لا «شالوم» عليكم

صباح الجمعة الماضي 21 أغسطس، نشر السفير الإماراتي لدى واشنطن يوسف العتيبة مقالًا في الصفحة الأولى لصحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، تحت عنوان «شالوم عليكم»، أي «سلام عليكم»، يبرر فيه اتفاق السلام الإسرائيلي- الإماراتي، مدعيًا أنه أوقف ضم مناطق في الضفة الغربية إلى دولة الاحتلال، وأنه «يفتح الباب أمام مستقبل أفضل للشرق الأوسط».

عدّد العتيبة فوائد الاتفاق للطرفين في المجالات كافة، السياحة والعمل والتعليم، وقال إن «أول تعاون مهم بالنسبة للطرفين هو في مجال مواجهة جائحة كورونا، كمقدمة لتعاون في مجالات الرحلات الجوية والطيران والاتصالات والنقل الدولي والصحة والأمن الغذائي والتكنولوجيا والطاقة والتبادل الثقافي».

وبعدما عدّد العتيبة ما تفتحه الإمارات أمام الإسرائيليين، بما يشمل الجناح الإسرائيلي في معرض «أكسبو» العالمي العام المقبل في دبي، والحديث عن التعاون في مجالات «الهايتك»، انتقل إلى الحديث عن التطبيع الديني، وأشار إلى استقبال المركز الديني اليهودي الذي سيتم فتحه في الإمارات للمصلين الإسرائيليين، ثم ذهب بعد ذلك للحديث عن العقبات التي تقف أمام دول المنطقة: «مع ذلك فإن حينا لا يزال يمر بزلزال كبير، ضعف في الحكم، شقاق، وتدخل على مستوى الإقليم، توفر الظروف للمآسي والنزاعات.. التوسع الإسلامي، كل ذلك يشجع التطرف ويهدد الاستقرار.. مئات السنين من عدم الفهم وعقود من الشك تحيي العدوانية».

ومضى العتيبة في تبريره لما وصفه بالاختراق الدبلوماسي الذي صنعته الإمارت وإسرائيل قائلًا: «من خلال هذا الاختراق اختارت الإمارات وإسرائيل الدبلوماسية والتعاون باعتبارهما الخيار المفضل لدينا لمواجهة هذه التحديات.. سنعمل معًا مع الولايات المتحدة لتعزيز أمننا المشترك».

ورغم تأكيد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أن خطته لتطبيق السيادة الإسرائيلية على مستوطنات الضفة الغربية المعروفة إعلاميا باسم «الضم» لم تتغير بعد توقيع اتفاق السلام مع أبوظبي، إلا أن العتيبة قال في مقاله بالجريدة الإسرائيلية إن «القرار الإسرائيلي بتفضيل المفاوضات على خطوات أحادية الجانب، وتعليق خطة ضم أراض فلسطينية، ربما هو النتيجة المباشرة الأهم في الإعلان المشترك. وهو قرار يخلق الوقت والفضاء، وديناميكيات وطاقات جديدة لعملية السلام. وهو يبقي على حل الدولتين على قيد الحياة، وفقًا لما تتبناه الجامعة العربية والمجتمع الدولي».

ودعا السفير الإماراتي الفلسطينيين إلى جني ثمار «التطبيع»، مشيرًا إلى أن دولته ستبقى مؤيدة للشعب الفلسطيني «بهذه الروح، ستبقى الإمارات مؤيدة متحمسة ومثابرة للشعب الفلسطيني وكرامتهم وحقوقهم ودولتهم السيادية.. عليهم أن يربحوا من ثمار التطبيع، وكما عملنا على مدار 60 عامًا، سنؤيد بتصميم هذه الأهداف».

ومضى العتيبة في حديثه عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وقال: «هذا الصراع المعاند، وصراعات كثيرة أخرى غيره في حينا لن تحل بلحظة، لكنه لن يحل أبدًا بواسطة العنف المتواصل، أو من خلال السير في مسارات مسدودة.. قدرات المنطقة، وآمال شعوبها، هي التي تذهب للضياع»، مبشرًا في ختام مقاله بـ«شرق أوسط أكثر هدوءًا وازدهارًا ومفعم بالأمل».

مقال العتيبة في «يديعوت أحرونوت» لم يكن الأول من نوعه، حيث سبقه في 12 يونيو الماضي وقبيل توقيع الاتفاق الأخير بمقال تمهيدي في نفس الجريدة، أكد فيه أن إسرائيل لا يمكن أن تتوقع تطبيع العلاقات مع العالم العربي إذا ضمت أراضي في الضفة الغربية المحتلة.

وأشار العتيبة إلى الخطوات التمهيدية للتطبيع مع دولة الاحتلال والتي بدأت قبيل توقيع الاتفاق الرسمي: «لقد اتبعنا دبلوماسية هادئة وأرسلنا إشارات علنية للغاية للمساعدة في تغيير الديناميكيات وتعزيز الإمكانات. على سبيل المثال، تمت دعوة إسرائيل للمشاركة في (إكسبو دبي 2020) المقرر تنظيمه العام المقبل.. للدبلوماسيين الإسرائيليين وجود مستمر في أبوظبي في مقر وكالة الأمم المتحدة للطاقة المتجددة». وأضاف أن بلاده تعارض «حزب الله» و«حماس»، وتظهر تقبلًا لجالية يهودية محلية آخذة بالازدياد، وحتى إنها تعمل على بناء كنيس جديد لها.

ولخص السفير الإماراتي الفوائد التي يمكن أن يحققها التطبيع مع دول الخليج للإسرائيليين بأنها «أمن أكبر. اتصالات مباشرة. أسواق موسعة. قبول متنام».

قائمة العروض المؤيدة لإسرائيل التي قدمها العتيبة في مقاله كانت طويلة إلى درجة دفعت منصات إعلامية فلسطينية إلى وصف المقال بأنه «رسالة حب إلى إسرائيل».

رغم تنوع وعمق العلاقات العربية (الخليجية تحديدًا) بدولة الاحتلال، إلا أن حكام تلك الدول رفضوا خروجها للعلن، وعملوا منذ تسعينيات القرن الماضي على أن تظل علاقات صامتة تحتية، طالما لم يصل الفلسطينيون والإسرائيليون إلى اتفاق سلام رسمي يراعي الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، وذلك تحسبًا من أي رد فعل شعبي غاضب. لكن ما جرى خلال الأيام الماضية، قلب هذه الفكرة تمامًا، فالتقدم في عملية السلام لم يعد شرطًا لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، بحسب ما أورد سفير الإمارات لدى واشنطن في مقاليه السابق الإشارة إليهما.

المصالح التجارية واتفاقيات التعاون الأمني، أصبحت مُقدمة على شرط السلام بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، والخطر الذي تمثله إيران على أمن ممالك وإمارات الخليج همش الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، حتى وصلنا إلى مرحلة الاحتفاء بالتطبيع العلني المجاني مع العدو الغاصب بعد أن كان عارًا مستورًا يُخشى كشفه.

حُكام الإمارات وغيرهم من المهرولين للحاق بقطار التطبيع تناسوا جرائم العدو في حق الشعوب العربية، وغضوا الطرف عن المجازر التي ارتكبها جيش الاحتلال في حق الفلسطينيين واللبنانيين، واعتداءاته المتكررة على المقدسات العربية ونهبه للأراضي والموارد الفلسطينية.

طوى هؤلاء مبادرة السلام العربية ودفنوها في صحراء الخليج، ورفعوا شعار التطبيع مقابل المصالح والمكاسب التجارية، بدلًا من الأرض مقابل السلام، وهو في حقيقته شعار خادع، فالهدف الأساسي هو إرضاء السيد الأمريكي صاحب الولاية الوحيد على مقدرات المنطقة.

تتذرع الإمارات بأنها ستدعم عملية السلام في المنطقة من خلال تحالفها مع إسرائيل، إلا أن ما حدث على أرض الواقع يخالف ذلك تمامًا، فبحسب ما نشرته وسائل إعلام إسرائيلية خلال الأسبوع الماضي فإن «العلاقات بين إسرائيل والإمارات تطورت وتعمقت كثيرًا، وهي منفصلة عن القضية الفلسطينية، ونمت علاقات مبنية على المصالح الاقتصادية والعدو المشترك إيران».

قبيل توقيع الاتفاق (الإماراتي- الإسرائيلي)، توقع محللون إسرئيليون تتويج العلاقات العرفية السرية بين البلدين بعلاقة رسمية علنية، وكتب المحلل الإسرائيلي جاكي خوجي في يوليو الماضي يقول: «دولة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل تزيدان من دفء علاقاتهما، ولم يعد افتتاح سفارة إسرائيلية في أبوظبي حلمًا بعيد المنال، لأن الإمارات اجتازت كثيرًا من الخطوط الحمراء من خلال تواصل زعمائها العلني مع إسرائيل».

وتوقع خوجي في مقال له بصحيفة «معاريف» أن تقود كل هذه المؤشرات إلى خروج العلاقات السرية بين الدولتين إلى العلن، «قد لا يكون غريبًا أن تعلن الحكومة الإسرائيلية في القريب العاجل عن افتتاح سفارتها في أبوظبي.. إسرائيل تستفيد بالحصول على بطاقة دخول إلى سوق تجاري ضخم، ووجود علني في منطقة الخليج الغنية، والنابضة بالحياة، أما زعماء الإمارات فهم يحظون بتحالف مع قوة إقليمية عظمى وهي إسرائيل، ووفق ما هو متاح من معلومات، فإن العلاقات آخذة بالتنامي والدفء مع مرور الوقت».

وأضاف المحلل الإسرائيلي: «صحيح أننا قد لا نكون أمام قصة حب بين أبوظبي وتل أبيب، لكن من الواضح أنهما تستفيدان وتكسبان من هذه العلاقة.. وتبادل المصالح أهم وأشد وطأة من قصص الحب في كثير من الأحيان!».

الاتفاق الإمارتي- الإسرائيلي الذي شملت بنوده استثمارات مشتركة واتفاقيات في التعليم والتجارة والأمن، لن يفتح الباب أمام مستقبل أفضل للشرق الأوسط، بحسب ما توقع العتيبة، بقدر ما هو إذعان للسيد الأمريكي وحليفه الإسرائيلي اللذين يسعيان إلى الهروب من أزماتهما الداخلية، فالرئيس ترامب يسعى إلى تحقيق مكسب دبلوماسي صغير في وقت تزداد صعوبة احتمالات إعادة انتخابه، وبالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فإن الاتفاق يخلصه ولو مؤقتًا من المأزق الذي وضع نفسه فيه بعد وعده بضم أجزاء رئيسية من الضفة الغربية المحتلة، وقد ثبت أن ذلك غير ممكن في ظل المعارضة الأمريكية والدولية الكبيرة للفكرة. ويرى نتنياهو أن اتفاق السلام مع الإمارات قد يعزز فرصه إذا عجل بإجراء انتخابات عامة إسرائيلية أخرى.

أما الإماراتيين فلا فائدة ستعود عليهم من إخراج علاقاتهم السرية مع دولة الاحتلال إلى العلن سوى تزايد الغضب الشعبي العربي تجاه الدولة الخليجية التي ثُبت أن حكامها وضعوا أنفسهم في مواجهة مع شعوب المنطقة التي تبحث عن الحرية والديمقراطية بعد عقود من الاستبداد والديكتاتورية، لكنهم كعادتهم لا يأبهون إلى الشعوب وإراداتها، فالمهم هو إرضاء وطاعة السيد الأمريكي الذي فرض التطبيع على ممالك وإمارات الخليج ولا يملك أحد من حكامه أن يعارض.

في مطلع 2019، هاجم الصحفي إيدي كوهين، مستشار مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، ضاحي خلفان، نائب رئيس الشرطة والأمن العام في دبي، وذلك عقب تدوينة كتبها الأخير على حسابه في «تويتر» قال فيها: «لا أهلًا ولا مرحبًا بالسفارات الإسرائيلية في الخليج حتى ولو كانت افتراضية».

رد كوهين على خلفان بسلسلة تدوينات على حسابه في «تويتر» يتهم فيها دولة الإمارات بأنها وراء قتل الأطفال في اليمن وليس إسرائيل، «من هي الدولة الأكثر شرًا وإفسادًا على الأمتين العربية والإسلامية وتحارب إرادة الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، وشغلها الشاغل قمع الديمقراطيات العربية في مهدها، وتحيك المؤامرات والدسائس على الإسلام بالمعنى الاصطلاحي والسياسي في الغرف المظلمة، وعلنًا تقاتل الشعوب العربية؟»، مضيفًا: «هل هي إسرائيل أم الإمارات؟».

وأكمل كوهين هجومه على خلفان وقال: «قتلة أطفال اليمن والصومال يريدون أن يعطوننا درس بالأخلاق.. الإمارات شاركت في مقتل المسلمين في اليمن والصومال ورابعة وفي سرت وفي سوريا وفي أفغانستان وحتى في غزة.. لم تقتل إسرائيل طوال 70 عامًا ما قتلته الإمارات في بضع سنين لفرض الأنظمة الدكتاتورية في العالم العربي».

كان خلفان قد كتب على حسابه بـ«تويتر»: تتوسل إسرائيل قادة الخليج العربي لفتح سفاراتها في بلدانهم.. وجنودها يوجهون فوهات بنادقهم في صدور أطفال فلسطين. وتساءل: «كيف سيكون الرد.. حتمًا لا نقبل بسفاراتكم وأنتم على هذا الأسلوب الطاغوتي».

فرد عليه كوهين قائلًا: «سوف يأتيك أمر أمريكي بفتح السفارات بالخليج.. مثل ما أتاك أمر بإخلاء سبيل 2 من الموساد في دبي عام 2010.. فاترك عنك عنترياتك الواهية». وفي مداخلة تلفزيونية أكد كوهين أن أبوظبي عرابة التطبيع الخليجي، و«هناك رحلة أسبوعية بين تل أبيب وأبوظبي عرابة التطبيع الخليجي».

 تحقق ما بشّر به كوهين قبل عام تقريبًا، وعندما جاء الأمر الأمريكي، وقع حكام الإمارات على بياض وهللوا لفتح بلادهم للإسرائيلين، وفتحوا باب التطبيع لتمر منه دولًا أخرى، فربما تعلن قريبًا قطر والبحرين وعمان والسودان والمغرب عن اتفاقات مشابهة، الأمر مرهون برغبة وإرادة سيد البيت الأبيض.

لا ألوم حكام الإمارات أو مَن سيلحق بهم من دول المنطقة، فمن وارب الباب أمام سلام الخضوع والإذعان هو الرئيس المصري الراحل أنور السادات، الذي وضع 99% من أوراق المنطقة على مائدة السيد الأمريكي، وفاجئ الجميع بإعلانه زيارة القدس المحتلة، ثم دخوله فى مفاوضات سلام منفردة مع العدو الغاصب قبل أن تجف دماء المصريين على خط النار، فأخرج مصر من دائرة الصراع ومنح مبررًا قويًا لقادة العواصم العربية فى اللحاق بركبه، مما جعل العدو يعربد فى المنطقة دون حساب، فسالت الدماء العربية فى بيروت وقانا وغزة أنهارًا، واكتفى العرب ببيانات الشجب والإدانة، ومبادرات لم يلتفت إليها عدوهم، حتى انتهى بنا الحال إلى تطبيع مجاني لم يراع الحقوق ضائعة أو الدماء التي سالت على مدار عقود.

عن أي سلام يتحدث هؤلاء والأرض لا تزال مغتصبة والحقوق لا تزال ضائعة، لا سلام عليهم وعلى مَن سبقهم ومن يتبعهم ليحلق بركاب الزيف.

لا تصالح.. ولو توَّجوك بتاج الإمارة

كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..؟

وكيف تصير المليكَ.. على أوجهِ البهجة المستعارة؟

كيف تنظر في يد من صافحوك.. فلا تبصر الدم.. في كل كف؟

إن سهمًا أتاني من الخلف.. سوف يجيئك من ألف خلف

فالدم الآن صار وسامًا وشارة

رحم الله شاعرنا الكبير أمل دنقل (1940-1983).

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن