قهر الموتى: جسر بين طروادة وفلسطين

الثلاثون من أغسطس، هو اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري، الذي تعرفه الأمم المتحدة على أنه يحدث عندما يجري «القبض على الأشخاص واحتجازهم أو اختطافهم رغما عنهم أو حرمانهم من حريتهم على أي نحو آخر، على أيدي موظفين من مختلف فروع الحكومة أو مستوياتها أو على أيدي مجموعات منظمة أو أفراد عاديين يعملون باسم الحكومة أو بدعم منها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو برضاها أو بقبولها، ثم رفض الكشف عن مصير الأشخاص المعنيين أو عن أماكن وجودهم أو رفض الاعتراف بحرمانهم من حريتهم، مما يجرّد هؤلاء الأشخاص من حماية القانون».

توسع بدور حسن من تعريف هذا الاختفاء الموجه من الدولة ليشمل الممارسة الإسرائيلية الخاصة باحتجاز جثامين الفلسطينيين، خاصة هؤلاء الذين ماتوا أثناء مقاومة قوات الاحتلال.

المحرر

«لا شيء أكثر وحشية من كونك لا تملك شيئًا خاصًا بك، ولا حتى مساحة للموت. بعد حياة بلا مكان، لا تملك مكانًا لكي تموت فيه. بعد حياة من عدم امتلاك أي شيء، لا تملك حتى ستة أقدام تحت الأرض». 

«دفن الفقراء» – إليان بروم

***

تشتهر إلياذة هوميروس، تلك القصيدة الملحمية عن الحرب والمحاربين، بتصويرها الحي والقاسي للرماح وهي تخترق قلوب الرجال وهم يخوضون حربًا مهلكة للطرفين من أجل امرأة، أكثر مما تشتهر بحكيها للقصة نفسها. أما حكي القصة والترحال الباقيان في الذاكرة فهما الإرث الذي تركته لنا أخت الإلياذة الخبيثة الصغيرة: الأوديسا.

ربما، كما ترى الكاتبة المكسيكية بريندا لوزانو، يمكن تقسيم موقع كل شيء، إن كان إلى جانب الإلياذة أو إلى جانب الأوديسا، إلى جانب قصيدة حرب أو قصيدة رحلة.

لكن، على الرغم من كل هوسها بالعنف الخام والذكورة المفرطة، كانت الإلياذة أيضًا مسرحًا لواحدة من أبقى الرحلات وأكثرها شجاعة وحمولة عاطفية في الأدب كله: تلك الزيارة السرية التي قام بها بريام؛ ملك طروادة المسن، عبر خطوط العدو إلى مخيم أخيل؛ البطل ابن الإلهة وصاحب قلب الأسد. كان أخيل قد ذبح ابن بريام الأكبر هيكتور، ومثّل بجثته ورفض أن يسلمها إلى الطرواديين، لينتقم من قيام هيكتور بقتل باتروكلس صديق عمر أخيل ورفيقه. تطلب الأمر تدخل زيوس الخالد، ودفع فدية هائلة، والتضرع المؤثر والشجاع على نحو مذهل من جانب بريام لإقناع أخيل بإعادة الجثة.

قال الملك بريام متوسلًا: «لقد مررت بما لم يمر به أي إنسان فانٍ آخر على وجه الأرض، وضعت شفتيّ على يديّ الرجل الذي قتل أبنائي». هلك خمسون من أبناء بريام خلال حرب العشر سنوات، من ضمنهم هيكتور، قرة عينه.

وفي انعطافة سردية كان من الصعب علينا توقعها، لا تنتهي الإلياذة بحصان خشبي أو بنهب وتدمير طروادة المحتوم على يد الجيش الإغريقي الغازي، لكنها بدلًا من ذلك تنتهي بجنازة هيكتور. هذه النهاية، كما يقول دانيال مندلسون المتخصص في الكلاسيكيات، تسلط الضوء على أهمية الخاتمة الطقسية. كتب مندلسون: «نهاية الإلياذة هي سردية عن الحسرة المؤدية إلى الحداد، عن الطريقة التي تستجيب بها الحضارة للعنف والذعر. هذا العزاء القاتم هو السلوان الذي لا يمكن إلا للثقافة أن تقدمه».

يستقي المرء سلوانًا، ويأسًا أيضًا، من أن حضارة ما زالت بعد آلاف السنين تنتج نسخًا أخرى من أخيل وبريام، ونسخًا أخرى من كريون وأنتيجون: على شكل أنظمة عازمة على معاقبة الموتى وتسليح الحِداد، وأسر مدفوعة إلى معركة غير متكافئة من أجل حق دفن الأجساد بكرامة، وصب الماء على القبور، وقول ما يليق من كلمات الوداع. هذا برهان على عالمية وقوة الأدب: لا تزال أصداء سعي بريام ومعركة أنتيجون الخاسرة تتردد في المحيط وتخاطب حالنا، لكنه في نفس الوقت بمثابة اتهام للحضارة بأن تكون مثل تلك الموضوعات البدائية لها صلة وعلاقة بنا في عام 2020.

بينما يقوم المرء بعملية مسح للملاحم والمسرحيات القديمة من أجل البحث عن قدرٍ من المعنى والتماثل لا يكمن وراء حدود الأدب، ثمة سؤال يبرز كشبح لا يمكن لأي قراءة أو بحث عميقين أن يطرداه. هل هناك أي عزاء ممكن لوالديّ أحمد عريقات، اللذين جرى احتجاز جثمان ابنهما في مشرحة إسرائيلية منذ 23 يونيو الماضي، واللذين تعتمد آمالهما الضعيفة في استلام الجثمان لدفنه على عدالة الاحتلال الملتوية والمنحرفة؟ هل هناك أي عزاء لحوالي 66 عائلة فلسطينية احتجزت إسرائيل جثامين أحبائهم كأوراق مساومة طوال السنوات الخمس الماضية؟ هل يمكن أن يكون هناك أي عزاء للأمهات الفلسطينيات اللواتي مُتن قبل استعادة عظام أطفالهن من مقابر الأرقام الإسرائيلية، بعد أن انتظرن عودتها لعقود؟ ماذا يتبقى لهؤلاء الذين لا يمكنهم الاعتماد على التدخلات الإلهية، والذين لا يمكنهم افتداء عظام أطفالهم، والذين لا يجرؤون على توقع الحد الأدنى من الإنسانية من قاتلي أطفالهم؟ إن الارتماء في أحضان العدالة الشعرية والاستدعاءات الأدبية يبدو تعويضًا غير كافٍ أبدًا، وبديلًا بائسًا وراحة هزيلة تمامًا.

في الوقت الذي زار فيه الأقارب والجيران في بلدة أسرة عريقات أبو ديس، وفي جميع أنحاء فلسطين، المقابر في اليوم الأول من عيد الأضحى وقراءة الفاتحة بالقرب من قبور أحبائهم، ما زالوا ينكرون على والديّ أحمد عريقات ذلك الشعور بالخاتمة والحميمية المرتبط بهذا الطقس. هما غير قادرين على فهم خسارته المفاجئة، مقتله بطريقة الإعدام قرب نقطة تفتيش. بالكاد يمكنهما البدء في التصالح مع حقيقة أن هذا حدث قبل ساعات من زفاف أخته، وأنهما يستنجدان بحق إقامة جنازة في وقت كان من المفترض أن يستعدا فيه لزفاف أحمد نفسه، الذي كان مخططًا له أن يكون في يوليو الماضي. هل رحل أحمد بالفعل، ولن يعود أبدًا، أم أن هذه هلوسة بائسة؟

بالنسبة لمحمد عليان، كان هذا النضال مألوفًا على نحو مؤلم.

في الثالث من أكتوبر 2015، قُتل ابنه بهاء صاحب الثلاثة وعشرين سنة، ابن حي جبل المكبر في القدس المحتلة، بعد مهاجمة حافلة في مستوطنة آرمون هانتسيف غير الشرعية التي تم بناؤها وتوسيعها فوق أراضٍ صادرتها إسرائيل. خلَّف الهجوم ثلاثة إسرائيليين قتلى.

بهاء كان منظِمًا مجتمعيًا وقائدًا للكشافة ومصممًا للجرافيك علَّم نفسه بنفسه، وانتمى بمعنى ما إلى جيل رفض التعود على المظالم اليومية وأعمال السلب أو أن ينخدع بالخطب المنمقة حول السلام والحياة الطبيعية.

ذلك الهجوم بإطلاق الرصاص الذي نفذه على حافلة المستوطنين في أكتوبر 2015 استغلته الحكومة الإسرائيلية لتشديد حملة القمع على سكان القدس من الفلسطينيين، في ذروة ما يشار إليها عادةً بـ «انتفاضة السكاكين»، وهي موجة عفوية لا قائد لها من الهجمات الفردية التي يقوم بها شباب فلسطينيون يحاولون الانعتاق من خناق الاحتلال والقمع.

وعلى سبيل الانتقام، أصدرت الشرطة الإسرائيلية أمر هدم لبيت أسرة بهاء. في الوقت نفسه كانت الشرطة الإسرائيلية قد استولت على جثمانه من موقع الحادث واحتجزته في مشرحة تابعة لها لعشرة شهور. خلال هذه الشهور، انقلبت حياة محمد عليان رأسًا على عقب، فهو لم يفقد ابنه وبيته فقط، بل سرعان ما أصبح واحدًا من الشخصيات المحورية في معركة العائلات الفلسطينية لدفن أحبائهم. قاتل الآباء والأشقاء من أجل استعادة جثامين موتاهم، كما لو أنهم يقاتلون لتأمين إطلاق سراح سجنائهم الأحياء؛ أما فداحة الموت فسرعان ما طغى عليها واجب استعادة الجسد الميت والترحيب به: وهو واجب وطني واجتماعي وثقافي وديني وأبوي.

في تأمل الحياة في «الزمن المعتقل»، ذلك «الإحساس الحاد بالانقطاع عن أي تدفق زمني يمكنه أن يمسك بك بعد الموت المفاجئ لطفلك»، تكتب الشاعرة دينيس ريلي أن «الشخص الذي يقول: ’أظل في انتظار سماع صوت مفتاحه وهو يدور في الباب في أي لحظة‘ لا يسقط في مجرد مجاز مبتذل». وهي بهذا تصدر تقريرًا واقعًا. فقد سيطر هذا التوقع على محمد عليان، تملكته تلك الحقيقة التي لا يمكن إنكارها ظاهريًا بعودة ابنه الوشيكة، وهو يفكر في هموم أخرى غير مناسبة؛ مثل الهدم العقابي لبيته أو رفض سلطات الاحتلال تجديد إذن الإقامة في القدس لزوجته بسبب رفضها التبرؤ من بهاء وشجب ما فعله. كان التوقع اليومي بسماع صوت خطوات بهاء وهي تقترب من الباب في العاشرة مساءً يقنع محمد أن ابنه يلوذ بكتفيه طلبًا للدفء. وغياب جسد يقام عليه الحداد عمل على تكبير الشعور بالطفو في زمن فقد تدفقه: فقد وجد نفسه منغمسًا للغاية في النضال لاستعادة ودفن الجثمان حتى إنه لم يجد أي مساحة للأسى الشخصي أو للتفكر في الغياب المفاجئ لابنه. والأشياء التي كان بهاء يحملها معه جرى إعادتها إلى الأسرة تدريجيًا في جولات، لتجعل الأمر يبدو كما لو أنه يموت على دفعات.

بحلول الوقت الذي جرى فيه إخراج جسد بهاء أخيرًا من المشرحة وإعادته إلى العائلة للدفن، كانت الأغلبية العظمى من الجثامين التي احتجزتها إسرائيل منذ أكتوبر 2015 قد أعيدت أيضًا. استأنفت إسرائيل سياستها الخاصة باحتجاز أجساد الشهداء الفلسطينيين في ذلك الشهر، كجزء من خطة أكبر لإخماد الانتفاضة المختمرة في القدس وفي جميع أنحاء الضفة الغربية بعد تعليق هذه الممارسة لحوالي عِقد من الزمان.

ومع ذلك، لم يكن القرار الإسرائيلي بإعادة أغلب الجثامين نهاية حتمية. فقد اضطر الفلسطينيون إلى النزول للشوارع، وتقديم التماسات أمام المحكمة الإسرائيلية العليا، والموافقة على قيود خانقة فرضها الاحتلال. تضمن هذا تقييد عدد المشاركين في الجنازات، وإقامتها ليلًا أو عند الفجر، ومنع الشعارات السياسية، وترتيب الدفن كي يتم في مقبرة أخرى غير المدفن التقليدي للعائلة. وكثيرًا ما جرى النص على تلك الشروط المسبقة مثل الدفن الفوري دون تشريح أو توقيع التعهدات لضمان الالتزام بهذه القيود. وجرى تقنين هذه القيود في مارس من عام 2018 وتضمينها داخل التشريع الأساسي، لتنضم إلى قائمة طويلة من الإجراءات القمعية الموجودة في قانون مكافحة الإرهاب الإسرائيلي.

هذه القواعد المتمسحة بزي النظام العام وأمن الدولة، تعكس المدى الذي تتطلع إليه إسرائيل من أجل السيطرة على حياة الفلسطينيين وموتهم، ومن أجل نزع التسييس عن حزنهم.

في مناقشتها لمفهومي الهشاشة وقابلية الأسى، تلاحظ جوديث باتلر أن الغضب الممزوج بالأسى المكشوف يمتلك «إمكانية سياسية هائلة». بتقييد عدد المشاركين في الجنازات وتجريم الشعارات السياسية والوطنية، وبتعطيل هذه الجنازات من خلال الاحتجاز المطول للجثث، وبتهديد العائلات التي تفشل في الالتزام بهذه الشروط وتغريمها غرامات باهظة، تسعى إسرائيل لإنكار الفرصة على الفلسطينيين كي يعبروا عن الأسى الجماعي المكشوف، وبالتالي تقمع الإمكانية السياسية التي يحتويها.

بالخطأ، يرتبط الحداد بالسلبية والاستسلام، لكن الأسى المكشوف هو مورد مهم للسياسة لديه قوة كامنة على التدمير، وعلى خلق مساحة أفقية للفعل المباشر.

بالإضافة إلى حجة الحفاظ على الأمن والنظام العام، تحتجز إسرائيل أجساد الشهداء الفلسطينيين من أجل هدف واضح هو استخدامها كأوراق مساومة في صفقات تبادل أسرى محتملة مع الفصائل الفلسطينية. وفي الوقت الذي جرى فيه تضمين قيود على الجنازات داخل قانون مكافحة الإرهاب الإسرائيلي، فإن الأساس التشريعي لاحتجاز الأجساد المطول كأوراق مساومة ما زال قائمًا على قوانين الطوارئ البريطانية لعام 1945، أي القانون رقم 133 (3)، الذي يمنح الحاكم العسكري السلطة للقيام بالدفن الفوري «لأي شخص» خاضع لسلطته القضائية.

باستخدام هذا القانون كمنطلق له، اعتمد مجلس الوزراء الإسرائيلي رسميًا «السياسة الموحدة للتعامل مع جثث الإرهابيين» في يناير 2017. كقاعدة، يجري تسليم أجساد الشهداء إلى عائلاتهم، مع الخضوع لقيود معينة يضعها مسؤولو الأمن، إلا إذا تحقق واحد من استثنائين: إذا كان الشهيد منتسبًا إلى حركة حماس (وبالتالي يمكن استخدامه كورقة تأثير في المفاوضات المستقبلية مع الجماعة) و/أو إذا كان الهجوم الذي قام به كما هو مزعوم يُعتبر هجومًا فظيعًا على نحو استثنائي.

عند فحص «شرعية» هذه السياسة، قضت المحكمة الإسرائيلية العليا أولًا في ديسمبر 2017 بأن القانون 133(3) لا يوفر أساسًا شرعيًا مباشرًا وجليًا بشكل كافٍ لهذه الممارسة. وخلصت المحكمة إلى أنه إذا كانت الدولة ترغب في الاستمرار في متابعة هذه السياسة، فلا بد أن تسن قانونًا محددًا يخولها بصراحة أن تحتجز الأجساد كتكتيك تفاوضي. لكن تمرير قانون ينص على أن العظام البشرية يمكن تحويلها إلى أوراق مساومة بدا أمرًا بالغ الفظاظة حتى بالمعايير الإسرائيلية. لذا وبدلًا من الاضطرار للمضي في هذا الطريق، طُلبت المزيد من جلسات الاستماع أمام لجنة خبراء موسعة حول الموضوع. لكن، وياللعجب، غيرت المحكمة قرارها، لتسمح للدولة بالاستمرار في احتجاز جسد أي فلسطيني يوافق معايير سياسة مجلس الوزراء الموحدة. صدر قرار المحكمة بالأغلبية في سبتمبر 2019 ليُثبت أن المرء يمكنه أن يستغني عن اللغة والوضوح القانونيين من أجل حماية مصالح الدولة، وتكمن مصالح الدولة في تأمين عودة جسدي الجنديين الإسرائيليين اللذين أسرتهما حماس في حرب عام 2014 على غزة. لذلك كان رئيس المحكمة واعيًا أن القانون لا يقول شيئًا عن أوراق المساومة، لكنه حدس بطريقة ما، بعد عرض من الألعاب البهلوانية القانونية، أن التأويل المفيد للقانون سيسمح للدولة باستخدام الأجساد كأوراق مساومة.

إن «حماية الأمن الوطني» ساعد على نحو متكرر كتبرير ملائم لبعض من أكثر السياسات الإسرائيلية القمعية ضد الفلسطينيين. وتحت غطائها، أعطت المحكمة العليا الإسرائيلية الضوء الأخضر لممارسات تسحق حقوق الفلسطينيين وتحرمهم من كرامتهم الإنسانية في حين أنها تحافظ على مسحة من الشرعية والعدالة الإجرائية. وخلف هذا التغليف الفاخر، لا يمكن فصل احتجاز إسرائيل لأجساد الفلسطينيين، الذي يسبق وجود حماس بعقود، عن سعيها لممارسة وتوسيع سيطرتها وسيادتها على حياة الفلسطينيين وموتهم. إنه تعبير مفصل لما يسميه المفكر الكاميروني أشيل مبيمبي بسلطة الحياة والموت necropolitics. إن ممارسة السيادة، كما يكتب أشيل هي: «ممارسة السيطرة على الفناء وتعريف الحياة على أنها نشر وتجلٍ للسلطة». هذه التجليات للسلطة يمكن العثور عليها في المشارح، حيث ترقد عشرات الأجساد الفلسطينية متجمدة، تنتظر الدفء والراحة الأبدية؛ في مقابر موصدة كمناطق عسكرية مغلقة، حيث تتناثر عظام مئات الفلسطينيين في قبور ضحلة دون علامة وهوية لائقين؛ في المشهد العرضي للإذلال العام، كما يُرى خلال الانتهاك المصور بالفيديو لجثة محمد علي الناعم في غزة في فبراير الماضي. 

هناك انتهاك أكثر منهجية وانتشارًا لأجساد الموتى يحدث في صحراء سونورا على الحدود الأمريكية-المكسيكية. هناك، تعمل أيضًا سوء المعاملة بعد الوفاة التي تمارسها شرطة الحدود الأمريكية على أجساد المهاجرين من أمريكا الوسطى الذين لا يملكون وثائق، كأداة لردع المهاجرين المستقبليين من محاولة عبور الحدود. في مناقشته لهذه الممارسات في كتابه «أرض القبور المفتوحة»، يتبنى عالم الأنثروبولوجيا جيسون دي ليون مصطلح العنف ضد الموتى necroviolence، الذي يُعرفه بأنه «العنف الذي تجري ممارسته وإنتاجه عبر معاملة معينة للجثث يجري تصورها على أنها مهينة أو مدنسة أو غير إنسانية من قِبل مرتكبها أو ضحيتها (وجماعتها أو جماعته الثقافية) أو كليهما».

يبدو أن هذا التعريف ينطبق بشكل كافٍ على احتجاز إسرائيل و/أو إساءة معاملة جثث الفلسطينيين كذلك. وهكذا يمكن إضافة العنف ضد الموتى إلى قائمة «القيم» التي تتشاركها إسرائيل والولايات المتحدة.

أينما كان موقعهم على خريطة بلدهم المتشظي، فإن الفلسطينيين محبوسون في متاهة، لا تبقيها فقط القوة العارية، بل البيروقراطية أيضًا، والقوانين المحايدة ظاهريًا ونظام تصاريح خانق مصمم للسيطرة وإملاء الأوامر على أكثر جوانب حياتهم الدنيوية والشخصية. ويقوم على حراسة هذه المتاهة نظام عدالة يقتات على نفس الأساطير التي تأسست عليها إسرائيل نفسها. وتذوب الأسطورة بمجرد أن يلمح حارس البوابة وجهًا فلسطينيًا، لكنها بطريقة ما أسطورة تكرر نفسها.

لا يغادر الفلسطينيون تلك المتاهة حتى بعد موتهم، فهي تطاردهم حرفيًا وراء القبر. وهذه المطاردة، هذا الإصرار على تأديب الجسد الفلسطيني الميت، يمكن تصنيفها على أنها سلطة الحياة والموت، أو العنف ضد الموتى، أو عقاب ما بعد الوفاة. إن تسمية الأمور بقدرٍ ما كما هي، تُعتبر الخطوة الأولى نحو التذكر والمقاومة والاستعادة.

في إعادة حكيها القوي للإلياذة، تضع الشاعرة أليس أوزوالد الشباب الذين هلكوا خلال حرب طروادة في الصدارة؛ تذكرهم بالاسم، وبتسميتهم وحكي قصصهم، أو نبذات من قصصهم، تعيد خلق عالمهم وتقدم لهم نذرًا يسيرًا من العدالة والتعاطف غير المحدود.

في إعادة تخيلها لعودة هيكتور إلى زوجته أندروماخي، تكتب أليس:

«عاد إليها عديم البصر

عديم القوة عديم التعبير

طالبًا فقط أن يُغسل ويُحرق

وأن تُلف عظامه في ثياب ناعمة

وتعاد إلى الأرض»

وبطريقة ما، في ذهني على الأقل، تتحول هذه السطور إلى جسر من طروادة إلى أبو ديس، حيث تصرخ نجاح عريقات، أم أحمد، في وجه الجنود الإسرائيليين: «أريد استعادة ولدي». تريد أن يُلف جسد ابنها في ثياب ناعمة -في العلم الفلسطيني- ويعاد إلى الأرض. لقد انتظرت هذه اللحظة منذ 23 يونيو الماضي.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن