بين وعود لم تتحقق واشتباكات لم تتوقف.. نازحو «بئر العبد» يعيشون في المجهول
 
 

بعد قرابة شهر ونصف من خروجهم منها، يبدو أن عودة الأهالي النازحين من قرى بئر العبد لمنازلهم لا تزال أملًا بعيدًا، وذلك رغم بُشرى قبلية، وأخرى شبه رسمية، بعودة قريبة، فضلًا عن تمكن عدد من سكان إحدى تلك القرى من العودة لتفقد منازلهم.

 حجم اﻷضرار التي وجدها هؤلاء العائدون ليست السبب الوحيد لاستبعاد العودة قريبًا، فاستمرار الاشتباكات في أنحاء تلك القرى، بالإضافة لعدة قرارات رسمية، اتخذت المحافظة بعضها وتستعد لاتخاذ البعض اﻵخر، كلها كانت من وجهة نظر اﻷهالي شواهد على استمرار النزوح لفترة، والذي يخشون أن يصبح نزوحًا دائمًا، مثلما سبق وأن حدث في مدينتي رفح والشيخ زويد.

كان سكان قرى: «قاطية» و«إقطية» و«الجناين» و«المريح»، الواقعة جنوب غربي بئر العبد، قد نزحوا عنها عقب انسحاب مسلحي تنظيم ولاية سيناء إليها، بعد تنفيذهم هجومًا على معسكر للقوات المسلحة في قرية «رابعة»، في 21 يوليو الماضي، وما تلى ذلك من فرض عناصر التنظيم سيطرتهم على القرى، قبل أن تبدأ القوات المسلحة في اشتباكات مع تلك العناصر على أطراف القرى، فضلًا عن قيامها بقصف أهداف داخل القرى.

عقب قرابة شهر من بدء اشتباكات القوات المسلحة مع عناصر ولاية سيناء في محيط القرى اﻷربعة، وتحديدًا في نهاية أغسطس الماضي، بدأت احتمالات عودة اﻷهالي لمنازلهم تلوح في اﻷفق، مع انتشار معلومات غير رسمية عن تحرير القوات المسلحة لقرية «إقطية»، وأنها ستبدأ في السماح لسكان تلك القرية بالعودة لها، وذلك في ظل عدم صدور أية تصريحات من الجهات الرسمية بهذا الخصوص، سواء محافظة شمال سيناء أو  المتحدث العسكري للقوات المسلحة، والذي لم يُشر سابقًا في أيٍ من بياناته إلى نزوح أهالي القرى أو سيطرة عناصر التنظيم عليها، أو اشتباك القوات المسلحة مع تلك العناصر في محيطها.

بحسب مصادر من النازحين، كان عدد من شيوخ قبائل المدينة هم مصدر المعلومات التي بشّرت اﻷهالي بالعودة، والتي أعلنوها على صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، مطالبين من يرغب في العودة لمنزله بالتوجه لمعسكر القوات المسلحة في قرية «رابعة» وتقديم أوراق ثبوتية عن الشخص وأسرته وانتظار تعليمات القوات المسلحة بعد ذلك، وهو ما أسفر عن اصطفاف العشرات من سكان القرية أمام المعسكر.

 أحد سكان «إقطية»، والمقيم بعد النزوح في مدينة بئر العبد، قال لـ«مدى مصر» إنه توجه بالفعل، إلى معسكر القوات المسلحة في قرية رابعة في ساعة مبكرة من صباح يوم الخميس 27 أغسطس، ووجد عددًا كبيرًا من الأهالي أمام بوابة المعسكر يفترشون الأرض، قبل أن يبدأ استلام اﻷوراق قرابة التاسعة صباحًا.

بعد وصوله إلى البوابة، عقب انتظار في طابور طويل، طُلب من المصدر تقديم صورة بطاقة لجميع أفراد الأسرة، وشهادات ميلاد للأطفال، وكتابة عنوان المنزل ورسم محيطه بشكل كوركي، مع التوقيع على إقرار مكتوب بخط اليد، اطلع «مدى مصر» على نسخة منه، جاء فيه: «أنني مسؤول مسؤولية كاملة عن إبلاغ القوات المسلحة في حالة مشاهدة أي عناصر غريبة غير مقيمة بالقرية أو أي أجسام غريبة أو أسلحة أو ذخيرة».

فيما أكد المصدر أنه لم يتم إبلاغهم بتوقيت محدد للعودة لقريتهم، ولكن الروايات التي وصلت له من باقى الأهالى أوضحت أن العودة كان من المفترض أن تتم خلال الأسبوع الماضي بحد أقصى، وهو ما لم يحدث حتى كتابة التقرير.

صورة الإقرار

رغم عدم تحقق وعد عودة سكان «إقطية» حتى اﻵن، إلا أن وعد العودة اتسع بحلول الأسبوع الماضي ليشمل سكان القرى الثلاث اﻷخرى، والتي طلب شيوخها من اﻷهالي الذهاب بدورهم إلى معسكر «رابعة» لتسليم أوراقهم، مع وعد بعودة قريبة.

وعد شيوخ القبائل كان مدعومًا بحديث حسابات على فيسبوك، يعرف أصحابها أنفسهم بأنهم ضباط في القوات المسلحة يخدمون في شمال سيناء، عن قرب عودة اﻷهالي لقراهم، مع مطالبة من يريد العودة منهم بتسليم بياناته عند بوابة معسكر قرية رابعة، قبل أن يعلن أحد تلك الحسابات، يوم الخميس 27 أغسطس، أن القوات المسلحة تمكنت من «دحر الإرهاب» في قرية قاطية، وأن عودة الأهالي لن تتأخر عن يومين.

رغم كل تلك الوعود، إلا أن المصادر المحلية التي تحدث معها «مدى مصر»، أكدت أن تلك التنسيقات التي تتم مع معسكر رابعة ليس هدفها عودة اﻷهالي لقراهم بشكل نهائي، وإنما بحسب التعليمات الأمنية، لن يتعدى اﻷمر عودتهم لقراهم لتفقد المنازل فقط، ومعرفة هل المنزل لا يزال موجودًا أم تضرر من الاشتباكات والقصف.

ما يؤكد ما قالته المصادر هو سماح القوات المسلحة لعدد من أهالي قرية «الجناين»، بدخولها، مترجلين، خلال اﻷيام الماضية. وتعد «الجناين» أقرب القرى اﻷربع لقرية رابعة، ولا يفصل بينهما سوى منطقة مقابر.

أحد أهالي القرية ممن تمكنوا من الدخول، أمس، الإثنين، أوضح أن العودة التفقدية لم تكن لكل أرجاء القرية، ولكن لجزء صغير منها، وهو الجزء اﻷقرب لقرية رابعة، والذي يفصل بينه وبين مركز كتلتها السكنية خط سكة حديد.

خريطة تحدد المنطقة المحددة لدخول الأهالي في قرية الجناين.

ووصف المصدر الوضع داخل القرية قائلًا: «كل شيء مدمر، المنازل منها المنهار كليًا ومنها المنهار بشكل جزئي، والأشجار جفت في المزارع من قلة المياه، ولا يوجد كهرباء». مشيرًا إلى سماع دوي انفجارات ناتجة عن قصف جوي في محيط القرية أثناء وجود الأهالي الذين سُمح لهم بتفقد منازلهم.

أحد سكان قرية إقطية، وصف إقرار الجيش الذي يطالب الأهالي بالتوقيع عليه، بأنه توريط للأهالي في الحرب الدائرة، مضيفًا: «إزاي عايزينا نرجع وكل يوم بنسمع صوت الضرب جاي من القرى وأصوات الاشتباكات، كيف نرجع وإحنا أصلًا خرجنا خوفًا على أرواحنا، ناس كتير خايفة ترجع لأن ماحدش عارف التبعيات».

فيما أوضحت مصادر محلية أنه بدءًا من نهاية الأسبوع الماضي، لم يعد الجيش يطالب الأهالي بالتوقيع على الإقرار، وأصبح استلام الأوراق عمل روتيني حتى دون فحصها أو معرفة بيانات المتقدم.

يبدو النازح من إقطية يائسًا من فكرة العودة لقريته مرة أخرى، ويقول: «اللي حصل في رفح والشيخ زويد مش بعيد، اللي بيرحل من داره ما بيرجعش»، متسائلًا إن كان اﻷهالي سيستطيعون العيش في القرية في حال سقطت قذائف عشوائية واندلعت اشتباكات، ما جعله متشككًا من اتخاذ اﻷهالي قرار العودة حتى إن تم السماح لهم بذلك.

ما يقوله المصدر يبدو متماشيًا مع بعض المعلومات الواردة في أحدث بيانات المتحدث العسكري للقوات المسلحة، المنشور في 30 أغسطس الماضي، متناولًا فيه عمليات عسكرية تمت في شمال سيناء، في الفترة من 22 يوليو إلى 30 أغسطس، أي بعد يوم واحد من هجوم تنظيم ولاية سيناء على معسكر رابعة.

وفي حين لم يحدد بيان القوات المسلحة أماكن محددة تمت فيها العمليات العسكرية، إلا أنه جاء بعد ساعات من مقتل ثلاثة ضباط، أحدهم من سلاح المهندسين، وأربعة جنود، إثر استهدافه آلية عسكرية ببرميل متفجر في قرية «المريح»، بحسب مصدر أمني وسكان محليون تحدثوا لـ«مدى مصر»، وهو نفس عدد قتلى القوات المسلحة الذي أعلنه البيان في النهاية، دون توضيح ملابسات مقتل أفراد القوات المسلحة.

وفيما أشار البيان كذلك لعمليات قصف جوي على أهداف أرضية معظمها وسط زراعات. قام أحد الحسابات المهتمة بتحليل الشؤون العسكرية على تويتر، بتحديد بعض إحداثيات الأهداف التي قُصفت، والتي انتهى البحث عنها على «خرائط جوجل» إلى وقوعها في قريتي «إقطية» و«قاطية».

أحد الأهداف التي ظهرت في البيان تقع في منطقة مفارق قرية قاطية، وهي المنطقة التي كان التنظيم قد رفع رايته السوداء فيها، بحسب مصادر أهلية تحدثت لـ«مدى مصر» في وقتٍ سابق، ويظهر فيديو المتحدث العسكري سارية العلم والراية السوداء، وقصف مبنى مقابل لها.

في الوقت نفسه، يستمر تنظيم ولاية سيناء في نشر بيانات عن هجماته المسلحة في المحافظة، والتي تركزت بالكامل على منطقة نشاطه الجديدة في القرى الأربعة جنوب غربي بئر العبد، خاصة قريتي قاطية وإقطية.

في عدد من بياناته المكتوبة، زعم التنظيم تفجير آليات عسكرية خلال الفترة نفسها التي حددها المتحدث العسكري في بيانه، ولكن خطورة اﻷوضاع في القرى اﻷربع ظهرت بشكل أكبر مع البيانات المصورة التي نشرها التنظيم.

أحتوت البيانات على صور لاشتباكات مع حملة عسكرية جنوب قرية رابعة، وأخرى لرصد ومراقبة حملة عسكرية في ذات المنطقة -بعد ساعات من إعلان المتحدث العسكري بيانه، وأظهرت الصور تصوير رتل من الدبابات طراز M60  تسير في منطقة صحراوية، ومدرعات وجرافات متواجدة بين أشجار النخيل، وأفراد من التنظيم يزرعون عبوات ناسفة في أحد الشوارع.

كما نشر التنظيم في بياناته صورًا لتفجير أحد الأضرحة في قرية إقطية، وهو ما كانت مصادر محلية قد أكدته لـ«مدى مصر»، في وقتٍ سابق.

وكذلك نشر التنظيم صورًا لطائرة بدون طيار قال إنها سقطت في نطاق قرية رابعة، أول أغسطس الماضي، فيما أشارت الحسابات المهتمة بالشؤون العسكرية على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى أن الطائرة من طراز «RQ-20 Puma tactical UAV»، نفس طراز الطائرة التي أعلن التنظيم عن سقوطها جنوبي مدينة بئر العبد، في يناير الماضي.

ولكن هجوم وحيد أعلن التنظيم عنه، غير معلوم ملابساته، وهو تفجير سيارة مفخخة في قرية إقطية في أواخر أغسطس المنقضي، حيث نشر التنظيم صورًا لسيارة ملاكي سوداء، ملصق عليها بعض أفرع الأشجار يقودها شخص كنيته «أبو عزام المصري» وقد موه على وجه لإخفاء هويته، ومن ضمن الصور صورًا لدخان في السماء يزعم التنظيم أنه ناجم عن تفجير السيارة في تجمع للجيش في القرية.

مصدر محلي من قرية إقطية، قال لـ«مدى مصر»: إن السيارة التي ظهرت في الصور شوهدت مع التنظيم في القرية منذ بداية الأحداث، وهي مملوكة لمواطن في قرية قاطية يعمل في النيابة الإدارية سرقها التنظيم منه، لافتًا إلى عدم ورود معلومات عن تفجيرات سيارات مفخخة في القرى الفترة الماضية، وهو ما اكدته مصادر محلية أخرى من سكان القرى المجاورة.

اللافت في الصور هو إخفاء وجه الإنتحاري الذي يقود السيارة المفخخة والذي من المفترض أنه قتل، وكذلك عدم تصوير الهدف الذي استهدفته السيارة والاكتفاء بأنه تجمع للجيش فقط، عكس بيانات التنظيم الخاصة بتفجير السيارات المفخخة التي كانت توضح كل ذلك.

شيوخ قبائل يعلنون التحرير والعودة.. والصَمت يسود الجهات الرسمية

البعض أرجع ذلك أنه ربما يكون رسالة تخويف من التنظيم للأهالي حتى لا يعود أحد، لأن تلك الصور ظهرت في الوقت الذي كان يتردد فيه عن تنسيقات للعودة لسكان قرية إقطية.

اشتعال اﻷوضاع ميدانيًا في القرى اﻷربع ظهر جليًا في قرارات الجهات التنفيذية في المحافظة، والتي كان آخرها مقترح نقل جميع مدارس القرى الأربع إلى مدارس قريتي «رمانة» و«6 أكتوبر»، وجعلها فترة مسائية بسبب تدهور الأوضاع ونزوح الأهالي، حسبما أفاد مصدر مسؤول في ديوان عام المحافظة، ومصدر حكومي في الإدارة التعليمية في بئر العبد، وفيما أشار المصدران إلى أن المقترح لا يزال ينتظر موافقة محافظ شمال سيناء، إلا أن المصدر الحكومي قال إن الأمر شبه محسوم في ما يخص نقل المدارس إلى القرى الآمنة.

مقترح نقل المدارس سبقه قرارات رسمية عدة، منذ تدهور الأوضاع نهاية يوليو الماضي، أهمها كان منح إجازات استثنائية مفتوحة للموظفين الحكوميين في القرى الأربع، ومعهم قرية رابعة، وتحديدًا العاملين في مراكز الشباب والوحدات المحلية والوحدات الصحية، وذلك بحسب نشرات رسمية وتأكيد مصادر محلية في مدينة بئر العبد. فيما نُقلت الوحدة الصحية في قرية رابعة إلى قرية، أم عقبة المتاخمة لها، والتي يقتصر عملها على صرف ألبان الأطفال واستخراج شهادات الميلاد والوفاة فقط.

في الوقت نفسه، طالب مجلس مدينة بئر العبد، الأهالي الذين تضرروا من الأحداث، سواء كانت الأضرار في مباني أو أراض زراعية، بالتوجه إلى الإدارتين الهندسية والزراعية بالمجلس، وتقديم ما يثبت ذلك لحصر الأضرار وتشكيل لجان فحص، كما نشر المجلس أيضًا أسماء الأسر التي سوف يتم صرف منحة لها بقيمة 1000 جنيه شهريًا، لكل أسرة تضررت من الأحداث، مشيرًا إلى صرف 384 ألف جنيه للأسر، بحسب تصريحات صحفية لرئيس مجلس مدينة بئر العبد. وذلك بخلاف منحة أخرى خصصتها المحافظة أيضًا بالتنسيق مع وزارة التضامن الاجتماعي عبارة عن 500 جنيه تصرف مرة واحدة فقط لكل أسرة تضررت من الحرب على الإرهاب في مدينة بئر العبد.

وبالمقارنة بما حدث في قرى رفح والشيخ زويد، التي حاول سكانها التمسك بالبقاء في منازلهم، ما أسفر عن مقتل العشرات من الأهالي خلال السنوات الماضية، من بينهم أسر بأكملها، نجح الخروج السريع لسكان قاطية وإقطية والمريح والجناين، في تقليل عدد الضحايا سواء قتلى أو مصابين.

ومنذ نهاية يوليو الماضي أدت الحوادث التي شهدتها القرى اﻷربع لمقتل أربعة مواطنين، كان آخرهم شاب توفي قبل يومين متأثرًا بإصابته بطلقات نارية في 10 أغسطس الماضي، فيما أصيب من الأهالي 14 شخصًا في حوادث متفرقة، كان مصدر الرصاصات فيها جميعًا مجهولًا، وذلك بحسب مصادر طبية ومحلية تحدثت لـ«مدى مصر».

في الوقت نفسه، ومنذ انتشار التنظيم في القرى اﻷربع، قام أعضاؤه باختطاف أربعة مواطنين، لا يزال مصيرهم مجهولًا، تمامًا مثلما يبقى أمر عودة باقي أهالي تلك القرى لمنازلهم في نطاق المجهول.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن