تقليم أظافر تركيا: صراع النفوذ بين «القاهرة» و«أنقرة» في إفريقيا والشرق الأوسط
 
 
سفينة حربية تركية ترافق سفينة مسح زلزالي في البحر الأبيض المتوسط -لقطة شاشة من حساب وزارة الدفاع التركية على تويتر
 

في عام 2020، برزت تركيا كخصم أساسي لمصر في شمال إفريقيا وشرق البحر الأبيض المتوسط​​، تقترب شيئًا فشيء من المناطق التي تحاول «القاهرة» أن تترك بصمتها عليها. وخلال الأشهر القليلة الماضية، أصبح واضحًا لصناع القرار في «القاهرة» أنه من الضروري «تقليم» طموحات تركيا في المنطقة، كما قال مسؤول مصري مؤخرًا لـ«مدى مصر».

التدخل التركي في قلب مجرى الصراع في ليبيا كان بالغ الأهمية، حيث ساهم في إنهاء الهجوم الذي استمر 14 شهرًا على العاصمة طرابلس، والذي شنه الجيش الوطني الليبي [المتمركز شرق البلاد]، الحليف الأساسي لمصر، في يونيو الماضي.

وفي يوليو، وسط مفاوضات ثلاثية مثيرة للجدل حول السد الإثيوبي الضخم، دعت تركيا ممثلًا خاصًا عن رئيس وزراء إثيوبيا لالتقاط صور ذات مغزى في أنقرة. وفي الأسابيع الأخيرة، اندلعت توترات في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​من خلال استعراض للقوة العسكرية من جانب الدول المطلة على البحر ودول غيرها، من بينها الإمارات العربية المتحدة وفرنسا. وبالنسبة لـ«القاهرة»، كان لا بد من القيام بشيء ما.

لذلك، عندما أشار وزير الخارجية سامح شكري إلى نظيره اليوناني في أغسطس الماضي بأن «القاهرة» مستعدة لتسوية مفاوضات طويلة الأمد بشأن الحدود البحرية في شرق البحر المتوسط، فإن احتواء السياسة الخارجية التركية التوسعية على نحو متزايد كان نصب عينيه، ومن أجل إتمام الاتفاقية، كان من الضروري «تدخل القيادة السياسية من الجانبين»، بحسب مسؤول يوناني على معرفة وثيقة بالمفاوضات تحدث إلى «مدى مصر».

في تصريحاته بعد توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين البلدين في 6 أغسطس الماضي، أشاد وزير الخارجية اليوناني نيكوس دندياس بالاتفاق مع مصر ووصفه بأنه «نموذجي»، مشددًا على طابع الاتفاقية المعادي لتركيا بقوله «إنها على النقيض من الاتفاقية غير القانونية، وغير القابلة للتنفيذ، والتي تفتقر إلى الشرعية»، وذلك في إشارة إلى مذكرة التفاهم التي وقعتها تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية في نهاية العام الماضي، والتي ربطت الساحل التركي بالساحل الشمالي لليبيا على نحو  يخترق ممرًا مائيًا متنازعًا عليه كان من المفترض أن يُمد فيه خط أنابيب رئيسي لنقل منتجات النفط من المنطقة إلى أوروبا.

تماشت اللهجة العدائية للوزير اليوناني مع انتشار الدعوات داخل مصر للتدخل العسكري في ليبيا بالأسابيع السابقة، عقب انتشار شائعات عن اندفاع وشيك للقوات المدعومة من تركيا في اتجاه شرق ليبيا. ولأن إرسال قوات مصر عبر الحدود الغربية يواجه عدة عقبات أساسية، انخرطت «القاهرة» في معركة دبلوماسية، رغم تكاليفها الباهظة المحتملة.

وبدلًا من اتخاذ موقف قد يؤدي إلى سياسة حافة الهاوية العسكرية الخطيرة، أجرى المسؤولون في «القاهرة» محادثات عدة مع نظرائهم في تركيا. تضمنت المباحثات ترسيم الحدود البحرية حيث يتنافس الجانبان على لعب دور في تشكيل مستقبل الطاقة في شرق البحر المتوسط، وكذلك لضمان عدم حدوث صدام مباشر بين الجانبين في ليبيا، وفقًا للعديد من المسؤولين المصريين.

منحت الاتفاقية المصرية اليونانية كلا البلدين -وليس تركيا- القدرة على تخصيص مناطق التنقيب للشركات الأمريكية، خاصة بعد دخول شركة «شيفرون» الأمريكية إلى حوض البحر الأبيض المتوسط ​​بعد استحواذها على شركة «نوبل للطاقة» الشهر الماضي. ولكنها مع ذلك، جاءت ذلك على حساب تخلي مصر عن مناطق لم يتم استغلالها بعد من أجل توجيه ضربة للنفوذ التركي. بعض أعضاء فريق التفاوض المصري شعر أنها تنازلات كبيرة للغاية، وفقًا لمستشار مطلع على المفاوضات تحدث إلى «مدى مصر» مشترطًا عدم الكشف عن هويته.

من جانبها، حاولت تركيا، التي تقيم علاقات اقتصادية مع مصر رغم الخلافات الأيديولوجية حول دور الإسلام السياسي في المنطقة، مرارًا وتكرارًا استغلال هذه النقطة لإقناع مصر بالتراجع عن عقد الاتفاق، وفقًا لثلاثة مسؤولين مصريين مقربين من المفاوضات: «حتى اللحظة الأخيرة، استمرت تركيا في إرسال رسائل مباشرة إلينا، تقترح علينا ألا نوقع اتفاقًا مع اليونان وأن نبدأ بتوقيع اتفاق مع ليبيا لأن ذلك سيوفر لنا المزيد من المياه»، ويضيف أحد المسؤولين المصريين: «صحيح أن هذا كان من شأنه أن يمنحنا المزيد من المياه، لكنه يعني أن علينا أن نلعب مع تركيا وليس ضدها في البحر الأبيض المتوسط​​، وهو ما لن نفعله».

تسلط الحسابات التفاضلية وراء الاتفاقية البحرية المصرية اليونانية الضوء على سياسة مصر الخارجية تجاه تركيا على نطاق أوسع، حيث تواصل مصر محاولة تحجيم طموحات تركيا لتحقيق توازن قوى إقليمي جديد وهندسة أمنية تحت السيطرة، مع الاعتراف بأن «أنقرة» ستلعب بالضرورة دورًا في تقاسم النفوذ والمكاسب الاقتصادية.

تقاسم شرق البحر المتوسط وتفكيك الوضع الراهن

«تُعد صفقة المنطقة الاقتصادية الخالصة المصرية اليونانية مهمة لأنها تحل، جزئيًا على الأقل، قضية كانت مفتوحة لعقود في المنطقة وتكمل جزءًا صغيرًا آخر في صورة نزاعات المنطقة البحرية لشرق المتوسط»، يقول زينوناس تزياراس، الباحث في مركز «PRIO Cyprus»، وهو مركز أبحاث مستقل يقع في قبرص.

على الجانب الآخر، بالنسبة للمسؤولين الأتراك، فإن الأمر لم يُحسم بعد. لأنه فور توقيع الاتفاق في القاهرة، انتقد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الاتفاق قائلًا لوكالة الأناضول التركية المملوكة للدولة في 6 أغسطس الماضي: «سنظهر لهم وللعالم أن هذه الاتفاقية باطلة، وفارغة المضمون على طاولات المفاوضات وعلى أرض الواقع».، ودُعمت تصريحات أوغلو بتعليقات من الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في وقت لاحق من اليوم ذاته، حين وصف الاتفاقية بأنها «بلا قيمة»، وقال للصحفيين إن تركيا «بدأت أعمال الحفر مرة أخرى»، متجاهلًا مساعي ألمانيا  التي جرت في يوليو الماضي لوقف أعمال الحفر التركية والجمع بين الجانبين لإجراء محادثات ثنائية.

في الأسابيع التي سبقت الاتفاقية، أصدرت تركيا العديد من التنبيهات البحرية الدولية، معلنة أنها ستنشر سفن أبحاث زلزالية محاطة بسفن حربية على طول الساحل الجنوبي لجمهورية قبرص، من جزيرة كاستيلوريزو اليونانية التي تقع قبالة الساحل التركي إلى منطقة قريبة من الحدود البحرية المصرية.

ردًا على ذلك، تتبعت البحرية اليونانية الأسطول التركي. خلال إحدى لحظات التوتر، بثت السفن اليونانية رسالة كل 15 دقيقة لمدة 12 ساعة تطلب من السفن التركية المغادرة، وفي لحظة أخرى، تواجهت السفن الحربية للطرفين. وسرعان ما انضمت إلى السفن اليونانية طائرتان مقاتلتان فرنسيتان من طراز «رافال» والفرقاطة البحرية «لافاييت». وفي 21 أغسطس، قال مسؤولون يونانيون إن الإمارات العربية المتحدة سترسل طائرات حربية إلى جزيرة كريت بجنوب اليونان للتدريب المشترك مع القوات الجوية اليونانية، وهي التدريبات التي عُقدت فعلًا أوائل الشهر الجاري.

وفقًا لتزياراس، فإن مثل هذه التحركات من قبل تركيا -أي إعلان تنبيهات بحرية، وإعلان إجراء مسوحات للموارد الطبيعية وإجراء عمليات تنقيب غير قانونية، كما هو الحال في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص، واتفاق المنطقة الاقتصادية الخالصة بين تركيا وطرابلس- «هي جزء من جهود أنقرة لتفكيك الوضع الإقليمي الراهن وهندسة الأمن وتشكيل نظام جديد أكثر فائدة لها، من حيث المساحة الجيوسياسية والموارد الطبيعية والطرق البحرية التي ستكون قادرة على السيطرة عليها». ويضيف تزياراس أن «إنشاء أمر واقع جيوسياسي هو طريقة تركيا في رفع سقفها حتى تتمكن لاحقًا من التفاوض على مختلف القضايا من موقع متميز وقوي».

على الرغم من استمرار احتمالية انتشار التوترات في أعالي البحار، قال مسؤول أوروبي مقيم في القاهرة لـ«مدى مصر» إن التكتيكات التصعيدية التركية أكسبتها دعم ألمانيا، التي عرضت على «أنقرة» صفقة تتضمن وساطة «برلين» بين تركيا من جهة واليونان وقبرص من جهة أخرى. ويوضح المسؤول «لم يرفض الأتراك العرض على الفور»، مضيفًا أن الانطباع الناجم عن الاجتماعات التي عُقدت في الأسابيع الأخيرة هو أن المسؤولين الأتراك مستعدون للتوصل إلى اتفاق مع اليونان.

وعلى الجانب الآخر، فإن مصر أيضًا لم تنته من التفاوض بشأن المياه المتنازع عليها، والتي تفرض تركيا نفوذها عليها.

في 18 أغسطس، أعطى البرلمان المصري الضوء الأخضر لما وصفته وكالة أنباء الشرق الأوسط المملوكة للدولة بـ«الترسيم الجزئي للحدود البحرية» بين اليونان ومصر، مشيرة إلى أن «الترسيم المتبقي سيتحقق من خلال المشاورات».

في خريطة تم إرسالها إلى وكالة «رويترز» بعد الاتفاق، يمكن رؤية «خط الترسيم الجزئي»، الذي يعيق فعليًا اتفاقية تركيا وحكومة الوفاق الوطني الموقعة العام الماضي والتي تقطع ممرًا مائيًا سيتم بموجبه بناء خط أنابيب «إيست ميد».

خريطة أرسلتها وزارة الخارجية المصرية إلى رويترز تظهر الحدود البحرية بين مصر واليونان -بإذن من حساب تويتر لمراسل رويترز محمود مراد

خريطة مطالبات المنطقة الاقتصادية الخالصة المتنافسة في البحر الأبيض المتوسط

بموجب «اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار»، تمتد المنطقة الاقتصادية الخالصة للدولة إلى مسافة 200 ميل بحري (370 كم) من خط الأساس الساحلي. يمكن استثناء هذه القاعدة عندما تتداخل المناطق الاقتصادية الخالصة: أي عندما تكون خطوط الأساس الساحلية للدولة أقل من 400 ميل بحري. وعندما يحدث تداخل، فإن الأمر متروك للدول من أجل ترسيم الحدود الفعلية.

ومع ذلك، فإن تركيا ليست طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة، كما أنها اعترضت على أن جزيرتي رودس وكريت لا يحق لهما التمتع بالمناطق الاقتصادية الخالصة. وتجادل كذلك بأن المنطقة الاقتصادية الخالصة الممنوحة لجزيرة كاستيلوريزو، الواقعة بالقرب من الساحل التركي، يجب أن تكون محدودة، لأن منحها منطقة اقتصادية خالصة سيقلل بشكل كبير من وصول المنطقة البحرية التركية إلى البحر الأبيض المتوسط.

بناءً على الخريطة التي حصلت عليها «رويترز»، فإن الاتفاقية البحرية اليونانية المصرية تنطبق فقط على جزيرتي كريت ورودس، تاركة مسألة ما سيتم تحديده مع كاستيلوريزو لما بعد.

تطمح تركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط​​ لتحويل نفسها إلى مركز للطاقة على الرغم من احتمال تجاوزها بالكامل بواسطة خط أنابيب الغاز «إيست ميد»، الذي يمتد من إسرائيل إلى جزيرة كريت ثم إلى جنوب أوروبا عبر اليونان، كما تسعى بدأب للحصول على موطئ قدم أفضل مع إسرائيل ومكانة أكبر في «منتدى غاز شرق المتوسط».

قد تكون هذه التحركات رمزية إلى حد بعيد في الوقت الراهن، إذ أدى ظهور جائحة فيروس كورونا إلى إعاقة سوق تصدير الغاز إلى أوروبا. وبحسب مسؤول أوروبي ثان، فإن سعر الغاز الطبيعي حاليًا لا يساعد على تنفيذ أي مشاريع ضخمة. وينطبق هذا على كل من خط أنابيب «إيست ميد» الذي تبلغ قيمته ثمانية مليارات دولار، كما ينطبق على خطة الطوارئ المصرية البالغة قيمتها مليار دولار لإقناع قبرص بإنشاء خط أنابيب إلى إسرائيل حتى يمكن تصدير غاز قبرص وإسرائيل عبر مصر، حيث ستتم تسييله في مصفاة أدكو التابعة لشركة «شل».

ومع ذلك، يقول خبير النفط والغاز المستقل، وليد خدوري، إن تنفيذ خط أنابيب «إيست ميد» لم يكن ممكنًا حتى قبل الانكماش الاقتصادي الحالي.

«إذا نظرت إلى الخطة، هناك نشاط زلزالي ضخم، خاصة قبالة سواحل اليونان. هذا المشروع غير ممكن، غير قابل للتنفيذ. تكلفته عالية جدًا. حتى إن المفوضية الأوروبية نشرت تقارير تفيد بأن هذا المشروع غير مجدٍ ولكن لأسباب سياسية يتصرفون كما لو أن تنفيذه ممكنًا. أكبر فرصة لإنجاز المشروع، خاصة بالنسبة لإسرائيل، هي عبر تركيا»، يقول خدوري.

وفقًا لمستشار طاقة تركي يعمل في القطاع الخاص على معرفة بسياسة الطاقة الحكومية التركية، كانت هناك مناقشات طويلة الأمد بين تركيا وإسرائيل حول هذا الخط الذي سينقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا.

«هذه المفاوضات لم تتوقف أبدًا. الأعمال التجارية بين إسرائيل وتركيا لم تتوقف أبدًا. لم يقطع القصر الرئاسي التركي ودوائر أردوغان الداخلية قط علاقاتهم مع إسرائيل. ربما كان يصرخ علنًا في إسرائيل، وينتقدها بسبب حادثة سفينة (مافي مرمرة)، لكن اتصالات القناة الثانية والثالثة لم تتوقف أبدًا»، يقول مستشار الطاقة، الذي التقى بوفد إسرائيلي العام الماضي لمناقشة خطط خط الأنابيب، لكنه ينتقد الشروط القاسية التي تجعل من هذه الخطط دفعة لتطبيع العلاقات التركية الإسرائيلية.

يدعم هذا الاتجاه، قول دبلوماسي تركي سابق رفيع المستوى وعدد من الدبلوماسيين الأوروبيين إن الولايات المتحدة تحاول بنشاط التوسط في النزاع الأوسع في البحر المتوسط. ووفقًا لهم، فإن الولايات المتحدة تؤيد بشدة انضمام تركيا إلى منتدى غاز شرق المتوسط ​​-الهيئة التي تشكلت لتنسيق الغاز في يناير 2020 والتي تضم قبرص ومصر واليونان وإسرائيل وإيطاليا والأردن وفلسطين- لثلاثة أسباب. أولًا، سيجعل استثمار شركات النفط والغاز الأمريكية أكثر ربحية. ثانيًا، تؤيد الولايات المتحدة التوسط في حل النزاع بين تركيا واليونان لأنه يهز التضامن داخل حلف الناتو. ثالثًا، ترغب الولايات المتحدة في حل مشكلة قبرص وترى أن التنسيق اليوناني التركي الوثيق بشأن الغاز خطوة إيجابية في هذا الاتجاه.

استثمرت مصر رأسمال سياسي كبير في تأمين اتفاق استيراد غاز من إسرائيل، مما من شأنه أن يكون خطوة أولى في تحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة. بموجب الاتفاق. وبدأت مصر في استيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل الذي ستصدره مصر بعد ذلك من خلال منشآت شحن الغاز الطبيعي المسال القائمة.

المصادر التركية الثلاثة أكدت على الحاجة إلى سياسة خارجية تركية برجماتية رغم الاختلافات الأيديولوجية مع بعض الدول، ومن بينهم إسرائيل ومصر، وهي حقيقة يلاحظها تزياراس نتيجة السياسة الخارجية الراهنة لحزب «العدالة والتنمية»، ذات الأجندة الإسلامية والمعادية للغرب ولإسرائيل.

«من المستحيل لدولة تريد أن تصبح قوة عظمى -كما تسعى تركيا- أن تفعل ذلك دون محاولة لتعظيم عناصر قوتها الوطنية (مثل اقتصادها وقوتها العسكرية وقدرتها على الوصول إلى الموارد الطبيعية) وتأثيرها الخارجي»، يقول تزياراس. «وبهذا المعنى، هناك بالفعل جانب براجماتي قوي في السياسة الخارجية التركية والذي يعتبر، مع ذلك، جزءًا من استراتيجية جيوسياسية أكبر. يميل قطاع الأعمال التركي (بما في ذلك جمعيات الأعمال، سواء كانت محافظة أو علمانية) دائمًا إلى أن يكون أكثر برجماتية في نهجه، ويدفع من أجل علاقات جيدة مع كل من الغرب والشرق. وقد تجلى ذلك في علاقات تركيا مع إسرائيل ومصر أيضًا، حيث لم تنقطع العلاقات الاقتصادية رغم المشاكل السياسية. من هذا المنظور، يبدو أن تركيا تمكنت من تجزئة علاقاتها السياسية والاقتصادية مع هاتين الدولتين، ودول أخرى».

ومع ذلك، يقول تزياراس، إن التعاون في مجال الطاقة، وخاصة وصلات خطوط الأنابيب، قصة مختلفة. «يُظهر التاريخ والبحث أن العلاقات السياسية تحتاج إلى تطبيع إلى حد ما قبل حدوث شيء من هذا القبيل»، يضيف موضحًا أنه «في حين أنه من غير المحتمل أن تستعيد تركيا العلاقات مع إسرائيل ومصر في المستقبل، فمن المحتمل أن يحتاج أردوغان إلى إعادة إنتاج الأزمات مع هذه الدول للاستهلاك المحلي، كجزء من مساعيه للبقاء في السلطة على الأقل حتى عام 2023».

التنافس على النفوذ في إفريقيا

يرى تزياراس أن هناك أيضًا صلة مهمة بين محاولات تركيا للسيطرة على الموارد الطبيعية في شرق البحر المتوسط وتدخلها في ليبيا.

«تتطلع تركيا الآن إلى الحصول على وجود عسكري دائم (بالإضافة إلى نفوذ سياسي واقتصادي) في ليبيا ستستخدمه لتوسيع نطاق نفوذها في إفريقيا. أحد الجوانب المهمة لهذه الإستراتيجية هو الموارد الطبيعية»، يقول تزياراس، مشيرًا إلى حقيقة أن مؤسسة البترول التركية قد تقدمت بطلب إلى طرابلس للحصول على تصاريح استكشاف في مجالها البحري.

وإدراكًا منها للأهمية الإستراتيجية التي يمكن أن يوفرها موطئ قدم في ليبيا، فتحت مصر قنوات مع المغرب والجزائر، بهدف إضعاف نفوذ تركيا، وفقًا لمسؤولين مصريين. ولكن الجهود المصرية تركز على إجراء محادثات حول المستقبل السياسي لليبيا.

خلال عطلة نهاية الأسبوع، أصدرت حكومة الوفاق الوطني المدعومة من تركيا والمعترف بها من الأمم المتحدة، ومجلس النواب -الهيئة البرلمانية التي قدمت الدعم السياسي للجيش الوطني الليبي- بيانات بالتوازي للإعلان عن وقف إطلاق النار.

وبحسب مصادر دبلوماسية مصرية وأجنبية، فإن وقف إطلاق النار، الذي جاء بعد التهميش النسبي لـ«خليفة حفتر»، عقب إخفاق محاولة الجيش الوطني الليبي التي استمرت 14 شهرًا للاستيلاء على العاصمة طرابلس، في يونيو الماضي، تجسد من خلال جهود التفاوض المشتركة لعدد من الدول المعنية بالصراع الليبي. لقد أجرت روسيا مفاوضات دبلوماسية مع تركيا ومحادثات مع القاهرة في نفس الوقت، فيما حدث ذلك بالتوازي مع محادثات أمريكية تركية، وأمريكية فرنسية، إضافة إلى وساطة ألمانية بين الأطراف المتحاربة.

وبحسب مصدر مطلع على تحركات «موسكو» الدبلوماسية، تمكنت روسيا من إقناع حكومة الوفاق الوطني وداعميها في تركيا وقطر، وكذلك رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، وأنصاره في «القاهرة» و«باريس» بقبول ترتيب من شأنه أن يشمل الوقف الفوري لتحرك قوات حكومة الوفاق الوطني إلى الشرق في اتجاه سرت والجفرة، ووقف تحرك قوات الجيش الوطني الليبي في اتجاه الغرب، إضافة إلى خطط لإنشاء منطقة منزوعة السلاح على طول الخط الأحمر: سرت-الجفرة.

ويضيف المصدر أن روسيا تعمل على صياغة خارطة طريق سياسية لمستقبل ليبيا بالتنسيق مع الدول المعنية إقليميًا ودوليًا، ومن بينها مصر والجزائر وألمانيا، موضحًا أن خريطة الطريق هذه تستند إلى انتخاب مجلس رئاسي جديد، لن يضم السراج، وإعادة هيكلة الجيش الوطني الليبي ليكون على رأسه مجلس عسكري لن يضم خليفة حفتر.

بالنسبة للمسؤول المصري نفسه، الذي تم إطلاعه على خارطة الطريق هذه، تأمل «القاهرة» أن يحد المجلس العسكري المحتمل والمجلس الرئاسي الجديد، والذي يمكن أن يتجسد في أقرب وقت في العام المقبل، من نفوذ تركيا. في المناقشات الأخيرة المتعلقة بليبيا، اتفق شكري مع وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، على أن تركيا لا يمكن أن تكون «صانعة ملوك في ليبيا»، حسب المسؤول.

من أجل تحقيق هذا الهدف، يجب أن تعمل «القاهرة» ضد ديناميكية راسخة منذ فترة طويلة بين تركيا واثنين من حلفاء مصر، هما روسيا والولايات المتحدة.

«الرؤية الأيديولوجية للسياسة الخارجية التركية في ظل حزب العدالة والتنمية كانت مدعومة بالتغييرات الهيكلية في النظام الدولي، وعلى الأخص الفراغات الإقليمية في السلطة التي نشأت منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين فصاعدًا، عندما خلقت حرب العراق والتراجع التدريجي للولايات المتحدة من المنطقة مخاوف وفرصًا أمنية جديدة لتركيا»، يقول تزياراس.

 ويوضح «على مدى السنوات العشر الماضية، تحولت تركيا إلى قوة توسعية. وبسبب محدودية التدخل الأمريكي في المنطقة، تمكنت تركيا كذلك من إعادة تحديد علاقتها مع الولايات المتحدة وروسيا وتحويلهما بشكل كبير إلى صفقات. على هذا النحو، خلال السنوات الخمس الماضية أو نحو ذلك، برزت تركيا كـ(قطب ثالث) في الشرق الأوسط الكبير، أي بين الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي من جهة وروسيا من جهة أخرى، وحاولت الاستفادة من أفضل ما في العالمين، ولكنها لم تنجح دائمًا. في هذا السياق، وجدت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي نفسيهما في معضلة تاريخية: بين (تأديب) تركيا والمجازفة بدفعها إلى أحضان روسيا، أو تحفيزها (في بعض الأحيان باستخدام نهج العصا والجزرة) من أجل الحفاظ عليها قريبة من الغرب؟ يبدو أن واشنطن اختارت حتى الآن، معظم الوقت، الخيار الأخير. ونتيجة لذلك، غالبًا ما تتغاضى واشنطن عن النزعة التوسعية التركية، سواء في الشرق الأوسط أو شرق البحر الأبيض المتوسط. وهناك أسباب ليس أقلها أن تركيا تبدو مستعدة في بعض الأحيان لخدمة بعض مصالح الناتو، على سبيل المثال في سوريا أو ليبيا أو البحر الأسود».

يبدو أن تركيا، المنغمسة في وسط أزمة شرق البحر الأبيض المتوسط​​، راضية عن مواصلة الاستفادة من هذا الوضع. قبل أسبوعين، قال رئيس تكتل الدولة الروسي «Rostec»، سيرجي شيميزوف، الذي يدير في الغالب شركات الدفاع والتكنولوجيا الفائقة، إنه من المرجح أن توقع روسيا عقدًا لتسليم دفعة إضافية من أنظمة صواريخ «إس-400» إلى تركيا العام المقبل. وكانت تركيا قد اشترت مجموعة من أنظمة الصواريخ الروسية العام الماضي، ما أدى إلى تعليق الولايات المتحدة لبرنامج الطائرات المقاتلة «إف-35». وقالت الولايات المتحدة إن تركيا تخاطر بفرض عقوبات أمريكية إذا نشرت صواريخ «إس-400» روسية الصنع، وفقًا لوكالة «رويترز».

وبعيدًا عن ليبيا، انعكس غزو تركيا لإفريقيا في العديد من التحركات الدبلوماسية الأخرى هذا العام، من بينها اتفاقية التعاون العسكري التي وقعتها مع الجارة الجنوبية لليبيا، النيجر، في نهاية يوليو. وفي وقت سابق من هذا العام، واصل أردوغان مساعيه لتوسيع النفوذ التركي في القرن الإفريقي لمواجهة خصومه الخليجيين، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وأعلن عبر التلفزيون الرسمي التركي عن دعوة الصومال، الذي يحصل على مساعدات تركية منذ فترة طويلة، «أنقرة»  للتنقيب عن النفط في بحاره.

كما حاولت «أنقرة» في الأشهر الأخيرة الاستفادة من المفاوضات المثيرة للجدل حول سد النهضة الإثيوبي للحصول على موطئ قدم في إثيوبيا. واتضحت الجهود التركية في 17 يوليو الماضي، عندما استضاف وزير الخارجية التركي الرئيس الإثيوبي السابق والممثل الخاص لرئيس الوزراء أبي أحمد، مولاتو تيشومي ويرتو.

«بعد وصول السيسي إلى السلطة، كنا نتطلع إلى تحقيق التوازن مع النفوذ المصري. ولقد فعلنا هذا في ليبيا وفي شرق إفريقيا»، يقول أحد مستشاري السياسة الخارجية في وزارة الخارجية التركية، الذي تحدث إلى «مدى مصر»، موضحًا أنه بعد اجتماع يوليو، «عندما بحثنا كيفية تحقيق التوازن مع النفوذ المصري، ومن هي الأطراف الفاعلة؟ وجدنا إثيوبيا. تم استبعاد إثيوبيا من اتفاقيات 1929 و1969 بشأن نهر النيل، لكنها برزت مؤخرًا كلاعب جديد مؤثر في المنطقة. لذلك فإن تطوير علاقاتنا مع إثيوبيا هو رد مباشر على مصر. هناك بُعدان للأمر. نريد تطوير علاقاتنا مع إثيوبيا للأقوى في مواجهة مصر. إثيوبيا القوية في مواجهة مصر شيء تريده تركيا».

مسؤول حكومي تركي قال لـ«مدى مصر» إن «أنقرة» تهدف إلى تأمين صفقات أسلحة مع أديس أبابا، وهو ما أكده المستشار: «ربما لن تشتري إثيوبيا منتجات تركية مثل الصومال، لكن بعد زيارة يوليو، سيكون هناك انعكاسات على الجانب العسكري أيضًا. سنقيم علاقات تجارية وثقافية، لكنها ستتطور في مرحلة ما إلى علاقات اقتصادية وعسكرية».

في حديثه خلال ندوة عبر الإنترنت يوم 23 أغسطس، أعرب سفير مصر السابق لدى تركيا، عبدالرحمن صلاح الدين، عن رغبته في عودة السياسة الخارجية التركية القديمة، التي رفعت شعار «لا مشاكل مع أي دولة».

ويقول صلاح الدين «في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​، لم يحصل [أردوغان] على دعم أي دولة، إقليميًا أو عالميًا. أعتقد أنه أدرك ذلك، وأعتقد أنه أدرك أن دور المُفسد لن يتسامح معه الكثيرون. أنا واحد من أولئك الذين ما زالوا يؤمنون بإمكانية عودته إلى برجماتيته السابقة»، مضيفًا «لقد رأيته يتبع هذا النموذج البرجماتي الذي أعجب الجميع لمدة عشر سنوات. وأعتقد أنه لا يزال يمتلك الفرصة. وإذا فعل ذلك، يمكنني أن أؤكد لكم شيئًا واحدًا: سيجد أبوابًا مفتوحة في مصر».

ومع ذلك، فإن العودة إلى البرجماتية السياسية السابقة لن يصبح ممكنًا قبل الانتهاء من ترتيبات قوة إقليمية جديدة. حينها قد تُفتح أبواب جديدة تحاول كل من مصر وتركيا التلاقي عبرها.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن