تدوينة| حجز زيارة سجين بالتليفون.. خليط الأمل والحزن ومرار الانتظار

كنت أتجول بين صفحات المواقع الإلكترونية لمتابعة عملي المرتبط بالأخبار، حين قفز أمامي الخبر المنتظر: «الداخلية تستأنف زيارات السجون». قبل أن أتعجل بالسعادة، فتحت الخبر المتداول وتأكدت من تاريخ صدوره. أنظر إليه قليلًا بمشاعر مختلطة جمعت بين الفرح والحزن والألم، وبمزيد من التساؤلات: «هو أنا بجد هشوف وليد بعد أكتر من 4 شهور معرفش حاجة عنه؟». دقات قلبي كانت مستمرة في الزيادة، وأنا أرسل رابط الخبر لصديقتيّ على جروب واتساب الذي يجمعنا، للاتفاق على تفاصيل الزيارات. صديقتاي واحدة تنتظر زيارة زوجها مثلي، والأخرى تنتظر زيارة شقيقها.

توقفت زيارات السجون منذ مارس الماضي بسبب فيروس كورونا المستجد، واقتصرت على تقديم «الطبلية»، أي إدخال الطعام والأموال وأحيانًا الملابس مرة أسبوعيًا للسجناء في الحبس الاحتياطي، ومرة كل 15 يومًا للمحكوم عليهم. زوجي واحد من سجناء الحبس الاحتياطي، الدكتور وليد شوقي، المحبوس على ذمة القضية 621 لسنة 2018، منذ 14 أكتوبر 2018، بتهمة نشر أخبار كاذبة والانضمام لجماعة أسست على خلاف القانون.

الخبر المنتظر كان عنوانه فقط سببًا كافيًا لبعض الفرحة، لكن محتوى البيان الذي أصدرته وزارة الداخلية عبر صفحتها الرسمية، وتناقلته الصحف والمواقع لم يكن كذلك. فوزارة الداخلية حددت شخصًا واحدًا من حقه زيارة السجين، وستكون الزيارة مرة واحدة شهريًا ولمدة 20 دقيقة.

أرسلت الخبر لنفس المجموعة على واتساب. ساد الصمت قليلًا، حتى ردت إحداهما «ده جنان رسمي». عاد الصمت مجددًا بعد غياب الفرحة اللحظية بعنوان الخبر. كيف يمكن بعد أكثر من أربعة أشهر غياب، ومنع من الزيارة، ومنع من المكالمات الهاتفية أو الجوابات مع السجناء، أن تكون الزيارة مرة واحدة شهريًا؟ ولمدة 20 دقيقة فقط، فماذا تكفي تلك المدة.. «هتكفي إيه ولا إيه؟ هحكي لوليد فيها عن إيه وأسيب إيه؟ ولو مامته وأخته عايزين يجوا زيارة، فمعنى كده إني هشوفه مرة كل 3 شهور، هو فعلًا جنان رسمي». هذا ما كسرت به صمت المحادثة معهما.

تضمن البيان 118 رقمًا مدونًا على موقع وزارة الداخلية لحجز الزيارات هاتفيًا، وهنا كان الجزء الجديد من المحاولات التي بدأت ولا تزال مستمرة حتى كتابة هذه السطور لحجز الزيارة. دخلنا على موقع وزارة الداخلية، حاولنا البحث على الأرقام فلم نجدها، ثم بعد عدة ساعات بدأ المحامون نشر أرقام السجون، ورقمين لمصلحة السجون يمكن الحجز من خلالها، ويتراوح عدد الأرقام ما بين 40 لـ 50 رقمًا فقط، لجميع السجون.

قررنا أنا وصديقتاي البدء في الاتصال لحجز الزيارة، منذ الساعة الخامسة عصرًا من يوم السبت وحتى الثالثة عصرًا من اليوم التالي. سجل هاتفي 148 اتصالًا بثلاثة أرقام للسجن، ورقمين لمصلحة السجون، جميعها مشغولة. في الثالثة والنصف دق جرس رقم أحد هواتف السجن دون رد، عاودت الاتصال وعاد الرقم مشغولًا حتى الآن.

عدت لمجموعة واتساب، عدت بكل غضب وحزن، وجدت صديقتيّ أيضًا على نفس حالي، غير قادرتين على العمل، تحاولان الوصول للأرقام دون إجابة، حتى كتبت صديقتي التي تنتظر زيارة زوجها «بس كدا بقى أكبر من قدرة الواحد على التحمل»، وردت الأخرى «يا رب زيحها غمة».

بعد ساعات طويلة من المحاولات اللانهائية، تلقيت اتصالًا من صديقة لي، أخبرتني أنها استطاعت حجز زيارة لزوجها المحكوم بالسجن 10 سنوات في ليمان طره. قالت لي «بعد يوم كامل ردوا عليا، وهما اللي بيحددوا يوم الزيارة بالحروف الأبجدية، وقالوا إنه مش هيكون فيه بعد كده طبلية وهتبقى الزيارة الوحيدة في الشهر، بس لسه مش متأكدين، ربنا يسهل ونشوف». انتهت المكالمة بيني وبينها بدعوات لانتهاء تلك الأزمة، ولكننا على يقين أن الأزمة يبدو أنها ستأخذ منحنى أكثر قسوة من الفترات السابقة.

إكرام يوسف والدة زياد العليمي أحد المتهمين بقضية الأمل، كتبت: «أخيرًا نجحت في الاتصال بالسجن وقالوا لي الزيارة يوم 3 سبتمبر، ولفرد واحد. والأكل على قد وجبة واحدة. قلت له يعني أدخل وجبة واحدة كل شهر؟ قال لي معنديش تعليمات غير كده. لما تيجي ابقي اسألي على حكاية الأكل. قلت له لو ممكن أجيب ابنه الطفل معايا. قال لي الزيارة لفرد واحد، هي دي التعليمات.. بالشكل ده يبقى الزيارة حتكون بعد تلات أسابيع عشان آخر مرة وديت فيها الأكل يوم الخميس اللي فات.. عدلك يارب»

منى سيف شقيقة كل من علاء عبد الفتاح وسناء سيف كتبت أيضًا: «حجزنا زيارة لسناء في سجن القناطر بالتليفون (جملة عجيبة جدا).. لسة مافيش أي حاجة واضحة بخصوص زيارات سجن شديد الحراسة 1 و2 في طرة.. لا نزلهم نمر، ولا علقوا تعليمات تخصهم (رغم ان كل السجون التانية اتعلقلها تعليمات عالبوابة) ونمر مصلحة السجون الأرضي ما بتجمعش أبدا».

الزيارات الأسبوعية السابقة كانت تتيح لنا ترك الأموال والسجائر، والأخيرة تعد نقودًا في السجن كما نعرف جميعًا، وأحيانًا الملابس بجانب الأطعمة التي نعدها لتكفي عدد الموجودين في الزنزانة. وفي اليوم التالي يستقبل سجين آخر زيارة جديدة، وهكذا كان يتم الأمر. مع الوضع الجديد الذي لم يؤكد بعد، ستكون الزيارة مرة واحدة شهريًا، وهو في الحقيقة أمر صعب، فلو احتاج أحد السجناء ملابس أو أدوية أو طعام مختلف، فلن يستطيع الحصول عليها قبل مرور شهر كامل واستحقاقه للزيارة الموعودة. كل هذه الملابسات كانت وما زالت تشعرنا بقسوة الأيام المقبلة، التي لم يخرج أحد لتوضيح معالمها، وزارة الداخلية اكتفت بالبيان، ولم توضح الملابسات التي تدور في رأسنا.. نحن أهالي السجناء.

قبل حلول عيد الأضحى الماضي، كنا نستمع لتصريحات غير رسمية من الضباط ومن القائمين على تفتيش الزيارة بأن الزيارة ستفتح قريبًا، وهم بداخل السجن يصنعون سورًا من الحديد ليفصل بيننا وبين السجناء. هذا السور علمنا ببدء إنشائه قبل حلول عيد الأضحى على أمل فتح الزيارة عقب العيد مباشرة. ومع كل زيارة تسليم «طبلية»، عقب العيد كنا نسأل عن موعد فتح الزيارة، فيكون الرد من الضباط والقائمين على تفتيش الزيارة «قريب.. لسه القرار مطلعش»، حتى صدر القرار منذ أيام.

فكرة الحاجز الحديدي الذي يحول بيننا وبين المساجين فكرة صعبة التقبل. الآن سنُمنع من عناق ذوينا، يفصل بيننا وبينهم حاجز حديدي، أتخيله كما يأتي في الأفلام؛ السجناء متراصون خلفه ونحن أمامهم من الناحية الأخرى، مع ضوضاء عارمة في المكان وأحاديث متداخلة، وأصابع أيدينا على السور تحاول لمس الطرف الآخر.. ننتظر وليس في وسعنا شيء سوى الانتظار للاطمئنان على أن من في الداخل، وإذا ما كانوا لا يزالون على قيد الحياة.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن