امتلاك القاهرة
 
 
المصدر: سهير عاطف شرارة
 

#جو عام

يتناول هذا الدليل علاقة الفرد بالمدينة، عن الحركة داخلها؛ هل يمكن أن يستعيد فردٌ منفردًا في تمشية صباحية صلته بالمدينة، القاهرة التي شهدت هزيمتنا بشكل جماعي؟ 

أفتح بوابة بنايتي المغلقة بإحكام، أخرج إلى الشارع الخالي، أقف لثوان، اتنشق نسمة الهواء البكر الصباحية، أغلق البوابة خلفي، أنظف يدي جيدًا بالكحول، ثم أهيم على وجهي في شوارع القاهرة، التي أعيد اكتشافها، واكتشاف نفسي من خلالها. في تلك اللحظة، تقول بيلي إيليش في أغنية «نهاية العالم» على قائمتي؛ «تنفس الهواء مجددًا، إنه يوم جميل. أتمنى لو تستمر هذه اللحظة في الأرض».

[بينما تقرأ أو تمشي يمكن #سماع هذه اللِستة المُنتقاة مما تسمع المهدوي في تمشياتها الصباحية لأكثر من خمسة أشهر]

بعد حوالي شهر من البقاء التام في المنزل، كانت نوبات القلق المزمن قد ارتفعت حدتها بفعل الجائحة العالمية والضغوط. خلال شهر من عدم الاحتكاك بالشارع، تكوّنت لدي مخاوف من الشارع؛ به كورونا، غير مرحب بالنساء، لكن عدم الخروج من المنزل لم يكن يزيدني إلا قلقًا. استجابةً لنصائح طبيبتي وبعض الأصدقاء بممارسة الرياضة، قررتُ أن يكون سبيلي لذلك التمشية بانتظام، وهكذا بدأت علاقة جديدة مع مدينتي المفضلة؛ القاهرة، التي أشعر تجاهها مثلما شعر صلاح جاهين تجاه مصر، أحبها وألعنها بعشق «زي الداء».

الصور: هدير المهدوي

لطالما فضّلت القاهرة على مدن العالم، ولطالما حزنت على إمكانات مدينتي المهدرة، وتاريخها المهدد بالهدم، وجمالها الذي يغطيه التراب والفقر والعنف والخوف. لطالما تحمست للعودة بعد كل سفر، وسرعان ما يزول الحماس. لطالما فضّلتها خاصة في لحظات انتصارها/ انتصارنا، وحتى في لحظات الهزيمة، التي أتت على أُلفتنا مع المدينة، فلم تعد أماكننا المفضلة مُفضلة، بل لم تعد أماكننا.

المصدر: هدير المهدوي

في محاولات سابقة للتمشية في القاهرة في السنوات الماضية، كنت أختار أوقاتًا كارثيةً، مثل الخامسة أو السادسة مساءً، أو التاسعة أو العاشرة صباحًا. وبعيدًا عن الضوضاء والزحام الجنوني في تلك الأوقات، كنتُ -تقريبًا- أصرخ في شخص ما  كل دقيقة، لأنه تحرش بي، أو لأنه قطع طريقي -حرفيًا- ليبيع لي رائحة رخيصة الصنع، أو ليخبرني عن محل ملابس في زقاق قريب، أو كاد أن يصطدم بي بجسده أو سيارته، قصدًا أو غباءً. كثيرٌ من الأفعال على تلك الشاكلة. لم أصمد طويلًا  في تمشياتي تلك، فتوقفت عنها، وكنت أفكر في شراء آلة رياضية بالمنزل أمشي عليها كافية خيري شري. وسبقت محاولات التمشية تلك سنوات من الاشتراكات في أندية رياضية، انتهت بدفع اشتراك سنوي عالٍ والذهاب أربع مرات طوال العام، كما أنني لم أحب أبدًا فكرة ممارسة الرياضة في أماكن مغلقة.

في أبريل الماضي، بدأت على استحياء في التجول في المدينة، في قلبها القديم التاريخي، قلبها المزدحم دائمًا، الموتر دائمًا، والودود أحيانًا. قلبها الذي يحمل كافة ذكرياتي؛ حزينة وسعيدة، الاخفاقات كافة والنجاحات أيضًا. وسط المدينة بالنسبة لي هو قلبها ونافذتها التي تعكس حالتها بامتياز، بالطبع هو قلب العاصمة المركزية الذي يحتوي على كل شيء. اعتدت على زيارة هذا القلب بانتظام منذ كنت طفلة صغيرة، بدت حينها أكثر رحابة، مبهرة، وحالمة. وبدت أيضًا كمتاهة كبيرة قد أتوه فيها إن أفلت يدي من يد أحد أفراد أسرتي في لحظة سرحان. تغيّرت ملامحها كثيرًا، كما تطورت علاقتي بها مع العمر، فأصبحت المنطقة معتادة أكثر من اللازم، عرفت شوارعها وزخانيقها الجانبية، كان هذا مصدرًا للأمان في أحيان، وللضجر في أحيان أخرى، ثم باتت المنطقة أضيق وأصغر، بل خانقة ومخيفة دون أن أفقد حبي لها أبدًا، مثل الأم التي تشكو من أبنائها ليل نهار، ولا تسمح بنسمة هواء قد تضرهم.

المصدر: هدير المهدوي

في تمشياتي الحالية، اخترتُ الصباح الباكر موعدًا، بين السادسة والسابعة، بعد أن تغيّر نمط حياتي وتوقفت عن السهر، وأصبح لدي وقت طويل كل صباح لا أعرف ماذا أفعل به. كما أنني أريد تجنب الاختلاط بالبشر؛ تجنب كحة هنا أو عطسة هناك. ارتدي ملابس رياضية، متمنية أن تمر التمشية في سلام، فنهاية العالم المرتقبة لم تمنع المتحرشين عن تحرشهم، وأرتدي حقيبة وسط، والكمامة على وجهي، والكحول في يدي، وسماعات الموسيقى في أذني. ومعي الهاتف أوثق كل جميل أراه، أوثق المدينة خوفًا من أن أغترب عنها أكثر فلا أتذكرها، أصور لحظات سعادتي، ربما تؤانسني لاحقًا في لحظات التعاسة.

وسط القاهرة لا تشمل فقط الشوارع الرئيسية التاريخية؛ قصر النيل وطلعت حرب وشامبليون وصبري أبو علم وشريف ومحمود بسيوني وهدى شعراوي ومحمد محمود والتحرير شارعًا وميدانًا، بل أضم إليها أيضًا الحواري والأزقة الجانبية، التي لا يعرفها الزوار العابرين، كما تمتد إلى الأطراف؛ المنيرة وجاردن سيتي وبينهما شارع القصر العيني. تلك هي الشوارع التي أتجول بينها. أحيانا ألاحق النيل حتى الدقي أو الزمالك، في محاولة لتتبع الحياة حوله، الحياة التي قد يتغيّر شكلها في الشهور القادمة إن قل منسوب المياه بسبب سد الجيران.

المصدر: هدير المهدوي

في بداية جولاتي الصباحية، كانت القاهرة شبه خاوية، كنت أسير وحدي في الشوارع، لا مشاة ولا سيارات، خلت المدينة إلا من كلاب وقطط ظريفة أصبحوا أصدقائي فيما بعد. امتلكت المدينة لثاني مرة في حياتي، بعد أن امتلكتها أنا وأصدقائي المغضوب عليهم لبضعة أيام منذ تسع سنوات. في التمشيات، أرى القاهرة لأول مرة، ألاحظ البنايات والبلكونات بزهورها الملونة، مداخل المباني، المحال والمقاهي القديمة، الأشجار الملونة، مثلما رأيت الأشخاص بدون مأوى، جيراني في المنطقة، والذين لم ألحظهم سابقًا، لأنهم يبيتون ليلتهم ويرحلون في الصباح الباكر، رأيتهم تحيط كلاب المنطقة بهم، نائمين جميعًا.

انتبهتُ لأحدهم عبر الشهور، كان يفترش الأرض، ثم بدا سعيدًا قليلًا حين أصبح لديه كرسي انتريه قديم، كان يجلس مبتسمًا معتدا بنفسه يدخن سيجارة، قبل أن أراه في المرة التالية يجلس حزينًا على شوال رمل. كم هي قاهرة القاهرة.

المصدر: هدير المهدوي

مع الوقت دبت الحياة في المدينة، فلم تعد ملكي بالتدريج، عاد الناس للشوارع، ذاهبين لأعمالهم في الصباح الباكر، وزادت السيارات فزاد التلوث، وزدتُ أنا بينما أمشي توتًرا، اضطر للصراخ في متحرشين بالشارع في كل مرة، وهؤلاء عادة ما يكونوا على قدر من البجاحة أن يخترقوا صوت الموسيقى العالي في أذني، أو يقطعوا مساري الذي أمشي فيه بخطوة سريعة رياضية.

خلال الشهور الماضية، مع ارتفاع موجات شهادات العنف الجنسي، فضّلتُ البقاء في المنزل لبضعة أيام، ليس خوفًا وإنما إرهاقًا وضجرًا، شعرتُ بالتعب من الخناق على المشي في الشارع بسلام، بل من الخناق على الحياة في مصر بسلام. ولكن مع الوقت زاد لدي التحدي والتحفز، فعدتُ للتجول في الشارع، صارخة في الجميع، في مَن ينظر لي نظرة جنسية، أو يبتسم ابتسامة بلهاء لزجة، أو يعلق تعليقًا متحرشًا سمجًا. فهمتُ بعد ذلك أن هذا التحفز نتج عن الفزع والغضب من هول ما نتعّرض له من انتهاكات يومية، كنساء في هذا البلد، دون أفق حقيقي للعدالة، وأنني لن أتعود أبدًا على ذلك. لكن هذا الصراخ الهستيري الغاضب هدأ بعد قليل، وعدتُ مُجددًا للتجاهل قليلًا، مثلما نصحتني أمي، تجنبًا لتدمير يومي بالكامل. وأنا بالأساس أقوم بالمشي لتحسين اليوم والمزاج أيضًا، لتحريك بعض الدماء في عروقي، للتعّرض للشمس، لشم بعض الهواء النقي الذي يتسرب عبر الكمامة.

لم أسمح هذه المرة للمدينة التي أحبها أن تهزمني مجددًا. لم أنتبه لرغبتي الدفينة في امتلاك المدينة مرة أخرى إلا ذات صباح، حين وصلت في جولتي الصباحية إلى ميدان التحرير، فسمعتُ سعاد حسني في قائمة الأغاني تقول: «وقف الشريط في وضع ثابت. دلوقتي نقدر نفحص المنظر. مفيش ولا تفصيلة غابت. وكل شيء بيقول وبيعّبر»، صلاح جاهين مُجددًا، لم أستطع منع نفسي من البكاء، فأسرعتُ بتغيير الأغنية. بعكس امتلاكنا الجماعي سابقًا للقاهرة، ليس لدي رغبة الآن في تسجيل موقف أو إعلان أمر ما، الأمر ببساطة أن أشعر ببعض الانتماء لتلك البقعة الجغرافية، أن أخلق لنفسي مساحة ضئيلة تربطني بالمدينة، مساحة تمنعني للحظات من التفكير الدائم في الهزيمة الجماعية، من التفكير في الهروب. بضع خطوات تربطني بالمكان والزمان وبالحياة.

المصدر: هدير المهدوي

محملة بضربة «صابت.. وضربة خابت»، أحاول المواظبة على تمشيتي الصباحية، استقبل ابتسامة الغرباء بحسن نية، وأجتهد للتفرقة بين الابتسامة اللطيفة والابتسامة البلهاء اللزجة المستدعية للشك. أبتسم، من خلف الكمامة،  لمجموعات الشباب والفتيات الذين أراهم في بعض الصباحات على دراجات، أو يركضون، أو يتمشون مثلي. أبحث عن مكاني في «المشهد». قدماي تطآن الأرض بقوة، علني أصدق أنني لا أزال أنتمي لهذه الشوارع، لتلك المدينة، التي رغم كل محاولاتها لفظي خارجها، لا أزال هنا، ولا تزال مدينتي.

و#سلام

اعلان
 
 
هدير المهدوي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن