مضاعفة رسوم سياحة المحميات.. لا فرق بين الشركات وطلاب العلم والطبيعة
 
 
صحراء الفيوم - المصدر: www.shutterstock.com
 

انتشرت في الآونة الأخيرة مجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي تنظم رحلات تخييم بأسعار زهيدة للمهتمين بالبيئة والفلك والباحثين عن الهدوء في المحميات الطبيعية بعيدًا عن زحام المدينة، لكن إدراك هذا المتنفس أمسى أصعب بعد أن فرضت وزارة البيئة رسومًا جديدة تصل إلى 12 ألف جنيه لأي نشاط للمجموعات داخل المحميات، لترتفع التكلفة عشرة أضعاف تقريبًا، بحسب مصدر بوزارة البيئة وبعض منظمي الرحلات البيئية، ما أغضب منظمي هذه الرحلات، وقرروا تعليقها لأجل غير مسمى، رغم نفي الوزارة بعد ذلك في بيان لها تأثير الزيادة الجديدة على «الأفراد».

ازدهرت رحلات التخييم للمحميات الطبيعية مؤخرًا، بعد أن كانت قاصرة على المتخصصين في دراسة الجيولوجيا، بفضل انتشار صور الرحلات العلمية على مواقع التواصل الاجتماعي، حسبما قالت نرمين سامي، إحدى منظمي الرحلات البيئية. لاقت المحميات اهتمام غير المتخصصين الباحثين عن الهدوء والطبيعة التي بددتها ضوضاء المدينة، وزاد إقبالهم على هذا النوع من الرحلات الذي يوفر الترفيه بجانب المعرفة، يمارسون خلالها أنشطة تناسب طبيعة المكان مثل تسلق الجبال ومراقبة الفلك، والتخييم في الصحراء، ويرافقهم متخصصون في الجيولوجيا (علم دراسة باطن الأرض) لشرح التكوينات الصخرية والرسوبية، وأحيانًا الحفريات، في رحلات من يوم أو اثنين يقابلون فيها النجوم واضحة لأول مرة، ويتعرفون على أسمائها ومواضعها، بفضل المتخصصين المرافقين لهم.

كان هذا بمقابل مادي بسيط حددته وزارة البيئة بمبلغ خمسة جنيهات لتذكرة الدخول للمحمية، وخمسين جنيهًا للتخيم للفرد، ما سهل على المهتمين الزيارة السريعة في نهاية الأسبوع بشكل دوري قبل انتشار فيروس كورونا المستجد، الذي ألزم وزارة البيئة المسؤولة عن المحميات الطبيعية بإغلاق جميع المحميات كإجراء احترازي في مارس الماضي.

لكن، وبعد إعادة افتتاح هذه المحميات، قررت وزارة البيئة رفع رسوم الزيارة والتخييم فيها عدة أضعاف. ورغم تأكيد الوزارة أن الرسوم الجديدة تخص الشركات فقط، إلا أنها تضر بشكل أساسي بمجموعات فردية مهتمة بالسياحة العلمية لهذه الأماكن، قد تتسبب في توقفهم عن هذا النشاط الترفيهي والتعليمي بشكل كامل، بحسب عدد من المتابعين.

يبلغ إجمالي عدد المحميات الطبيعية فى مصر 30 محمية، إلا أن 13 منها فقط مفتوحة للزيارة بالفعل، أغلبها في محافظة جنوب سيناء، ويتوزع الباقي بين المحافظات. زار هذه المحميات خلال عام 2017 قرابة 802 ألف زائر. وبينما حظيت محميات الفيوم وجنوب سيناء بأغلب الزيارات، استقبلت محميات القاهرة نحو 77 ألف زائر خلال نفس الفترة، بحسب إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء. وقبل هذا العام، لم تشهد الإحصائيات أي تسجيل ﻷعداد زوار المحميات.

بعد قرار مجلس الوزراء بعودة الزيارات للمحميات مطلع الأسبوع الماضي، تقدم عدد من منظمي الرحلات البيئية بطلبات للتخييم، إلا أن الوزارة طلبت منهم الحضور للاجتماع لمناقشة نظام مالي جديد. وبالفعل، توجهت مجموعة من سبعة أشخاص، تحدث «مدى مصر» مع ثلاثة منهم، إلى اللقاء، لتفاجئهم الوزارة بطلب رسوم جديدة منهم باعتبارهم شركات سياحة هادفة للربح ترغب في تنفيذ أنشطة سياحية دون سداد مقابل هذه الممارسة، وتعمل بشكل عشوائي دون الحصول على تراخيص.

صحراء الفيوم - المصدر: www.shutterstock.com

الخلاف بين الوزارة ومنظمي الرحلات يكمن في تحديد هدف الزيارة. يقسم منظمو الرحلات زوار المحميات إلى ثلاث فئات: رحلات ترفيهية نهارية تكون زيارة المحمية بها جزء من جدول كامل، رحلات علمية للمتخصصين للعمل أو الدراسة، ورحلات تجمع بين الاثنين، وهي ما تعرف بالسياحة البيئية العلمية، بحسب نرمين سامي، التي تنظم هذه الرحلات منذ عام 2009. وازداد الإقبال على النوع الأخير من الرحلات، من مجموعات صغيرة من عشرين إلى خمسين شخصًا شهريًا، لتصل إلى رحلات أسبوعية بمجموعات صغيرة.

يجادل منظمو الرحلات أنهم ليسوا شركات سياحية، بل جمعيات تحاول تبسيط العلوم، وتأخذ هامش ربح لا يتجاوز 40 جنيهًا للفرد. يقول منظمو الرحلات إن متوسط عدد الأفراد في الرحلة الواحدة 20 شخصًا، يشاركون في تحمل تكلفة أتوبيس أو سيارات لنقلهم داخل الصحراء برفقة مرشدين متخصصين. يتم هذا بسعر التكلفة الحقيقي، حيث تملأ جمعيات السياحة البيئية الفراغ الذي خلفه قلة اهتمام الدولة بالمحميات الطبيعية، وتركيز شركات السياحة على المناطق الساحلية الصاخبة. أحد المتابعين علّق على بيان الوزارة على فيسبوك قائلًا: «احنا اتعرفنا على المحميات الطبيعية بشكل مختلف من خلال الجروبات اللي بتنظم رحلات الأنشطة الفلكية أو الجيولوجية أو رحلات الهايكنج في الجبال والأودية أو غيرها من الأنشطة اللي صعب تمارس بشكل فردي وممارستها في مجموعات أكثر أمانًا وأيسر للي معندوش وسيلة تنقله للأماكن الوعرة».

عصام جودة، رئيس الجمعية المصرية لعلوم الفلك، وهي جمعية ثقافية تأسست منذ خمسة أعوام وتوفر محاضرات مجانية ورحلات سريعة لمرصد القطامية بمبالغ رمزية أو إلى المحميات للرصد الفلكي، أوضح أنهم ليسوا باحثين، بل هم «مبسطو علوم» وأن الجمعية التي أسسها تضم متخصصين في علوم الفلك من بينهم نائب رئيس الجمعية عمر فكري، الحاصل على دكتوراه في علوم الفلك، ويعمل أيضًا كرئيس القبة الفلكية بمكتبة الإسكندرية. جودة نفسه يدرس الآن ماجستير لديناميكا الفضاء بجامعة القاهرة، فيما درست نرمين الجيولوجيا بكلية الآداب، وتضم مجموعاتها عددًا من المتخصصين في الفلك وعلوم دراسة طبقات الأرض. 

يقول جودة إن المجموعة قابلت مسؤولًا بقطاع حماية البيئة يدعى البيلي حطب، وهو من أبلغهم أن الوزارة فرضت رسوم «نشاط» على المحميات الطبيعية القريبة من القاهرة مبلغ ثمانية آلاف جنيه، وللمحميات في سيناء والبحر الأحمر مبلغ 12 ألف جنيه، على المجموعات المكونة من أكثر من عشرة أفراد. 

حاول المنظمون استيضاح تعريف كلمة «نشاط»، حيث إن مجموعاتهم تكون صغيرة العدد بلا أي أنشطة صاخبة، إلا أن حطب رفض الإيضاح. ونقل جودة عن البيلي قوله إنه في حالة التقدم بطلب للتخييم ثم التراجع عنه لأي سبب لن يتم استرداد المبلغ المذكور. وعندما اعترض الحضور على هذه الإجراءات، أجابهم ممثل الوزارة «ده اللي عندي، لو كان عاجبكم».

قرر جودة الانسحاب من الاجتماع والتواصل مع جهة أخرى من الوزارة، وطلب الإطلاع على القرار الرسمي بالزيادات، لكن الوزارة رفضت لعدم وجود قرار رسمي بعد. فقدم جودة طلبًا جديدًا بالتخييم، فطلبت الوزارة الزيادات الجديدة رغم عدم صدور قرار بذلك. ولذلك قرر بعض المنظمين الذين حضروا الاجتماع الامتناع عن تنظيم رحلات حتى وضوح الموقف، حسبما صرحوا لـ«مدى مصر».

حاول «مدى مصر» التواصل مع وزارة البيئة أكثر من مرة لتوضيح القرار دون رد، إلا أنه، وبحسب بيان الوزارة، فإن رسوم الزيارة تخص المجموعات السياحية، أما مجموعات البحث العلمي فهي معفية من الرسوم، مؤكدة أن هذا النوع من الأعمال يتم بدون مقابل. واعتبر البيان أن ما نُشر من تصريحات من قبل الشركات السياحية حول أنها تنظم برامج بحثية أو علمية داخل المحميات، فهي ليست صحيحة لعدم اختصاصها بممارسة هذا النشاط، ولا يجوز قانونًا أن يتم تنظيم وتنفيذ حدث وممارسة نشاط من خلال تذاكر دخول أفراد.

كانت الوزارة قد قررت قبل عام تحديد عدد المتواجدين في المحميات الطبيعية إلى 120 شخصًا فقط للحفاظ عليها، ويُقبل الزوار بناءً على طلب يقدمه المنظم للوزارة، التي توافق على عدد محدد لكل مجموعة، يصل أحيانًا إلى 10-20 شخصًا، وهو ما يجعل التكلفة الجديدة مقسمة على 20 شخصًا تصل إلى 600 جنيه للفرد لدخول المحمية فقط، دون حساب النقل والطعام والتخييم، بعد أن كانت التكلفة الإجمالية للرحلة 650 جنيه فقط للفرد، حسبما قال المنظمين.

استنكر جودة هذا العداء المفاجئ من الوزارة تجاههم، وقال إن تكلفة التخييم قبل عام 2017 كانت عشرة جنيهات فقط، وقررت الوزارة زيادتها إلى خمسين جنيهًا لتطوير المحميات من خلال هذه الموارد. ورغم هذا، لم يظهر أي مظهر للتطوير حتى الآن، طبقًا له. على سبيل المثال، يوضح جودة، كانت مجموعات السياحة البيئية تتكفل لسنوات طويلة بتمهيد المدق الذي يمتد 35 كيلو في عمق الصحراء، ويقود لمنطقة وادي الحيتان بمحمية وادي الريان بالفيوم، قبل أن تتدخل وزارة البيئة هذا العام وتمهد الطريق لأول مرة، على حد قوله. سوء الطريق لم يكن الأمر الوحيد الذي أهملته الوزارة، يقول منظم رحلات بيئية آخر فضل عدم ذكر اسمه، موضحًا أن المجموعات كانت تدفع مبالغ للبدو على نفقتهم الخاصة، للمساهمة في تنظيف الحمام الوحيد بمنطقة وادي الحيتان، وتوفير المياه التي لا تهتم الوزارة بتزويد المنطقة بها.

من جانبها، ترى نرمين أن قرار زيادة الأسعار يهدد وجود هذا النوع من السياحة، فيما اعتبر أحد المعلقين على بيان الوزارة أن القرار يصادر «حق المواطنين بالاستمتاع بالطبيعة لتتحول لسياحة الأغنياء فقط».

اعلان
 
 
ندى عرفات 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن