من «التعليم» لـ«النقاشة» ومن «السياحة» لـ «السمسرة».. هذا ما فعله «كورونا» بسوق العمل
 
 
صورة أرشيفية
 

كانت هدير* (25 سنة)، حاصلة على ليسانس ألسن، تعمل موظفة استقبال في قسم الترفيه بفندق في التجمع الخامس بعقد عمل لمدة عام حصلت عليه في مايو 2019.

هذه الوظيفة وفرت لها خلال هذا العام عددًا من عناصر الأمان الوظيفي مثل التأمين الصحي، وتنقلات، ووجبات أثناء فترة العمل. ونص العقد على الراتب الأساسي 1400 جنيه قبل خصم التأمين والضرائب، وكان إجمالي الأجر يصل إلى حوالي أربعة آلاف جنيه بإضافة نسبة الإشغال المُقدرة بـ 12%.

في مُنتصف مارس، قررت الحكومة تعليق حركة الطيران الدولية، في محاولة لمواجهة تفشي فيروس كورونا، كما قررت في نفس الفترة غلق المطاعم والمقاهي والنوادي الترفيهية والأماكن التي تعتمد في نشاطها على تجمعات كافة. مع نهاية شهر مارس، وبعد قرارات الغلق الحكومية، قررت إدارة الفندق إعطاء غالبية الموظفين أجازة لمدة أسبوعين ثم مدت لاحقًا، وعندما وصلت إلى شهر، وبدأت خسائر النشاط تتضح أكثر فأكثر، قررت الإدارة تسريح كافة العمالة الـ «كاجول» كما يسمونها وتعني العمالة الموسمية بدون أي عقود، وكذلك تسريح العمالة ذات العقود غير المفتوحة، وهي الفئة التي تنتمي لها هدير.

بدأت هدير جولة من مقابلات العمل التي كانت تصل لها من خلال بعض الجروبات على منصات التواصل الاجتماعي، جميعها كانت تدور حول وظائف خدمية ما بين خدمة عملاء، ومبيعات هاتفية، وسكرتارية، إلى أن وصلت أخيرًا بمساعدة صديق إلى وظيفة مبيعات هاتفية في إحدى شركات التسويق العقاري.

وجدت هدير عملًا بعيدًا عن السياحة، ولكنه أسيرًا للقطاع الخدمي، وأيضًا أفقدها ميزات وظيفية، فلا يوجد عقد وبالتالي لا توجد أي تأمينات صحية، والمُقابل المادي ينقسم إلى راتب أساسي 1750 جنيهًا، وعمولة على حجم المبيعات التي نجحت في إتمامها. ويبلغ هذا الراتب الأساسي نصف الراتب الأساسي الاعتيادي 2500 جنيه في الشركة، والذي خُفض نتيجة أزمة فيروس كورونا التي انعكست على مبيعات العقارات.

لكن هدير تُراهن على طريقة تكسب خارج هذا الراتب الأساسي المُتدني. توفر الشركة بيانات عن مستخدمين، هم زبائن محتملين، لكنها لاحظت أنهم يبحثون عن وحدات أقل سعرًا من متوسط أسعار الوحدات التي تسوقها الشركة، ما دفعها إلى مُغامرة البدء في نشاط السمسرة.

توجه الكثيرون مثل هدير، إثر أزمات فقدان العمل خلال انتشار وباء كورونا، إلى وظائف بديلة، وفي توجههم هذا برزت دلالات على تطور سوق العمل في مصر في السنوات الأخيرة.  

وقد كشف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، عن تبعات أزمة فيروس كورونا التي غيرت أحوال عمل نحو 62% من المُشتغلين خلال شهرين من بداية الأزمة بحسب دراسة للجهاز بعنوان «أثر فيروس كورونا المُستجد على الأسر المصرية»، التي ترصد التغيرات حتى نهاية مايو. فقد خسر قرابة 26% من العاملين وظائفهم، فيما أصبح 18% يعملون بشكل متقطع، و56% يعملون عدد ساعات أقل.  

أما مؤشر مديري المشتريات، وهو مؤشر يقدم نظرة عامة على ظروف التشغيل في اقتصاد القطاع الخاص غير المُنتج للنفط كما يقيس أداء النشاط بشكل شهري، فقد أوضح في تقريره عن أبريل أن تسريح جزء من الموظفين والعمالة لدى القطاع الخاص كان واحدًا من التداعيات الأبرز لأزمة «كورونا» في مصر، ما أدى إلى توسيع نطاق انخفاض الوظائف إلى أعلى مستوياته منذ 2017، وأوضحت بيانات المؤشر أن تسريح العمالة كان إجراءً ضمن استراتيجية اتبعتها الشركات لخفض التكاليف، وخفض الإنفاق على مستلزمات الإنتاج.

محمد* (30 سنة)، محام كان يعمل ضمن مجموعة الشؤون القانونية بإحدى شركات الاستثمار العقاري بالساحل الشمالي، إلى أن سرحت الشركة نهاية مارس كل أعضاء مجموعته من العمل، ليدفعه ذلك للتفكير في تأسيس مكتب محاماة خاص به حتى لا يكون تحت رحمة أحد، بحسب وصفه لـ «مدى مصر». أنفق محمد أغلب مدخراته لتأسيس المكتب وافتتاحه.

ولكن «كورونا» حرمته فرحة الاستقلال بالعمل والمكتب الجديد، إذ قررت وزارة العدل منتصف مارس تأجيل الدعاوى المنظورة أمام المحاكم الابتدائية والاستئناف والنقض كافة، تماشيًا مع خطة الدولة لمواجهة فيروس كورونا. واستمر هذا التأجيل إلى نحو شهرين.

تزامنت هذه التطورات مع اقتراب حلول شهر رمضان وما يصاحبه من نفقات إضافية تحتاجها عائلة محمد الذي يحكي «لم أجد مفر من تحويل مكتب المحاماة بمشاركة صديق إلى محل لبيع أكثر السلع رواجًا حاليًا وهي المنظفات ومنتجات العناية الشخصية والكمامات». يُضيف محمد «لم يكن أمامي اختيارًا بديلًا فأنا أب لطفلين في سن صغيرة، وزوجتي لا تعمل وقد فقدت أسرتي مصدر دخلها الوحيد».

محمد لم يجد غضاضة في عمله الجديد رغم أنه يراه أقل وجاهة بكثير من عمله محاميًا في إحدى الشركات، كما أنه يُضطر للعمل ساعات أكثر. ويوضح: «في الشركة كنت العمل 8 ساعات أما المحل فالعمل من 7 صباحًا إلى 7 مساءً، حسب الحظر ولكن ما باليد حيلة».

استهداف القطاع الخاص لتوفير النفقات، هو ما جعل إحدى المدارس تسرح عددًا من المُعلمين لديها، من بينهم سليمان* (29 سنة)، معلم لغة عربية لصفوف ما قبل المرحلة الثانوية، وهو أب لطفلين ويعول والده ووالدته. حين قررت رئاسة الجمهورية منتصف مارس تعليق الدراسة في المدارس والجامعات، مع استمرار العملية التعليمية عن بعد عبر منصات إلكترونية، بجانب غلق مراكز الدروس الخصوصية للقضاء على أي تجمعات، فقد سليمان أجره الرسمي من المدرسة التي يعمل بها، كما لم يعد في إمكانه الحصول على دخل من خلال تقديمه دروس خصوصية للطلاب. 

خلال الشهر الأول الذي بات فيه سليمان عاطلًا عن العمل لجأ إلى الاقتراض من أخيه لتلبية نفقاته. سليمان فعل مثلما يفعل 50% من الأسر المصرية لسد الفجوة بين دخولها المُستمرة في التقلص ونفقاتها على احتياجاتها الأساسية، بحسب دراسة «التعبئة والإحصاء».

لكن حل الاقتراض بدا أنه غير مُستدام. يحكي سليمان «في الشهر التالي، اقترح أخي عليّ مساعدته في أعمال النقاشة وهي مصدر دخله، وبالفعل بدأت العمل معه منذ أبريل». يُعلق سليمان على رحلته من تدريس اللغة العربية إلى أعمال الدهانات والتشطيب «اتقبل عملي الجديد بنفس راضية ولا أخشى أن يشاهدني تلاميذي في عملي الجديد إطلاقًا، بل يمكن أن أعلمهم أن أي عمل شريف لا عيب فيه».

سليمان لا يرى عيبًا في انتقاله للعمل نقاشًا بعد أن كان معلمًا للغة العربية، وهو المبدأ الذي أنتجته ثقافة ترسخت جذورها منذ الثمانينات يعرفها علم اجتماع العمل بـ «سيولة العمل»، وفقًا لمحمود أحمد عبدالله، أستاذ علم الاجتماع المساعد بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية. 

يقول عبدالله إن اللجوء لوظائف مُتدنية لا تتناسب مع المستوى الاجتماعي والتعليمي للأفراد ليست أمرًا حديثًا على المجتمع المصري، وظهرت تحديدًا بالتزامن مع التخلي التدريجي من الدولة عن دورها في التشغيل، لافتًا إلى أنها تعتبر جزءًا من ثورة التطلعات المبنية بالأساس على «الاستهلاك» كإحدى ركائز النظام الرأسمالي.

ولتلبية التطلعات المادية، بدأ الأفراد يعملون أي شيء وكل شيء ومن هنا نشأت ثقافة سيولة العمل، التي ترسخت بقوة لدى الطبقة الوسطى، على وجه التحديد. وقد دعم ثقافة سيولة العمل أفكار التنمية البشرية، التي مهدت الطريق لمبدأ «أي عمل شريف فهو جيد» حتى إن كان لا يتناسب مع المستوى التعليمي أو الاجتماعي أو ربما يقلل من مهارات الفرد وقدراته، بحسب عبدالله. 

فيما يرى أسامة دياب، الباحث في الحقوق الاقتصادية، أن هذه المرونة في الانتقال من عمل لآخر، لا تتوفر بالقدر نفسه لدى مختلف الفئات. على سبيل المثال، الأم العاملة هي من تُقدم الرعاية المنزلية في معظم الأحوال، بينما يتطلب الانتقال من عمل لآخر ربما ساعات إضافية يتطلب هامش من الوقت لا يتوفر لكل السيدات، ما ينتهي بهنّ المطاف إلى خسارة دخولهنّ في مثل تلك الأزمات.

كما تُشير دراسة «التعبئة والإحصاء» بشكل لافت للنظر إلى وجود علاقة عكسية بين المستوى التعليمي ودرجة التراجع في الدخل، إلا أنه ما زالت مستويات تدني دخول الأكثر تعليمًا فادحة، فسجلت لأصحاب الشهادات الجامعية فأعلى أمثال محمد وسليمان وهدير نحو 49% تراجعًا في دخولهم.

يُفسر دياب ذلك المؤشر ارتباطًا بالقدرة لدى الأفراد الأكثر تعليمًا في التنقل من عمل فقده إلى آخر، اعتمادًا على عدد من المُعطيات بناءً على مستواه التعليمي. على سبيل المثال، درجة تعليم الفرد لا تعني فقط نوعية وظيفته المُفترضة، بل تخلق لدى الشخص وعي بالفرص البديلة الممكنة، كما أن هذا التعليم يمنح صاحبه رأس مال اجتماعي يمكنه من التعويل على شبكة علاقاته الاجتماعية في الوصول لهذه البدائل.

يُشير دياب كذلك إلى ضرورة عدم إغفال المهارات الاجتماعية التي تلعب دورًا. حين يفقد شخص متعلم وظيفته، قد يلجأ إلى العمل كسائق أوبر على سبيل المثال. هذه الوظيفة وإن كانت لا تتطلب مهارات مرتفعة إلا أنها تتطلب قدرات من المهارات الاجتماعية لن تتوافر مثلًا لدى عامل اليومية، ما يُعيقه أكثر نحو تحويل نشاطه المُتضرر إلى نشاط آخر ممكن في ظل الظروف الحالية.

يضيف دياب أن هذا الهامش من الحركة لدى الأشخاص الأقل حظًا من التعليم داخل سوق العمل يكاد يكون مُنعدمًا في ظل أزمة «كورونا»، التي تتطلب التباعد الاجتماعي والغلق، في حين تعتمد وظائفهم في معظم الأحوال على الازدحام والتعامل المباشر مع الآخرين، ولا يُمكن لمثل هذه المهام أن تُنجز من المنزل، ما يجعل فرص إنقاذ دخول الأقل تعليمًا من الغرق ضعيفة.

*  أسماء مستعارة

اعلان
 
 
أميمة إسماعيل 
سارة سيف الدين 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن