«الترند ده غريب جدًا»| الميمز التي تعيش في جلباب أبي
 
 

سواء كنت ممن شاهدوا المسلسلات على شاشة التليفزيون مع الأسرة في الماضي القريب، أو ممن يشاهدونها بمفردهم على شاشة الحاسوب أو الهاتف اليوم، هناك ثيمات لا تستطيع المسلسلات المصرية أن تكف عن تناولها، من بينها «الأسرة المصرية».

في هذا الملف، الذي ننشره على حلقتين، نناقش عملين دراميين مصريين احتلا مساحات من الجدل خلال الفترة الأخيرة، وهما «لن أعيش في جلباب أبي» و«ليه لأ؟!» الأول يعتبر من كلاسيكيات التليفزيون المصري، والثاني إنتاج حديث يُعرض على منصة عرض إلكترونية، لكنهما يتلاقيان في تناولهما لتيمة استقلال الفرد عن أسرته، باختلاف مساحة الدراما المُخصصة. الحلقة الأولى نخصصها لـ«لن أعيش في جلباب أبي»، الذي عُرض عام 1995، وكان أحد خطوطه الدرامية الرئيسية هي استقلال الابن عبدالوهاب عبدالغفور البرعي عن العائلة، بينما الحلقة الثانية ستكون لمسلسل «ليه لأ؟!»، والذي أنتج بعد 25 عامًا، يتمحور بالكامل حول استقلال الشابة عالية عن أسرتها. 

لم أكن في يوم ما متابعًا أصيلًا لأي من «ترندات» مواقع التواصل الاجتماعي، وإن كنت بحكم متابعتي اليومية لهذه المواقع، دائمًا ما يُفرض عليّ مشاهدتها وهي تنتفخ مثل البالون يومًا بعد يوم قبل أن تُفرقع في الهواء. ينفخ البعض تلك البالونات ويطلقها في فضاءات التواصل الاجتماعي، ويلعب بها البعض اﻵخر، ويسعى آخرون إلى إحداث فرقعة منها.

في بعض تلك «الترندات»، نجد استحضارًا للماضي واستدعاءً للذاكرة، أهو حنين أم تفكيك؟ لم أجد أفضل من موجات الاهتمام بمسلسل «لن أعيش في جلباب أبي» كمثال نموذجي في محاولتي للإجابة على هذا السؤال، ليست ﻷن تلك الموجات ما زالت تغمرنا إلى اﻵن، بل ﻷن صعودها وهبوطها تكرر أكثر من مرة في السنوات اﻷخيرة، وكأنها لن تنتهي أبدًا. 

«المسلسل دا غريب جدًا!»

عما يتحدث المسلسل؟ بمراجعة سريعة سنجد أن محور أحداثه يدور حول ضرورة احترام الأعراف والتقاليد الاجتماعية المتوارثة في العمل والزواج والأسرة (الأصول كما يسميها المعلم سردينة)، وفوق كل ذلك احترام السلطة الأبوية والاعتراف بها دائمًا. إذن لماذا يبدو عنوان المسلسل كأنما يحض جمهوره على التمرد والانقلاب على هذه الأعراف؟ 

إن عدنا إلى رواية إحسان عبدالقدوس التي أُخذ عنها المسلسل، فسوف نجد أنها تتسق مع توجهات مؤلفها الليبرالية في الاستقلال وتحقيق الذات، لكن معالجة مصطفى محرم الدرامية ذهبت إلى إعلاء القيم المحافظة للأسرة المصرية، ومن أجل ذلك أبقى سيناريو المسلسل على قصة زواج عبدالوهاب الفاشل من روزالين/ أمينة اﻷمريكية المسلمة كي يدين خروجه على أسرته، لكنه همش قصة حب حسين، صديق عبدالوهاب، ونظيرة أخته الصغرى، بعدما كانت تمثل خطًا رئيسيًا في الرواية. أيضًا ضَحى مصطفى محرم بشخصية اﻷخ اﻷكبر عبدالستار الواردة في الرواية وحذفها من معالجته لها، لأنها كانت الشخصية التي استطاعت العيش حقًا خارج جلباب عبدالغفور البرعي بهجرتها إلى لندن، ومن ثم أصبح عبدالوهاب في المسلسل الابن الوحيد بين أربع أخوات، كما ابتدع شخصية المعلم سردينة كي يغرس جذورًا ﻷخلاق عبدالغفور البرعي اﻷبوية في بنية الدراما. 

تحت الدفء المستشعر في قصة أسرة عبد الغفور التليفزيونية، تكمن قصة روائية أخرى عن اضطرابها واغتراب أبنائها. أراد إحسان عبدالقدوس أن يكشف تناقضات اﻷسرة المصرية في تربية أبنائها، بينما رأى مصطفى محرم أن يصنع مثالًا نموذجيًا لها، ومن ثم تركز العمل الدرامي على سردية صعود اﻷب ونجاحه واستقرار عائلته رغم تمرد ابنه عليه وطلاق بناته.

وهكذا، حاز المسلسل شهرة تفوق شهرة الرواية وقت عرضه في التسعينيات، بل إن المسلسل هو من صنع شهرة الرواية، ولولاه لما اهتم أحد بقرائتها مجددًا من بين أعمال عبدالقدوس اﻷكثر شهرة، وفي مقابل ذلك انتصرت رؤية مصطفى محرم التليفزيونية المحافظة لعائلة عبدالغفور البرعي على نقد عبدالقدوس الروائي المتحرر، والحنين الذي يشعر به كثيرون اليوم تجاهها ليس إلا نكوصًا إليها، ﻷن التسعينيات كانت آخر العقود التي جمعت اﻷسر المصرية أمام مسلسل السابعة مساءً قبل أن ينفرط عقدهم مع تعدد القنوات الفضائية وشاشات الحواسيب والهواتف في اﻷلفية الثانية، لكن حتى في عصر انتشار الفضائيات، كرست قنوات التليفزيون نفسها لإنجاح المسلسل، ووضعته ضمن قائمة كلاسيكيات الدراما العربية التي يجب ألا يمل المشاهد من عرضها مرة تلو اﻷخرى. لذا كان على المشاهدين أن يتجرعوا سموم مصطفى محرم المغلفة بصنعة الكتابة الدرامية الحلوة، من بينهم أولئك الذين شاهدوا عرضه في قنوات التليفزيون صغارًا باﻷمس، ويصنعون «الميمز» وينشرونها على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي اليوم.

«الترند دا غريب جدًا!»

أصبح الناس يستعملون الميمز في جميع المواقف بلا استثناء، حتى أصبحت ثقافة الميمز في أقل من عقد لغة تواصل كاملة وأداة صناعة محتوى أساسية في حياتنا اليومية الافتراضية، بدءًا من التعليق على آخر اﻷخبار وحتى تبسيط المناهج التعليمية في فترات الامتحانات. في كلا الحالتين نجد أن السخرية والضحك محفزان جيدان للتفاعل مع اﻷخبار الموترة والمعلومات المعقدة بصورة مريحة وسهلة حتى وإن كانت اختزالية. تتغذى هذه الثقافة على كل منتج مرئي وبصري تراه صالحًا للاستهلاك وتُبث به موجات الانتشار والاهتمام «الترند»، تتسع هذه الموجات حتى تبلغ مداها فيصيب الميم حد استهلاكه أو ما يعرف بانتهاك الميم meme abuse، ثم تتكرر الدورة من جديد مع تدوير صورة جديدة طالما كان المصدر ثريًا بالنسبة لمصممي الميمز من جهة، ومقدرًا بالنسبة للجمهور من جهة أخرى.

ماذا صنع مصممو الميمز بشخصيات المسلسل؟ في الصور المتحركة بصيغة gif. نرى المعلم سردينة يقدم جميع الحكم البليغة لصبيه عبده بشتى الطرق، من إنجليزية كتب التنمية البشرية وحتى عربية أغاني المهرجانات، إلا النصائح التي ألقاها المعلم بالفعل في الحلقات العشر الذي ظهر فيها والتي عادة ما صاغها كأمثال شعبية. لم يبق من المعلم سردينة سوى صورته التي أعيد إنتاجها مئات المرات بأقوال مختلفة ورسائل متعددة فنجحت في المحافظة على مركزه اﻷبوي، لكن بشرط واحد، وهو عصرنة لسانه أو تحديث خطابه. لقد كان سردينة في المسلسل أبًا روحيًا لصبيه عبده، وكذلك كان الأمر بالنسبة إلى ثقافة الميمز المصرية التي عاملته كأب تقبل منه النصائح والحكم ما دام يتحدث بلسانها.

إن تسلل المسلسل إلى لاوعي مشاهديه على مر السنوات كان سببًا رئيسيًا في تفكيك لقطاته وفصلها عن سياق أحداثه، دون أن يخل بمضمونها الحقيقي، حتى أصبحت لقطات المسلسل مضربًا للأمثال بصريًا، مثلما استخدم العرب قديمًا قصصهم في ضرب أمثالاً لفظية، وليس هناك أدل على ذلك من تصدير صورة فاطمة كشري اﻷم كي تصبح نموذجًا للأم المصرية. لكن هناك أيضًا نماذج أكثر تعقيدًا، في إحدى الصور المعدلة نرى المعلم عبدالغفور البرعي واقفًا على مسرح مؤتمرات تيدكس TEDx وخلفه عرضًا لصوره قبل «المَعلَمة» وكأنه يروي قصة نجاحه في تجارة الخردة (قطع الغيار المستهلكة). بالطبع لا يسخر مصمم الميم من المعلم بل من مؤتمرات تيدكس التي أصبحت منصات لترويج الذات وقصص النجاح الفردية، وكأنه يقول «إن كان لابد لأحد أن يقف على هذا المسرح فليكن عبدالغفور البرعي، فهو من ابتدع ثقافة ريادة اﻷعمال في مصر بعصاميته الشهيرة». لقد ترسخت هذه الصور في أذهاننا منذ المشاهدة اﻷولى للمسلسل، وما جرى اﻵن أنها أصبحت تمثل لنا رموزًا في حياتنا اليومية نستعين بها في الرد والتعبير عن الحالة المزاجية وأحيانًا الفكرية. اليوم أنت حكيم كالمعلم سردينة، وغدًا هيستيري كفاطمة كشري، وبعد غد حائر كعبدالوهاب، وهكذا ترتدي أقنعة أبطال المسلسل بعد نزعها من سياقها اﻷصلي. 

بالنسبة إلى أبطال «لن أعيش في جلباب أبي»، ما من تفسير لديهم في انتشار صور المسلسل على صفحات التواصل الاجتماعي، والحقيقة أنهم ليسوا بحاجة إلى تفسير، فهم سعداء وكفى، ﻷن ليس هناك حظًا أكبر من أن يتذكر الناس أعمالك القديمة حتى وإن كان ذلك بغرض إثارة السخرية والضحك.

عودة «جلباب أبي» من الميمز إلى الرواية

نستطيع أن نتوقع رأي إحسان عبدالقدوس في معالجة مصطفى محرم الدرامية لروايته، لكننا لن نستطيع أن نتوقع رأيه في الميمز الصادرة عن المسلسل، هذا بفرض أنه استطاع أن يدرك ماهية الميمز، عن طريق مشابهتها بفن الكاريكاتور مثلاً. وهذا إن عنى شيئًا، فإنه يعني شيئًا واحدًا، أن الاستهلاك الذي لحق بهذا المسلسل، وكل اﻷعمال الفنية المماثلة اﻷخرى، على يد مصممي الميمز قد حرره من مدلولاته المألوفة، ونستطيع اﻵن أن نرى أبطاله بلا سياق درامي في حقل آخر من التداول الافتراضي كدمى يستنطقها اﻷطفال من أجل اللعب والتسلية. هذا النشاط اللعبي يتجاوز عملية تقييمه اجتماعيًا فقط، ﻷنه ينكر أي أصالة فنية فيما يصنعه، بعكس ما أراده عبدالقدوس ومحرم من جلباب عبدالغفور البرعي.

أعتقد أن ما تمنحه لنا موجة إحياء المسلسل هي فرصة لمراجعته مرة أخرى، لكن هذه المراجعة لن تكتمل حقًا بدون العودة إلى الرواية (القصة اﻷصلية)، ففي الرواية سنجد رؤية أخرى لأسرة عبدالغفور البرعي، وقد تقلق هذه الرؤية محبي المسلسل، ﻷنها تحطم صورة اﻷسرة المصرية التي أخذوها عنه (فعبوهاب لن يعمل في وكالة أبيه وسيظل عاطلاً إلى اﻷبد، ونظيرة كانت تقابل حبيبها حسين في شقته وحدها، وهكذا يصبحا مثالي التمرد الحقيقي على أبيهما)، لكن بما أن مصممي الميمز فككوا الحنين للمسلسل بطريقتهم، فربما يجب أن يكتمل هذا «الترند» بمراجعة الرواية، ويومها قد يهدأ كل هذا الضجيج ويختفي بما يحمله من قيم أسرية مرة واحدة وللأبد.

اعلان
 
 
حسين الحاج 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن