منهج المدارس الخاصة في تشريد المدرسين  
 
 
أحد لجان امتحانات الثانوية العامة يونيو 2020 - المصدر: رويترز - عمرو عبدالله دالش
 

اعتادت أسماء* متابعة مجموعة «واتساب» لمعلمي مدرسة «R C» الدولية التي تعمل بها، لتبقى على تواصل مع إدارتها وقراراتها، خاصة في فترة الحظر الجزئي مع بداية انتشار فيروس كورونا المستجد، مطلع أبريل الماضي. إلا أن التنبيهات التي وصلتها على مدار الأسبوع التالي بانتهاء العام الدراسي، كانت مختلفة، حيث كانت الرسائل المتتالية تشير لحذف عدد من زملائها بالمدرسة تباعًا دون إبداء أسباب أو تعليق من الإدارة، ليعقب ذلك بأيام قليلة حذف أسماء نفسها من المجموعة واكتشافها بعد ذلك أن تنبيه الواتساب كان بمثابة تمهيد لإنهاء عقدها هي وعشرات الموظفين والمدرسين بالمدرسة.

كشفت أزمة كورونا الغطاء عن معاناة مدرسي بعض المدارس الخاصة، بعد زيادة شكاويهم من الفصل التعسفي وعدم تجديد عقودهم، أو الامتناع عن سداد مرتباتهم بمجرد انتهاء العام الدراسي. 

الأزمة ليست جديدة، فمعاناة المدرسين بالمدارس الخاصة لم تبدأ وقت الجائحة فقط، ولكنها تمتد لسنوات طويلة من عدم الاستقرار الوظيفي، والحرمان من الحقوق القانونية بالعمل، بالإضافة إلى رواتب متدنية، تراوحت ما بين  800 إلى 2500 جنيه بالمدارس المحلية، وارتفعت في الدولية لتتراوح بين خمسة وتسعة آلاف جنيه، بحسب 18 مدرسًا ذوي سنوات خبرة متفاوتة، تحدثوا إلى «مدى مصر» .

كانت أجور المعلمين في المدارس الخاصة هي السبب الأبرز لرفض أصحابها رد جزء من أقساط مصاريف التلاميذ بها، بعد قرار وزارة التربية والتعليم في مارس الماضي بإيقاف الدراسة. ورغم هذا؛ سَّرحت بعض المدارس الموظفين الإداريين والمدرسين المساعدين، ومدرسي الأنشطة والتربية الرياضية بعد إيقاف الدراسة مباشرة. أعقب ذلك موجة أخرى من فصل مدرسي المواد الأساسية بمجرد انتهاء المتابعة الإلكترونية، في منتصف مايو، بحسب شهادات بعض العاملين بالمدارس لـ«مدى مصر»، رغم  قرار وزير التربية والتعليم طارق شوقي، نهاية أبريل الماضي، حصل «مدى مصر» على نسخة منه، بإلزام المدارس الخاصة بعدم فصل أو تخفيض مرتب أي عامل بها خلال الأزمة.

تخيير العاملين بين الإجازة بدون مرتب أو الدوام الجزئي، كان طريقة العديد من إدارات المدارس للتحايل على صرف الأجور.

عملت رحاب* طوال 21 عامًا كمدرسة لغة عربية في العديد من المدارس، كان آخرها «R C» الدولية، المؤسسة منذ نحو ثلاثة أعوام. بدت رحاب مستقرة في عملها الأخير، حتى أنهت المدرسة عقدها في خضم أزمة كورونا في مايو الماضي، بزعم قلة كفاءتها، ضمن عدد كبير من العاملين بالمدرسة، منهم مُعلمة أخرى، فضلت عدم ذكر اسمها، انتهى بها الأمر لتحرير محضر شرطة لإثبات تعنت الإدارة في صرف مستحقاتها، فاتهمتها الإدارة بالسرقة، «حسيت بالإهانة. أنا ست مش صغيرة وعندي أولاد. بعد كل ده يتهموني بسرقة»، قالت المعلمة.

تراجعت الإدارة عن إثبات تهمة السرقة في البلاغ، وخرجت المعلمة إلى مكتب العمل لتقديم شكوى، لم يتم البت فيها حتى الآن.

فرع «R C» في مصر، أحد حلقات سلسلة مدارس يملكها مستثمرون من أحد الدول العربية، وتبدأ أسعار المصروفات بها من 70 ألف جنيه لمرحلة الحضانة، حسبما قالت موظفة بإدارة المدرسة لـ«مدى مصر». 

موجة التسريح طالت الإداريين أيضًا. فاطمة أشرف، درست بكلية الألسن قسم اللغة الفرنسية، وحصلت على وظيفة إدارية بمدرسة «N V» بمنطقة الهرم بالجيزة نظير 1400 جنيه. بعد وقف الدراسة في مارس، خيَّرتها المدرسة بين الحصول على إجازة بدون مرتب حتى سبتمبر، أو الاستمرار في الحضور يومين في الأسبوع بنصف الأجر. اختارت فاطمة الحضور، لكن الإدارة اختارت في يونيو عدم تجديد عقدها، وسرَّحتها ضمن عدد كبير من الموظفين والمدرسين. تبدأ مصروفات المدرسة من 26 ألف جنيه، وتتصاعد حتى 34 ألف جنيه للمرحلة الثانوية. 

تخيير العاملين بين الإجازة بدون مرتب أو الدوام الجزئي، كان طريقة العديد من إدارات المدارس للتحايل على صرف الأجور، حيث اختار بعضهم عدم الخروج إلى العمل، مفضلًا أمان المنزل خلال الجائحة. 

أما من اختار الذهاب إلى العمل، كأحد معلمي مدرسة «N G» بحي المعادي في القاهرة، والتي تبدأ مصروفاتها من 20 ألف جنيه، فلم يكن حظه أفضل كثيرًا. لاحظ المعلم، الذي فضل عدم ذكر اسمه، هو وزملائه، انقطاع الكهرباء بشكل دوري بمجرد وصولهم المدرسة، فيعملون في الظلام وبدون إنترنت. مدارس أخرى طلبت من المدرسين تصحيح امتحانات للمرة الثانية، ومراجعة نماذج «البوكليت» -كراسة صغيرة للأسئلة يعّدها المدرس لتدريب الطلاب- للسنوات القديمة، حتى شعر المدرسون تدريجيًا بأن الإجازة بدون مرتب قد تكون الحل الأكثر واقعية، حسبما قال عدد منهم لـ«مدى مصر».

«غياب الصدام القوي بين الوزارة والمدارس الخاصة رغم المخالفات المتعددة، لاحتياج الوزارة لهم.»

تواصلنا مع إدارات المدارس للتعليق على ما قاله موظفوها، لكننا لم نتلق أي رد، إلا من إدارة مدرسة «R C»، التي نفت فصل أي موظف بشكل تعسفي، مؤكدةً أن بعض العاملين انتهت عقودهم، ولم يتم تجديدها بناء على تقييم الإدارة لهم، وآخرون قدموا استقالتهم بدون أي إجبار، مشددة على التزام جميع الإجراءات القانونية وسلامة كل العقود.

من جانبه، علق صاحب عدد من المدارس الخاصة ورئيس جمعية أصحاب المدارس الخاصة، المندوه الحسيني، بأن كل المدرسين الذين تركوا العمل خلال الجائحة اختاروا ذلك بناءً على رغبتهم وتقديم استقالتهم طواعية، بسبب قلة مهاراتهم وفشلهم في مواكبة متطلبات التعليم الإلكتروني الجديد، واكتشافهم صعوبة التعامل معه. كما نفى تمامًا أن يكون أي مُدرس أُجبر أو تمت مساومته على الاستقالة، مشيرًا إلى أنه لا يوجد أي تلاعب بعقود العاملين.  

يضم قطاع التعليم الخاص أكثر من  17 ألف مدرس في أكثر من سبعة آلاف و500 مدرسة، وفقًا لإحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عام 2019. تتابع الإدارات التعليمية بوزارة التربية والتعليم المدارس الخاصة التابعة لموقعها الجغرافي متابعة كاملة بتكليف من الوزارة، تبدأ بالمتابعة الفنية وتوفير موجهين من الإدارة لمتابعة كل المواد الدراسية، وتنتهي بالمتابعة الإدارية للعقود والتأمينات وحتى كفاءة المدرسين وأوضاعهم، حسبما قال حازم عطا، مدير مدرسة خاصة، لـ«مدى مصر». غير أن هذه المتابعات الدورية لا يظهر أثرها على أوضاع المدرسين بأي شكل، بحسب عدد كبير منهم تحدث إلى «مدى مصر». 

برر مدير مدرسة خاصة، اشترط عدم ذكر اسمه، غياب الصدام القوي بين الوزارة والمدارس الخاصة رغم المخالفات المتعددة، لاحتياج الوزارة لهم. يقول محدثنا إن الوزارة طبقت نظام جديد بين المدارس يُطلق عليه «التوأمة». هذا النظام يكفل للمدارس الحكومية مساعدات مستمرة من المدارس الخاصة الموجودة في نفس الإدارة. «لو الإدارة عاوزة تطلع رحلة هتجيب أتوبيسات منين؟ ولو الإدارة عندها عرض مسرحي مين هيتحمل تكاليف ده؟ المدارس الخاصة تتحمل ذلك بدون مقابل. ولكن يبدو أن كل شيء له مقابل في النهاية».

كان النائب في البرلمان، إسماعيل نصر الدين، قد تقدم ببيان عاجل لمجلس الوزراء ووزير التربية والتعليم حول الفصل التعسفي للمدرسين من المدارس الخاصة في أبريل الماضي، لترد الوزارة على النائب، حسبما قال لـ «مدى مصر» إن أي مدرس فُصل خلال الجائحة كان يعمل بدون عقد، أو بعقد مؤقت ثلاثة أشهر، وهو ما وصفه النائب بالتحايل من قبل المدارس لتسهيل فصل العاملين. 

الفصل التعسفي ما هو إلا نهاية للمخالفات التي تبدأ من مرحلة توقيع العقد، بعد اجتياز المعلم فترة اختبار لمدة ثلاثة أشهر، بحسب عدد من المدرسين العاملين بمدارس خاصة تحدثوا لـ«مدى مصر»، بشرط عدم عدم ذكر أسمائهم، الذين أضافوا أن العرف المنتشر هو استدعاء الإدارة للمدرسين أثناء حصصهم، وطلب منهم توقيع نحو 20 صفحة في عجالة ليعودوا إلى طلابهم. لا يتسع الوقت للمدرسين لقراءة العقد، ولا يحصلوا على نسخة منه، بالمخالفة لقانون العمل، الذي يقضي أن يكون للعقد ثلاث نسخ.

تتنوع حيل إدارات المدارس لإخلاء مسؤوليتها القانونية تجاه مدرسيها. فحتى النسخة الواحدة قد تكون أحيانًا سبيل الإدارات لـ«تستيف» أوراقها، ولا تُقدَم لأي جهة رسمية، بحسب محمود سعيد، المدرس الذي اكتشف أثناء توقيعه على العقد أن الأوراق الرسمية الخاصة به والملحقة بالعقد، تحتاج إلى تجديد لانتهاء موعد سريانها، «معظم ورق المدارس الخاصة بيكون سليم، من خلال التلاعب، وعلشان كده محدش بيقدر ياخد حقه»، بحسب سعيد.

أحد المدرسات العاملات بمدرسة دولية كبيرة، اكتشفت بالصدفة خلال زيارة عمل للإدارة التعليمية، بعد سبع سنوات عمل بالمدرسة أنها لم يؤمن عليها رغم خصم حصة التأمين من راتبها كل شهر.

مدارس أخرى تُجبر المدرس على توقيع «استمارة 6» وأوراق غير مؤرخة تثبت استلامه لمستحقاته المالية كاملة قبل حتى أن يوقع عقد العمل، لتجنب المسائلة القانونية في حال رغبتهم فصل المدرس فيما بعد. كما تعمد إدارات عدد كبير من المدارس إلى تسريح المعلمين سنويًا وطلب آخرين جدد، لتجنب المطالبة بالزيادات السنوية للراتب والتأمينات، حسبما قال مدير مدرسة سابق لـ«مدى مصر». 

ينص قانون العمل المصري على إلزام صاحب العمل بتحرير عقد العمل كتابة من ثلاث نسخ، يحتفظ صاحب العمل بواحدة ويسلم نسخة للعامل وتودع الثالثة في مكتب التأمينات الاجتماعية المختص، إلا أن بعض المدارس تطلب من المدرسين التوقيع على نسخة واحدة فقط، ولا تودع نسخة منه في مكتب التأمينات، لتجنب تحمل تكلفة التأمين على العاملين بالمدرسة، بحسب مدرسين تحدثوا مع «مدى مصر».

مخالفات أخرى خاصة بالخصومات، حكى عنها من تحدث مع «مدى مصر». عملت وفاء مصطفى كمدرسة بأحد المدارس الخاصة بعد تخرجها في كلية الألسن قسم لغة ألمانية، بمرتب 850 جنيهًا، مع حساب يوم الغياب بخصم 100 جنيه، أي أكثر من ضعف سعر عملها في اليوم الواحد. اضطرت وفاء لطلب إجازة بدون مرتب لمدة أسبوعين، إلا أن الإدارة اعتبرتها تغيبت شهر كامل، فخصمت كامل مرتبها، وطلبت منها تسديد مبلغ 45 جنيهًا للتأمينات، دفعتها وفاء قبل أن تكتشف بعد تقديم استقالتها في وقت لاحق أنها لم يؤمن عليها من الأساس.

التأمينات الوهمية، واقعة متكررة. أحد المدرسات العاملات بمدرسة دولية كبيرة، اشترطت عدم ذكر اسمها، اكتشفت بالصدفة خلال زيارة عمل للإدارة التعليمية، بعد سبع سنوات عمل بالمدرسة، أنها لم يؤمن عليها رغم خصم حصة التأمين من راتبها كل شهر. علمت إدارة المدرسة عبر أحد أعوانها في الإدارة التعليمية أن المُعلمة كشفت موقفها التأميني، فكان قرار المدرسة الاستغناء عن المعلمة عبر تخييرها؛ إما توقيع استقالة واستلام مرتب شهرين أو فصلها بدون أي حقوق مادية والتشهير بها في أي مدرسة تحاول التقدم للعمل بها، واختارت محدثتنا توقيع الاستقالة تجنبًا لـ«الشوشرة»، على حد قولها.

من بين عدد كبير من المدرسين الذين تحدث إليهم «مدى مصر»، اثنان فقط لجآ إلى القانون لاسترداد حقوقهما، بينهما دينا رضا، التي عملت معلمة للغة الألمانية بإحدى المدارس الخاصة لمدة عامين، عانت خلالهما من معاملة سيئة وظروف عمل صعبة، وضغط عمل بمقابل غير مجزٍ، على حد قولها. 

قبل إجازة عيد الفطر، أبلغت الإدارة دينا أنه تم الاستغناء عنها، قبل انتهاء عقدها بثلاثة أشهر. لم تعترض وتوجهت للمدرسة لصرف مستحقات نهاية الخدمة، متوقعة حصولها على مرتب شهرين على الأقل بحسب القانون، إلا أنها فوجئت بمساومتها على توقيع استقالة لتتسلم راتب شهر واحد فقط عملت به بالفعل، وتتسلم مرتبات الشهور الباقية على فترات. رفضت دينا العرض، وتوجهت لتقدم شكوى بمكتب العمل وأخرى بمكتب القوى العاملة، لتبدأ تحقيقات مكتب العمل مع إدارة المدرسة التي ادعت أن دينا لا تعمل بعقد. فقدمت دينا ما يثبت بأنها مؤمن عليها بالمدرسة، لتعودة الإدارة وتدعي أن دينا كانت تعمل بعقد انتهت مدته. هذه المماطلات والردود المتناقضة دفعت مكتب العمل لإجبار الإدارة على تسليم دينا حقوقها.

وفي ظل ندرة فرص بديلة للعمل بسبب اقتصار التعيين في المدارس الحكومية على مسابقات الوزارة لتوفير عقود مؤقتة، غالبًا ما يشوبها المشاكل، لعدم سماح الميزانية بتعيين مدرسين جُدد رغم نقص العاملين بها واحتياجهم نحو 360 ألف معلم، قرر بعض المدرسين العاملين بالمدارس الخاصة العزوف عن التقدم للعمل في المدارس الخاصة في الوقت الحالي، وهو الوقت المعروف لطلب مدرسين جدد للتعيين، وكونوا مجموعة على فيسبوك لدعوة زملائهم للفكرة، ضمت المئات حتى الآن، وذلك ردًا على الظروف الصعبة والانتهاكات المستمرة لحقوقهم، إلا أن العديد منهم نظرًا لتوقف الدروس الخصوصية، التي تمثل لبعضهم مصدر الدخل الوحيد، لن يستطيعوا الاستمرار في الحملة لفترة طويلة حسبما قالوا لـ «مدى مصر». 

* اسم مستعار

اعلان
 
 
ندى عرفات 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن