لذكرى العزيزة داليا سليمان: الصديقة والناشطة الثقافية وعاشقة القطط
 
 

كانت داليا سليمان ناشطة في المشهد الثقافي المصري طوال ما يقرب من عقدين عندما رحلت عنا في 16 أغسطس الجاري، بعد صراع لمدة ثلاث سنوات مع مرض السرطان.

وُلدت داليا ونشأت في الإسكندرية، وتخرجت من كلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية، وبدأت مشوارها المهني بالعمل في مكتبة الإسكندرية، قبل أن تنتقل إلى القاهرة عام 2005. قضت عامًا عملت خلاله في مساحة استوديو عماد الدين للفنون الأدائية قبل أن تنتقل إلى «التاون هاوس» عام 2006، حيث عملت ثلاث سنوات مديرة لمكتب المؤسسة. بعد ذلك انضمت إلى فريق عمل (زيرو برودكشن)؛ وهي شركة إنتاج مستقلة أسسها المخرج السينمائي تامر السعيد، حيث اكتسبت ما يكفي من الخبرة والاهتمام بعملية صناعة الأفلام ليجعلها تقضي عامًا من العمل الخاص كمنتجة للعديد من الأفلام الوثائقية. في عام 2013، تولت منصب المديرة الإدارية لـ«مركز الصورة المعاصرة»، حيث لعبت دورًا حيويًا في صقل وصياغة إطار العمل الذي ما زال المركز يعمل وفقًا له حتى اليوم. ومنذ عام 2016 حتى وفاتها، عملت داليا كرئيسة لمكتب «بروهلفتسيا» (المؤسسة الثقافية السويسرية) بالقاهرة، حيث سعت لاستغلال سنوات خبرتها والعلاقات العديدة التي اكتسبتها لخلق شراكات جادة بين الفنانين والمؤسسات في مصر ونظرائهم في سويسرا.

داليا، بطلة الفنون المتفانية، كرست حياتها للجانب اللوجيستي والإداري من عملية الإنتاج الثقافي، وهو الدور الذي غالبًا ما يجري إغفاله، لكنه مع ذلك دور جوهري من أجل استدامة هذا القطاع الثقافي وأي قطاع آخر. وقد ترك التزامها وحماسها أثرًا لا ينمحي على المؤسسات التي عملت بها، والناس الذين تعاونت معهم، وعلى مشهد الفنون المستقلة ككل.

تركت داليا وراءها أخًا وأختًا، وأبنائهما، وثلاث قطط*، وإحساسًا مريرًا بالفقد. كانت في الواحدة والأربعين من عمرها.

داليا سليمان

هنا نتحدث مع بعض أصدقاء وزملاء داليا حول حياتها وعملها، وكيف أثرت على حياتهم وعملهم.

منى داود: «كانت ترى الأفضل في الناس، وتشجعه. كانت تسمح للفن بالنمو»

منى داود الكاتبة وصانعة الأفلام قابلت داليا لأول مرة في عام 2003، عندما كانت كل منهما تعمل في مكتبة الإسكندرية. تتذكر منى: «كنت باحثة وكانت هي أمينة مكتبة وفُتنتُ بشعرها المموج الأرجواني والقرط الصغير الذي يثقب أنفها. ذات يوم قبل إجازة ما كنا نغادر المكتبة ودعتني إلى الذهاب معها هي ومجموعة من الأشخاص الآخرين إلى سيوة، ولم أتردد، رغم أننا لم نتحدث في الحقيقة كثيرًا قبل ذلك؛ كنا فقط تناولنا القهوة سويًا بضع مرات في الكافيتريا».

تقول منى إن هذه الرحلة كانت نقطة تحول في حياتها، حيث تعرفت فيها على الأشخاص الذين سيصبحون لاحقًا أقرب أصدقائها، مع داليا، مكونين أعضاء مجموعة تحمل اسم (المكتبة السرية)، وهي جزء لا يتجزأ من حياتها وحياة داليا.

«مخيمين في الصحراء ليلًا حول النار، نحدق في النجوم – هكذا بدأت علاقتنا، منذ 17 عاما».

بعد عام أو اثنين، ودون الكثير من التخطيط الجماعي، انتقلت داليا ومنى -وكذلك أعضاء آخرون في المجموعة- إلى القاهرة، حيث استمرت صداقتهم في النمو. تتذكر منى شقة داليا الصغيرة في وسط البلد، التي أنفقت الكثير من الوقت والجهد في تزيينها وتصميم ديكوراتها: «كان في داخلها مصمم ديكور، وقد حولت الشقة إلى ملاذ لكثير من الناس، واعتدنا على الذهاب إلى هناك والبقاء أوقات طويلة، كنا نسميه «البنسيون» – كانت تحب إقامة تجمعات لتناول الجبن والنبيذ، وكانت تحب تعريف الناس ببعضها البعض». تقول منى: «لقد عرفّتني على عدد كبير للغاية من الفنانين؛ شبكة عمل بدأت تزدهر للتوّ. كانت لديها عين مدهشة لديها القدرة على التقاط الناس، الناس الحقيقيون ذوو المواهب الحقيقية».

منى وداليا في الإسكندرية

تحكي منى كيف أن واحدًا من أكثر الأشياء الملهمة في داليا هو أنها متى قابلت أحدًا لديه إمكانية ما كانت تبذل أقصى جهدها لتقدم له أو لها كل أنواع الدعم التي يمكنها تقديمها: «كانت ترى الأفضل في الناس، وتشجعه. كانت تسمح للفن بالنمو».

تقول منى إن هذا الميل الشخصي لدى داليا، كان أيضًا جزءًا مما جعلها تبرز وتتميز في ممارستها كمديرة ثقافية. تقول منى متأملة: «كانت بارعة للغاية فيما تفعله. متبصرة وبعيدة النظر، وكان لديها انضباط ذاتي شديد، وعندما مرضت لم تتوقف عن العمل. احتفظت بالأمر سرًا طوال ثلاث سنوات، لأنها لم ترغب في أن يؤثر هذا على العمل؛ إلى هذا الحد كانت أخلاقياتها في العمل قوية». تكمل منى متذكرة كيف ظلت داليا مركزة ومنظمة طوال هذا الوقت: «كانت تأخذ العمل معها إلى جلسات العلاج الكيماوي، كانت تعمل في البيت، وكان تجعل أيام مرضها في أيام عطلتها؛ كان كل شيء مرتبًا».

تتحدث منى بحنان عن حب داليا للقطط، وكيف بدأ كتقدير رقيق لهذه المخلوقات ثم انتقل ليصبح شغفًا كبيرًا لديها، حيث بدأت في إنقاذ القطط من شوارع القاهرة، والاهتمام بالحيوانات الضالة أينما عملت ومقاتلة من أجلها «كمحاربة، كناشطة». تقول منى إن داليا أثناء عملها في «بروهلفتسيا» كانت تطعم القطط في الحديقة، وتحميها، وقامت بتجنيد طاقم الأمن كي يعتنوا بها، وجعلت من الممكن لها البقاء رغم اعتراضات بعض الناس. تقول منى متأملة: «أعتقد أن القطط تمثل داليا بطريقة ما. فالقطط قد تبدو مكتفية بذاتها، بينما في الواقع هي مخلوقات مُحبة جدًا وجميلة ولديها ولاء شديد، وهي السمات التي كانت عليها داليا».

تقول منى عن صديقتها الراحلة: «كان لديها حس دعابة مدهش، لم أضحك قط مع أي شخص مثلما ضحكت معها. وكان لديها ذوق فريد في الأفلام، وكانت دائمًا تنتقي الأفلام التي نراها معًا. كانت مشاركتها في تذوق الفن متعة». ثم تضيف: «فقدها كصديقة شيء، لكن فقدها كشخصية ثقافية وفنية أمر فادح، وأنا لست منحازة على الإطلاق. يمكنك رؤية هذا في كلمات كل من عمل معها. لا أستطيع وصف الخسارة».

داليا في منزلها

عادل عبدالوهاب: «قوتها وشجاعتها كانتا استثنائيتين»

المخرج المسرحي عادل عبدالوهاب، صديق داليا وزميل سكندري. تقابلا عام 2017، عندما تقدّم عادل لـ«بروهلفتسيا» من أجل رحلة بحثية في سويسرا أثناء قيامه بتنظيم نسخة من مهرجان «لازم مسرح» السنوي، الذي قام بتأسيسه، وكانت داليا ترأس «بروهلفتسيا» وقتها. وبرعاية المؤسسة، شارك عدد من الفنانين السويسريين بعملهم في نسختي 2018 و2019 من المهرجان.

يقول عادل إن «العمل الثقافي في مصر، خاصة في القطاع المستقل وبالأخص في مجال الفن المعاصر، غير مستقر إلى حد كبير بسبب عدد من العوامل، تشمل التشريعات والاستدامة المالية ونقص المساحات الثقافية متعددة الأغراض. وكانت داليا، بسنوات عملها في المشهد، واعية طبعًا بهذا، وفي الفترة التي ترأست فيها مكتب «بروهلفتسيا» في القاهرة، أظهرت إقدامًا مميزًا تجاه المشاريع النامية المتمركزة حول التبادل الثقافي وبرامج الإقامة الفنية بين مصر وسويسرا، لأنها كانت تعرف أن مثل هذه الشراكات ستساعد الفنانين المصريين العاملين دون بنية تحتية مناسبة».

ولأن داليا كانت تعرف المشهد المحلي بشكل جيد للغاية، والأهم أنها كانت تؤمن به؛ يقول عادل إنها رأت أيضًا الفائدة التي يمكن للفنانين السويسريين المتعاونين أن يجنوها من تعرفهم على هذا المشهد. «تأثيرها واضح في الطريقة التي غدا بها فريق «بروهلفتسيا» طوال السنوات القليلة الماضية أكثر انخراطًا في المشهد الفني، خاصة فيما يتعلق بفنون الأداء والفنون البصرية وكذلك بالموسيقى. لقد شاركوا في العديد من الأحداث المختلفة سواء في القطاعين الثقافيين الرسمي والمستقل، وتحت قيادتها المتبصرة دخلت المؤسسة  في شراكات حقيقية وقوية».

يتحدث عادل عن طموح داليا، وكيف أنها كانت تتوق لتطوير مشاريع أكثر على النطاق الإقليمي، في شراكة مع مؤسسات فنية عبر العالم العربي والشرق الأوسط. «كانت خبرتها العملية والمنهجية لا تقدر بثمن، وكان لديها شغف هائل بالفنون». ويتابع: «من المؤلم الحديث عنها الآن؛ أشعر بالعجز. كانت إنسانة مدهشة، معطاءة جدًا، وكان لديها حب لا نهائي للحياة. قوتها وشجاعتها خلال صراعها الطويل مع المرض كانتا استثنائيتين وملهمتين فعلًا».

داليا في مكتبها ببروهلفيتسيا مع قطتين كانت تعتني بهما

تامر السعيد: «كانت منفتحة وكريمة، ولديها الـ’دي إن إيه’ المناسب لهذا المشهد الثقافي الخاص»

التقى المخرج السينمائي تامر السعيد بداليا قبل أن تنضم إلى الشركة (زيرو برودكشن) عام 2009، لكن خلال فترة عملها طوال ثلاث سنوات كجزء من فريق إنتاج الشركة وكعضو في طاقم عمل فيلمه آخر أيام المدينة (2016) تعرف السعيد فعلًا على داليا وأدرك قيمتها كزميلة وصديقة.

يقول السعيد: «أحد الأشياء المؤثرة بشدة فيما يتعلق بداليا هو رغبتها التي لا تهدأ في التعلم واختبار الأشياء الجديدة؛ كانت تتطور دائمًا. عندما أفكر في الأمر الآن أشعر ببعض الحزن، أنها كانت وكأنها تعرف بطريقة ما أن فترة وجودها هنا ستكون قصيرة، لذا لم ترد أن تضيعها، أرادت أن تفعل كل شيء».

يذكر السعيد مهارات داليا التنظيمية «الآسرة والاستثنائية»، والتي سمحت لها بتولي مسؤولية مشروعات مختلفة أثناء عملها في شركة (زيرو برودكشن)، والمشاركة في عملية تأسيس مركز سيماتيك (الذي شارك السعيد في تأسيسه)، والإسهام أيضًا في الفيلم بجهود مختلفة كعضوة في فريق العمل. يتذكر تامر: «كانت تؤدي شيئًا وتعرض القيام بآخر في الوقت نفسه، مثل الالتحاق بقسم الملابس في الفيلم مثلًا، وكانت تؤدي العمل بروح من الحب والعطاء. كانت منفتحة جًدا على التجريب. كما عملت أيضًا على الصور الفوتوغرافية للفيلم، وقد جلب هذا طاقة معينة معها، فقد طورت حبًا للتصوير الفوتوغرافي استمر معها لوقت طويل بعد ذلك».

يؤمن السعيد أن هذا الانفتاح كان جزءًا من الميزات التي جعلت داليا منسجمة هكذا مع المشهد الثقافي للمدينة. ويقول: «لقد اعتقدت دائمًا أن العمل في هذا المشهد.. المشهد الثقافي ‘المستقل’ أو أيًا كان ما ندعوه به، الدوائر العازمة على خلق بدائل تتحدى السردية المهيمنة أو ‘الرسمية’، يتطلب ‘دي إن إيه’ معينًا. وكان واضحًا لي منذ اليوم الأول أن داليا تمتلك هذا الـ’دي إن إيه’، بكل الأشكال الحقيقية والقوية. لهذا كانت قادرة على العمل على الكثير من المشاريع المختلفة مع هذا العدد الكبير جدًا من الفنانين، وأن تراكم ثروة من الخبرة التي سمحت لها بتطوير رؤية تمكنت من استخدامها في خدمة الاحتياجات الحقيقية لهذا المشهد عندما رأست مكتب ‘بروهلفتسيا’ في القاهرة».

ما يحترمه السعيد أيضًا في داليا هو أن إخلاصها للمشهد الثقافي كان اختيارًا واضحًا قامت به، رغم الفرص العديدة لتوجيه حياتها إلى اتجاه مختلف. «كان يمكنها ببساطة أن تعمل في شركات كبيرة أو سفارات أو أي مكان آخر، حيث كانت ستتلقى أجرًا أكبر بكثير مما كانت تتلقاه من العمل في المؤسسات الثقافية المستقلة، لأن أيًا من هذه المؤسسات لم تكن لديه الموارد التي تعوضها بنفس الطريقة»، يقول السعيد موضحًا: «لكن الحقيقة أنها حتى لم تضع هذا في اعتبارها قط، رغم أني أعرف أنها تلقت الكثير من العروض، لكن كان واضحًا لها دائمًا ما كانت تفعله هنا، وهذا الوعي بأهمية دورها في المشهد الثقافي كان مدهشًا جدًا، وهو شيء يثير إعجابي بالفعل، خاصةً أن هذا كان قبل 2011 بوقت طويل، أي قبل أن ينمو المشهد ويقدّم وعودًا أكثر سخاءً لهؤلاء الذين عملوا فيه».

كصديقة، كانت داليا صديقة نادرة، كما يقول السعيد. يتذكر حادثة منذ عشر سنوات عندما استخدمت فريق المونتاج في شركة زيرو برودكشن لعمل فيديو كهدية لأصدقائها، فيديو مكون من لقطات تذكارية كثيرة لهم معًا طوال سنوات. كانت نفس المجموعة التي التقت بالعمل في مكتبة الإسكندرية قبل سنوات؛ آنذاك كانوا يعيشون في أماكن مختلفة حول العالم لكنهم جعلوها عادة لهم أن يلتقوا مرة واحدة كل عام على الأقل «ليمارسوا حميميتهم» كما صاغها السعيد، وفي تلك المرة كانوا يقضون رأس السنة في راس سدر، حيث عرضت داليا عليهم الفيديو. يتذكر السعيد: «كنت محظوظًا بما يكفي لأن أشهد هذه اللحظة حيث انضممت إليهم لجزء من الرحلة، وكان هذا جميلًا لأنهم تأثروا جميعًا بشدة. كانت كريمة إلى هذا الحد، ولم تستغل الأمر لتقوم بأي استعراض، في الحقيقة كانت أحيانًا حادة أكثر من اللازم، رغم أنه كان لديها دائمًا نوايا طيبة، لكن بعد ذلك كانت طبيعتها الرقيقة المحبة تشرق في إيماءة مثل هذه».

يقول السعيد متأسيًا: «أنا حزين للغاية لأن رحلتها الملهمة هذه انقطعت. وأنا واثق أن كل نجاح كانت ستحققه كان سينعكس على المشهد بأكمله، لأنها كانت تملك فهمًا حادًا ودقيقًا بدورها كمديرة ثقافية، وهو ما مكنها من خلق الشروط والمساحة التي سمحت للفنانين بأداء عملهم. ما زلت لا أستطيع أن أصدق أنها رحلت، خاصةً أنها أبقت حقيقة أنها مريضة غير معلنة لوقت طويل جدًا؛ وهو دليل آخر على نبلها وقوتها».

داليا خلال إحدى رحلاتها في رأس السنة مع أصدقائها

أدهم بكري: «كانت عملاقًا في المشهد الثقافي، لكن عملاق صامت»

قضى فنان الجرافيك أدهم بكري ثلاث سنوات يعمل مع داليا في «التاون هاوس»، حيث شغلت منصب مديرة المكتب. وقتها بدأت صداقتهما الدائمة وشراكتهما الاحترافية. يتذكر بكري: «كانت جادة جدًا عندما يتعلق الأمر بعملها، وانتقادية جدًا؛ ولم تكن تقوم بأي مجاملات. طوال الثلاث سنوات التي قضيتها في «التاون هاوس» لم تقل لي إلا مرة واحدة أو مرتين فقط: ’شغل حلو يا بكري. لكني استفدت كثيرًا من هذا، فقد كان لها تأثيرًا مذهلًا على عملي؛ لأنها كانت تمتلك عينًا مدهشة وكانت فنانة هي نفسها».

في السنين التي تلت ذلك، كان بكري وداليا كثيرًا ما يباشران مشروعات فنية معًا، من الرسم إلى أعمال الكولاج، وكانت داليا أحيانًا تلحقه بالعمل كمصمم جرافيك بالقطعة للمؤسسات التي عملت بها. «كانت أمينة جدًا، ومعطاءة جدًا. وهي أيضًا السبب في إقامتي لمعرض فردي في ‘التاون هاوس’ قبل ذلك في عام 2008، لذلك فهي بشكل ما صنعت مسيرتي المهنية».

يلاحظ بكري أن مهارات داليا الإدارية قد امتدت إلى حياتها الشخصية. يقول: «لقد وضعَت الجميع في مواقعهم الصحيحة وجعلتهم يعملون، يمكنك أن تري هذا في الطريقة التي وضعت بها ديكورات شقتها مثلًا. كانت تحب تجميع الناس ودعوتهم إلى العشاء وتخطيط الحفلات الراقصة حتى أدق التفاصيل. وكانت راعية؛ تقضي الوقت منصتة إلى مشكلاتنا ومحللة لها، وكانت نصيحتها دائمًا في محلها. كانت أُمُنا الحاكمة، حتى أني بشكل ما أشعر وكأني فقدت أمًا».

يستمر في الحديث عن مرونة داليا: «طوال سنوات عملها في المجال واجهَت الكثير من الصعوبات، لكنها لم تتوقف قط، لم تندب حظها قط، لم تقل إنها متألمة قط، استوعبت كل هذا وكانت دائمًا مسيطرة. كانت عملاقًا في المشهد الثقافي، لكن عملاق صامت.. ». يقول بكري متذكرًا: «كانت إنسانة شديدة الخصوصية، ولهذا أيضًا أبقت حالتها المرضية سرًا. إنها أقوى امرأة عرفتها».

داليا مع رمسيس، كلب ضال صادقته أثناء عملها في «التاون هاوس»

أندريا تال: «كانت تفهم عملها بوصفه ممارسة من أجل مجتمعها»

انضمت الفنانة أندريا تال والقيّمة الفنية إلى «مركز الصورة المعاصرة» كمديرة فنية خلال فترة عمل داليا سليمان كمديرة إدارية للمركز. تقول أندريا: «ما سيبقى بالفعل معي في ذاكرتي هو الطريقة التي كانت تكافح بها بإصرار من أجل مشهد ثقافي ليس نخبويًا بل أكثر انتشارًا على نطاق واسع، شيء يمكن لمزيد من الناس أن يفهموه وأن يكونوا جزءًا فعالًا منه. كانت بالفعل تفهم عملها كشيء تفعله من أجل المجتمع المحلي، ومع كل مشروع كانت دائمًا تطرح ذلك السؤال: ماذا يجلب للمجتمع المحلي؟ وأعتقد أن هذا كان شيئًا جميلًا فعلًا».

حسين الحاج: «كثير مما يُكوّن المشهد اليوم بُني بجهود أشخاص مثلها»

المترجم والمدير الثقافي حسين الحاج تعرّف على داليا خلال عمله كأمين مكتبة في «مركز الصورة المعاصرة» عندما كانت المديرة الإدارية للمركز. يقول حسين: «كنت أقدم تقاريري لها ولأندريا، وقد خلق حضورهما معًا نوعًا خاصًا من التوازن. كان لدى داليا اهتمامًا مميزًا بالإدارة، وقد نظمت مرة ورشة إدارة للفريق، واعتادت أن تحفزنا على تدوين الأفكار ومساعدة كل واحد منا على تحديد دوره داخل المركز – كانت دائمًا تفعل أشياء كهذه».

أكثر ما يُقدّره الحاج في داليا هو كيف منحته المساحة كي ينمو، رغم أنه لم تكن لديه الكثير من الخبرة عندما تقدّم لوظيفة أمين المكتبة في «مركز الصورة المعاصرة». في ذلك الوقت، كان الحاج يعمل هناك بدوام جزئي إلى جانب عمله في وظيفة أخرى بمعهد القاهرة للفنون والعلوم الحرة (سيلاس)، ويتذكر كيف كانت داليا داعمة لمسؤولياته المزدوجة. يقول: «لم يبدُ عليها قط أنها منزعجة من التزامي تجاه سيلاس، في الحقيقة كانت دائمًا تسأل عن عملي هناك وكيف يسير، وكانت حتى تسمح لنا بعقد فصول في المكتبة أحيانًا. لقد رأت شيئًا فيّ وشجعتني على ملاحقته، ومكنتني من حضور تدريبات لها علاقة بإدارة المكتبة، مثلًا، أرادت لي أن أتعلم، أن أعمل على نفسي».

يسلط الحاج أيضًا الضوء على إحساس داليا بالمسؤولية تجاه المشهد والتضامن مع المؤسسات الأخرى. يقول: «أتذكر اليوم الذي حدث فيه انهيار جزئي لمبنى التاون هاوس، كانت واحدة من أوائل الناس الذين وصلوا إلى هناك، لتقف إلى جانب ويليام (ويلز، شريك مؤسس للتاون هاوس) وتعرض المساعدة. كانت حاضرة دائمًا ومشاركة. أكثر ما يؤلم في رحيلها هو معرفة أن كثيرًا مما يُكوّن المشهد الثقافي اليوم بُني عبر جهود أشخاص مثلها».

نهلة سليمان: «كان بابها مفتوحًا دائمًا، للبشر والقطط على السواء»

كانت نهلة سليمان مديرة الاتصالات والعلاقات العامة لـ«بروهلفتسيا» تعمل مع داليا لأكثر من ثلاث سنوات قبل رحيلها. تتحدث نهلة عن شغف داليا بعملها، وكيف امتد التزامها ليتجاوز المشهد الثقافي المصري ويشمل العمل الثقافي عبر المنطقة العربية، تقول: «كانت تعمل بجد كبير لتوسيع شبكة عملنا من الشركاء في البلاد العربية الأخرى؛ وكانت تقوم دائمًا برحلات عمل في المنطقة لتقوية شراكاتنا الموجودة ولبناء شراكات جديدة. وكانت دائمًا مضيفة كريمة للفنانين السويسريين المهتمين بالمنطقة».

بشكل طبيعي، تذكر نهلة أيضًا علاقة داليا الخاصة بالقطط، حيث كان مقر «بروهلفتسيا» هو المكان الذي وصل فيه حبها للقطط إلى ذروته. تقول: «اعتادت أن تعتني بها وأنقذت الكثير منها. أنشأنا معًا رابط هاشتاج لنضع صور القطط عليه: #CatsOfProHelvetia. كان بابها مفتوحا دائمًا، للبشر والقطط على السواء».

داليا تطعم القطط في حديقة «بروهلفتسيا»

* قطط داليا: ﭬيزا، كوكو، سلفادور (صورهم موجودة بالأسفل) تبحث حاليًا عن بيوت. إذا كنت مهتمًا أو تعرف شخصًا مهتمًا بتبني قط (أو اثنين أو ثلاثة) أرسل من فضلك على: [email protected]

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن