صحبة أليف
 
 

#جو عام 

تعال.. خذ حُبًا أيها البشري

طبعًا نحن لا نستبدل الحيوان بالبشر، بل ندعو لتلقي الحنان وتبادل الحب والألفة، لكنها هنا مشاعر مختلفة. فرغم أن الكلاب لا تَحضن، لكنها تجلس أمام البشر، ناظرة إلى الأمام ليمنحها الآدمي فرصة لمعانقتها من الخلف، ولكل حيوان أليف أسلوبه في مبادلة المشاعر.

الإيماءة السابقة واحدة مما نسعى إلى لفت الانتباه إليه بشأن تلك الحيوانات الأليفة، بل نأمل أن يكون كلامنا سببًا في مصاحبة الأليف عمومًا، أو دليلًا يشجع على التورط مع الحيوان أكثر وأكثر، أن ندلك على لذة تذوق حب هذا التواصل، إن كنت لم تذقها من قبل.

لا نخفي عليك -ونحن صرحاء كما عهدتنا- أن الكلاب مثلًا مُعرّضة لمخاطر كثيرة، فما ينتظر تلك المخلوقات المسكينة يتنوع بين أذى أطفال رُبّوا على الإساءة للحيوان، أو كبار يظنون بوجوب معاقبتها لأنها «نجسة»، أو مواجهة العطش والحر صيفًا والبرد شتاءً، والجوع في الفصول كافة، وفظائع أخرى لا نحب إيرادها هنا.

وحتى لا يبدو دليلنا متحيزًا للكلاب التي حلّ يومها العالمي خلال هذا الأسبوع، نوضح أننا ندعو لمصاحبة القطط لتنضم إلى نادي صحبة الأليف وأغلب الناس في هذه المحبة نوعين؛ مفضّلي القطط ومربّيي الكلاب.

بين القط والكلب هناك تشابهات كثيرة، فكلاهما في الأصل من آكلات اللحوم. ثم تطورا واستُئنسا ليغادرا سيرتهما الأولى طلبًا لسكنى البيوت ومصاحبة البشر؛ حدثت طفرة بيولوجية بحق، فقد تحدرت الكلاب من الذئاب، والقطط البرية والكبيرة والمتوحشة.

تقارب صُحبة الكلاب مسؤولية تربية الأطفال، أما القطط فهي منظمة ومستقلة قليلًا، والبشري أليفها -لا العكس- فهي تخرخر حين تريد شيئًا؛ طعامًا، مداعبة. كما طورت نداءً هو المواء ليلبي البشر طلباتها [فهو لا يصدر عن القطط البرية والكبيرة].

الحديث عن الفروق بين القطط والكلاب حين تتآلف معنا في البيوت يطول، لكن خارجها تكون جائعة، فرجاء أن تفرط في بعض مأكلك وتترك لها نذرًا قليلًا يقيم أودها. وهذه أولى درجات تورط الإنسان مع الحيوان أن يخلص له بشكل يومي واضعًا الطعام والمياه، أما أسمى الدرجات فهي تأسيس ملجأ، وبينهما يمكن تربية أو إنقاذ أليف إذا استطاع البشري إلى ذلك سبيلًا.

 في حال إنقاذ / تربية كلب، ننوه بضرورة التعرّف على أمر يخص الرخصة، التي فُرضت خوفًا من انتشار مرض السُعار، هناك جوانب كارثية للمحاولات الحكومية لمواجهة انتشاره، والتي لا نحب إيرادها.

 أما مَن يود إنقاذ أو صحبة القطط فإنها لا تحتاج لرخصة، لكنها تتطلب تطعيمًا، وإرضاعًا إن رُعيت في سن مُبكر.

كلبتنا الخفاشة

أنقذنا كلبة عُمرها أيام اخترنا لها تدليلًا آخر غير اسمها وتصغيره، فنناديها بـ«الكلبة الخفاشة». أسرتنا المسالمة المسكينة شُوهت أجسادها بآثار العض، ونأمّل أن تمر شهور التسنين الأربعة في دورة حياة الكلاب قبل أن نندم على ما أقدمنا عليه. نراها تحك أسنانها في الخشب، الرخام، البلاستيك، تحميها، تبردها، كأنها تسخن قبل أن تطاردنا مجددًا عاضة بلا كلل.

قبل شهرين، عثر كلب تربيه قريبتنا على جرو رضيع حينما كان بصحبتها في تمشية ليلية. وقتها قررنا أن نتبنا هذا الكائن الصغير الجميل ثم تبيّن أنها جروة من الكلاب البلدية.

قررنا تبني الجروة التي عثر عليها الحبيبان، وقتها كانت صغيرة شاهقة البياض، فاختار لها ولدنا اسم «ليلة»، ثم قررنا أن كمالته هي «ليلة هانم بيضا»، فيوم عثرنا عليها شعرنا أن ليلتنا بيضاء فعلًا، ولقب الهانم منحناها إياه في لفتة إلى معيشتها في بيت. مع الوقت بدأ لون آخر يغزو بياضها في مناطق الذيل والأذنين اللتين تمتدا منتصبتين حين تنقلب على قفاها فتشبه الخفاش قليلًا، وهذا ما دعم النداء المُشار إليه عاليًا.

أخذنا الخطوات كاملة، التنظيف، الرضاعة عبر جرعات من لبن بلا دسم، وإمعانًا في مقاربته قوام  ما ينز من ضرع كلبة يُخلط قليلًا بالماء. وفي بعض الخطوات، كان لزامًا علينا أن نقتدي بروح الكلبة الأم، فكما عرفنا الكلبة تلحس بعدما ترضع جرائها أعضائها حتى تسهّل من عمليتي التبول والتبرز، ولأننا لسنا كلابًا، ولا نريد أن نصير، كنا نمرر قماشة مبللة على المنطقتين هكذا تسنى لـ«ليلة» أن تقوم بالمهمة.

كما أجرينا التطعيمات المُقررة، وعلقنا كثيرًا في مرحلة التسنين، ولا نزال.

نحبها.. هكذا نذكر أنفسنا بمشاعرنا، قائلين إنها مرحلة ستمرّ، حتمًا ستمرّ، لقد عشنا ما هو أسوأ. نفعل ذلك ونحن نتأمّلها نائمة، وقتها  تتجمل أكثر، خاصة حين تنقلب على قفاها ويتبدى قليلًا الملمح الخفاشي حين تبسط يديها.

تجلي الدمشقي بين الكتب 

في يوم شديد الحرارة في صيف 2016، ذهبنا إلى سور الأزبكية بحثًا عن بعض الكتب من أجل مشروع كنا نعمل عليه. بينما نحن منهمكين في التفتيش عن العناوين المقصودة بين صفوف لا تنتهي من المطبوعات القديمة، غارقين في بحر من الغبار، سمعنا صوتًا ضئيلًا بالكاد تبيناه كمواء. بحثنا حتى وجدناها تحت أحد الأرفف، وحين رأتنا -أو شعرت بوجودنا، فعيناها أيضًا كانتا بالكاد مفتوحتان- زادت حدة موائها. كانت استغاثة واضحة. سألنا الباعة إن كانت لها أم لا، قالوا إنها لم تظهر منذ أيام. حاولنا استئناف مهمتنا، ولكن لم نتمكن من تجاهل ما قد كُشف لنا. شاهدناها تخطو متخبطة خارج الكشك الصغير، مستكشفة محيطها، جريئة ومرتبكة في آن. تمتلئ أزقة سور الأزبكية بالقطط، تحاول التقرب من إحداها فتهسّ الأخيرة وتتربص لها. تنكمش ثم تقُدم من جديد حين ترحل القطة الكبيرة، يمر موتوسيكل مسرعًا فتأخذ خطوة خائفة إلى الوراء. ستموت حتمًا لو تركناها هنا. طلبنا صندوقًا من البائع، فأحضر كرتونة مطبوع عليها بخط عربي مزخرف: «البداية والنهاية – ابن كثير الدمشقي». نشير إليها الآن كقطة، ولكننا حينها لم نكن نعلم، إلا أننا قررنا أن نسميها «الدمشقي» في كل الأحوال، وحين تيقنا بعد زيارتنا الأولى إلى العيادة البيطرية أنها بالفعل «هي»، خففنا الاسم ليكون «ديميشكي»، وهو ما نناديها به إلى الآن (ولكن اسمها الرسمي مازال «الدمشقي»). نعم، هي لا تزال معنا، وعمرها الآن أربعة أعوام (32 عامًا بالمعايير البشرية)، لكن الأمر لم يكن سهلًا. لم تكن قد أكملت أسبوعين حين أتينا بها إلى المنزل، مما يعني أنها كانت لا تزال في سن الرضاعة. نطعمها كل أربع ساعات باستخدام «سرنجة» تحتوي على 5 ملليلتر من مزيج وصفه لنا الطبيب: لبن خالٍ الدسم وبياض بيضة وفيتامين أطفال. نملأ قربة بمياه ساخنة ونلفها بمنشفة صغيرة كي تنام عليها، فجسدها غير قادر بعد على ضبط درجة حرارته بشكل تلقائي، لأن القطط تعتمد عادةً في هذه السن على الأم للحصول على الدفء. ندلك أعضائها كي تتمكن من الإخراج بعد كل وجبة. تكبر وتبدأ في تسلق جدران الصندوق بمفردها، ثم تنطلق في الحجرة. وهنا تبدأ المهمة الأصعب: ترسيم الحدود بينها وبين محمود مرسي، قطنا الأقدم، والذي يقف رابضًا وراء الباب، مستشعرًا الخطر الذي هبط من السماء فجأة ليهدد مملكته وإن لم يكن يراه. علينا ألا ندعها تخرج، ولا أن يدخل هو. ننجح في البداية، بينما تتعود هي على الـ«دراي فوود» واستخدام طبق الرمل الذي وضعناه في أحد أركان الغرفة. تتعثر بعض الشيء في عملية الشُرب، تغمس وجهها الصغير بأكمله في طبق الماء، ولكن تتمكن من الأمر تدريجيًا. تبدأ في التسنين وتجعل من أيدينا وأرجلنا فرائسًا لها، فنترك لها الغرفة بأكملها وننام في الصالة. نسهو ذات يوم فيستفرد بها محمود، وتختبئ لساعات تحت السرير. تخرج وقد تجلط الدم حول عينها اليسرى. نأخذها إلى الطبيب، نصارع شعورنا بالذنب، ونواظب على تقطير الدواء في عينها ثلاث مرات كل يوم لمدة أسبوع، رغم المقاومة الشرسة. نتعلم، تتطور وتتعقد أساليبنا في الفصل. فشلنا في جعلهما صديقين، ولكن لكل منهما الآن منطقته في البيت التي لا يقربها الآخر سوى كل حين. الوضع تحت السيطرة. أو هكذا يبدو الأمر أحيانًا. مسكين من يستخدم تعبير «مالكي القطط»؛ فالقطط لا يَملكها أحد.

هناك أمور كثيرة غامضة عن الحيوانات الأليفة لذا يفضّل أن تربيها حتى تسبر أغوارها، يمكن متابعة حسابات على مواقع التواصل لتبني الكلاب، منها المهتم بالبلدية، وقبل السلام نرشح للمتابعة هذا الموقع.

و#سلام

*اعتمدنا على حكايات مُربّيي ومنقذي حيوانات أليفة، ثم اتفقنا على عدم وضع أسماء بشر في دليلنا.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن