خلفية موسيقية
 
 
المصدر: عمر مصطفى
 

#جو عام

نسمع الموسيقى عادة دون أن ننتبه لمصدرها أو مَن الذي وضعها في الخلفية، تلك الخلفية الباهرة التي نصر على حضورها في آذاننا حتى تمنح وقتنا طعمًا ومعنىً آخر. بالتأكيد ستكون الحياة مملة جدًا من دون موسيقى، ستبدو جادة بلا أُنس حقيقي وسط أيام عاصفة لا ترحمنا.

ليس كل تواجد للموسيقى هو حضور جميل، فمنه الرتيب الكئيب؛ حين تُفرض علينا الأغاني الوطنية في لحظات الارتباك أو الحداد، أو حين تزعجنا موسيقى دعائية في مول أو ماركت. لكن في أغلب الأوقات، وأحلاها، تكون الخلفية الموسيقية من اختيارنا، أو منسجمة مع ذوقنا، وعن ذلك يدور دليلنا* هذا الويك إند، عن علاقتنا بموسيقى الخلفية والذي يمكن وصفه بلغة الكاسيت بأنه دليل* من وجهين؛ تراك ولِستة، تسبقهما دخلة تشبه الحكايات.

يفضّل أن تكون «تفنيطة» تعمل في الخلفية، بينما تقرأون هذا العدد.

ونبدأ مع حكاية تُذكرنا بخلفيات إنتاج الموسيقى، وكذلك ماضي الصناعة:

أطلال مملكة الكاسيت

لم أعد أعني بتكوين مكتبة موسيقية، لم يعد «امتلاك» الأغاني أو الألبومات أمرًا ذا قيمة، لأنها مُتاحة للجميع، ولا تتطلب مجهودًا للوصول إليها سوى كتابة حرفين (ليس عليك حتى إكمال الكلمة، فمحرك البحث سوف يكملها لك)، ثم «كليك». لم نعد نحتاج للسعي من أجل اكتشاف الموسيقى، بل صارت تأتي إلينا، في هيئة قوائم مفصّلة وفق ذوقنا الذي يخمنه التطبيق أو الموقع من خلال ما بحثنا عنه واستمعنا له سابقًا. يبدو تطورًا إيجابيًا -أو هو كذلك بالفعل- إلا أن الاختيارات اللانهائية والعوالم التي تستمر في التكشّف تصيبني أحيانًا بالتوتر، فالاختيارات هي مصدر القلق، كما قال كيركجارد. لكن ذات يوم سألني كاتب صديق مُقيم في ألمانيا، عن شرائط الكاسيت. السؤال ردني للماضي الذي كان.

عرفت أن نصًا تعطل بسبب الحاجة للتوثق من معلومات حول تلك الشرائط. لم أفهم كثيرًا عما تدور المسودة المتعثرة بسبب حكاية أو خيط عن وسيط انقرض. قمعتُ فضولي، وقررتُ أن أصل الكاتب مع بائع شرائط كاسيت، لكن هل تبقى باعة للكاسيت، أم انقرضوا مثل بضاعتهم؟ هكذا بدأت رحلة البحث.

تذكرتُ أن هناك شركة حكومية تنتج الكاسيت، لكن افترضت أن الكاتب يريد التواصل مع أحد ملوك الكاسيت القدامى، لا موظف قد يتكاسل عن التفاعل. تحمستُ للبحث عن أحد هؤلاء الملوك، وبعد جولة وصلت لرقم أحدهم الذي عاصر الزمن الذهبي وأرسلته إنقاذًا للمسودة، لكنها ظلت متعثرة، فحين تواصل الكاتب مع البائع صرف الأول نظره ثم راسلني شاكرًا، موضحًا أنه وجد حلًا بديلًا عن معلومات ملك الكاسيت سابقًا.

حسنًا، قلتُ صبرًا جميلًا سأعرف حين يقرر الكاتب الإفراج عن المسودة مع اكتمالها، ثم شُغلتُ بما أثمرت رحلة البحث، عدتُ إلى مرابع الصبا، وقصدت محالًا كانت قبلتي صغيرًا لشراء الشرائط. ومع الزيارة تبيّنت أن بحثي يشبه الوقوف على الأطلال، بعض المحال تحوّلت إلى أنشطة أُخرى، بل هُدم البعض الآخر وحلّت مكانه أبراج سكنية كما تقتضي حاجة الناس لأموال والمقاولين للعمل والسكان للبيوت، ولا أحد من ملوك الكاسيت سيقاوم حركة المقاولات لأن تلك التجارة بارت وانقضى عالمها وزمنها.

***

تأثرت الموسيقى بطفرات التكنولوجيا كثيرًا، حتى صارت مخبوءة في سُحب التخزين والتي تمطرنا بالتراكات عبر الإنترنت، أتذكر مقال عمره عشر سنوات للناقد السينمائي روجر إيبرت، يصف فيه تجربته مع وسائل التواصل الاجتماعي كمستخدم جديد، كيف يتعرض لكم ضخم من العناوين والمعلومات السطحية في الدقيقة الواحدة، وكيف يشعر بمخّه يتغيّر، وكأنه يُعاد تشكيله، فلم يعد قادرًا مثلًا على التركيز بشكل كافٍ لإنهاء رواية واحدة طويلة رغم أنه كان دائم القراءة لديكنز وتولستوي وأوستن وغيرهم. يستخدم الكلمة الفرنسية frisson لوصف ما تفعله بنا تلك الومضات الخاطفة من المعرفة -الترجمة الأقرب في العربية هي رجفة أو رعشة- ويعتقد أننا صرنا نتوق دون وعي إلى تلك الرجفة كبديل لأي مضمون حقيقي. جانب مني يتفق، فأنا أشعر بتلك اللذة كلما صادفتني أغنية لا أعرفها ووجدتني أتفاعل معها، ولكن هل يضاهي ذلك الشعور مثلًا لذة استماعي لألبوم «شبابيك» في جلسة واحدة بعد أن مرت عليّ أعوام كنت أستمع فيها إلى أغنياته مقتطعة من سياقها في «بلاي ليستس» متفرقة؟ كيف أنتظر صولو الجيتار في أغنية «كريشندو» مثلًا، كيف أقارن بين بليغ حمدي -الذي لحن إحدى أغنيات الألبوم- ومحمد عبدالوهاب، الذي اعتبر «الشاب اللي بيغني عن الشبابيك ده» فنًا هابطًا؟ هذا ألبوم أعرفه، أعرف شعراءه وملحنيه وموزعيه، سمعته كما هو حتى تشبعت به وصار جزءًا مني. لم يكن مجرد خلفية تناسب مزاجًا ما، كان تجربة كاملة تستدعي أن تتوقف عما تفعله، وأن تسمع.

ولكن حين استمعت إلى «شبابيك» تلك المرة الأخيرة، فعلت ذلك على «سبوتيفاي». تغيرت الطريقة التي نستمع بها إلى الموسيقى، وبالتالي الموسيقى ذاتها، ولا ضرر في ذلك. فتجاربنا تظل معنا، ولن يأخذها أحد.

***

خرجت من رحلة الوقوف على أطلال حدود ممالك الكاسيت بحنين لزمن ملوك الكاسيت، حين كانت ذبذبة القاهرة مصدرها الصبّات العملاقة المنتصبة أمام محال هؤلاء الملوك، التي ولت أطلالًا. لكن الدروس المستفادة من رحلة البحث تلك لم تكن حالتَي النوستالجيا والتأسي، بل ظل أحد ملوك الكاسيت يحدثني عارضًا عليّ شراء مكتبة نادرة من الكاسيت، بأسعار ضخمة كأنها تحفٌ، أو أن يحدثني عن صفقة لا تُرفض لشرائط علاء عبدالخالق أو محمد محيّ. بدأتُ أخبره أني أسمع كل الموسيقى بلا كاسيت، «كله مُتاح يا ملك».

سيستمر العالم في التغير يا ملكنا، وستستمر التكنولوجيا في تغيير شكل استهلاك وإنتاج الفن، وفي الواقع ليس هناك داعٍ للقلق. لا سبيل سوى التصالح: نتبنى مفردات اللغة الجديدة ثم نرتّبها كما يحلو لنا، أو بعبارة أخرى: لا تكن محمد عبدالوهاب، بل كن بليغ حمدي، عليك أن تستسلم لانتصار الزمن يا ملك.

المصدر: عمر مصطفى

الوجه الأول: كيف تصنع تراكًا؟ 

«التراك» تسمية تحيل إلى الطريق أو المسار، كأن ما نسمع يعبّر عن مسار أخذه منتجو هذا العمل، وليس كلامًا يصلح للغناء أو بعبارة أخرى ليس الكلام وحده ما يميزه. لكن الفرق بين الأغنية والتراك شيء خلافي، فالأغنية تحتوي على صوت بشري، بل ربما تحتوي فقط على صوت بشري، بينما التراك ليس بالضرورة كذلك. ولكننا اليوم نسمي أي مقطوعة موسيقية مسجلة ـ بها غناء أو لا- تراكًا.

في البدء كان يطلق على كل مقطوعة مسجلة لآلة موسيقية تراك ثم تُدمج التراكات سويًا لتنتج أغنية، والآن ندمجهم سويًا لننتج «تراكًا».

ولاختلاف وتنوع الأشكال الموسيقية الآن إنتاجًا وسمعًا، فإن التراك أصبح الكلمة الأكثر تداولًا واستخدامًا. عندما يشرع فنان في البدء في إنتاج موسيقي يقول: «أنا أعمل على تراك جديد». ينشئ في البداية تراك الإيقاع، ويبني عليه تراكات أخرى من آلات مختلفة و«سنتسايزرز»، وأحيانًا قد يسجل الفنان بصوته قصيدة ما وعندما يفرغ يكون قد أنتج تراكًا.

للتراك قوة، يقول عمر مصطفي. «أستطيع أن أقول إن ذائقتي الموسيقية من الممكن أن تتغيّر تمامًا وتتطور بسبب تراك ما.. أذكر أن صديقًا أرسل لي في يوم تراك «take this waltz» لـ Leonard Cohen .. وكنتُ أسمعه بشكل متكرر على مدار اليوم لأيام متتالية وبعدها بدأت في اكتشاف تراكات جديدة إلى أن أصبح كوهين الأقرب إلى قلبي. في حين أن هناك فنانين لا أملك لهم إلا تراكًا واحدًا أحبه بشدة، ولكن لا أستطيع الاستماع إلى تراكات أخرى لهم. في النهاية أنا لا أستطيع أن أقول إنني سأغني تراك كذا، ولكن أستطيع أن أسمعه أو أضعه في بلاي ليست».

[يمكن سماع تراكات عمر مصطفى هُنا

الوجه الثاني: لِستة كل شهر

انتهى الوجه الأول ولنرى ما الذي يخبرنا به الثاني؛ اللِستة التي تُطرح ككيان أشمل وأكثر انفتاحًا من التراك أو الألبوم، فإن بدا التراك (أو الألبوم كمصنف تجاري) متصلًا برؤية فنية تُضاف لمنجز صنّاعه سابقًا، تتجلى اللِستة كوسيلة تضع التراك كاحتمال ضمن احتمالات أخرى. روح فنية لا تتوقف عند الدعوة لسماع عمل واحد، وإنما تريد أن تصنع موجة، تيارًا مكثفًا من السمع، خلفية تفرض حضورها على الآذان والأذهان في المقدمة.

هناك خلق جديد يحدث حين تُعد لِستة، أحيانًا تمنح لِستة تراكًا الفرصة التي قد لا ينالها مفردًا، مثل سماعه في سياق آخر لم يسع إليه صانعه أصلًا. وبدلًا من الحديث عن لِستات الآخرين، لنتحدث عن «تفنيطة»:

بروح وعزيمة يُصعب وصفهما عمل أحمد الصباغ على إعداد تلك القائمة شهرًا وراء الآخر، يتجدّدا مع دخلة الشهر، فيمحو ما اختاره سابقًا واضعًا ما انحاز له من تراكات جديدة.

لا يخبرنا كثيرًا عن طريقة إعداد تلك الـ«تفنيطة». ثم نسمعها ونفنّطها براحتنا، ونفكر كيف صرنا نميل أكثر للبلاي ليست، ذلك الحشد من التراكات الذي يسمح لنا بأن نسرح، أن ننتقل ذهنيًا إلى مكان آخر، حيث توفّر لنا اللِستة زخمًا، أن تلون أو تأكل وقتنا حسب الحالة.

وإن كانت «تفنيطة» مصدرها الأحدث إنتاجًا، لكنها كل شهر لا تعتمد على ما هو «تريندي» نُسبة إلى trend، بل ينتقي الصباغ من الجديد ما يمشي على هواه، أو هكذا نفترض فهو لا يخبرنا بسره. تُتاح «تفنيطة» طوال الشهر، ثم تُمحى من قِبل الصباغ الذي يمحو مع دخلة الشهر الجديد ما شيّده الشهر الماضي، مُقدمًا ومُفلترًا باقة جديدة للسماع، ليستمر في تقديم زمن موازٍ؛ ساعات من الموسيقى.

من أجل أن يكون سبتمبر أفضل -أو هكذا نتمنى- يمكن جعل «تفنيطة» خلفيته الموسيقية.

لهواة سبوتيفاي يمكن سماعها هنا، ونقدم ميزة إضافية على يوتيوب؛ لِستة مختلفة قليلًا يمكن مشاهدتها هنا.

وأيضًا على يوتيوب ميوزك.

#سلام

*اعتمدنا في هذا الدليل على كتابات وحكايات من ياسمين زهدي، وعُمر مصطفى، وأحمد الصباغ، وأحمد وائل.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن