ذاك، لم أعرف ما الذي يجب أن أفعله بعد ذلك، هل يجب أن أعتذر للمدرس؟ لزميلي؟ الأكيد أني صرت أخاف التكلم في الفصل.

بدأت انفجارات غضبي في التوقيت نفسه، أول مَن رأى ذلك أختى وأخي، كنت أراكم أسباب الغضب تجاه كل منهما لينفجر بعد مدة في صورة ضرب أو صراخ أو شجار. رأيت الدهشة والخوف كثيرًا في أعينهما أثناء غضبي، والآن أدرك أنهما لم يفهما لِمَ فعلت ما فعلت، ويبدو أنهما مع الوقت اختارا أن يبتعدا عني مع أننا كنا نعيش في المنزل نفسه. كان انفجار الغضب حدثًا متكررًا كل مدة، تقصر المدة أو تزيد، بلا سبب أو مبرر. لم أتحكم في غضبي قط، لم أحاول أن أهدئ نفسي في أي من تلك المرات. ثم تطور الأمر فانفجر الغضب في وجوه زملاء الدراسة والأصدقاء. في ذلك الوقت عندما كنّا أطفالًا، مرت الانفجارات من دون أن يلاحظها أحد، كنا عنيفين، الشجار والشتائم وما عرفت بعد ذلك أن اسمه «التنمر» تصرفات يومية في المدرسة.

بعد مرور سنوات من التخرج من المدرسة أدركت ببطء مدى سوء انفجارات غضبي. أكبر انفجار واجهه أصدقائي حدث عندما كنا في سيارة أحدهم، لم أعرف قط لِمَ انفجرت صارخًا مطالبًا إياه بإيقاف السيارة لأنزل، كان طلبي مفاجئًا وغريبًا لدرجة أنه لم يتوقف، بعد ثوانٍ فتحت باب السيارة أثناء حركتها وهممت بالنزول، لترتفع صيحات تتهمني بالجنون والعصبية، ثم توقفت السيارة لأنزل بالفعل وأهرول بعيدًا عنها، لحق بي صديقان وحاولا إقناعي بالعودة، سألاني عن سبب ما فعلت، كنت قد تركت الطفولة وصرت مطالبًا -كإنسان بالغ- بتبرير تصرفاتي، لكن الغضب كان هائلًا وإن لم أذكر الآن سببه أو ما أشعله. رفضت الحديث معهما ومضيت في الشارع من دون أي تفكير. عندما عادا إلى السيارة وابتعدت عني هدأت تمامًا، كان الشارع خاليًا من المارة والسيارات وهو شيء نادر في القاهرة. بعد مدة قصير مر تاكسي وأوقفته وركبته، ولسبب ما لاحظ السائق توتري فخاف، أوقف السيارة وطلب مني النزول، وعندما قلت له إن الطريق خالي وإني قد لا أجد سيارة توصلني إلى المنزل انفجر غاضبًا صارخًا فنزلت. مشيت لدقائق في الشارع الخالي، ثم سمعت صوت سيارة مسرعة تأتي من الخلف، بدا لي أن السائق يتعمد أن يقودها قريبًا جدًا من جانب الشارع حيث أمشي، لم يكن هناك رصيف، فقط الأسفلت تليه أرض ترابية، وعندما اقتربت السيارة مني فوجئت بها تنحرف بحدة، أراد السائق أن يصدمني، أو على الأقل أراد أن يخيفني. تركت الشارع وجريت داخل الأرض الترابية هربًا منه، عندما التفت خلفي رأيت أن السيارة قد توقفت إلى جانب الشارع، ونزل منها رجل ومعه كلب، ثم أخذا يجريان ناحيتي. بدأ الكلب في النباح بعصبية وبدا من بعيد وهو يجري أن صاحبه لم يترك له العنان بعد. أسرعت هربًا من الكلب وصاحبه، خفت أن يترك الرجل الكلب فيصل إليَّ. هذه آخر ذكرى، لا أذكر كيف انتهى كل شيء وكيف عدت إلى المنزل، لكني أذكر أني لم أنم تلك الليلة، بقيت راقدًا في السرير حتى الصباح، أعاني من صداع حاد وشعور طاغٍ بالتعاسة، وانقطاع عن الاتصال بهؤلاء دام حتى اليوم.

لا أعرف صديقًا إلا وتعرض إلى تنمر أو عنف أو غضب أدى به إلى الخوف. كثيرًا ما حكى أحد الأصدقاء عن تجربته تلك، يحكيها مبتسمًا أو ضاحكًا، لم يذكر أحدهم كلمة «خوف» أثناء حكيه، بل يكتفى بذكر ما حدث، وأكتفي بالصمت. بالنسبة للمراهقين المصريين في تسعينيات القرن العشرين، وربما في غير ذلك الوقت أيضًا، الاعتراف بالشعور بالخوف هو اعتراف غير مباشر بكون الخائف «امرأة»، على الفور سيخرجه السامع من خانة الرجال إلى خانة «السيدات»، يتبع ذلك تغيّر في طريقة التعامل مع الخائف، يتدرج التغيّر ببطء وكأنه اختبار طويل لمدى «نسونة» الخائف؛ تقل المقابلات كثيرًا، تستخدم كلمات بعينها مثل «خوف»، «رجالة»، «نسوان»، «خولات». ثم يتضح أكثر عند استخدام جمل أكثر تعقيدًا مثل: «إحنا بنقعد مع رجالة بس»، أو «أخبار صاحبتَك إيه؟»، أو «واحد صاحبنا نَفَسه في الطبخ يجنن». لا ينتهي الأمر عند مجرد الكلام، بل يتعداه إلى الاعتداء البدني والتحرش بغرض الإهانة وتثبيت فكرة «النسونة» في عقل الخائف وعقول المحيطين به. أدرك أحد الأصدقاء أنه يخاف أكل الكبدة لتجربة قاسية مر بها عندما كان طفلًا، منعه الخوف من الكلام حينها وظل مقيمًا فيه إلى أن تغلب عليه في سن كبير، لكنه لم يخبرني بذلك إلا في عامه الرابع والستين. صديق آخر يخاف أكل السمك حتى اليوم بسبب مروره بتجربة مشابهة، لم يخبرني هو بذلك، لكن شخصًا آخر أخبرني في حضور الصديق، وظهر الخجل والتوتر بوضوح على وجهه. صديق ثالث نباتي، أخبرني أنه يخاف اللحم منذ طفولته، ثم تابع خجلًا إن أقاربه قالوا له إنه رأى حيوانًا يُذبح عندما كان طفلًا، وأن هذا سبب كرهه للحم، تابع بنبرة حادة قليلًا إنه لا يظن أن ذلك صحيح فهو لا يذكر أي شيء عن تلك الحادثة. ما أعرفه أن الواحد قد يتغلب على خوفه بمرور الوقت، أو بعد تعرّضه لتجربة عنيفة أخرى، أو حتى إذا تسامح مع ما يخاف، وربما إذا ما أعلن أسباب خوفه، قد يتسامح مع نظرة الآخرين له إن أعلن خوفه. لكن أثر الخوف يبقى داخله إلى الأبد.

لم يتوقف الشعور بالخوف في مرحلة المراهقة، لم يتوقف تعرّضي لغضب أو تنمر أو تخويف الآخرين لي، تعرّضت ثلاث مرات بما سميناه «التثبيت»؛ أمشي في شارع هادئ ليطلب مني أحدهم التوقف ويسألني عن شيء ما، ثم يخرج من جيبه مطواة ويفتحها. قد يضع نصلها على رقبتي وقد يرفعها في وجهي، ثم يطلب مالًا مني، قد يعتذر، أو قد يبرر تصرفه بأنه خرج للتو من السجن وهو لا يملك مالًا الآن، وهو تبرير كان مشهورًا في ذلك الوقت، يلعب على شعوري الشفقة والخوف في آن واحد. في إحدى المرات الثلاث كنت واقفًا عند محطة الأتوبيس وحدي، اقترب مني الرجل ومن دون كلمة أخرج «كتر» صغير من جيبه ووضعه على رقبتي، لم يقل شيئًا ولم يطلب شيئًا، ثبت الكتر على رقبتي لدقيقة تقريبًا، كان ينظر في عيني ويبتسم، أخيرًا أنزل الكتر ومضى بعيدًا، لم أفهم قط لمَ فعل ذلك.

أذكر أني كنت مع صديقين، كنا قاعدين على الأرض في مساحة خضراء صغيرة، تلك التي توجد عادة في منتصف الأرصفة العريضة في شوارع مصر الجديدة، ذهب أحدهما إلى الكشك القريب ليشتري شيئًا نأكله، بعد أقل من دقيقة عاد بوجه مذهول وكفه تنزف بشدة، حاولنا إيقاف الدم النازف، تلوثت يدي بدمه لكني لم أتمكن من إيقاف النزيف، وبسرعة استطعنا إيقاف تاكسي والذهاب إلى مستشفى هليوبوليس لإسعافه. في التاكسي أخبرنا أن رجلًا مر إلى جانبه وحك شيئًا في كفه، ليلاحظ أن الرجل قد ضرب ظاهر كفه بموس أو كتر، قال إن الألم أتى بعد لحظة من الضربة، نظرت إلى كفه بينما يحاول إيقاف النزيف، لم أرَ في ظلام التاكسي سوى سواد الدم. عندما دخلنا إلى المستشفى تعرض ثلاثتنا للتعنيف والسخرية من الممرضين هناك. اتهمونا بأننا بلطجية وخولات، قالوا إننا كنا في مشاجرة مع صيع مثلنا، وأنهم ضربونا وقطعوا كف صديقي لأننا خولات، مع ذلك، وضع أحد الممرضين قطعة كبيرة من القطن على كف صديقي، عندما رفعها كانت قد امتصت الدم. رأيتُ الجرح بعرض ظاهر كفه، لم يكن عميقًا، بدا وكأنه خط أحمر، ثم بعد ثانية واحدة عاد الدم لينزف بغزارة. حينها قال الممرض إن هذا الجرح نتيجة ضربة موس بالتأكيد، وأن علينا أن نذهب للقسم لتحرير محضر ثم العودة إلى المستشفى لتلقي العلاج. لا أذكر ما حدث بعد ذلك، لكني أعلم أن لقاءنا ذاك كان اللقاء الأخير.

أذكر أني سمعت عن زميل وضع الموس على رقبة آخر وسحبه سحبة صغيرة، فتح شريانًا رئيسيًا في رقبته ونزف كثيرًا، على الرغم من أن الكثيرين كانوا يحيطون بهما لكن أحدًا لم يتمكن من فعل أي شيء ومات الزميل بعد دقائق، قيل إن الأمر كله لم يتعدَ «الهزار»، وأن صاحب الموس نفسه لم يتوقع أن يقتل زميله، ولم يتوقع أحد من المحيطين أن يموت بهذه السرعة. حكايات كهذه -وهي أكثر من أن أحصيها- تترك خوفًا أعمق بكثير من حكايات التثبيت والتعرض للسلاح الأبيض بغرض السرقة.

استمر الشعور بالخوف حتى بعد عبور مرحلة المراهقة، لم يعد أحد يخيفني بالطرق القديمة المعتادة، صارت هناك طرق أخرى مباشرة وغير مباشرة، تعرضت لمحاولات تخويف عديدة من زملاء العمل ومن الأصدقاء، أما أغلب المحاولات كانت من غرباء لا أعرفهم. بدا أن الجميع لا يدرك فداحة ما يفعل، بدا أن الكل يستمتع بما يفعل، أو ربما يفعله حتى يصل إلى غرض أو مكسب لا أدركه. أذكر أني كنت في المترو، العربة نصف مزدحمة، عندما سمعت صوتًا هادئًا رتيبًا خلفي، عندما التفت وجدت أمين شرطة سمينا يقف في مواجهة باب المترو المغلق، رأيت وجهه نصف منعكس على زجاج الباب، كان يحدق في عينيه عبر الزجاج نصف العاكس بسبب فرق الإضاءة داخل وخارج المترو، كان يكرر أسماء ضباط ويلحق كل اسم بشتيمة ما، «العقيد محمد الخول»، ثم: «المقدم فتحي العرص»، ثم: «الملازم مدحت الخول». كرر الجمل برتابة وبطء وهدوء، لم ينفعل، لم يصرخ، لم يهتز، بل تابع كلامه بصوت مسموع واثق، عندما التفتت إلى باقي الركاب لاحظتُ أن الجميع صامت على غير العادة، لم ينظر أحد ناحيتي أو ناحية أمين الشرطة، كنت أقرب من في العربة إليه، توقعت أن ينفجر غضبه في أي لحظة، وفكرت في التحرك بعيدًا عنه لكن الخوف منعني، وبدلًا من النزول عند المحطة المقبلة للهروب من الموقف أو النزول عند محطتي، بقيت واقفًا إلى جانبه أسمع كلامه بوضوح، أرتاح قليلًا عندما يتعب ويتوقف عن الكلام، ثم يسود الخوف مرة أخرى عندما يعود، ظل يتكلم حتى نزل أخيرًا في إحدى المحطات، لم أتحرر إلا بعدما نزل وأغلق المترو أبوابه، نزلت في المحطة التالية. في ذلك اليوم شعرت بالاطمئنان يغمرني بينما أمشى على رصيف المحطة، كنت قد ابتعدت كثيرًا عن محطتي، وكان عليَّ أن أصعد سلمًا لأنتقل إلى الجهة المقابلة فأستقل المترو في الاتجاه المعاكس، أثناء صعودي السلم تصاعد شعور كثيف بالتعاسة، لم أشعر بأي شفقة تجاه أمين الشرطة، ذهب الاطمئنان الذي استمر لثواني، وظلت التعاسة لأيام.

لم أكن قد ربطت قط بين الخوف والغضب والطمأنينة والتعاسة، لكني بمرور الوقت لاحظتُ أن الدورة في معظم الأوقات أصبحت كالآتي: خوف يتراكم منذ سنوات ويظهر فجأة، انفجار غضب لدقائق، طمأنينة لأقل من دقيقة، ثم في النهاية تعاسة تستمر لساعات أو أيام. قد يغيب الاطمئنان من إحدى الدورات، قد ينفجر الغضب في عقلي فحسب من دون أن يظهر في تصرفاتي، قد يختفي الخوف مع أني أعلم أن أثره موجود وهو سبب كل ما يحدث. كان أوضح ما في المشاعر الأربعة مدتها الزمنية، مع كل شعور أعلم أنه سينتهي بعد مدة لكني لا أعلم كيف أو متى سينتهي، باستثناء التعاسة التي كانت أطول وأسوأ شعور، في التعاسة أفكر أنها لن تنتهي أبدًا، سجن مؤبد، عندما تسيطر عليَّ لا أرى شيئًا غيرها، لا أرى نفسي أثناء الخوف أو الغضب أو الطمأنينة، لكن أرى نفسي تحت سيطرتها فحسب.

تكررت كثيرًا انفجارات الغضب، لم أكن أحاول حتى السيطرة عليها، أصابت كل من حولي، أصدقاء وأفراد عائلة وزملاء عمل، وغرباء لا أعرفهم، وبالمثل تعرضت كثيرًا لانفجارات مشابهة من الجميع، من أعرفهم ومن لا أعرفهم، وكان الرد دائمًا على تلك الانفجارات هو الصمت، سواء من ناحيتي أو ناحيتهم. لم يملك أحد الشجاعة للسؤال عن سبب الغضب. فقدت الكثير من الأصدقاء بسبب انفجارات الغضب، وفي وقت ما قررت أن عليَّ أن أنتبه لغضبي، أن أنتبه لأني أفقد الكثيرين بسببه، لأن صداقات كثيرة قديمة تذهب بلا رجعة. كنت قد عرفت تمامًا أن الغضب يأتي بعد تراكم الخوف، خوف قديم من الطفولة يُضاف إليه خوف جديد مع مرور السنوات، ثم يحدث شيء ما؛ كلمة أسمعها أو تصرف أشاهده فينفجر الغضب.

منذ سنوات أدركت أني يمكن أن أتحكم في الغضب بطريقة ما، اخترت أن أتوقع الأسوأ دائمًا فلا أغضب، نجحت الطريقة تمامًا، قلّت انفجارات الغضب كثيرًا؛ إذا أردت استخراج ورقة من أحد المكاتب الحكومية فعليَّ أن أتوقع أني لن أحصل عليها في اليوم نفسه، إن لم أحصل عليها -وهو ما يحدث عادة- لا أغضب. إن حاولت بدء علاقة أو صداقة جديدة فعليَّ أن أتوقع أني سأفشل، إن فشلت فلن أغضب، وبدا أن توقع الأسوأ هو حل ممتاز، ويبدو أنه أفضل حل وجدته حتى اليوم.

بمرور الوقت أدركت أني أتوقع الأسوأ في كل شيء، وأن توقعي هذا صار سببًا في عدم استمتاعي بأي شيء؛ توقفت عن مشاهدة الأفلام والقراءة وسماع الموسيقى لسنوات، توقفت عن تكوين علاقات أو صداقات جديدة لسنوات. وعلى الرغم من أن حياة كتلك تبدو تعيسة، إلا أنها كانت حياة هادئة حقًا، الدورة لم تتغيّر، اختفى الغضب فحسب. ثم حاولت الانخراط في الحياة مع الاحتفاظ بقاعدة توقع الأسوأ، بالطبع فشلت تمامًا، في ذلك الوقت تحول أقل مجهود ذهني إلى ضغط يليه توتر، صار كل شيء مملًا ويكاد يكون عبئًا. اعتدتُ أن أجبر نفسي على قراءة كتاب لأتركه بعد خمس أو ست صفحات، أن أدخل السينما لأنام بعد ربع ساعة من بدء عرض الفيلم، أن أخرج برفقة صديق لأعتذر وأتركه بعد خمس دقائق. أن أتعرف على شخص جديد، ربما لمحاولة بدء علاقة جديدة، ثم ينتهي الأمر كله بعد ربع ساعة فحسب، أدفع الحساب وأترك المقهى والشخص المذهول أو الغاضب وكل شيء، أمضي من دون أن ألتفت خلفي أبدًا. كان الخوف لا يزال حاضرًا ثقيلًا، غاب الغضب بالتأكيد، قلت فترة الاطمئنان كثيرًا، زادت فترة التعاسة إلى حد أصبح مرهقًا للغاية.

تصبح مشاعر مرغوبة عادة كالحب والإعجاب والاطمئنان مربكة تمامًا، تثير ردود أفعالي في مَن حولي التعجب طوال الوقت، حتى بعد إخماد الغضب لم أنجح في التواصل مع الكثيرين، التعبير عن التقدير يقابل بجمود، التعبير عن الحب يقابل برفض غاضب، الشعور بالاطمئنان يثير فيَّ الخوف لأني أعلم تمامًا أنه شعور مؤقت وأن ما يتبعه سيء.

أذكر أني كنت في بيروت لأستمتع بإجازة مع أسرتي، فوجئت أن أحد الأصدقاء قد دخل المستشفى قبل أن أصل بساعات، حالما وصلت الفندق غادرت وذهبت لزيارته في المستشفى القريبة. عندما رأيته في حالة معقولة اطمأننت قليلًا، بقيت إلى جانبه دقائق ثم غادرت، مشيت من المستشفى إلى الفندق، فكرت كثيرًا في مرضه ووضعه وأنه لا يستحق أبدًا ما حدث له، لكني أيضًا فكرت أنه يتلقى الآن كل عناية ممكنة، وأنه الآن محاط بمَن يحبهم كثيرًا فلا بد أنه مطمئن. انتبهت إلى رسالة قصيرة أرسلتها زوجتي عندما كنت في المستشفى، قالت إنها ستنام قليلًا في الفندق حتى أعود، تابعت المشي وفي طريقي وجدت فرنًا يبيع مناقيش، اشتريت منقوشة زعتر وعلبة عصير تفاح، جلست على حوض زهور أمام الفرن وأكلت، استمتعت بملوحة الزعتر وبرودة العصير. كان المذاقان أوضح تجسيد لشعور الاطمئنان الذي أحاطني في تلك الدقائق. بعدما انتهيت تابعت المشي إلى الفندق، ومع كل خطوة كانت سيطرة التعاسة تزداد ببطء، قبل أن أصل إلى الفندق أدركت أني لا يجب أن أستسلم لسيطرتها، أنا في إجازة مع أسرتي ويجب أن أستمتع، استدرت ومشيت في الاتجاه المعاكس عائدًا إلى الفرن. ظننت أن العودة ستقلل سيطرة التعاسة كما زادها الذهاب، لكني كلما مشيت خطوات أدركت أن سيطرتها تزداد، عندما وصلت إلى الفرن لمت نفسي بشدة على تصرفي الساذج. استمرت التعاسة مسيطرة عليَّ طوال فترة بقائي في بيروت.

كنت قد عبرت إلى الأربعين واستسلمت للخوف تمامًا، عندما اضطررت لعمل أشعة رنين مغناطيسي على المخ ثلاث مرات خلال شهور قليلة. كنت خائفًا في المرة الأولى من احتمال وجود جلطة في المخ، أو ربما ورم في أطواره الأولى. طلب مني الفني الذي يشغل جهاز الأشعة أن أترك أي شيء معدني في صندوق قبل دخولي إلى غرفة الجهاز، ثم ساعدني على الاستلقاء على السرير الذي سيتحرك خلال دقائق ليدخل وأنا عليه في قلب الجهاز، وضع سماعتين كبيرتين على أذني لعزل صوت الجهاز المزعج، وطلب مني ألا أتحرك أدنى حركة أثناء عمل الجهاز. انتهى العمل بعد نصف ساعة تقريبًا، كنت خائفًا من نتيجة الأشعة التي طبعها الفني بسرعة فلم أنتبه لكل الأشياء المزعجة التي حدثت وأنا في الداخل، عدت إلى الطبيبة لتخبرني بأني كل شيء على ما يرام. اضطررت لتكرار الأشعة نفسها مرتين بعد ذلك دون أن يفهم أي من الأطباء سبب ما يحدث لي، وعندما استشرت طبيبًا جديدًا قال إن كل ما فعلته خلال الشهور الماضية لا فائدة منه، وإن عليَّ أن أعمل أربع أشعات على المخ هذه المرة. كنت قد طوّرت آليات للتغلب على الخوف الناتج من البقاء داخل الجهاز؛ التغلب على الخوف من الضيق الذي يذكر بالقبر كان سهلًا، فكرت أني عندما سأموت فلن أشعر بشيء، وبالتالي المقارنة بين الجهاز والقبر لا معنى لها، ثم إني لا أعرف إن كنت سأدفن أم لا. التغلب على الإزعاج الناتج من أصوات الجهاز كان سهلًا أيضًا، تخيلت أني أسمع مقطعًا موسيقيًا طويلًا، من النوع الذي يسمى dubstep، مذهل تمامًا التشابه بينهما، استمتعت حقًا بالتنوع والتغيّر المفاجئ في أصوات الجهاز، وإن خلت الأصوات من الكريشندو المتكرر عادة في نوع الموسيقى المذكور. المرة الرابعة كانت مختلفة، هذه المرة سأقوم بعمل أربع أشعات دفعة واحدة، وبدلًا من أن يستغرق الأمر ثلث أو نصف ساعة، سيستغرق الأمر ما يقرب من ساعة ونصف. في داخل الجهاز قمت بعمل كل شيء، فكرت في أني لن أشعر بشيء عندما أموت، تخيلت أني أسمع قطعة موسيقية طويلة، لكني لم أتغلب قط على محاولة تثبيت رأسي وكتفي أثناء استلقائي، حاولت إلهاء نفسي بالتفكير في أشياء كثيرة، كنت أفشل كل مرة وأعود للتفكير في ضرورة تثبيت نفسي، ساعة ونصف من محاولة الابتعاد عن فكرة التثبيت والعودة إليها. حاولت طرد فكرة أني إن تحركت فسأضطر لإعادة كل شيء من البداية، لم أتمكن من طردها قط. أخيرًا انتهى عمل الجهاز وقمت من على السرير وشعرت بالطمأنينة تغمرني، خرجت من غرفة الجهاز وتحركت نحو الممرض وسلمت عليه واتجهت إلى السلم، أثناء نزولي السلم انتهت الطمأنينة وأخذت التعاسة تسيطر ببطء وثقل لم أعهدهما من قبل، شعرت أن التعاسة هذه المرة مصرة على فعل شيء ما لم أدركه في تلك الدقائق وأنها لم تعد تريد السيطرة عليَّ فحسب. لم أفهم قط لمَ وقفت لمدة ساعة كاملة متخشبًا أمام مبنى مركز الأشعة، مع أن سيارات تاكسي كثيرة مرت أمامي من دون أن أمدّ يدي لإيقاف أي منها، لم أفهم لم تجمدت في التاكسي دون أدنى حركة، لم أفهم لم قعدت طوال باقي اليوم من دون حركة على أحد كراسي المنزل. كنت أسمع صوت اهتزاز الموبايل معلنًا وصول رسائل لي، لم أهتم وبقيت ثابتًا على الكرسي، في تلك الليلة نمت مستلقيًا على ظهري ورأسي وكتفيي في وضع ثابت وذراعيي ممددتان إلى جانبي، لم أتحرك وأيضًا لم أنم، وطلع الصباح لأجد أني لا زلت على الوضع نفسه. في اليوم التالي استمر الوضع المتخشب، أمام حوض الحمام، على التواليت، في الشباك، على المكتب، وليلًا على الكرسي نفسه، أخيرًا مددتُ يدي وأمسكت بالموبايل لأرى ما وصلني من رسائل، وجدتُ أن أحد الأصدقاء قد أرسل لي سكرينشوت لتغريدة كُتبت عني، لم أهتم على الرغم من محتواها الحاد. بعد دقائق أرسل إليَّ شخص لا أعرفه رابطًا لمجموعة تغريدات كتبها صاحب التغريدة الأولى، كان محتوى التغريدات يتلخص في عرض معلومات عني وعن زوجتي، كلها معلومات يمكن معرفتها ببساطة من حسابات الفيسبوك ولينكد إن الخاصة بنا، لكن عرض المعلومات نفسها تم بطريقة ملتوية توحي بأني أرتكب جرائم لا أمارس حياتي الطبيعية، حملت إحدى التغريدات تهديدًا واضحًا بإنشاء حساب تويتر وهمي وإطلاق إشاعات تجاهي من خلاله، تتهمني باتهامات مشينة وغير أخلاقية، قال صاحب التغريدات إن فعل ذلك سهل للغاية الآن، يدعم هذه الإشاعات ما كتبته في إحدى رواياتي. تهديد كهذا كان من المفترض أن يخيفني كثيرًا، لكني قرأت التغريدات ببرود ومن دون التفكير في أي رد فعل، لم أفكر حتى في التقاط سكرينشوت للتغريدات وخاصة التغريدة المهددة. بعد ثلاثة أيام، وبعد انحسار جزئي للتعاسة، تذكرت ما قرأت وخفت حقًا. عدت لحساب صاحب التغريدات فوجدتها كلها قد ألغيت، كان من الواضح في ذلك الوقت أن صاحب التغريدات يريد إثارة خوفي فقط. لم أتساءل قط لمَ فعل ذلك، لكني تساءلت كثيرًا عن برودي وانعدام رد فعلي عندما قرأت التغريدات أول مرة، ثم أدركتُ أني لم أخف من التغريدات لأن التعاسة كانت قد تعدت مرحلة السيطرة بكثير، وأنها الآن ربما ترغب وتخطط وتعمل على إيذائي حقًا، كأن تشغلني عما قد يهددني فعليًا، كانت تفعل ذلك بطريقتها الخاصة المركبة، كانت كيانًا مستقلًا يستمتع بصرامة وإخلاص بعملية إيذائي.

واجهت أوضح تجسد للتعاسة عندما مررت منذ سنوات عديدة بمقلب زبالة قرب البيت، الرائحة كانت قوية، كانت هناك وسط الزبالة جثة حمار في أحد أطوار التحلل، ترقد على جانبها منتفخة ومتخشبة، يظهر من شق عند البطن ما يتحرك داخلها من ديدان. الشمس عمودية والحر لا يُحتمل، الأشياء حولي واضحة المعالم، أمكنني تمييز كل الألوان وتحديد أسماء كل الأشكال، اختفت من أنفي رائحة التحلل بعد دقائق من الوقوف أمام الحمار، مر إلى جانبي رجل وامرأة، أسرعا بسبب الرائحة وهما ينظران إليَّ بوجهين منكمشين. كان كل شيء حولي واقعيًا وواضحًا وملموسًا، لا مساحة لأي خيال قد يهرب الواحد إليه. مرت بذهني حينها كل الأفكار التي عرفتها عن الموت، الجلال والرومانسية، الرهبة والفقدان، كيف تطوّر حب الآباء إلى عبادة الأسلاف، وأخيرًا، نحن في دورة جميلة في هذا العالم حيث يرحل شيء ليأتي شيء آخر بعده. بدت كل هذه الأفكار سخيفة وطفولية أمام جثة الحمار، كانت التعاسة قد سيطرت عليَّ وعلى كل ما أراه. كان الحمار تعيسًا.

في التعاسة تبدو كل ذكرى وكأنها كارثة تثير الخجل، يبدو كل ما يحدث حولي غامضًا وذا معنى سلبي، كل جملة أسمعها تحمل لومًا أو سخرية أو انتقاد أو حكم، كل حركة تحمل ضغطًا أو إهانة. وفي الوقت نفسه تبدو كل كلمة قلتها في زمن سابق وكأنها إهانة وجهتها لشخص آخر توجب عليَّ الاعتذار له، أجد نفسي مدفوعًا إلى الاعتذار عن أشياء قلتها أو فعلتها منذ سنوات، يثير كل اعتذار تعجب الشخص الآخر لأنه لا يتذكر ما قلت أو ما فعلت، أو لأنه يرى أن ما قلت لا يستحق الاعتذار فأخجل. تفلت صرخة مني لأني لا أستطيع الاعتذار لصديق ميت. أكرر الاعتذار لشخص حتى يمل ويكف عن الرد، أدرك أن عليَّ أن أعتذر لأني كررت الاعتذار وأظل متحيرًا لا أعرف ماذا عليَّ أن أفعل. أنظر في المرآة بالصدفة لأكتشف أني أكره وجهي تمامًا، أبتعد محاولًا أن أنساه لكنه يظل يلاحقني، أتخيل أني أستأصله بموس من ذاكرتي لكنه يظل سليمًا يلاحقني. أدرك أني غير قادر على النظر إلى وجوه الآخرين فأضطر للمشي ناظرًا إلى الأرض. أفكر كثيرًا قبل أن أنطق أي جملة، أخشى أن يفهم مَن يحدثني كلامي بشكل خاطئ، أحاول صياغة الجملة في عقلي بأبسط طريقة ممكنة قبل أن أنطقها، أفشل مرارًا قبل أن أعلن بوضوح إلى مَن أكلمه أني لا أجد ما أقول، أني لا أعرف ماذا أقول، يتوقف الحوار بيننا. أكلم الآخرين ناظرًا إلى ما خلفهم، أو إلى أيديهم، أو إلى صدورهم، أرتبك عندما يدرك أحدهم أني أنظر إلى ما خلفه فيلوح بكفه كي يلفت انتباهي، يفعل ذلك مداعبًا لكن تأثير ما فعل يجعلني عاجزًا عن النطق. أرتبك عندما يخبئ الرجل الذي أحدثه كفيه في جيبيه بعدما يلاحظ أني أحدق فيهما، لا أعلم أين أوجه نظري. أرتبك عندما أكتشف أني أحدق في ثديي السيدة التي أمامي أثناء شرائي شيئًا منها، لا أعلم أين أوجه نظري. يصبح الحل الوحيد أن أغمض عيني فلا أرى أي شيء. لكن تبقى الفكرة المسيطرة تمامًا عليَّ؛ كل هذا لا يجب أن يظهر على وجهي، يجب أن يظل وجهي هادئًا، وإن لاحظتُ الشك في وجه من أمامي فيجب عليَّ أن أبتسم أو أن أجامله بكلام رقيق.

هل هناك مهرب؟ نعم بالطبع، هناك الأدوية التي سيصفها الطبيب إن زرته، أعلم الآن أن الدورة ليست من اختياري، بل هي نتيجة خليط من الاضطرابات الهرمونية وأضرار لحقت بمناطق معينة في المخ والخوف الذي استقر منذ الطفولة ويتزايد يومًا بعد يوم، الأدوية قد تساعد لضبط الهرمونات وتحفيز خلايا المخ، لكنها لن تزيل أثر الخوف.

يبقى هناك مهرب آخر فعّال تمامًا، أعرفه واختبرته كثيرًا؛ أن أنتظر المفاجأة المقبلة. المفاجأة قد تكون شيئًا بسيطًا كمشهد شجرة في غابة، أو جرعة ماء في يوم حار، أو طعام جديد أكتشفه لأول مرة، وقد تكون شيئًا مركبًا كفكرة كُتبت على أحد الحوائط، أو كصديق جديد مبهر ومثير للاهتمام، أو حب شخص جديد. المفاجأة هي ما يدفعني لتأمّلها؛ محاولة فهم كيف تعيش الأشجار في الغابة، لم تهدئني جرعة ماء، لم أتذكر مذاق ذلك الطعام، أفهمت ما قصده كاتب الفكرة على الحائط، لم يصنف الصديق الجديد نفسه مع أنه غير قابل للتصنيف، ما الفرق بين الحب والهوس؟ أهما الدافعان لكتابة كل هذا؟ المفاجأة هي الشيء الوحيد الذي يدفعني لتجاوز أثر الخوف فيختفي الغضب وتستمر الطمأنينة لأيام عديدة بينما تصير التعاسة أقل حدة واستمرارية، لا تكف الدورة عن تكرار نفسها، لكن تضطرب مدد استمرار كل شعور فحسب، اضطرابًا يصبّ في صالحي تمامًا. وبينما تتكرر الدورة مرات كل شهر، قد تأتي المفاجأة مرة كل سنة أو ربما أقل، لذلك يجعلني انتظارها أكثر تقديرًا لها عندما تأتي أخيرًا. المفاجأة هي ما قد يجعلني أعيد التفكير في مشاعري وأفعالي، في أثر الخوف الذي عليَّ أن أتعامل معه، هي ما قد يجعلني أرى أن التخطيط المستمر لكل شيء ليس أفضل طريقة للتعامل مع من حولي، بل ربما «مسايرة ما يحدث» أفضل من «التخطيط لما أريد أن يحدث». المفاجأة قادرة على طمأنتي، وإسعادي، ودفعي للتغيّر الذي قاومته لسنوات عديدة.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن