«ليه لأ؟!».. ليه كدا؟
 
 

سواء كنت ممن شاهدوا المسلسلات على شاشة التليفزيون مع الأسرة في الماضي القريب، أو ممن يشاهدونها بمفردهم على شاشة الحاسوب أو الهاتف اليوم، هناك ثيمات لا تستطيع المسلسلات المصرية أن تكف عن تناولها، من بينها «الأسرة المصرية». في هذا الملف، الذي ننشره على حلقتين، نناقش عملين دراميين مصريين احتلا مساحات من الجدل خلال الفترة الأخيرة، وهما «لن أعيش في جلباب أبي» و«ليه لأ؟!» الأول يعتبر من كلاسيكيات التليفزيون المصري، والثاني إنتاج حديث يُعرض على منصة عرض إلكترونية، لكنهما يتلاقيان في تناولهما لتيمة استقلال الفرد عن أسرته، باختلاف مساحة الدراما المُخصصة. الحلقة الأولى خصصناها لـ«لن أعيش في جلباب أبي»، الذي عُرض عام 1995، وكان أحد خطوطه الدرامية الرئيسية هي استقلال الابن عبدالوهاب عبدالغفور البرعي عن العائلة، بينما هذه الحلقة لمسلسل «ليه لأ؟!»، والذي أنتج بعد 25 عامًا، يتمحور بالكامل حول استقلال الشابة عالية عن أسرتها.

على مدار سبع سنوات في شوارع القاهرة، أربع من ضمنهم كنا نقطع وسط المدينة جيئة وذهابًا، لا نملك سوى رغبتنا في خلق حياة تخصنا بمفردنا، خلقنا مع المكان نوعًا جديدًا من العلاقات، علاقة مشوبة بالطمأنينة والقلق في نفس الوقت، كانت إحدى صديقاتي ينفد منها كل محاولاتها لإيجاد مكان للمبيت فيه، فتقضي ليلتها داخل إحدى مقاهي وسط المدينة، متلفحة بخوفها واضطرارها الذي يبرر كل شيء، بينما كانت أخرى تحيك الخطط لتهرب من مسكنها بوسط المدينة لمكان لا تراقب فيه، ولا يقلقها السير في طرقات تحمل متناقضات أكبر منها، وأخرى ينفد منها كل ما لديها من مال فتستعين بعطف سائق الميكروباص وحده لتصل لوجهتها، بين هذا كله وغيره الكثير شاهدنا مسلسل «ليه لأ؟!»، الذي عرض مؤخرًا على منصة «شاهد»، من كتابة ورشة أشرفت عليها مريم ناعوم التي قدمت أعمالًا فارقة في السنوات الأخيرة، تتمحور حول بطلات سيدات في معظمها، مثل «سجن النسا» (2014)، و«تحت السيطرة» (2015)، وفيلم «واحد صفر» (2009)، وهو من إخراج مريم أبوعوف.

يبدأ «ليه لأ؟!» بمشهد لعالية (أمينة خليل) يوم زفافها، نلاحظ شرود البطلة طوال المشهد، ونعلم أنه سينتهي بالنهاية التقليدية لهروب العروس وهو ما يحدث، وبعد سلسلة وجيزة من الأحداث نشاهدها هاربة مرة أخرى من بيت أهلها بعد مناقشات ومناورات متعددة تخوضها مع أمها الرافضة لمشاركتها في مسابقة إحدى المنظمات المهتمة بالمرأة، والتي كانت أولى شروطها العشر هو أن تستقل بعيدًا عن بيت أهلها.

 تُعاقب عالية على فعلتها بطردها من عملها، في مصنع أبيها، والذي يديره عمها، فتضطر للتنقل بين عدة أعمال كأن تعمل سائقة تاكسي أو نادلة لتحقق شروط المسابقة. يطرح المسلسل نفسه بشكل أساسي بوصفه يعرض قضية استقلال المرأة في المجتمع المصري.

اعتمد العمل على الطبقة الاجتماعية البرجوازية كمساحة ناقش داخلها فكرة الاستقلال كحق للمرأة. فعالية تسكن بالزمالك وتمتلك سيارة، ومصنع ورثته عن والدها. ومن داخل هذا المجتمع الميسور ماديًا يعرض العمل نموذج المرأة المتحررة، بجوار طيف من النساء لكل منهن قصتها المستقلة، خالقًا حالة من الربط والمقارنة بين شخصياته النسائية وشخصية البطلة. وتتنوع النماذج من حيث خياراتهن وتفاعلهن، وتفاعل المجتمع معهن.

مثلًا هناك رضوى صديقة عالية المحجبة (مريم الخشت)، والتي يعرضها المسلسل كمثال للفتاة المصرية النموذجية، التي ينتهي بها الحال لبيت عائل جديد هو الزوج، ليمارس عليها دورًا نموذجيًا آخر من السيطرة والهيمنة على حياتها وقراراتها، حيث يعمل على إنهاء علاقتها بعالية التي يراها كمهدد له، كما لو كان يرى زوجته طفلًا يمكن جذبه وتشتيته وتحريك آراءه وأفكاره من قبل الآخر، تحديدًا إذا كان هذا الآخر هو عالية الفتاة المستقلة، التي قد تؤثر على عروس الماريونيت الخاصة به.

نشاهد خلال خط درامي آخر عرضًا لشخصية خالة عالية، هالة (شيرين رضا)، حيث تصارع هذه الشخصية المجتمع وقوانينه الخاصة بالزواج، بنموذج مقارب لنموذج عالية في فكرتها عن التحرر. فعمرها 45 عامًا، تقع في حب ابن صاحب عملها الشاب، الذي يصغرها بعشر سنوات.

لكن بين كل شخصيات المسلسل، تظل شخصية سهير، أم عالية (هالة صدقي)، هي الركيزة الكبرى التي استند عليها العمل في إيضاح التباين المرغوب.

يمثل دور الأم -التي ترى في سطوة الرجل الخلاص من تعقيدات الحياة، وترى الزواج كمصير ومنتهى للمرأة، وتؤمن بالنظام الذي يقمعها وتمارسه على ابنتها كنتيجة حتمية- ما يعرف بدور المرأة المتفاوضة مع النظام الأبوي، فهي تنتمي لأسرة غنية تحكمها قوانينها الخاصة، من استثناء المرأة من إدارة الأعمال مع أو بدلًا عن زوجها، لأسباب اجتماعية تتعلق بالمظهر العام للعائلة، أو غير ذلك من المبررات، ما يرسخ داخلها شعورًا أعمق بالتبعية، لكن ما يعوض ذلك وراثتها لتلك السلطة نفسها من الزوج بعد رحيله أو بسبب كبر سنه، ما يخلق نوعًا من التواطؤ مع النظام، في مقابل الحصول على سلطة تمارسها بالتسلط على نساء يصغرنها، سواء كن بناتها أو زوجات أبنائها.

 وعلى نقيض ذلك تمثل عالية دور المرأة المقاومة للنظام الأبوي من خلال الاستقلال والعمل. تكتمل تعقيدات دور الأم عند خروجها للعالم بعد رحيل ابنتها عنها من خلال العمل في مصنع زوجها المتوفى، فرغم ممارستها لقمع حرية ابنتها كإرث مجتمعي وثقافة وهوية، الأمر الذي استمر حتى نهاية حلقات العمل؛ إلا أننا بتقدم الحلقات نرى منها نظرات فخر ورضا ومؤازرة.

العمل الذي عُني بعرض قضايا نسوية، وناقش قضية الاستقلال وحرية المرأة في الاختيار يحكمه سياق طبقي، مرتبط بنوعية بعينها من النساء، قد يحوّل نسخته من النسوية لما يعرف بالنسوية البيضاء، حيث يعرض قضيته الحساسة، داخل نطاق محمل بالامتيازات، ما قد يجعله غير معبر بالكامل عن الفئة الكبرى من النساء، بل وقد يتحمل عبء خلق نوع جديد من التفرقة.

أيضًا قد يشعر المشاهد بزحزحة لمشكلات الطبقات الأخرى، وضمها للطبقة البرجوازية، بداخل العمل ومن ثمة مواصلة لمحاولة تطبيع المشكلات لتلائم الطبقة نفسها، مما قد يحد من قدرته على مناقشة الاستقلال بصورة أعم، بل مناقشة نسخة سطحية منه، أي أنه قَولب الأحداث في قالب أكثر ضيقًا، وعدم تناسب مع حجمها أو حقيقتها.

من ناحية أخرى، أظهر المسلسل منطقة «وسط البلد» كمُعبر ومَعبر لحياة الاستقلال وبالأخص استقلال المرأة، وكمكان رائج لنموذج حياة معين، بحجة كونه مناسب ماديًا لمن يحاول بدأ حياة استقلالية، فإذا بأصدقاء عالية يطرحونه عليها بشكل بديهي جدًا، كنموذج وحيد لمن يود عيش حياة الاستقلال، كما لو كان الاستقلال مرتبطًا شرطيًا بمنطقة «وسط البلد» مما يعني ربط الاستقلال نفسه بنموذج معين من الحياة، أكثر منه كهدف للتخلّص من حياة الفرد كتابع، فربط الاستقلال بمكان بعينه يقلل من زخمه كفكرة، وربطه بمنطقة «وسط البلد» والتي تمثل بيئة رمزية لتغيرات اجتماعية سابقة يحوله من مسألة اجتماعية لنظرة تمجيدية للمكان على أنه مقر لمن يعيش وفق نموذج معين من الحياة.

لطالما تمثلت حياة الاستقلال بالنسبة لي وللعديد من صديقاتي بوصفها محاولة للتخلص من التبعية، وكانت وليدة للإيمان بكوننا كيانات مكتملة لها حق الاختيار، ومحاولة ممارسة الحياة كما صورتها أفكارنا ومبادئنا، لذا فمن تفاعلي مع العمل، شعرت بافتقاده إلى حد ما للتعبير بفعالية عن قضيته الأصلية، باستخدامه كليشيهات. فعملية الاستقلال، خاصة في مجتمع مثل مصر، عملية بناء عسيرة، لها سقطاتها المميتة مرات والهادئة في أخرى، وتشتتها وحيرتها. بينما تظهر شخصية عالية كدخيلة بشكل ما على هذه القضية، يحركها الكبت كسبب أساسي، وكأنها تعاقب أمها، لا تأخذ حقًا مستحقًا لها يدعى بالحرية.

اعلان
 
 
سهير رجب الشرقاوي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن