وما العيب في السلام؟

منذ الإعلان عن الاتفاق بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، تتردد أصداء تهنئة النفس القلبية لنظاميّ حكم دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو دون أي انتقاد من جانب أغلبية الطبقة السياسية الأمريكية والخبراء الذين يكررون وجهات نظرهم. لقد امتدحت مؤسسة الحزب «الديمقراطي» بأكملها هذا الاتفاق، بعد رفضها -مؤخرًا- مجرد السماح بعبارة مُهدئة عن احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية داخل منصة الحزب. في الوقت نفسه، جرى تجاهل أو رفض رد الفعل الغاضب من جانب الفلسطينيين والعالم العربي ككل، وهو أمر لا يُثير أي دهشة.

لماذا قد يكون أي شخص معارضًا للتطبيع والسلام؟ لماذا لا ينبغي للخصوم السابقين أن يناقشوا اختلافاتهم ويصلوا إلى تفاهم ما؟ لو كانت الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل هما البطلتان الرئيسيتان في الصراع العربي-الإسرائيلي، فربما كانت هذه الأسئلة لتغدو أسئلة منطقية. لكّن هاتين الدولتين، اللتين يفصل بينهما 1200 ميل ولا يتشاركان أي حدود، لم تكونا خصمتين قط، ولم تكن بينهما حرب قط. في الحقيقة، لقد كانتا لزمن طويل حليفتين حميميتين سرًا، مع قيام شركات إسرائيلية مثل «رافاييل» لأنظمة الدفاع المتقدمة (تحت غطاء من الشركة الأمريكية «رايثيون») بتزويد الإمارات بالدفاعات الصاروخية.

أغلب السياسيين الأمريكيين، الجمهوريون والديمقراطيون، بالإضافة إلى المعلقين الإعلاميين، يتغاضون متعمدين عن هذه الحقائق، وعن حقائق أخرى كثيرة. إحدى هذه الحقائق هي أن هذا الاتفاق بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، والمقصود به في المقام الأول تهديد خصمهما المشترك إيران، مقصود به أيضًا -على الأقل من جانب إسرائيل والولايات المتحدة- إضعاف الفلسطينيين؛ الشعب الذي يخوض بالفعل صراعًا مع الدولة الإسرائيلية التي تتمتع بالسيطرة المطلقة عليه. إن هذه الصفقة امتداد لسياسة أمريكية قديمة تعمل على استخدام الاتفاقات الفردية بين إسرائيل والدول العربية ونموذج «السلام الاقتصادي» الذي يروّج له نتنياهو منذ وقت طويل لزيادة إضعاف وعزل الفلسطينيين وإصابة العروبة بالوهن. هذا الاتفاق أبعد ما يكون عن المساعدة في خلق السلام، بل هو يفاقم المعركة الحقيقية بين العرب والإسرائيليين، المعركة الأصلية، المعركة الدائرة حول فلسطين، عن طريق تقوية الطرف الظالم، وفي نفس الوقت تمكين نتنياهو من الاستمرار في التهرب من السلام الحقيقي، بينما يقوم بتوسيع الاستيطان وزيادة ترسيخ الاحتلال العسكري.

ثمة حقيقة أخرى يجري التغاضي عنها؛ ألا وهي أن هذا ليس اتفاقًا بين إسرائيل و«العرب». إنه اتفاق بين إسرائيل، دولة فصل عنصري استيطانية استعمارية، وحاكم مطلق لنظام ملكي لا يتمتع بالشرعية الشعبية ولا بقبول محكوميه. إن حكام الإمارات العربية المتحدة وزملاءهم من مُستبدي الخليج العربي في السعودية والبحرين وعمان هم حكام مطلقون لدرجة تجعل هنري الثامن ولويس الرابع عشر يبدوان أشبه بتوماس بين وروبسبيير*. لكن الرأي العام العربي، المقموع بوحشية على يد هؤلاء، وغيرهم من الأنظمة غير الديمقراطية عبر المنطقة (كثير منها مدعوم بإمدادات هائلة من الأموال السعودية والإماراتية)، هو في الحقيقة داعم لنضال التحرر الفلسطيني، وشديد الانتقاد لإسرائيل، كما يظهر في استطلاعات الرأي العام المتكررة.

ثالثة الحقائق أن طرفي هذا الاتفاق وقابلته، إدارة ترامب، هم معارضون أشداء للديمقراطية في العالم العربي؛ لأن انتشار الحكم الديمقراطي لن يؤدي فقط إلى إسقاط هذه الممالك المُطلقة التي تستفيد منها شركات السلاح والنفط الأمريكية فائدة هائلة، بل سيجعل الحكومات العربية أيضًا على خط واحد مع دعم شعوبها للفلسطينيين. ومن منطلق رغبتهم في الحفاظ على سلطتهم غير المقيدة ومكاسبهم غير الشرعية المسروقة من شعوبهم، يحارب حكام الخليج الكلبتوقراطيون** بشكل طبيعي الاتجاهات الديمقراطية ويدعمون الديكتاتوريات في جميع أنحاء العالم العربي. فعلوا ذلك في مواجهة الربيع العربي عام 2011، ومازالوا يفعلون هذا، على نحو جليّ في السودان؛ حيث يدعمون القوات المسلحة نفسها التي كانت مسؤولة عن فظائع يعف اللسان عن ذكرها في دارفور وغيرها. بالفعل تذكرنا الرياض وأبو ظبي تمامًا بسان بطرسبرج وفيينا عندما واجهتا الانتفاضات الثورية العظيمة عام 1848؛ عاصمتان توأمتان في الاستبداد ورد الفعل.

أخيرًا، فإن قمة الرياء تتجلى في استخدام كلمة «السلام» لوصف هذه الصفقة التي رتب لها وانعقدت بين دعاة حرب. أحد طرفي اتفاقية «السلام» تلك يحاصر ويقصف غزة دون توقف، وقد أبقى ملايين الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال العسكري ونظام فصل عنصري لأكثر من سبعين عامًا، وقصف ثمان عواصم عربية طوال نفس الفترة. أما الطرف الآخر، الإمارات العربية المتحدة، فهي تخوض منذ وقت طويل حربًا لا هوادة فيها في اليمن وليبيا، اللتين عانى شعباهما بشدة من تدخلاتها وتدخلات كل من حلفائها وخصومها. فاليمن، واحدة من أفقر الدول ماديًا في العالم العربي، لكنها من أغناها ثقافيًا، قد تعّرضت لقصف وحشي بأسلحة أمريكية المصدر، وتمّ الدفع بها إلى حافة المجاعة الشاملة والانهيار نتيجة لذلك. في الوقت نفسه فإن الولايات المتحدة -الأب الروحي لهذا الاتفاق- مازالت تخوض في أفغانستان أطول حرب في التاريخ الأمريكي، وتحتفظ بقوات في أدوار قتالية داخل سوريا والعراق (والأخيرة قد تعرّضت بالفعل لدمار كبير نتيجة لغزوين أمريكيين دمويين ونظام عقوبات إجرامي) وتحت حكم ترامب قامت دون توقف بدفع إيران في اتجاه الحرب.

لا شيء يستدعي الاحتفال به في هذا الاتفاق. على العكس تمامًا، ستحق الاحتفالات فقط عندما يلوح في الأفق سلام قائم على العدل والمساواة الكاملة في الحقوق بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ولن يغدو هذا ممكنًا إلا عندما يتوقف العالم العربي عن أن يكون ناشزًا عن العالم ويدخل في الخط مع كثير من بقية دول العالم فيما يتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان، مُنهيًا بذلك ليل الأوتوقراطية الحالك المتغذي على سواد النفط، وقمع الدولة البوليسية، والحرمان من الحقوق، الذي رزح أسفله العالم العربي لزمن أطول من اللازم. وقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية، رغم كل كلامها عن الديمقراطية والسلام، طوال هذا الوقت هي الخادمة الأمينة لهذا النظام الإقليمي الأشد عداءً للديمقراطية وحبًا للحرب، والذي تشكل إسرائيل فيه جزءًا مركزيًا.

* توماس بين Thomas Paine (1737-1809) ثوري وناشط ومنظّر سياسي ومفكر أمريكي من أبرز فلاسفة عصر التنوير في الولايات المتحدة ومن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة.

** الكلِبتوقراطية هو مصطلح يعني نظام حكم اللصوص. وهو نمط الحكومة الذي يراكم الثروة الشخصية والسلطة السياسية للمسؤولين الحكوميين والقلة الحاكمة، الذين يكونون الكلبتوقراط، وذلك على حساب الجماعة، وأحياناً دون حتى ادعاءات السعي إلى خدمتهم. واللفظ مركب من مقطعين يونانيين؛ أولهما “كلبتو” بمعنى لص، وثانيهما “قراط” بمعنى حُكم.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن