العنصرية الأمريكية كفكرة مؤسِسِة: انتفاضة ووباء وانتخابات (1-2)

من المخطط أن تشهد الولايات المتحدة في نوفمبر القادم انتخابات رئاسية وبرلمانية على كامل مقاعد مجلس النواب وثلث مقاعد مجلس الشيوخ. وبينما ينتظر الشعب الأمريكي -والعالم أجمع- نتيجة تلك الانتخابات في ظل استمرار أزمة وباء كورونا وانتفاضة لم تتوقف منذ مايو الماضي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن إدارته ستوزع مصلًا للفيروس يوم 1 نوفمبر. وليس من قبيل الصدفة أن يأتي هذا الموعد قبل يومين فقط من الانتخابات. كما أعلنت نقابة الشرطة تأييدها إعادة انتخاب ترامب.

يسعى هذا المقال في جزئه الأول إلى قراءة تأثير الحركة الاحتجاجية الواسعة التي انطلقت عقب مقتل أحد المواطنين السود خنقًا بيد أحد رجال الشرطة، وسط تداعيات وباء كورونا، على المشهد السياسي الأمريكي عشية الانتخابات الرئاسية، وانعكاس ذلك على خطاب وأداء الفاعلين الانتخابيين، على أن يؤصل الجزء الثاني من المقال لجذور فكرة العنصرية الهيكلية في تاريخ الرأسمالية الأمريكية.

في الأسبوع الماضي تجددت الاحتجاجات في أكثر من مدينة أمريكية بعد إطلاق النار على المواطن الأمريكي الأسود جايكب بليك في ولاية ويسكونسن. وكانت تلك الاحتجاجات تكرارًا لأخرى أوسع اندلعت في مايو الماضي، احتجاجًا على قتل الشرطة للمواطن جورج فلويد. وصف العديد احتجاجات فلويد بأنها الأقوى منذ حركة الحقوق المدنية في الستينيات. عنونت صحف الـ«مين ستريم» مثل نيويورك تايمز والواشنطن بوست، الاحتجاجات، وقالت إن «ما يحدث في الولايات المتحدة هو انتفاضة»، «ما يحدث هو أوسع الاحتجاجات نطاقًا في التاريخ المعاصر للولايات المتحدة».

نحن أمام مشهد معقد جدًا تتداخل فيه الانتفاضة والوباء والانتخابات، وتاريخ مرير طويل من العنصرية الهيكلية. يفرض هذا المشهد عددًا من الأسئلة الهامة: ما هي حدود هذه التحركات المناهضة للشرطة والعنصرية؟ وما علاقتها بانتشار الوباء وطريقة تعامل السلطات معه؟ وما علاقتها بالانتخابات، سواء بالتأثير فيها أو التأثر بها؟ وهل تعتمد المؤسسة الأمنية على العنصرية كقيمة أساسية في عملها؟ وهل ستتوقف الحركة بعد الانتخابات؟

كيف بدأت الحركة؟

بدأت مظاهرات الاحتجاج على مقتل فلويد يوم 30 مايو الماضي، وانتشرت في 75 مدينة على الأقل في جميع الولايات الأمريكية، بما في ذلك الولايات الجنوبية المعروفة بتاريخ طويل وعنيف حول بالعنصرية. ووفقا لتقرير نشرته «واشنطن بوست» في 6 يونيو الماضي، وصلت الاحتجاجات لأحياء بيضاء ومناطق ريفية محافظة في الشرق الأمريكي وولايات الوسط. ووفقًا لتقرير «نيويورك تايمز» في 3 يوليو الماضي، لتحليل يوم واحد في الاحتجاجات، هو 6 يونيو، فقد حدثت الاحتجاجات على الأقل في 550 مكانًا، وأن إجمالي عدد المحتجين في هذا اليوم وصل لما لا يقل عن نصف مليون محتج. تحدثت صحف كبيرة عن عنصرية ووحشية الشرطة، الصحف الكبرى في شيكاغو تناولت ميزانية الشرطة وانتقدتها، وعرضت شبكة «سي ان ان» برنامجًا خاصًا للأطفال يتناقشون فيه بشأن قضية العنصرية المتفشية في المجتمع الأمريكي. 

وبالإضافة إلى ذلك، نشرت صحيفة «يو اس ايه توداي»، وهي من أهم صحف الـ«مين ستريم» الأمريكي،  تقريرًا تفصيليًا عن تاريخ الشرطة مع العنصرية في الولايات المتحدة، بعنوان: «المسألة أعقد من فلويد».

بالطبع المسألة أعقد من فلويد وبليك وغيرهما من ضحايا مؤسسة الشرطة العنصرية. جذور الموضوع تعود لقرون مضت في تاريخ الولايات المتحدة.

«حياة السود مهمة»

في يوليو 2013 أفرجت السلطات الأمريكية عن المواطن* الأبيض جورج زميرمان (من المواطنين المتطوعين لمراقبة الأحياء السكنية)، الذي قتل المراهق الأمريكي الأسود تريفون مارتن. عقب ذلك بدأت حركة «حياة السود مهمة» كوسم على مواقع التواصل الاجتماعي. كان الشعار الأساسي (حياة السود مهمة، Black lives matters) بسيط ومستفز في آن واحد لمشاعر الجمهور، وكأن مجرد بقاء المواطنين السود على قيد الحياة والتوقف عن قتلهم هو أمر مطلوب. كذلك، فضح الشعار المستوى الذي وصلت له عنصرية الشرطة في السنوات الأخيرة.

بعد شهور من بدء العمل الافتراضي، عادت قوات الشرطة في أغسطس 2014 لتقتل مواطنًا أسود آخر هو مايكل براون، في مدينة فيرجسون بولاية ميزوري. شهدت المدينة انتفاضة كبرى توجت بتحول الهاشتاج إلى حركة على الأرض، وبات لها 14 فرعًا في معظم المدن الأمريكية الكبرى، وكذلك انتشرت للعمل عالميًا في كندا وأستراليا ونيوزيلندا والمملكة المتحدة، وباتت تعرف نفسها كشبكة عالمية أكثر منها حركة بالمفهوم التقليدي للحركات الاجتماعية.

يمكن القول إن الحركة، ورغم أنها تبلغ من العمر ست سنوات فقط، لكنها أصبحت حركة أم للعديد من الشبكات والحركات القاعدية في الكثير من الولايات. على سبيل المثال، فقد ظهر في شيكاغو منذ 2014 الكثير من الحركات المحلية المرتبطة بحركة حياة السود مهمة، منها مثلًا تجمع «دعنا نتنفس Let us Breath Collective» وهي حركة تربط الفن باحتجاجات الحركة الأكبر. ومن هذه الحركات أيضًا حركة «دعنا ننظم من أجل قوتنا Southside Together Organizing for Power»، وهي في منطقة الجنوب الغربي لمدينة شيكاغو والمكدسة بالسود الفقراء.

وتحدث الكثير من المهتمين عن الفوارق الأساسية بين حركة حياة السود تهم وحركة الحقوق المدنية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين. وركز الباحثون والنشطاء على أن حركة الحقوق المدنية اهتمت بالسلمية، ولم تتبن نقدًا حادًا للدولة، وإنما تبنت مطالب فرض سياسات الاحترام والقبول، وكان هدفها هو إنهاء ممارسات الفصل العنصري والقيود الشديدة على حق السود والأقليات في الانتخاب وممارسة السياسة. وكان لحركة الحقوق المدنية قيادات وتنظيم بالمعنى التقليدي، لكن الحركة الجديدة هي حركة بنت وقتها، ولا تتبنى مفهوم القيادة بالمعنى التقليدي، وتتميز بفكرة التنظيم الأفقي والمرونة الحركية والتكتيكية. 

وعلى خلاف حركة الحقوق المدنية التي برزت فيها القيادات الذكورية الكاريزمية، فإن حركة حياة السود مهمة بدأت بشعار كتبته نساء كويريات، كما تتبنى الحركة فكرة التقاطعية (. (intersectionality  كأساس لها على كل المستويات، ويتشاور الأعضاء، لكن مع استقلالية وغياب التراتبية الهرمية. أيضًا، الحركة الجديدة تتبنى نقدًا حادًا للدولة وسياسات العنصرية المنهجية، وخاصة قتل السود.  باختصار يمكن القول إنه بينما كانت تطلب حركة الحقوق المدنية من الدولة الاعتراف بالحقوق السياسية والمدنية للسود والأقليات، فإن حركة حياة السود مهمة تنتقد الدولة وتطالب بتغيير هيكلي في جهازها الإداري والتنفيذي، وخاصة الجهاز الشرطي. 

هذا لا يجعل من الحركة ثورية بالضرورة، ولكن معناه أنها ترفض أي إصلاحات شكلية، وتصر على أن قتل الفقراء الملونين عمل منهجي، ولا يصلح معه أي إجراء شكلي أو عدالة جنائية بطريقة فردية. كما تشتبك الحركة مع الانتخابات ومعارك محلية في الكثير من المدن، على عكس ما يعتقده البعض أنها حركة تقوم فقط على التظاهر.

الوباء كمحفز للانتفاضة

على الرغم من تصاعد الموجات الاحتجاجية وسط المعاناة العالمية من وباء الكورونا، وبالذات مع ما يفرضه من إجراءات اجتماعية مرتبطة بالوقاية والسيطرة على العدوى، إلا أن الوباء نفسه كان محركًا ومحفزًا لتحرك المحتجين.

نحتاج نظرة سياقية سريعة لمعرفة لماذا كان كورونا سببًا في الاحتجاج. 

بداية مارس، أعلن ترامب أن فيروس كورونا كذبة صينية ومؤامرة على الاقتصاد الأمريكي. وبعد ظهور وانتشار الحالات بدأت الإدارة تأخذ الموضوع بجدية، وتطور الأمر من خلال شد وجذب بين الحكومة الفيدرالية وحكام الولايات، وخاصة بين الحكام الديمقراطيين وترامب، على المخصصات المالية لمواجهة الوباء. 

حين وقعت جريمة قتل فلويد، كان من المفترض أن الكثير من الولايات والمدن تحت تأثير المرحلة الثالثة من مراحل انتشار الوباء، وكان هناك استثناءات في إجراءات الوقاية لدى بعض الولايات الجنوبية التي اتفق حكامها، وخاصة الجمهوريين منهم، مع ترامب في وجهة نظر تقلل من خطورة الفيروس. والحقيقة، يبدو أن الإدارة الجمهورية والسياسيين العنصريين من جهة، كانوا في حالة سعار لفتح الاقتصاد بسبب خسائر أصحاب الشركات الكبرى، ومن جهة ثانية، لم يمانعوا في تسريع إجراءات الفتح عندما أدركوا أن معظم الضحايا هم من العمال الفقراء والملونين.

وهناك نقطة سياقية هامة أخرى، وهي أن الإدارة الأمريكية أصدرت في 27 مارس الماضي القانون التحفيزي للاقتصاد (stimulus bill)، والذي عرف أيضًا بوصفه قانون الرعاية (Care Act). جوهر القانون كان صرف مبلغ تريليوني دولار لدعم الاقتصاد الأمريكي لمواجهة الخسائر الاقتصادية الناجمة عن فيروس كورونا. كانت هذه أكبر ميزانية وإجراءات تحفيزية ليس فقط في تاريخ الولايات المتحدة، بل ربما في تاريخ الإنسانية. تخصص حوالي 30% من هذا المبلغ (حوالي 603 بلايين دولار) كدعم مباشر للأفراد الذين فقدوا وظائفهم أو لمن عليهم ديون دراسية. وباقي هذا المبلغ تخصص بالكامل لشركات رأسمالية كبرى وأجهزة حكومية وأصحاب مشروعات صغيرة وللخدمات العامة. وتضمن القانون صرف قروض لشركات الطيران بحوالي 29 بليون دولار ولشركات الأمن بحوالي 424 بليون دولار. 

انتقد الكثيرون القانون باعتبار أن هدفه كان مساعدة الشركات الكبرى وليس مساعدة الأمريكيين، خاصة بعد ثبوت أن الكثير من أصحاب المشروعات الصغيرة الذين حصلوا على الدعم والشيكات المباشرة هم أغنياء لديهم مشروعات صغيرة إلى جانب أخرى كبيرة، بينما أصحاب المشروعات الصغيرة فعليًا لم يحصلوا على شيء. واُتبعت إجراءات تمييزية ضد الطلاب والخريجين الذين قدموا طلبات بإعفائهم من ديون التعليم، حيث حرصت إدارة ترمب على منع الأموال عن أبناء المهاجرين حتى لو كان أحد آبائهم مواطنًا أمريكيًا إذا كان الأب أو الأم من المهاجرين غير المسجلين. وبنهاية مايو وصل عدد الذين قدموا على إعلان بطالة نتيجة الوباء إلى 35 مليون شخص.

القضية الأساسية ليست فقط الآثار الاقتصادية المدمرة للوباء، مثل خسارة عدد كبير لوظائفهم أو أن معظم الأموال ذهبت لشركات رأسمالية كبرى، لكن أيضًا في الكارثة الصحية، وكون أكثر ضحاياها من الملونين والفقراء. فقد أظهر العديد من الإحصائيات على المستوى الفيدرالي وعلى مستوى الولايات أن ما لا يقل عن نصف المصابين بكورونا المسجلين كانوا من السود والملونين، وأن معدل الوفيات لدى السود يعادل ثلاثة أضعاف عند البيض. وبينما يبلغ عدد السود في الكثير من الولايات (مثلًا اللينوي وميتشجان وويسكونسن) تقريبًا 13 إلى 14%  من السكان، فإن عدد ضحايا المرض من السود يصل إلى 40 أو 50 % من ضحايا الوباء في هذه الولايات. السبب الأساسي في ذلك هو أن كثيرين من السود والملونين في هذه الولايات هم من الطبقة العاملة والفقراء، والذين اضطروا للخروج لأعمالهم أو للبحث عن عمل،  واضطرارهم لركوب المواصلات العامة.. الخ، بينما الكثير من القطاعات الميسورة تستطيع الالتزام بالتباعد الجسدي أو العمل من المنزل.

كانت كل تلك الأمور بمثابة أمور تحريضية للمحتجين، بل ومدّت الخط على استقامته، وتقاطعت العنصرية مع أمور أخرى في الاقتصاد والصحة والاجتماع.

الانتخابات والحركة: تأثر متبادل

على عكس التصور الساذج عند الكثير من الباحثين والنشطاء اليساريين المتطرفين المبني على الفصل، إن لم يكن التعارض التام، بين مساري الاحتجاج والانتخابات، فإن أي نظرة ثاقبة تدرك على الفور تقاطع المسارين الانتخابي والاحتجاجي. ويمكن القول ببساطة إن ظهور الانتفاضات الشعبية في عام انتخابي سيكون أمرًا مُركبًا. والمقصود بالدور المركب أن غياب ثقة الكثير من المحتجين في الخيارات الانتخابية المطروحة قد يزيد من غضبهم واشتباكهم مع الحركة، وقد يزيد من سخونة الأجواء، خصوصًا إذا كان هناك عنف من الشرطة أو تدخل من العنصريين البيض المسلحين (أنصار ترامب). ومع التأكيد على أن الكثير من المحتجين مرتبطين بحملات للضغط على المرشحين لتناول قضايا تخص العنصرية والشرطة. لكن من ناحية أخرى، فإن استمرار الاحتجاجات قد تحول لمركز تراشق في المعركة الانتخابية، إن لم يؤدِ إلى بعض  التعديلات والإصلاحات حتى لو كانت رمزية. الانتخابات نفسها ونتائجها قد تكونا مفجرتين لاحتجاجات جديدة بعد نوفمبر.

ولقد نجحت الحركة فعلًا في فرض موضوعات على الأجندة الانتخابية. على سبيل المثال، قدم ترامب، وهو الذي لا يزال متمسكًا بكونه مرشح النظام والقانون (بما في ذلك من دعم غير محدود للشرطة)، اقتراحًا بقانون جديد، باتًا نافذًا منذ منتصف يونيو، لإصلاح الشرطة، يقول النشطاء إنه قانون تافه، وهذا صحيح. وكل ما نص عليه القانون هو تجريم عملية خنق المقبوض عليهم أثناء القبض، ولكن يحق للضابط القائم بالقبض أن يخنق المقبوض عليه إذا تعرض الضابط للخطر، كما ينص على تخصيص بعض الميزانيات للتدريب. 

في ذات الوقت، لم تقدم قيادات الحزب الديمقراطي اقتراحات قوية جدية. أعلن جو بايدن، في تطابق مع ترامب، أنه ضد أي مطالب بتقليص ميزانية الشرطة، وأنه ضد «حركة الإلغاء» الداعية لإلغاء الشرطة.

الاستثناء الأساسي في فشل الحزب الديمقراطي في أن يكون على قدر التحدي الخاص بالحركة، هو تقديم اقتراح بقانون، من أعضاء الكونجرس الأكثر راديكالية من الحزب مثل ألكساندرا  أوكاسيو كورتيز، يطالب بتخفيض  كبير لميزانية وزارة الدفاع وتوجيهها للرعاية الاجتماعية، وأيضًا فض الارتباط بين وزارة الدفاع وقوات الشرطة الداخلية. ومن المعروف أن الشرطة أصبحت تتلقى تدريبًا عسكريًا منذ بداية سنوات «الحرب على الإرهاب». وتقول كورتيز إنه لا يمكن أي حديث عن إصلاح جذري لجهاز الشرطة إلا بالتوقف عن عسكرة هذا الجهاز. 

وحتى الآن لم يتبن رفاق كورتيز في الحزب الديمقراطي اقتراحها، وربما يلقى الاقتراح نفس مصير مشروع القانون الذي قدمته كورتيز سابقًا والمعنون بـ «الصفقة الجديدة من أجل الطاقة الخضراء»، وجزء كبير من هذا الاقتراح كان مبنيًا على تقليص ميزانية التسليح، ولم يلق اهتمامًا يذكر من رفاق «الجناح الاشتراكي في الحزب الديمقراطي». 

وبرغم قِدم هذه المجموعة داخل الحزب الديمقراطي، لكنها تطورت مؤخرًا خلال حملة بيرني ساندرز عام 2016. وتبني هذا الجناح أهم مطالب انتفاضة هذا العام، كما تبناها تحالف يضم مجموعة من قيادات إلغاء السجون والشرطة المسمى «8 من أجل الإلغاء 8 to Abolition»، والاسم نسبة إلى ثمانية مطالب محددة، هي إلغاء ميزانية الشرطة، منع تسليح المجتمع، إلغاء تواجد البوليس في المدارس، تحرير السجناء، إلغاء القوانين التي تستهدف السجناء السابقين، الاستثمار في الحكم المحلي، تأمين سكن للجميع، وأخيرًا الاستثمار في الرعاية الصحية والاجتماعية بدلًا من الاستثمار في الشرطة. 

ورفعت الحملة شعارًا رئيسيًا هو عالم جديد بدون سجون وشرطة: «حيث نكون جميعا أكثر أمانًا». وهذا التحالف مبني على العمل المشترك بين أربع حملات محلية. وحتى الآن فإن إصدار هذا البيان لا يزال أمرًا رمزيًا وليس له صدى في الحزب. وليس من قبيل التجني القول إن قيادات الحزب الديمقراطي تركز أكثر في تقليل نفوذ الراديكاليين الشباب في الحزب، أكثر من تبني أجندة اجتماعية واقتصادية قوية ضد أجندة ترامب العنصرية.

حتى الآن، يبدو أن الحزبين الديمقراطي والجمهوري تعاملا مع الاحتجاجات فقط كقضية انتخابية، مع فارق أن الحزب الجمهوري وترامب لديهما ميزة كبيرة في الكثير من الدوائر بعد إعادة تشكيلها بمعرفتهما في السنوات العشر الأخيرة. وأيضًا لأن خطاب ترامب التحريضي، المتبني للشرطة، والمعادي للمتظاهرين، وتقديمه لنفسه بأنه مرشح فرض النظام، يمثل خطة واضحة لتجييش أنصاره في الانتخابات. أما الحزب الديمقراطي، فليس لديه أي خطة أو شعار يتعلق بالاحتجاجات على الإطلاق. ويتبني بايدن شعار عام ليس له أي معنى، مضمونه: «دعنا نعيد روح أمريكا». وهي إشارة غير مباشرة للتعددية الثقافية والعرقية في الولايات المتحدة، ليست من القوة لاجتذاب ناخبين جدد. وظهرت هذه الفروق بشدة في مؤتمري الحزبين في أغسطس الماضي، فبينما كان مركز خطاب الحزب الجمهوري هو إعادة النظام وإنكار وجود أي عنصرية منهجية في الولايات المتحدة، تركز خطاب الحزب الديمقراطي على شعارات عامة مثل «نقف متحدين»، ناهيك عن تركيز جزء من الحملة الانتخابية للحزب على التودد للجيش والأجهزة العميقة، باعتبار أن ترامب لم يحترم وجهة نظرها، وأن استمراره تهديد للأمن القومي الأمريكي.

باختصار لا زالت استراتيجية بايدن تقوم على فكرة ساذجة هي: «انتخبوني لأني لست ترامب، ولا أحمل أو أروج خطاب كراهية مثله».

صحيح أن بايدن فاز في الانتخابات التمهيدية أمام بيرني ساندرز بواسطة أصوات قطاعات من السود، وبالإضافة لكونهم مؤيدين دائمين للحزب الديمقراطي، وتأييدهم لبايدن وليس ساندرز في الانتخابات التمهيدية كان يعكس تخوفهم وقلقهم من التصعيد ضد ترامب، وتصويتهم لبايدن كذلك كان يهدف لتخفيف الحرب ضدهم بوصفه مرشح مهادن ممثل للوضع القائم.

 وهكذا، فنحن أمام حملتين انتخابيتين، واحدة تتعامل بجدية مع الاحتجاجات (حملة ترامب) عن طريق خطاب الضرب من حديد، والأخرى (حملة بيدن) تقول للمحتجين نحن نمثلكم، بالرغم من أن الحملة لا تعترف بكل مطالب الحركة ولا تأخذها بجدية.  

وهناك العديد من الإشارات التي تفترض أن الحزب الجمهوري تحول تقريبًا لحزب القومية البيضاء في العقود الاخيرة. والواقع ان أحد المتسببين في التحول العنيف هذا هو مرشح هذه القومية، ناهيك عن كون الحزب الديمقراطي كمؤسسة غير مصدر ثقة لقطاعات كبيرة من السود، وخاصة الشباب، ولا يمثل أي بديل قوي يواجه القومية البيضاء أو السيادة للبيض. 

ووفقًا لوثيقة مسربة (كجزء من تسريبات مراسلات قيادات الحزب الديمقراطي عام 2016 أثناء انتخابات ذلك العام، وكان ذلك جزءًا من قصة الاختراق الروسية الشهيرة)، فإن قيادات الحزب الديمقراطي أكدوا على أنهم يعترفون بأن «حركة حياة السود تهم» أصبحت فاعل أساسي قوي في العملية الانتخابية، ولكن مع التأكيد على ذلك توصي القيادات بعضها البعض بتقليل التعامل الكبير مع الحركة والحضور في اجتماعات مصغرة محلية معهم، نظرًا لراديكالية الحركة. وتقول نصيحة القيادات بوضوح «اسمعوا لهم (نشطاء حركة السود مهمة) ولكن لا تعدوهم بأي إجراءات سياسية ملموسة».

تحديث*: نشر خطأ أن جورج زميرمان قاتل المراهق الأسود تريفون مارتن، والذي تم الحكم ببراءته في يوليو 2013 هو ضابط شرطة، وفي الحقيقة فان زميرمان هو مواطن أبيض، لكنه من المواطنين المتطوعين لمراقبة الاحياء السكنية.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن