ماذا يمنع النساء من تولي منصات القضاء؟
 
 
رسم الفنانة رانا رفيق مهني
 

* القصة جزء من سلسلة قصص عن الجندر والعمل 

في عددها الصادر في 22 مايو الماضي، نشرت الجريدة الرسمية قرارين رئاسيين رقم 233 و238 لسنة 2020 بتعيين 335 مندوبًا مساعدًا جديدًا في مجلس الدولة من خريجي دفعتَي 2014 و2015 بكلية الحقوق، ولم يشمل أي من القرارين إناث ضمن المعينين.

اقتصر القراران على الطلاب الذكور فقط، وبالتالي لم يشملا ندى جاد الله (26 سنة)، خريجة حقوق جامعة عين شمس قسم اللغة الإنجليزية، دفعة 2015، رغم حصولها على تقدير جيد جدًا مع مرتبة الشرف في سنوات دراستها، وحصولها على درجة الماجستير في الحقوق من نفس الجامعة في 2017، بالإضافة إلى عملها في المحاماة منذ تخرجها. تقول ندى لـ«مدى مصر»: «في فبراير 2016 لما نزل الإعلان لدفعتي رحت عشان أقدم ورقي في مجلس الدولة، مارضيوش يدوني ملفي، ومارضيوش يخلوني أعمل تظلم، وقالوا التعليمات كده. صممت وعملت تظلم لرئيس مجلس الدولة، ورحت عملت محضر إثبات حالة». لم يُسمح لندى بالتقديم.

 ندى تحب القانون الإداري، المختص به مجلس الدولة، ويضم نزاعات خاصة بالاستثمار والشؤون الإدارية، واستراتيجيًا رأت ندى أن معركة الانضمام لمجلس الدولة قد تكون مقنعة أكثر للمجتمع الذي قد يجد صعوبة في تقبل تولي امرأة التحقيق في جرائم قتل أو في وجودها على منصة المحكمة، رغم أنه حقها أيضًا، كانت من البداية تضع عينها على الجهات القضائية التي لا تسمح للنساء بالانضمام لها، لأن الأمر كان مستفزًا لها، لأن المساواة تعد حقًا دستوريًا.

وبحسب المادة 11 من الدستور، فإن على الدولة أن تكفل للمرأة حقها في تولي الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا في الدولة والتعيين في الجهات والهيئات القضائية، دون تمييز ضدها، وذلك اتساقًا مع المادة 53 من الدستور التي تنص على أن «المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر».

ينص الدستور أيضًا في مادته 14 على أن «الوظائف العامة حق للمواطنين على أساس الكفاءة، ودون محاباة أو وساطة»، وفي مادته التاسعة على التزام «الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، دون تمييز».

في ديسمبر 2017، جدّدت ندى مطلبها، وقدمت تظلمات لرئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ووزير العدل ورئيس مجلس الدولة، ولكن لتستطيع ندى رفع دعوى عليها تقديم التظلم أمام لجنة التوفيق في مجلس الدولة، وهو ما قدمته في 11 ديسمبر 2018 ورُفض في 25 ديسمبر من نفس الشهر، وبعد رفضه قدمت تظلمات أخرى للجهات المذكورة سابقًا. تضيف: «أنا كنت مستنية القرار الإيجابي اللي هو قرار التعيين لدفعتي ومافيهوش بنات اللي صدر في مايو عشان أضمه على القرار السلبي بالامتناع عن تسليمي ملفي، وقدمت تظلم في مجلس الدولة نفسه يوم 19 يوليو على القرار الإداري، وهرفع دعوى قضائية خلال 60 يومًا من تقديم التظلم أمام مجلس الدولة نفسه، رغم إشكالية ده الدستورية أنه الخصم والحكم».

في 22 مايو الماضي أيضًا، نشرت الجريدة الرسمية قرارًا رئاسيًا آخر برقم 235 لسنة 2020، بتعيين 417 وكيلًا للنيابة العامة من بين خريجي الحقوق دفعة 2016، ولم يشمل القرار أيضًا تعيين خريجات القانون أسوة بزملائهم الذكور.

 في ديسمبر 2019، فتحت النيابة العامة باب التقديم لدفعة نفس العام للتقدم لوظائف وكلاء النيابة، وسافرت غرام بسيوني (23 سنة)، خريجة حقوق جامعة الزقازيق من الشرقية إلى القاهرة يوم 9 يناير الماضي، تحديدًا إلى دار القضاء العالي للتقدم للوظيفة، بعد أن شجعتها أسرتها على ذلك، تقول لـ«مدى مصر»: «مكانش فيه ولا بنت في الصف، غير بنات بيقدموا لأخواتهم الولاد، وقفت في الصف لقيت الموظف ندهلي، قالي هتقدمي لمين، قلتله هاقدم لنفسي، فراح مزعق وقالي ممنوع البنات، طلبت منه جواب رفض، فرفض وزعق. المفروض إني أقدم بإني أدفع فلوس وياخد اسمي ويديني الملف بتاعي، ومعاه استمارة تقديم وفيش وتشبيه عشان أقدم. وداني لموظف تاني فقالي روحي للنائب العام، رحت مكتب النائب العام، فقالولي مش موجود وقالولي ممنوع يقولوا هيوصل امتى. رحت للشؤون القضائية، فالموظف حاول يقنعني أنه ممنوع وابتدى يكلمني في الدستور والقانون والشرع والعاطفة اللي بيمنعوا تعيين الستات في القضاء، رغم أن فيه دول إسلامية كتير بتعين قاضيات ستات. موظف الشؤون القضائية رفض يديلي جواب بالمنع، عشان مفيش قرار رسمي مكتوب بيمنع البنات يقدموا. 3 ساعات بلف على موظفين، في الآخر وكلت محامي يعمل تظلمات للنائب العام ووزير العدل ورئيس الجمهورية، وقدمناها كذا مرة لغاية ماتقبلت بعد ما المحامي عمل محاضر بعدم الاستلام. وفي يناير رفعت دعوى في القضاء الإداري عشان يقبلوا ملفي بس ويسمحولي أقدم، مش حتى عشان يعينوني أو لأ».

بالنسبة لغرام، النيابة العامة هي تجسيد للحق، والبحث عن أسباب الجرائم، كما أنها طوال حياتها تهتم بالتفاصيل والتحقيق والتدقيق والنظر للأمور من كل جوانبها وعبر كل أطرافها، تقول: «دايمًا كان جوايا مفتش صغير في حل المشاكل والحوادث»، كما أنها لطالما تمنت أن تكون سببًا في نصرة المظلومين وتحقيق العدالة بانضمامها للنيابة. بدأ أساتذتها في الثانوية العامة مع ذلك السخرية من رغبتها في الانضمام للنيابة، تقول: «كان فيه أستاذ بيقولي هتحققي إزاي يعني مع متهمين وأنتي بطنك قدامك، رغم إني يعني لو بطني قدامي فيه حاجة أسمها إجازة وضع زيها زي أي شغلانة». تمنت غرام أثناء دراستها للحقوق أن يتغير الوضع بما يسمح لها بالانضمام، لتحقيق حلمها، وبتشجيع أسرتها بالفعل تقدمت، حتى لا تندم على عدم المحاولة، خاصة أنها ترى أن «ربنا عدل بين كل الناس وبعضها»، ولديها الحق بالتالي في شغل الوظيفة.

16 ألف قاض في مصر بينهم 66 قاضية فقط

أخت ندى الكبري هي أمنية جاد الله، التي تخرجت من قسم الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، في 2013، بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وكان ترتيبها الثانية على دفعتها، وتقدمت مثل خريجين دفعتها للعمل في مجلس الدولة، إلا أن ردود الموظفين عليها وهي تحاول تسليم أوراقها كانت «أنتي إيه اللي جابك هنا؟»، «أنتي عاملالنا زحمة»، «متضيعيش وقتك» قبل رفضهم استلام ملفها.

اضطرت أمنية للحصول على حقها في مساواتها بزملائها، إلى اللجوء إلى القضاء الإداري، التابع لمجلس الدولة، للطعن ضد لائحة مجلس الدولة نفسه في 2014، في القضية رقم 30105 لسنة 60، لامتناعه السلبي عن تسليمها ملف التقديم للوظيفة، والذي حوّلها بدوره إلى المحكمة الإدارية العليا، التابعة للمجلس أيضًا، والتي حكمت ضدها في أبريل 2017، لغياب الإلزام لمجلس الدولة بتعيين الإناث، والحكم الذي تزامن صدوره مع عام المرأة الذي أعلنه الرئيس عبدالفتاح السيسي.

في ديسمبر 2016، أعلنت رئيسة المجلس القومي للمرأة أن السيسي وافق على أن يكون عام 2017، هو «عام المرأة». وبالفعل دشنه السيسي في «عيد الأم» في مارس، موجهًا حديثه للمرأة المصرية «الأم والزوجة والأخت والابنة التي قدمت الابن والزوج والأخ والشهيد لنبقى نحن وتبقى أمتنا دائمًا وأبدًا»، معلنًا عما أسماه «استراتيجية تمكين المرأة 2030»، كوثيقة تستند عليها الحكومة ومؤسساتها للأعوام القادمة.

قبل صدور الحكم، وبالتحديد في سبتمبر 2015، أصدر السيسي قرارًا جمهوريًا بتعيين 243 من زملاء أمنية الذكور، خريجي عام 2013، مندوبين مساعدين في مجلس الدولة. ورغم توقيعه تعيين 26 قاضية من النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة في محاكم ابتدائية في نفس العام، خلت قائمة القرار من أي من خريجات كليات الحقوق لهذا العام. فطعنت أمنية على القرار في يناير 2016، أمام القضاء الإداري، وطلبت تحويل طعنها للدستورية العليا، حتى لا يكون مجلس الدولة هو الخصم والحكم، ولكن الإحالة رفضت، فجددت أمنية طلب الإحالة مرة أخرى في فبراير 2018، ثم رفضت الإحالة مرة أخرى في نوفمبر من نفس العام. وفي أغسطس الماضي، جددت أمنية تقديمها تظلمات إلى رئيس الجمهورية ووزير العدل.

«تمكين المرأة» تهدف إلى وصول نسبة القاضيات إلى 25% في 2030  

في يونيو الماضي، صدر تقرير المفوضين يوصي بانتفاء صفة ومصلحة المدعية، في القضية المنظورة أمام القضاء حاليًا، والتي تخص أمنية، وطعنها لإلغاء قرار رئيس الجمهورية رقم 356 لسنة 2015 فيما تضمنه من عدم تعيينها بوظيفة مندوب مساعد بمجلس الدولة، تحت دعوى أن قرار تعيين الإناث يعود لسلطة المجلس التقديرية. وهو ما اعتبرته أمنية «إعلاء سلطة مجلس الدولة التقديرية علي مواد الدستور»، ومخالفة لمواد الدستور والقانون والاتفاقيات الدولية.

في استراتيجية تمكين المرأة، التي تتكون من حوالي 70 صفحة، ومتوفرة على موقع المجلس القومي للمرأة، والتي أقرت فيما يخص التمكين السياسي وتعزيز الدور القيادي للمرأة أنه «لم تعين سيدة في وظيفة قاض إلا في عام 2003، عندما عينت أول قاضية في المحكمة الدستورية، وتلى ذلك تعيين 31 قاضية في عام 2007، ثم تعيين مجموعة أخرى في عام 2008، ثم مجموعة ثالثة في عام 2015، تضم 26 امرأة كقاضيات لمحاكم الدرجة الأولى، ليصبح إجمالي عدد القاضيات 66 قاضية من إجمالي 16 ألف قاضي في مصر، أي أن نسبة القاضيات تقل عن 1% وفي المقابل لا يوجد أي تواجد نسائي في مجلس الدولة أو في النيابة العامة». العدد الحالي للقاضيات هو 66 قاضية، ما يوازي أقل من 0.5%، بينما تسعى الاستراتيجية لوصول نسبة القاضيات إلى 25% بحلول 2030.

في فبراير 2019، نشر مركز قضايا المرأة ورقة عمل عن تولي النساء المناصب القضائية، تساءل فيها عن كيفية تنفيذ استراتيجية تمكين المرأة التي أعلن عنها السيسي، خاصة أنها تشير إلى رفع نسبة تمثيل النساء في القضاء من 0.5% إلى 25%. يقول شريف جمال المدير التنفيذي لبرامج المشاركة في مركز قضايا المرأة لـ«مدى مصر» إن المؤسسات القضائية تحتاج لتعيين حوالي أربع آلاف قاضية لتنفيذ هذه النسبة، فيما عددهن حاليًا لا يتجاوز 66، فكيف وضعت الدولة هذه الاستراتيجية دون تنسيق مع المؤسسات القضائية التي ستطبقها، مضيفًا أنه منذ 2017 حتى الآن لم تعين امرأة قاضية.

يعاقب قانون العقوبات الموظف العام الذي يميز ضد المرأة

موقف وزراء العدل المعلن لطالما كان مرحبًا بالمساواة بين الرجل والمرأة في المناصب القيادية، في 2015 وبعد تعيين عدد من قضاة النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة في القضاء العادي، أعلن وزير العدل حينها أحمد الزند أن «السيدة القاضية مثلها مثل القاضى الرجل تمامًا، ولا بد ألا يكون هناك أي تمييز بينهما، ومن الضرورى إعطاء المرأة القاضية حقها في العمل والمساواة بالقاضي الرجل فى مختلف التخصصات». لا تختلف تصريحات وزير العدل الحالي عن سابقه، ففي 2017 وفي احتفالية مع 66 قاضية، بمناسبة مرور عشر سنوات على دخول المرأة القضاء، قال حسام عبدالرحيم إنه يسعى لتعيين الدفعة الرابعة من القاضيات، لكنه في تصريحات أخرى له العام الماضي بخصوص مجلس الدولة، قال إن الوزارة لا سلطة لها على الهيئات القضائية، كما أن قانون مجلس الدولة لا يجيز تعيين قاضيات.

تقول المادة 186 من لائحة مجلس الدولة أن المجلس يلتزم بقرارات الجمعية العمومية لأعضائه، ويستند مجلس الدولة في عدم تعيين سيدات على قرار الجمعية العمومية للمجلس في 2010، والذي أعلن في فبراير من ذلك العام، ثم أكد على قراره في مارس من نفس العام بغالبية 318 قاضًا من أصل 319 حضروا الاجتماع برفضهم تعيين المرأة قاضية في المجلس.

كان من المنتظر خلال العام الماضي، صدور ثلاثة قوانين للسلطة القضائية تماشيًا مع التعديلات الدستورية التي جرت في أبريل 2019، وبينما ناقش البرلمان ووافق بأغلبية الثلثين في يونيو من العام الماضي على القوانين التي تتعلق بطريقة اختيار رؤساء الجهات والهيئات القضائية، بقى القانون الثالث المتعلق بالمجلس الأعلى للهيئات القضائية معلقًا، وبحسب تقرير سابق لـ«مدى مصر» فإن مشروع قانون هذا المجلس نص على تشكيل مجلس أعلى للجهات والهيئات برئاسة رئيس الجمهورية وعضوية رؤساء الجهات (المحكمة الدستورية ومحكمة النقض ومجلس الدولة والقضاء العسكري) والهيئات (النيابة الإدارية وقضايا الدولة)، بالإضافة إلى النائب العام ورئيس محكمة استئناف القاهرة، على أن يختص المجلس بوضع شروط التعيين في القضاء العادي ومجلس الدولة وهيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة، فضلًا عن تحديد قواعد الندب وعدد المراقبين في كل الجهات والهيئات القضائية، وإبداء الرأي تجاه مشروعات القوانين المتعلقة بالقضاء.

يقول جمال إن قانون العقوبات يعاقب الموظف العام الذي يميز ضد المرأة، ولكن «البنات بيخافوا يروحوا يشتكوا رئيس مجلس الدولة، ولو اشتكوه، مفيش قاضي تاني هيرفع عنه الحصانة ويقاضيه».

لطالما كان هناك مواقف معلنة ضد تعيين المرأة في مناصب قضائية، من قضاة بارزين في مجلس الدولة، حتى ممن يحسبون على تيار الاستقلال مثل يحيى الدكروري الذي أعلن في 2010، وقت توليه رئاسة نادي قضاة مستشاري مجلس الدولة، إن «عمل المرأة قاضية يتطلب أن يغلق عليها باب المداولة مع قاضيين أو أكثر من الرجال، وهو ما يعد خلوة شرعية نهت عنها الشريعة الإسلامية التي ألزم الدستور في مادته الثانية بأنها المصدر الرئيسي للتشريع».

«من الأربعينات وبيتقال أصل المجلس مش مهيأ، أصل العادات والتقاليد» هكذا وصف جمال ردود أفعال مجلس الدولة على هذه القضية، رغم أن مصدر قضائي رفيع المستوى في مجلس الدولة قال لـ«مدى مصر» إنه رغم أنه لا يمكنه التعليق على أمر منظور أمام القضاء، إلا أنه بصفة عامة ليس مجلس الدولة هو الجهة القضائية الوحيدة التي لا تعين سيدات، مضيفًا: «فيه فهم خطأ، القضاء العسكري، والنيابة العامة مافيهمش سيدات، والمحكمة الدستورية العليا من ساعة استقالة تهاني الجبالي مافيهاش سيدات».

أكد المصدر القضائي أن عدم تعيين نساء في مجلس الدولة يستند على قرار الجمعية العمومية لمجلس الدولة في 2010، لكنه أشار بالوقت نفسه إلى أن «القرار مكانش رافض تعيين المرأة، كان إرجاء نظر التعيين بسبب أنه ده أمر يحتاج إلى استعدادات إدارية ومالية وتجهيزات معينة». واختتم المصدر القضائي قائلًا: «الأمر الآن بسيط بعيدًا عن تاريخ هذه القضية. المجلس الأعلى للهيئات القضائية هو من سيحسم هذه المسألة، لأنه وفقًا لمشروع القانون، سيضع ضوابط التعيين في الهيئات القضائية، وقراراته ملزمة، فلو قال تعيين نساء وذكور، سنلتزم جميعا بالقرار».

وأخيرًا فيما يخص رأي البعض بأن الشرع يمنع تعيين المرأة قاضية، قال المصدر القضائي «لو بنتعامل أن الوظيفة القضائية هي وظيفة، يبقى مفيش ما يمنع، أما لو اتعاملنا انها ولاية بحسب الشرع، فده كلام تاني، ويفتي فيه بتوع الشريعة، لكن افتكر أن دار الإفتاء لم تمانع تعيين المراة في القضاء».

في 2002 أصدر شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي، ومفتي الجمهورية أحمد الطيب، ووزير الأوقاف محمود حمدي زقزوق مجتمعين، فتوى، مخاطبين وزير العدل وقتها فاروق سيف النصر، تنص على أنه «لا يوجد نص صريح قاطع من القرآن الكريم أو من السنة النبوية المطهرة يمنع المرأة من تولي وظيفة القضاء».

في 2014 أسست أمنية حملة «المنصة حقها» لتقديم الدعم لخريجات كليات القانون من الدفعات اللاحقة لاتخاذ المسار القانوني والقضائي اللازم للحصول على حقوقهن المشروعة في اعتلاء المنصة، نحو مجتمع تتساوى فيه الفرص لكل أفراده دون تمييز، كما تسعى الحملة أيضًا لتغيير الثقافة التي تساهم في تمكين المرأة ببطء أو عدم تمكينها من الأساس، فالنساء لديهن القدرة على تحقيق النجاح المهني على أعلى المستويات.

وترى الحملة «الحقوقية التوعوية» أن قضية تمكين المرأة هو من استحقاقاتها الدستورية والإنسانية. و«تؤمن بأهمية اعتلاء المرأة المنصة ومدى انعكاس ذلك على المؤسسات القضائية خصوصًا وعلى المجتمع وقضية التنمية عمومًا، ومدى أهمية ذلك في تعزيز سيادة دولة القانون، وترسيخ مفهوم الحيادية والاستقلال للسلطة القضائية والتزامها بنصوص الدستور والقانون الذي أقسم أعضاؤها على احترامه وإعلائه على ما سواه».

خلال الحملة، تواصلت أمنية مع أعضاء البرلمان، لتغيير التشريعات اللازمة، ونتج عنه مشروع قانون لـ «تعيين المراة قاضية» قدمته النائبة نادية هنري، والذي لم تجر مناقشته حتى اللحظة رغم إحالته للجنة الدستورية والتشريعية في البرلمان في يناير 2018. وتواصلت أمينة مع عدد من المنظمات النسوية والحقوقية، ولكن كثير منها «تم إغلاقه على حد قولها». كما سعت أمنية لتسليط الضوء على قاضيات لهن دورًا وتأثيرًا كبيرًا حول العالم، وتواصلت أيضًا مع مسؤولين، وناقشت القضية في مؤتمرات محلية ودولية، بمشاركة أختها الصغرى ندى. حصلت أمنية خلال رحلتها الطويلة على اعتراف دولي، تقول: «ترشحت في عام 2019 لجائزة Future leader من وزارة الخارجية الفرنسية، ودعيت لحضور فعاليات لشبكة النزاهة القضائية المنبثقة من الأمم المتحدة»، ومع ذلك لا تزال قضيتها لسبع سنوات أمام القضاء.

خلال الحملة أيضًا تواصلت أمنية مع المجلس القومي للمرأة «الذي لم يتعاون أبدا مع الحملة»، على حد قولها. «من ضمن مهام المجلس القومي للمرأة، تلقي الشكاوي، والتضامن مع النساء اللاتي تتعرضن للتمييز، وهذا لم يحدث في حالة أمنية»، يقول جمال إن المجلس لم يدعم مشروع القانون الذي قدمته هنري، رغم أن مصر مسؤولة أمام المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي قدم لمصر توصيات من بينها رفع تمثيل المرأة في القضاء.

حاول «مدى مصر» التواصل مع المجلس القومي للمرأة لسؤاله عن الدور الذي يلعبه لدعم أمنية وباقي الخريجات ودعم رفع تمثيل النساء في القضاء بصفة عامة، إلا أن أحد من المجلس لم يرد على رسالتنا الإلكترونية حتى موعد نشر التقرير. وبينما لا يبدو واضحًا ما هو الدور الذي يلعبه المجلس بالتحديد لدعم تمثيل النساء في القضاء، نشرت الصفحة الرسمية للمجلس في يوليو الماضي صورة وتعريف بمؤسسة الحملة أمنية جاد الله، بعد اختيارها واحدة من المصريات الملهمات.

الجبالي: من العار أن نتحدث عن أصل الحق والحديث عن الملائمة سقطت بتعييني 

 نظمت وحدة أبحاث القانون والمجتمع التابعة للجامعة الأمريكية ندوة بمناسبة يوم المرأة العالمي، في الثامن من مارس الماضي، سلطت الضوء على موضوع تمثيل النساء في القضاء. استضافت الندوة كلا من المستشارة تهاني الجبالي، أول قاضية مصرية تُعيّن في العصر الحديث، في المحكمة الدستورية العليا في 2003، قبل خروجها في 2013، كما استضافت الندوة المستشار محمد سمير نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية.

أشارت الجبالي بالندوة إلى أول قاضية مصرية في العالم وفي التاريخ الانساني ماعت، التي اعتبرت إلهة العدل في الحضارة الفرعونية، ولاحقًا في العصور الرومانية القاضية الفلسطينية دبوره. كما أشارت الجبالي إلى أن الدعوى القضائية الأولى التي رفعتها سيدة مصرية لتولي منصب في القضاء كانت في 1952، ورفعتها عائشة راتب. كما أضافت الجبالي أنه وقت هذه القضية القضاء المصري قال إن «مبدأ الملائمة مش قائم، ولم يقل إنه لا يجوز شرعًا أو قانونًا، لأن قانون السلطة القضائية منذ إنشاء القضاء المصري، لا يوجد به نص يحدد نوع القضاة ذكور أو نساء، إلا في الملائمة الاجتماعية، وهو ثوب فضفاض، وأحيانًا يكون عائقًا للتقدم للأمام».

أما سمير فقد أوضح أن نسبة النساء في هيئة قضايا الدولة بلغت 28%، وفي النيابة الإدارية 43%، كما تولت عدة قاضيات رئاسة هيئة النيابة الإدارية، ومع ذلك فإن نسبة القاضيات على المنصة أقل من 0.5% فقط.

واعتبرت الجبالي أن الحديث اليوم عن حق المرأة في تولي القضاء «عيب»، مضيفة: «بعد 15 سنة من وجودنا على منصات القضاء وثبات القاضيات المصريات وقبول الشعب المصري، من العار أن نتحدث عن أصل الحق. نرجع نقول أصل كان فيه. كان فيه فقيه بيقول لأ، أصلها متنفعش تحكم، أصلها عاطفية، كل الكلام ده سقط بالتقادم، خصوصا أن المادة 11 من الدستور القائم الآن حسمت الأمر وأصبح الالتزام الدستوري ملزم للسلطات والأفراد، ومن حق المرأة أن تكون في كل هيئات القضاء، ما زلنا نشعر بألم من أن المرأة المصرية لم تدخل النيابة العامة من أول السطر ولا مجلس الدولة حتى الآن، وأعتقد أنه لا يوجد مجالًا للحديث عن ملائمة، لأنها سقطت بتعييني وبتعيين زميلات من بعدي».

وأضاف سمير: «لو أنا جاي النهاردة في 2020 نقعد القعدة دي ونتكلم عن حق المرأة في التساوي مع الرجل في تقلد المناصب العامة شيء محزن جدًا، عايزين نسترد للمرأة اللي كانت واخداه قبل العالم كله. المرأة المصرية كانت تحكم، ولسة الناس تقول ينفع ولا لأ. حقوق المرأة  ليست في مواجهة حقوق الرجل، ده حق من حقوق الإنسان، هي مش حرب، ده لصالح السلام المجتمعي، إحنا بنحط الجميع على نفس السلمة، مفيش مجتمع هيتقدم ويتطور وأكتر من نصه يشعر بالغبن أو أنه محروم من بعض حقوقه».

«أي خريج حقوق من حقه يقدم في مجلس الدولة، هيئة قضايا الدولة، النيابة الإدارية، النيابة العامة والعسكرية كمداخل للقضاء الطبيعي والعسكري. هم بيسمحوا للسيدات العمل في المهن القضائية التي لا تسمح لهن بإصدار أحكام زي هيئة قضايا الدولة والنيابة الإدارية، لكن مش مسموح لهم يشتغلوا في مجلس الدولة أو النيابة العامة. يعني هم بيسمحوا للستات يدرسوا قانون، ويعلموا قانون، ويشرعوا قوانين في البرلمان، لكن مش سامحلهم يطبقوا القانون! تناقض كبير!»، هكذا أوضحت أمنية لـ«مدى مصر» الوضع غير المتكافئ.

دعت الجبالي خلال الندوة رئيس الجمهورية بصفته الحكم بين السلطات إلى الالتزام بالنص الدستوري، وقالت: «أنا طالبته ولا زلت أطالبه بإلا يوقع على أي حركة تعيين في النيابة العامة أو في مجلس الدولة وبناتنا الأوائل لا زلنا يعانين حتى الآن من عدم استجابة لرغبتهن في الانضمام للنيابة العامة ومجلس الدولة. اتمنى أن تكون الكفاءة هي معيار التعيين في القضاء».

أكدت أمنية من جانبها أن الموضوع «محتاج تدخل رئاسي، تهاني الجبالي اتعينت بسبب تقرير للأمم المتحدة أحرج مصر جدًا، واستمر الضغط، فبقى فيه 66 قاضية من أصل 16 ألف». متسائلة عن كيفية تنفيذ استراتيجية تمكين المرأة لرفع نسبة النساء في القضاء إلى 25% في الوضع الحالي.

تدرس أمنية بالجامعة منذ تخرجها منذ سبع سنوات، لكنها لم تنته من رسالتها للدكتوراة، بسبب الوقت الذي تخصصه للحملة وللقضايا التي ترفعها، «سبع سنين من الاستنزاف، اللي أصغر مني سجلوا الدكتوراة».

تسعى أمنية حاليًا لتقديم مذكرة للدفع بعدم دستورية رفض قبول أوراق إحالة قضيتها للدستورية العليا بعد رفض الاحالة الثاني في نوفمبر 2018. تقول: «لو المحكمة الدستورية العليا حكمت بعدم دستورية رفض تعيين البنات، هيكون الحكم ملزم لكل الأفراد والهيئات، لأنها أعلى محكمة في مصر، وصدوره فيه إقرار أو تفعيل لتطبيق النصوص الدستورية التي تكفل تعيين المرأة في المناصب القضائية».

بسبب جائحة «كورونا»، تأجلت جلسة نظر قضية غرام، التي كان من المفترض بها الانعقاد في مارس إلى مايو، وصدر الحكم في 30 مايو الماضي برفض الدعوى لعدم الاختصاص وإحالة القضية من مجلس الدولة إلى محكمة استئناف القاهرة، التي لم تحدد بعد موعدًا لنظر القضية. تقول غرام لـ«مدى مصر»: «أنا هكمل حتى لو سنين، وهروح الدستورية العليا لعدم دستورية المنع، الحمد لله أهلي بيدعموني رغم أن فيه ناس أساءت ليّا وكفرتني لما كتبت بوست على السوشيال ميديا باللي حصل. اتقالي كلام شبه (لما أنتوا هتعملوا كده إحنا اللي هنقعد في البيت وإحنا اللي هنربي العيال!»

أما ندى فتقول: «مش متقبلة بالمرة أن يكون فيه دستور صريح بيسمح بتعيين البنات في القضاء ومواد ضد التمييز ومقدرش اتعين. إحنا اتعلمنا المواطنة في الكلية. مجلس الدولة مشهور بأحكام تاريخية، مشهور بأنه حصن الحقوق والحريات. إزاي نلجأ للمكان اللي المفروض بيطبق الدستور وبيحمي الحقوق ويعند. لو مجلس الدولة عين قاضيات النيابة العامة هتعين بنات. الستات من حقهم يبقوا في الجهتين».

تتساءل أمنية: «إزاي بدرس للبنات قانون وتطبيق قانون ومواطنة، وتيجي طالبة تقولي القانون متطبقش عليكي، أو أتكلم عن المجهود والكفاءة فالطالبات يقولولي ما أنت الأولى على الدفعة وماتعينتيش في القضاء. أنا من حقي أن المجالات تكون مفتوحة قدامي وأنا اختار».

اعلان
 
 
هدير المهدوي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن